أطياف الماضي

أطياف الماضي

24 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

ملاحظة:

علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.

الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟

قبل البدء في القراءة، أحضري كوب شاي أو قهوة، أو حتى عصيرك المفضل، مع بعض المقرمشات إن توفرت. وابتعدي قليلًا عن العائلة، لأن ما ستقرأينها إما سيبكيك أو سيجعلك تدعين على شخص ما... إنه الفصل المنتظر بعد كل شيئ و أطول فصل...أترككم مع فصل من

6100 كلمة تقريبا..

1

.

.

"حين تهمس الذكريات بوجه الحاضر، ويستعد القلب لمواجهة ما أخفته الليالي الماضية…"

.

.

.

"روانس، أريد أن أبدأ حياتي بداية جديدة، وهذه البداية لن تكتمل إلا عندما أبوح لك بما عشته قبل سنتين"

نظر إليها الأخير بعينين يغشاهما القلق، لا رهبة مما ستقوله، بل خشية مما قد يترتب على قولها.

فقد كان لا يزال يستحضر تماما ما وقع يومَ

حاول ذاك الطالب التجرؤ عليها، وما تلا ذلك من نوبة هلع عصفت بها.

ومنذ ذلك الحين، ظل طيفها في ذاكرته كجرح لا يندمل، وكأن دموعها يومها حفرت في فؤاده نهرا لا ينضب.

ورغم صداقته الوطيدة بكلّ من سيف وأُسيد، إلا أنه كان يرى أن البيوت لها أسرارها، وأن في الحُرمات سياجا من الوقار لا يجوز تجاوزه.

فلم يكن يسأل عما لا يعنيه، وكان إذا ذكرت النساء، أطرق رأسه إجلالا وصمتا، كمن يخاف أن يأخذ ذنبا بعين أو بكلمة، ولذلك لم يكن عجبا أن يجهل ما خفي عنها، رغم قرابة الخِلاَّن و وِدِهم.

رمقها مليا بنظرة حائرة تخفي خلفها فيضا من الحنان، ثم مد كفََ يده نحو وجهها المرتجف، كمن يواسي وردة توشك أن تذبل من الخوف، وقال بصوت خفيض رقيق كنسيم الهواء الذي يمر بين أوراق الغصون:

"ميس… يا وتيني، ويا بهجة أيامي، ماضيك لا ينقص من حبي مثقال ذرة، فالعاشق لا يحاسب قلب من أحب على ما لم يختره بنفسه، وديننا الحنيف لم يأمر المرء أن ينبش ما وَارَاهُ الزمان، بل أن يستر، ويعفو، ويبدأ من النور لا من الظلام، فإن كان في البوح ما يوجعكِ و يثقل على قلبك ، فاكتمي ما استطعتِ، فالسكوت أحيانا دواء القلوب مثلما الفضفضة شفاء أيضا"

رفعت نظرها إليه من بين جفون تبللها رهبة ودمعة حبيسة، وهزت رأسها ببطء، وقالت بصوت يرتجف بين الإصرار والانكسار:

"أعلم ذلك… لكن ما أثقل صدري لا يُسكَت عليه، إن لم أتحدث اليوم، فلن أشفى غدا.

أريد أن أخرج ما بقي في داخلي… أريد أن أبدأ من جديد، أن أتنفس بسلام معك وببدايتنا هاته"

ظل يمعن النظر إليها لحظة، صامتا كأن الكلام خذله، ثم مد يده إلى خمارها الذي انسدل على رأسها كستار من وقار، فكه برفق يغلفه الحنان ، وقد كانت قد نزعت نقابها آنِفا.

وما إن انكشف شعرها حتى انسدل كسيل من ليل ناعم فوق كتفيها، يتلألأ تحت ضوء المصباح،

كانت خصلاته تتماوج مع أنفاسها، كأنها تحكي حزنا دفينا لا يروى.

مد أنامله إليها في حنو بالغ، فمررها بين خصلات شعرها بلمسات رقيقة فيها رجفة خوف على قلبها وحنان، ثم جذبها إليه برفق في عناق جانبي يفيض طمأنينة، كمن يضم العالم ليسكته.

استلقى إلى جوارها، وأنفاسها تتلاحق بين اضطراب وارتياح، تحاول أن تلتقط ما تبعثر من شجاعتها، حتى أحست بأصابعه تتسلل إلى شعرها تسير بين خصلاته صعودا وهبوطا، وصوته يهمس في أذنها بنغمة خافتة كالدعاء:

"ما دمت تجدين في القول راحة، فلن أصدّكِ عنه، وأنا أُنصت إليك حتى آخر كلمة.

فإن ثَقُل الكلام عليك، فاسكتي حينها يا وتيني"

أومأت برأسها، وزفرت زفرة امتزج فيها الخوف بالطمأنينة، ثم همست بصوت خافت آت من أعماق روح مثقلة:

"قبل عامين من الآن…"

قبل سنتين:

كانت ميساء في عامها الأخير من الثانوية، ذاك العام الذي يقف عند مفترق الطريق بين براءة الأمس وجدية الغد، بين لهو الصبا وأحلام الكبار التي تتزاحم في صدر لم يزل غضًّا طريا، لكنه مثقل بأحلام تفوق عمره.

عام لا يشبه ما قبله، تتبدل فيه ملامح المرء، فيغدو العقل أنضج، والقلب أعمق، والروح أكثر عطشا للعلوّ، كأنها على موعد مع ولادة جديدة.

كان العام الأخير في الثانوية بالنسبة إليها موسما فاصلا، كالسيف بين مرحلتين، أو كالفجر الذي يفصل بين ظلمة الليل وضياء النهار.

عام تختبر فيه العزائم، وتوزن فيه الأرواح بميزان الصبر، فمن صبر فيه لحظة، نال بعدها عمرا من السكينة والظفر بالحلم.

ولم تكن ميساء تراه عاما دراسيا وحسب، بل معركة تخوضها روحها لتثبت ذاتها أمام الله قبل الناس.

كانت تعلم أن البكالوريا ليست امتحانا للعلم وحده، بل امتحان للإرادة والنية، امتحان لليقين الذي يسكن القلب ساعة اليأس، وللرجاء الذي يعيد المرء إلى النور بعد كل انطفاء، فقد كانت تقول في نفسها:

"ليست الدرجات ما أطلبه، بل بركة السعي، وتوفيق الله الذي لا يخذل من لجأ إليه"

ومن أجل تلك الغاية، كانت تسهر الليالي الطوال في غرفتها الهادئة، لا يسمع أنينها إلا جدران تحفظ سرها ومصباح صغير يتوهج كنجمة تتحدى العتمة.

كانت تجلس أمام مكتب ازدحم بالدفاتر والكتب، والقهوة الباردة تترقبها على الطرف كرفيقة سهر أوفى من كل الأصدقاء.

أناملها متعبة، وعيناها يحيط بهما سواد الإرهاق كإطار لوجه أبيض خجول، لكن في أعماقها نورا يشتعل لا يخبو، كشمعة تأبى الانطفاء ولو أحاطها الرماد.

كانت تقرأ، ثم تضع القلم لحظة، وترفع رأسها نحو السماء من خلف النافذة التي يطل منها القمر الشاحب، وتهمس بصوت تخنقه الدموع:

"اللهم إنك تعلم أني سعيت، فبارك في جهدي، وحقق لي ما دعوتك به في جوف ليال لم يسمع أنينها أحد سواك"

كانت دمعتها تنحدر أحيانا فتسقط، فتبتسم رغم التعب، كأن تلك الدمعة وعد من الله بالقبول.

لم تكن أحلامها دنيوية ضيقة، ولا رغباتها محصورة في شهادة تعلق على جدار، بل كانت ترى العلم طريقا للعبادة، ودراسة الشريعة غاية لا مهنة.

منذ نعومة أظفارها، كانت تميل إلى كتب الفقه والسير، تحفظ الآيات وتستنشق عبيرها كما يستنشق العطر، وتجد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم غذاء لروحها، وطمأنينة لقلبها القلق.

كانت تقول:

"من أحب الله، أحب أن يفهم شريعته، ومن أراد القرب منه، فليتتبع آثاره في كتابه وسنة نبيه"

لهذا، كان حلمها كلية الشريعة، ذلك الحلم الذي لم يكن اختيارا عابرا، بل وعدا سكن قلبها منذ طفولتها.

كانت تراها بوابة النور، وموئل السكينة، وطريقا تمشيه بثبات إلى رضا الله، كانت تتخيل نفسها بين الكتب الصفراء القديمة، تقلب أوراقها بحذر كمن يلامس أثرا من آثار السلف الصالح، وتستحضر في ذهنها صور الأئمة والعلماء الذين ملؤوا الدنيا علما وعدلا.

كانت ترى في كل ليلة قريبة منها ما يشبه القدر المكتوب، إذ تغفو على صفحات التفسير والحديث، فتنام على طمأنينة يجهلها من لا يسهر لأجل النور.

وحين تستيقظ على أذان الفجر، كان قلبها يبتسم قبل شفتيها، فتتوضأ، وتصلي ركعتين تبث فيهما شكواها وتستودع فيهما يومها، ثم تعود إلى كتبها.

كانت ميساء تملك من الهدوء ما يدهش، ومن الإصرار ما يخيف، ومن النقاء ما يجعل كل من يراها يوقن أن الله يحبها،وكلما ضاقت بها الطريق، كانت تتذكر وعد الله لعباده الصابرين:

"إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"

فتبتسم بطمأنينة وتقول في سرها:

"إن ضاق الدرب، فربي واسع الرحمة"

وهكذا سارت في عامها الأخير بخطوات ثابتة، تحمل في قلبها ألف دعاء، وفي عينيها بريق أمل لا يخبو، لا تطلب مجدا دنيويا ولا تصفيقا، بل تسعى لعلم يقربها إلى الله، ويجعل لحياتها معنى لا يزول بزوال الأيام ويرفع رأس عائلتها عاليا.

ومرت الأيام، وكل يوم يحمل تعبا جديدا، لكنه أيضا يحمل أملا يتجدد في صدرها مع كل صلاة فجر.

حتى إذا اقتربت الامتحانات النهائية، التي امتدت أسبوعا كاملا، بدأ شيء غريب يقترب من حياتها في خفاء مريب.

كانت ميساء تشعر بأن هناك من يتتبع خطواتها...

كانت تمشي في الطريق إلى المدرسة فتشعر بثقل خلفها، كأن العيون تلاحق ظلها في كل زاوية.

وفي بعض الليالي، حين تخرج إلى الشرفة لتتنفس نسيم المساء، يخفق قلبها فجأة بلا سبب ظاهر.

تلتفت يمنة ويسرة فلا ترى شيئا، فتبتسم بخفوت محاولة طرد الفكرة من رأسها:

"محضُ تعب لا أكثر... ربما وساوس من الإرهاق"

لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك...

كان هناك عين خبيثة تراقبها من بعيد، مهووس غريب الأطوار يجد لذته في التلصص على طهرها وهدوئها،

ينسج في الظلام خيوطا خبيثة من الوهم والجنون...

غير أن المسكينة لم تكن تعلم شيئا، كانت تسير في عالمها الطيب، مغمضة القلب عن شرور البشر.

ومضت الأيام على هذا النحو، حتى أتى اليوم الأخير من الامتحانات.

ذلك اليوم الذي يودع فيه الطلبة عاما بأكمله، ويعلقون أحلامهم على ورقة واحدة، إما نجاحا أو رسوبا يتبعه إعادة.

خرجت ميساء من قاعة الامتحان ونسيم الصيف يلامس وجهها المتعب.

حملت حقيبتها الصغيرة على كتفها، وسارت بخطى هادئة نحو الطريق المؤدي إلى موقف الحافلات.

كان الشارع طويلا، تزينه الأشجار الخضراء الفارعة الطول التي ألقت بظلالها على الرصيف.

كانت أصوات الطلبة تتلاشى تدريجيا، حتى بقيت وحدها تقريبا في الطريق.

ولأن والدها محمد منشغل في عمله وأخيها سيف و أسيد كل في عمله أيضا، لم تجد بُدًّا من العودة وحدها كما اعتادت.

لكن هذه المرة... كان الصمت مختلفا، وكان الهواء أثقل من العادة...

شيء ما في الأفق لم يكن مطمئنا، وكأن القدر كان يتهيأ ليكتب فصلا جديدا من قصتها، فصلا لن يشبه ما قبله أبدا.

وما إن بقيت ميساء على بعد خطوات معدودة من محطة الحافلات، حتى اعترى قلبها خفق غريب كأن يداً خفية قد قبضت عليها.

شعرت بثقل يهبط في صدرها، وبأنفاسها تضيق شيئا فشيئا، كأن الهواء من حولها غدا أثقل من الرصاص.

توقفت لبرهة، التفتت خلفها، لم تجد أحدا، لكن حدسها كان يصرخ في داخلها أن هناك عينا تترصدها.

ثم فجأة، ومن بين ظلال الشارع الممتد، انشق الظلام عن هيئة بشرية غريبة خرجت من العدم كطيف مسموم.

كان رجلا في أوائل العشرينات، طويل القامة، متين البنية، يضع على رأسه قلنسوة سوداء غطت نصف وجهه، وعلى عنقه سلاسل معدنية تلتمع ببرود تحت شمس المغيب.

غير أن ما دبَّ الرعب في أوصالها لم يكن قبح مظهره، فالبؤساء كثيرون، بل كانت تلك النظرة القاتمة، نظرة كَالحية حين تتأهب للانقضاض، خبيثة لا تعرف للرحمة سبيلا، بل تقتات على الخوف كأنما تتلذذ بعذابه.

كانت نظرة تعدُ بشرٍّ آتٍ، وتختزل كل المعاني القذرة للوحشية والانفلات.

​تراجع قلبها خطوة قبل جسدها، وبدأت أنفاسها تتسارع لتتحول إلى شهقات متلاحقة حادة، ثم أخذت تتلفت يمينا ويسارا بعينيْن زائغتين، علها تظفر بعابر، أو ظل إنسان، أو حتى طيف حماية يبدد ذلك الرعب المتجسد الذي أخذ يحاصرها.

​لكن الطرق كانت فارغة مقفرة، كأن الدنيا بأسرها قد آثرت أن تدير وجهها عنها في تلك اللحظة المشؤومة، وكأن العتمة ابتلعت كل ضوء، ولم تبق لها سوى وحشة البلاء.

وما إن أعادت وجهها إلى الأمام، وقد علاها شحوب الأموات، حتى اصطدمت بصدره العريض اصطداما قاسيا، كأن جدارا قد تجسد فجأة في هيئة رجل، يسد عليها كل منافذ النجاة.

​في لحظة خاطفة، امتدت يده الخشنة، التي بدت ككتلة من الصخر، لتقبض على معصمها النحيل بقبضة موجعة كأنها من حديد ساخن ، كادت أن تسحق عظمها.

فصرخت صرخة مكتومة، اهتزت لها أركان روحها:

"أيها الفاسق! من أنت؟! دع يدي! ابتعد عني أيها المعتوه!"

​غير أن صوتها تلاشى في الفراغ، كأن الريح ابتلعته وسارت به بعيدا عن آذان الناس، أو كأن الصمم قد خيم على المدينة.

​فلم يزد هذا المهووس المريض إلا إصرارا وتجبرا، بل سحبها بقوة لا قبل لها بمقاومتها، نحو زقاق ضيق معتم، يختبئ في خسة خلف الطريق العام، كأنه وكر مهيأ.

​كانت قدماه تضربان الأرض بعنف، وحذاؤه الثقيل يجر الحصى معه في صوت خشن مرعب، فيما كانت ميساء تتلوى وتحاول الإفلات، تصرخ، تنتحب كطفلة ضائعة، وتتعثر بثوبها الطويل الذي زاد من عجزها، لكن دون جدوى.

فازدادت قبضته إحكاما، وقال بين أسنانه، بصوت حاد كالسكين:

​"لا تقاومي... أنت لي، شئت أم أبيت! حتى وإن هربتِ، أعرف كل شيء عنك يا ميساءي الصغيرة!"

دفعها بعنف لئيم، حتى ارتطم جسدها النحيل بالجدار البارد والقاسي، فصرخت صرخة وجع مكبوتة، إذ شعرت أن عظام كتفها كادت تتفكك من موضعها، وأن روحها كادت تبارح جسدها من هول الصدمة.

​أحست بثقل العالم كله ينهار فوقها في تلك اللحظة المدمرة، وانحدرت الدموع على خديها بلا وعي أو إرادة، ممزوجة برعب شل أطرافها لم تعرف له مثيلا في حياتها.

​اقترب منها، محاصرا إياها بظله الكريه الذي ألقى العتمة على روحها، وخرج صوته كأنما من جوف أفعى سامة، أو بئر عفن، همس بصوت مبحوح تتسرب منه القذارة والنذالة:

​"آخ يا فتاة... آخ يا ميساءي الصغيرة! كم من مرة رأيتك تمرين من هنا، وكم تمنيت أن أنفرد بك وأسوقك لأخذك! كنت دائما مع أحد يحرسك، واليوم... اليوم وهبني القدر وحدتك لكي أختلي بك وأحظى بكامل الغنيمة!"

​تراجعت ميساء أكثر حتى التصق ظهرها البارد تماما بالحائط، صارت كأنها جزء من الجدار ، تشهق ولا تتنفس، ترتجف وتكاد أن تسقط على ركبتيها من الهلع المخيف، لكنها تماسكت بوهن، وعيناها تبرقان بدموع حارة ممزوجة بالخوف ورجاء الدعاء الأخير.

​قالت بصوت مبحوح يقطع نياط القلب، وقد جمعت ما تبقى من كبريائها وعزتها:

"اتّقِ الله! أما تخشى ربك وعقابه؟ أما تخاف من حساب يوم عظيم؟!"

غير أن الشر الذي أمامها لم يعرف يوما معنى الخشية أو الردع، بل أطلق ضحكة خافتة، ضحكة مليئة بالخباثة والنذالة التي تَعدُ بالخراب، وتقدم نحوها خطوة أخرى، ألقت بظلها الثقيل على كل بصيص أمل.

​وكان القدر في تلك اللحظة يترصد المشهد ببرود، يَعُدُ أنفاسها المتعبة وأنفاسه المتهكمة، ينتظر شرارة الحدث الآتي؛ اللحظة التي لن تعود بعدها ميساء كما كانت.

​كانت ميساء تتراجع حتى التصق ظهرها بالحائط البارد حد التجمد، قلبها يخبط في صدرها كطير مذعور يريد الفرار من قفصه، أنفاسها متقطعة تتصارع للخروج، وصوتها يخنق نفسه قبل أن يستطيع أن يولد كصراخ استغاثة.

تلك اللحظة التي اختزل فيها الزمن إلى خوف صرف، شعرت فيها بأن العالم كله غادرها، وبأن الشمس قد غادرت مستقرها إلى الأبد.

​مد ذلك الشاب المدعو ظافر يده بفظاظة، وبشكل دفع الرعب ليتجذر في أطرافها وأعماقها، فأخذت تدفعه بوهن وتستغيث بصوت أنثوي ضعيف، لكن قوتها كانت تتلاشى وتذوب أمام عنفه الساحق، والدموع الحارة تنحدر من عينيها كأنها ترجوه أن يتوقف، أن يتذكر أنه بشر، أن يعود إليه ضميره الغائب.

​لم تشعر إلا بحرارة الألم تعصف بجسدها الضعيف بعد كل لكمة أو صفعة يوجهها لها حتى تتوقف عن المقاومة وترضخ له، وكل صرخة منها كانت تتبدد في الهواء، كأن المدينة بأكملها صُمَتْ عن سماعها.

​في تلك اللحظة، كانت روحها تتهاوى في هاوية اليأس، أرادت أن تصرخ باسم الله، أن تستنجد بملك السماء، أن تنجو بأي ثمن... لكن الخوف شدّ لسانها، فلم يخرج سوى أنين متقطع، يختلط ببكائها المر، وارتجافها العنيف.

وفجأة، وفي ذروة الوهن والذل، شقّ الصمت الرهيب صوت صراخ رجولي بعيد، صوت حاد كأنه سهم من نور اخترق عتمة الزقاق، مزق حجاب الظلام واليأس:

"إليك عنها أيها الوغد الدنيء!"

​رفع ظافر، رأسه بارتباك وعينان جاحظتان، في لحظة مفاجأة أفقدته توازنه، وما هي إلا ثوان حتى اندفع سيف من أقصى الطريق، يركض كأن القوى كلها أودعت في ساقيه.

كان قد أنهى عمله باكرا قليلا، ولما تذكر أن ميساء وحدها، وأن هذا هو يوم امتحانها الأخير، خطر له خاطر إلهي أن يلحق بها إلى محطة الحافلات ليقلها في طريقه للبيت، لم يكن يعلم أن القدر يسوقه لإنقاذها، بل لإعادة الحياة إلى روحه.

1

​ركض سيف بكل ما أوتي من قوة وإرادة نافذة، عيناه لم تريا في البداية سوى ظل رجل لئيم يحاصر فتاة في الزقاق المعتم، وصوت صرخاتها الرقيقة يصدح في أذنه كطعنة تمزق قلبه وضميره.

لكن ما إن اقترب حتى تجمد الدم في عروقه، وتحول الركض إلى اندفاع جامح، كانت تلك ميساء! كانت صغيرته، ونور البيت، وسر ابتسامته التي يحميها.

​صرخ باسمها صرخة اهتزت لها جدران الطريق، والدماء تغلي في عروقه غليانا، حتى كادت تشتعل:

"ميساء!!"

​لم يفكر، لم يتردد، بل اندفع نحو ذلك الشاب اللئيم بكل ما في روحه من حنق، وقهر مرير، وغضب أخوي لا يمكن وصفه، غضب الكفيل والحامي.

قبض عليه من تلابيبه بقوة ، قوة جعلت أنفاسه تنقطع في حلقه، ووجهه يتغير لونه إلى الإزرارق، ثم وجه إليه ضربة قوية ناحية وجهه، ضربة صدرت من أعماق القلب

الموجوع، أسقطته أرضا يتلوى كالجرذ المذعور.

صرخ سيف فيه بصوت هادر أعمى الغضب ملامحه:

"أتجرؤ على إيذاء فتاة ضعيفة؟! بل أختي أيها الفاسق"

​حاول ظافر أن ينهض في خِسة، لكن سيف كان أسرع، أمسكه مجددا وضغط على كتفه بقوة هائلة، قوة جعلته يصرخ صرخة ألم تفضح ضعفه، ثم أخرج هاتفه بيد ثابتة يرتجف ما عداها من الغضب، وقال بحزم وقلب يشتعل بالنخوة والمبدأ:

​"لن تفر من عدالة الأرض، كما لن تفلت من عدالة السماء التي رأتك!"

​اتصل سيف بالشرطة الأقرب فورا، وصوته في المكالمة كان مزيجا متوازنا من العقلانية والحنق:

"هناك محاولة اعتداء وحشية على فتاة، في زقاق... المعتدي أمامي الآن، وقد تمكنت منه وأمسكته... أسرعوا!"

لم تمر سوى دقائق ثقيلة حتى وصلت سيارة الشرطة، بأضوائها الكاشفة التي طردت الظلام الباقي.

فأشار إليهم سيف بثبات ، وقد كبل الرجل القذر بيديه لمنعه من الهرب، ثم سلمه إليهم دون أن يرفع صوته، عيناه مثبتتان على المجرم وهو يقاد مكبل اليدين ومهانا، يجر خلفه عار فعله.

​وقف سيف هناك للحظة، يتنفس بعمق وعنف، يحاول أن يطرد الغضب العارم الذي كاد أن يفتك به، ثم عاد إلى ميساء التي كانت لا تزال ترتجف كغصن يابس في مهب الريح ، وتئن بين فترة وأخرى بسبب الرضوض والجروح الغائرة الناتجة عن الضرب والاعتداء.

​اقترب منها برفق حنون، جاثيا على ركبتيه أمام جسدها المنكمش، أمسك بيديها المرتجفتين اللتين لم تستعيدا دفئهما بعد، وقال بصوت حانٍّ رغم توتره المكبوت من ما ستؤول حالاتها الجسدية و النفسية:

"انتهى يا صغيرتي... انتهى كل شيء الآن. لن يؤذيك أحد بعد اليوم، أقسم بالله أنه سينال عقابه الأشد!"

​ثم جر ميساء برقة فائقة من مكانها، ضمها إلى صدره بذراع حانية، ويد ترتجف من الفزع الذي لم يبارحه بعد، يسمع أنينها وشهقاتها التي تهز ضلوعه:

"هيا يا صغيرتي... أنت بخير الآن، أنا هنا، سندك ودرعك هنا لن يصيبك شيئ ما دامت معك"

​همست ميساء بصوت متهدج متكسّر بين نشيج بكائها:

"أنا خائفة يا أخي... لقد كان وحشيا، وحشيا جدا في تصرفاته معي..."

​همس سيف في أذنها بصوت متهدج بالبكاء المكبوت، ودمعت عيناه، فمسح دمعته سريعا لئلا تراها:

"أنت بخير يا قلبي... أنت بخير، وأنا هنا بجانبك، ولن أدعك أبدا!"

​كانت ميساء ترتجف وتنهار بين يديه، جسدها يؤلمها وروحها تنزف صدمة، لكن حين سمعت صوته الذي يمثل الأمان لها، أجهشت بالبكاء على كتفه، كأن دموعها هي الملجأ الأخير الذي فتحت لها أبوابه.

وضعت رأسها على كتفه بقوة، فربت هو على ظهرها برفق لا يوصف، وهو يقول بصدق:

​"لقد انتهى كل شيء.. لن يؤذيك بعد اليوم أحد رسيحاسب ذلك الفاسق على أفعاله واحدة واحدة"

​رفع سيف وجهه إلى السماء الداكنة، عيناه تلمعان بخليط من الغضب والحمد المنزل، وهمس في قلبه دعاء صامتا ارتجفت له روحه:

"اللهم كما أريتنا قبح خلقه، فأرنا يا إلهي عدلك فيه أشد وأقسى، واجعل السلام والطمأنينة سكنا لروح أختي"

​ثم مضى بها بخطوات متسارعة، حازمة، لكنها حذرة، يحتضنها بقوة ليزرع فيها الأمان، كأنه يحاول أن يعيد إليها كل ذرة أمن سرقت منها في تلك اللحظات القصيرة، التي كانت كافية لتهز أعماقها إلى الأبد.

سار سيف بالسيارة صامتا، والليل من حولهما يمتد

كبحر من السكون.

لم يكن يسمع سوى شهقات ميساء الخافتة، وصوت أنفاسها المتقطعة كأنها تصارع البكاء كي لا ينفجر.

كانت تجلس إلى جانبه، شاحبة الوجه، غارقة في صمت كسير لا يسمع منه إلا النشيج.

كلما حاولت أن تتنفس، عاد جسدها يرتجف

وكأن الذكرى تلسعها من جديد.

كان سيف يمد يده بين الحين والآخر ليمسح على ذراعها برفق، يهمس بصوتٍ مبحوح اختلط فيه الغضب بالحنان:

"اهدئي يا ميساء... كلّ شيءٍ انتهى الآن، لن يمسك أحد بسوء بعد اليوم. "

لكنها لم تجب، كانت عيناها تحدقان في المدى الفارغ أمامها، كأنها ترى ما لا يرى، وصوتها المبحوح يخرج بالكاد مع نحيبها المكتوم، بدت كزهرة داستها العاصفة ثم تركتها على حافة الموت، تتنفس فقط لأن الله

أراد لها أن تبقى.

قادها سيف إلى المشفى، وهناك خضعت للفحص والعلاج،كان يقف إلى جوارها طوال الوقت، لا يترك يدها، وفي عينيه ألاف المشاعر من الغضب الصامت، كأنه ينتظر اللحظة التي يقتص فيها من ذلك الوغد المسمى ظافر.

وبعد أن فرغ الطبيب من فحصها بعناية، تبيّن له أن إصاباتها سطحية في مجملها،مجرد رضوض وكدمات متفرقة، وأن الكتف الأيسر هو الأكثر تضررا،

إذ أصابته ضربة قوية تسببت في تمزق عضلي جزئي يحتاج إلى راحة تامة وعلاج طبيعي لاحق.

طمأن الطبيب سيف قائلا إن الأمر لا يستدعي جراحة، وإنما عناية وهدوء وأيام من التعافي كفيلة بإصلاح ما تلف.

خرج سيف من المشفى وهو يسند ميساء برفق ككأنها قطعة نثر هشة يخشى أن تتكسر بين ذراعيه،

يحيطها بذراعه بحذر وحنان، فيما كانت ترتجف كطفلة باغتها البرد بعد عاصفة مطر.

فتح باب السيارة وأعانها على الجلوس، ثم التف إلى مقعده بصمت أثقل من الكلام.

لم ينبس بحرف واحد طوال الطريق،

فالحديث في تلك اللحظة كان خيانةً للمشاعر،

وكان الصمتُ أبلغ من كل قول، وأصدق في وصف الحزن من ألف عبارة.

حين وصلا إلى البيت، كانت الساعة تقترب من منتصف العاشرة ليلا، والبيوت غارقة في السكون، إلا بيتهم الذي أضاءت نوافذه القلقة كأنها تنتظر الخبر منذ دهور، حيث أنه اتصل يخبر العائلة بأنهما سيتأخران لكن لك يقل السبب.

نزل سيف من السيارة، ثم دار حولها وفتح الباب لميساء برفق، ضمّها إليه من كتفيها، يربت على رأسها فوق حجابها، ينزل بيده إلى ظهرها كأنه يسكن وجعها بصمته.

وما إن وصلا الباب، وفتحه أسيد، حتى شهق شهقة عالية، إذ وقعت عيناه على وجه أخته الشاحب ودموعها التي لم تجف بعد.

تبدلت ملامحه في لحظة، ارتجف صوته وهو يقول بغضب مكتوم:

"من الوغد  الفاسق الذي فعل هذا؟!"

زفر سيف تنهيدة ثقيلة، عيناه تشيعان الغضب والكتمان معا، وقال بصوت متماسك رغم ما يغلي في صدره:

"وغد من الأوغاد، سنتحدث لاحقا يا أسيد... الآن، ميس ليست بخير"

تحول وجه أسيد من الغضب إلى الذهول،

اقترب منها بخطوات مرتجفة، ثم مد ذراعيه إليها،

جذبها إلى صدره بحنو يائسٍ كأنه يريد أن يحميها من العالم، لكنّها أطلقت صوت ألم خافتا فتركها على الفور،

يتفقدها بعينين دامعتين:

"ميساء، هل أنت بخير؟! ما الذي يؤلمك؟!"

لم تجب، كانت نظراتها زائغة، محملة بالدموع والرهبة.

فأجاب عنه سيف، يمسكها من كتفها برفق، يسندها وهو يتجه إلى الداخل:

"إنها رضوض من أثر ما حدث ولديها تمزق جزئي في عضلة الكتف... لا تضغط عليها، تعال، لنتحدث في الداخل"

وما إن دخلوا حتى نهض والداها من مكانهما على عجل،

فقد كان القلق ينهش قلبيهما منذ غابت عن البيت.

كانت الأم أول من تكلمت، بصوت مرتجف مبحوح من الذعر:

"يا إلهي... بنيّتي! ما الذي جرى لكِ؟!"

اقترب الأب بخطوات متسارعة،يمسح بيده دموعها النازلة على خديها، وصوته يخرج متهدجا، تختلط فيه الرأفة بالغضب:

"حبيبة أبيك، من الذي آذاك؟ لم البكاء؟ أخبريني يا صغيرتي..."

لكنها لم تستطع النطق، كأن الكلمات علقت في حلقها مع آخر صرخة لم تخرج،  أطبقت شفتاها، ثم انهارت في حضن أبيها، تبكي بكاء مريرا يشق القلب، شهقاتها تتعالى، تتقطع، كأنها تفرغ ما بقي من روحها في ذراعيه.

وقف الأب حائرا، عيناه تبرقان بدموع حارة، نظر إلى سيف نظرة مليئة بالأسئلة والخوف، فأجابه الأخير بهزة خفيفة من رأسه، إشارة إلى أن الحديث لاحقا، حين تهدأ العاصفة.

ثم تنحنح سيف وقال بصوت خافت حازم:

"أمي، خذيها إلى غرفتها... لتستحم وتخلد إلى الراحة، أرجوك، لا تسأليها الآن عن شيء"

اغرورقت عينا الأم بالدموع، لكنها أومأت بصمت، ثم تقدمت نحو ابنتها، أمسكت يدها بلطف، وضمتها إلى صدرها، وهي تهمس لها بكلمات من دعاء وحنان،

ثم سارت بها نحو الدرج،كأنها تسند ظلّا مكسورا لا يريد أن يسقط.

أما سيف، فبقي في مكانه للحظة ينظر إلى والده وأخيه،

وجهه شاحب لكنه ثابت، وعيناه تتكلمان بما عجزت عنه الكلمات.

كان يعلم أن الحديث الذي سيلي لن يكون سهلا،

وأن ليلة العدالة قد بدأت لتوها...

جلس الأب على الأريكة الثقيلة، واضعا رأسه بين كفيه، يلهث كأن أنفاسه أثقل من جسده. ظل الصمت يخيم على المكان إلا من أنين خافت يصدر من صدره بين الفينة والأخرى.

وقف أسيد قبالته، ووجهه مزيج من الغضب والحزن، يداه تقبضان وتفلتان، كأنه يبحث عن شيء ليكسره، عن وجع يسكته بالألم.

أما سيف، فكان واقفا بالقرب من الباب، عينيه تائهتين بين الأرض والسماء، يحاول ضبط نفسه كي لا ينفجر.

رفع الأب رأسه أخيرا، نظر إليهما بعينين غارقتين بالدموع وقال بصوت مبحوح ممزوج بالذهول:

"سيف... تكلم، بالله، ما الذي جرى لابنتي؟ من فعل بها هذا؟!"

زفر سيف زفرة طويلة، ومرر يده على وجهه، ثم قال بهدوء متعب:

"أبي... لقد لحقت بها صدفة، كنت مارا من هناك بعد انتهاء عملي لعلي ألحق بها فأقلها بطريقي، سمعت صراخ فتاة... لم أعلم أنها ميساء حتى رأيتها.

كان أحدهم قد جرها إلى زقاق ضيق... ضربها، حاول أن..."

توقف صوته لحظة، عض على شفته السفلى، وواصل بصوت مرتعش:

"حاول أن يعتدي عليها... لولا أنني وصلت في تلك اللحظة، لربما..."

ضرب أسيد بقبضته الطاولة التي بجانبه بعنف حتى اهتزت، وصاح بصوت غاضب كالنار:

"من هو يا سيف؟! من هذا الفاسق عديم الأخلاق و المروءة؟ أقسم بالله لأمزق جسده بيدي!"

نظر إليه سيف بعينين غارقتين في الألم، وقال بنبرة حازمة مكلومة:

"اهدأ يا أسيد، لقد قبضت عليه... اتصلت بالشرطة، وهو الآن رهن التحقيق.

لن يفلت، أقسم أنه سيحاسب شر حساب.

لكننا لا نريد أن تعرف ميساء شيئا الآن، لا نريد أن نحرقها مرة أخرى بذكر اسمه أو صورته"

اقترب الأب منه بخطوات بطيئة، وعيناه لا تزالان متعلقتين بوجه سيف، ثم قال بصوتٍ متهدج متكسرٍ بين الرجاء والانكسار:

"هل آذاها كثيرا؟ أجبني بصراحة، يا بني، أرجوك..."

خفض سيف نظره، وبقي صامتا للحظات، ثم قال بنبرة خافتة:

"الحمد لله، لم يتمكن من... فعل ما أراد. لكنها تأذت، في جسدها وروحها، رأيت الخوف في عينيها يا أبي... ذلك الخوف الذي لا يزول بسهولة"

انحنى الأب على ركبتيه، وضع يده على وجهه وأجهش بالبكاء، تمتم بصوت متهدج:

"يا الله... يا الله، كيف استطاع؟ ميساء... ابنتي الطاهرة، أهذا جزاء براءتها؟"

اقترب أسيد ووضع يده على كتف والده، لكن الغضب لم يغادر وجهه، فقال بصوت مكتومٍ:

"لن أتركه، سيف... لن أتركه يتنفس هواءنا.

أريد أن أراه خلف القضبان."

رفع سيف رأسه وقال بصلابة هادئة، فيها رصانة المحامي وحزم الأخ:

"سيحاكم، وأنا من سيتولى قضيته. لن أترك ثغرة واحدة يهرب منها.

سأكون خصمه أمام القاضي، وسأثبت أن من اعتدى على ميساء قد اعتدى على شرف بيت كامل، على عرض لا يمس"

صمت الجميع برهة، وراح الأب ينظر في وجهي ولديه، ثم قال بصوت خافت فيه رجفة من الكبرياء والدمع:

"لا أريد انتقاما أعمى، أريد عدلا... عدل الله أولا، ثم عدل الناس. لكن... لا تجعلوها تعلم شيئا الآن. إن انكسر قلبها مرة أخرى، فلن يلتئم"

أومأ سيف برأسه، بينما قال أسيد بصوت متردد كمن يختنق بكلمة عالقة:

"أقسم أنني لو أمسكته قبل الشرطة، لما كان ليبقى حيّا... لكنك فعلت الصواب يا سيف، أنت كنت أعقل مني"

نظر إليه سيف بعينٍ دامعةٍ وقال:

"لسنا بحاجة للدم... يكفينا ما في صدورنا من جراح. سيأخذ حقه أمام القضاء، وسأجعله عبرة لكل وغد يمد يده على شريفة بريئة"

مد الأب يده المرتجفة ووضعها على كتفيهما، وصوته يخرج منه كدعاء:

"بارك الله فيكما... أنتما سيفي وعزوتي. ولكن لا تنسيا... ما تحتاجه الآن ميساء ليس الانتقام، بل الرحمة، الأمان، والسكينة"

......

مرت الأيام بعد الحادثة كأنها سنوات متواصلة في الليل البهيم.

كان كل صباح يطل على ميساء حاملا معه شبحا من ألم الأمس، وظل الرعب يطاردها في كوابيس متكررة، تجعلها تستيقظ في منتصف الليل، قلبها يخفق كجرس يصم الأسماع، والعرق ينهال من جبينها على وسادتها.

كانت نوبات الهلع تعتريها فجأة، أحيانا في وضح النهار،

فتجلس فجأة بلا حراك، ترتجف أصابعها، وتنظر حولها بعينين واسعتين، تبحث عن شيء لم تعد تعرفه، عن مأوى يقيها شر ذكرياتها.

أحيانا كانت تنسى الطعام، وأحيانا أخرى تتناوله بلا شهية، كأن جسدها يرفض أن يشارك روحها آلامها.

كان الناس يرمقونها بنظراتٍ مختلطة بين الشفقة والفضول، يتحدثون فيما بينهم همسا، وكأنهم ينسجون حولها حائطا من الأصوات التي لم تعرف كيف تصمت أمامه.

كل كلمة تقال، وكل نظرة تلقى عليها كانت تضيف إلى رصيد القلق في صدرها، تجعلها تغلق قلبها أكثر وأكثر.

اضطرت إلى مراجعة طبيبة نفسية بعد إصرار العائلة ، جلساتها كانت المتنفس الوحيد، حيث وجدت من يسمعها بلا حكم، بلا لوم، بلا نظرة شفقة سطحية.

هناك، بين جدران المكتب الصامتة، كان بإمكانها أن تصرخ بصوت داخلي، أن تفضفض عن الخوف، عن صمتها المرعب، عن كوابيسها التي تعود كل ليلة لتعيدها إلى زقاق الظلام، إلى ذلك الشخص الذي سرق براءتها للحظات.

كانت ميساء تتأرجح بين صمتها العميق ودموعها المكتومة، بين خوفها من العالم ورغبتها في العودة إلى براءة الطفولة، حتى جاء اليوم الذي أدركت فيه أن العدالة ستأخذ مجراها قريبا، وأن المحكمة ستصبح المكان الذي سيقف فيه الحق أمام الشر، مقدمة لها فرصة أن ترى ضوءا بعد ليلة طويلة من الظلام،

ولكن قلبها كان لا يزال مرعوبا، وروحها تهتز مع كل ذكر لماضيها المؤلم.

توالت الأيام وها هو يوم الحكم أتى.

دخلت ميساء القاعة الخاصة بمحكمة السعودية، يدهها ترتعشان في يد سيف، وعيناها تلمعان بالرهبة والخوف.

كانت القاعة مليئة بالناس، همساتهم تتردد كصدى يضغط على صدرها، كل نظرة كأنها سهم موجه إليها.

جلست بجانب سيف، بينما  الأب والوالدة وأسيد جلسوا في المقاعد الأمامية، وجه أسيد مشدود بحزم وغضب، يحاول كبحه أمام الحضور.

رفع القاضي رأسه، وقال بصوت رسمي هادئ:

"بسم الله الرحمن الرحيم، تُعقد هذه الجلسة لنظر الدعوى ضد المدعو ظافر بتهمة الضرب ومحاولة الاعتداء على الآنسة ميساء آل سراج. هل للطرف المدعي أي إضافة قبل البدء؟"

نهض سيف بوقاره المعتاد، ذلك الوقار الذي اعتادته المحاكم لمدة سنتين كاملتين، عباءته السوداء تتدلى على كتفيه كدرع من الهيبة، ووجهه يكسوه هدوء يسبق قوة الكلمة.

تقدم خطوة بثقة، وألقى نظرة حازمة على ظافر قبل أن يبدأ كلامه بصوت متزن، واضح، وملؤه الحزم:

"يا سيادة القاضي…

أقف أمام عدالتكم اليوم ليس بصفتي محاميا فقط، بل بصفتي أخ، رجلا لم يقف مكتوف اليدين أمام ظلم وقع على أخته، ولم يدع للظالم فرصة أن يتجاوز حدود البشر أو القانون.

موكلتي... وهي أختي قبل أن تكون موكلتي، تعرضت لاعتداء جسدي ونفسي بالغ، اعتداء تجاوز كل حدود الكرامة والأمان النفسي، وهدّد حياتها وسكينتها.

وما يجعل هذه القضية مختلفة تماما، هو أنني لم أكتف بالدفاع القانوني، بل كنت شاهدا على الاعتداء، ومنقذا لأختي من بين يدي المتهم"

أومأ برأسه بثقة قبل أن يواصل، صوته يتسم بالرصانة:

"لقد أنقذتها من هذا الخطر بنفسي، وأنا أعلم تماما حجم ما تعرضت له، ومدى الألم النفسي والجسدي الذي تجرعته.

ليس هناك شهادات عيان أخرى، وليس هناك من يتحدث عن حجم الاعتداء أفضل مني، فأنا كنت حاضرا، ورأيت، وتصرفت لحمايتها، وأضمن أمام عدالتكم أن ما أرويه لكم هو الحقيقة الصافية، التي لا يمكن إنكارها"

ثم ارتفع صوته قليلا وهو يناظر القاضي، مع صرامة هادئة تظهر قوة شخصيته ووزن كلماته:

"يا سيادة القاضي… نحن لا نطلب التعاطف،

ولا نريد أن يقال إن العدالة مجرد كلمات، بل نطالب بالإنصاف الكامل.

العدل الذي أراده ديننا، والذي أرسته قوانيننا، يقف اليوم أمام اختبار حقيقي.

موقفنا يتجاوز مجرد الدفاع القانوني، فالقضية أمامكم ليست مجرد حادثة عابرة، بل جريمة واضحة، ارتكبها شخص تعدى على الأمان الإنساني وعلى روح بريئة، وعلينا جميعا أن نضمن أن هذا الفعل لن يمر دون حساب"

ثم أشار سيف بيده قليلا، مؤكدا أهمية رسالته:

"نلتمس من عدالتكم، من هذا المنبر الذي يمثل ضمير القانون، أن تعيد الحق إلى نصابه، وأن تحمي كل بريء من الاعتداء، وأن يكون حكمكم رسالة صارمة لكل من تسول له نفسه تجاوز حدود الآخرين.

نحن لا نبحث عن الانتقام، بل نطلب العدالة، ونطالب بردع المعتدي، وإظهار أن كل فعل غير قانوني له عقابه، وأن كل تعد على كرامة الإنسان سيحاسب"

ثم خفف صوته قليلا، لكنه احتفظ بالهيبة:

"يا سيادة القاضي… العدالة ليست مجرد كلمة نرددها، وليست شعارات على ورق، بل هي فعل حي يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويمنح الأمان للضعفاء، ويجعل القانون حائطا منيعا أمام الظلم.

نحن اليوم أمامكم طالبين من عدالتكم أن تعكس حكمها ضمير القانون، وأن ترد الحق لأختي قبل أن أقول موكلتي، ليكون درسا لكل من يظن أن بالإمكان المساس بالآخرين دون عقاب.

هذا ما نطلبه بكل احترام، وبكل ثقة في عدالتكم."

ثم أضاف بصوت متزن:

"كما تعلمون يا سيادة القاضي، العدل في ديننا الركيزة الأولى،  نحن نطلب من عدالتكم إقامة الحق، لا للانتقام، ولكن ليكون الدرس لمن تسول له نفسه المساس بالآخرين"

ثم عاد سيف إلى مكانه، منتصب الظهر، واثقا من قوة حجته، مطمئنا أن تصرفه وأدلته الشخصية ستجعله أقوى أمام المحكمة، وأن الحق سيظهر بوضوح لا يقبل الجدل.

وقف محامي المتهم، وقال:

"سيادة القاضي، إن موكلي ظافر يعاني من اضطرابات نفسية مثبتة بالتقارير الطبية المعتمدة من اللجنة المختصة.

فقد تبين أنه مصابٌ بـ اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية (Obsessive–Compulsive Personality Disorder – OCPD)، وهو اضطراب يجعل صاحبه مهووسا بالتحكم والسيطرة والامتثال التام لما يراه صوابا، دون قدرة على التراجع أو ضبط انفعالاته.

كما يعاني أيضا من اضطراب الهوس العاطفي أو التعلق المرضي (Obsessive Love Disorder – OLD)، وهو اضطراب نفسيّ يجعل المصاب به مهووسًا بشخصٍ معين، فينشغل تفكيره به إلى درجة الملاحقة والتهديد، وقد يتطور ذلك إلى سلوك عدواني أو اعتداء جسدي إذا واجه رفضا أو شعر بفقدان السيطرة.

وبناء على ذلك، نلتمس من عدالتكم مراعاة حالته النفسية عند تقدير العقوبة، والأخذ بعين الاعتبار أن أفعاله ناتجة عن اضطراب عقلي يحتاج إلى علاج متخصص أكثر من حاجته إلى العقاب"

نظر القاضي إلى المحامين بوقار بعد إستماعه، ثم قال بعد صمت لم يَطُل:

"لقد اطلعت المحكمة على التقرير الطبي المقدم، ومع ذلك فإن الوقائع ثابتة، ويظهر أن المدعى عليه كان قادرا على التمييز والإدراك وقت الفعل، لذا فإن المسؤولية الجنائية قائمة ولا تسقط عن المتهم"

حين بدأت المحكمة في سماع المرافعات، شعرت ميساء بارتجاف مفاجئ يعتري جسدها، وارتفع صوتها في همسات مكتومة تكاد لا تُسمع.

أغمضت عينيها بقوة، وحاولت الانكماش على نفسها، كمن يريد أن يختبئ عن كل ما حوله، متشبثة بشيء من الصمت كحماية لهشاشتها الداخلية أمام صدمة الماضي الذي يعيد نفسه في تلك اللحظة.

تنفسها صار متقطعا، يديها ترتجفان، عيناها تتسعان من الخوف، وكأن أنظار الناس وكل همسة توجه إليها ضربات على قلبها.

ركض أسيد إلى جانبها بعد أن لاحظ إضطرابها وقال بصوت مطمئن ولكنه حازم:

"ميساء، اسمعيني... أنا هنا، لن يؤذيك أحد، كل شيء تحت السيطرة"

ربت سيف على كتفها وقال بصوت هادئ:

"تذكري قول الله: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}، أنت بأمان، كل شيء في مكانه، ولن نسمح بظلمك، كل شيء في يد القضاء والعدل"

بدأت ميساء بالهدوء تدريجيا، تسترخي في حضن أسيد، وتترك دموعها تسقط بهدوء، بينما استمر سيف بالإشارة لها بلطف بأن كل شيء سيصبح أفضل، وأن الحق سينتصر.

وبهذه الحالة، أكملت المحكمة سماع المرافعات، وتقدمت الأدلة الطبية وشهادات الشهود، ووُثقت حالة ظافر النفسية في محضر الجلسة.

أعلن القاضي بعد مراجعة الأدلة والشهادات:

"بعد اطلاع المحكمة على التقارير الطبية، يتبين أن المدعو ظافر يعاني من اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية ( OCPD)، بالإضافة إلى ميول مفرطة في الهوس العاطفي أو التعلق المرضي (Obsessive Love Disorder)، مما جعله يتصرف وفق هذه الاضطرابات، ومع ذلك ثبت أن المدعى عليه كان قادرا على التمييز وقت الفعل، وأن أفعاله سببت اعتداء جسديا ونفسيا على المجني عليها ميساء آل سراج"

رفع القاضي رأسه بصوت جهوري ملؤه الوقار، وقال:

"الحمد لله الذي شرع العدل وأقام الموازين بين الناس، وبعد النظر في أوراق القضية، الشهادات، المحاضر، والتقارير الطبية، تقرر المحكمة ما يلي:

1. إدانة المدعو ظافر بما نسب إليه من تهم، ومحاولة الاعتداء على المجني عليها.

2. الحكم عليه بالسجن مدة سنتين ونصف تبدأ من تاريخ توقيفه.

3. إلزام المدان بدفع مبلغ 200,000 ريال سعودي كتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية للمجني عليها وعائلتها.

4. إلزام المدان بالخضوع لبرنامج علاج نفسي تحت إشراف الجهات الطبية المختصة لمدة سنة، مع تقديم تقارير دورية إلى المحكمة لضمان عدم تكرار الفعل.

5. تنبيه المدان بأن الحق في الطعن محفوظ وفق النظام، مع استمرار برنامج العلاج النفسي.

6. تؤكد المحكمة أن العدالة في الإسلام ركيزة الدين والدنيا، وأن حماية الأنفس والأعراض من مقاصد الشريعة، وهذا الحكم جاء لتحقيق الحق، والردع، وإصلاح المعتدي قدر الإمكان."

ارتجف قلب ميساء، ودموعها انهمرت بحرقة، لكنها شعرت بسلام داخلي وهي تنظر إلى سيف الذي ضغط على يدها برفق وقال:

"الحمد لله، الحق قد انتصر، والعدالة قامت، اليوم نقف على الحق، والله ناصرك"

بدأت الأم بالاحتضان والتقبيل، ودموعها تختلط بدموع الابنة، والأب يمسح وجنتها قائلا:

"الحمد لله، لقد تحقق العدل، والله ستر عليك"

أما أسيد، فظل يربت على كتفها بهدوء، قائلا:

"ميساء، انتهى الأمر، كل شيء تحت السيطرة، لا تلتفتي لأي همسة، ولا لأي نظرة"

ارتجف صدر ميساء مجددا بسبب أنظار الحضور والهمسات، لكن سيف تماسك وقال لها بهدوء دافئ:

"خذي نفسا عميقا، كل شيء بأمر الله، وأنظري إلى الحق الذي تحقق"

تمكنت ميساء تدريجيا من السيطرة على نوبة الهلع، وبقيت مع العائلة، تشعر ببصيص من الأمان، بينما ظل سيف يقف بجانبها كظل، يربت على يدها، ويذكرها بأن الصبر والاعتماد على الله مفتاح الشفاء بعد الظلم.

خرجت العائلة تدريجيا من القاعة، قلوبهم مرتاحة، لكنهم يعلمون أن الشفاء النفسي لميساء رحلة طويلة، وأن العدالة التي تحققت اليوم هي بداية إعادة الأمن والطمأنينة إلى حياتهم، مع اليقين بأن الله سبحانه وتعالى هو العدل الأول والأعلى.

بالعودة للحاضر:

"وهكذا انتهت محكمة أخذت فيها حقي، وتركت في نفسي ماضٍ لا يزال يطاردني في كل لمسة غريب خبيث، أو في كل همسةٍ تتقصدني من الناس، وكأن أعينهم ترى ما لا أراه أنا. أحيانًا أرتعش عند مرور أي ظل في الطريق، وأشعر بأن ذكريات الألم تعود لتلتف حول قلبي، تكاد تخنق أنفاسي.

ورغم ذلك، أجد بين ثنايا هذا الألم بصيصًا من الأمان، حين أضع يدي في يد من يحبني ويحميّني، حين أسمع دعاء أسرتي لي، أو كلمة طمأنينة من من يعرفون حقّي. لقد تعلمتُ أن الحقّ لا يُسترد إلا بالصبر، وأن الأمان لا يُستعاد إلا بالإيمان، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقيم الميزان بين الناس، ويمحق الظلم مهما طال"

قالت كلماتها بين دموعٍ هادئة، تتساقط على وجنتيها كأنها أمطار رقيقة، بلا شهقة أو صراخ وبلا نوبة هلع تصيبها وذلك يحدث لأول مرة تتذكر فيه الماضي لا بل تقصه أيضا، وكأن فؤادها قد أرهق من الصراخ والألم، أو ربما قد بدأ يجد طريقه نحو الشفاء بعد طول ما حمل من جراح.

وعند انتهاء حديثها، رفعت وجهها لوجه روانس، لترى ذلك الذي كان صامتا طوال الوقت، يراقبها بعينين ساكنتين، يداه تتحركان برفق على خصلات شعرها، كأنهما تحاولان تهدئتها قبل أن تهدأ روحهما معًا.

لكنها تفاجأت، ودهشت، فقد كان يبكي… نعم، يبكي! دموعه تتساقط على وجنتيه خيوطا متتالية، كأن قلبه يفيض بما لم يجد له مخرجا.

شهقت ميساء برفق، ورفعت يدها مسرعة تمسح تلك الدموع، بصوت خافت ممزوج بالدهشة والحنان:

"يا إلهي… توقف عن البكاء! لم أظن أنني سأراك تبكي يا روانس، من المفترض أنني الوحيدة التي ستبكي"

أغمض عينيه علَ تلك الدموع تتوقف لكن دون جدوى ابتسم من بينها ، ومسح دموعها بالمقابل برفق شديد، وقال بصوت متقطع لكنه مليء بالصدق:

"ولا أنا توقعت أن تتفجر عيناي  بفيض من الدموع هكذا… يبدو أن القلب لا يملك السيطرة على ما يغمره ولا العين فكما قيل أغمضتها كي لا تفيض فأمطرت"

أخذ نفسا عميقا، ثم أضاف بصوت يرتجف بين الهمس والمحبة و الأسى:

"أعتذر… أعتذر على كل ما مررت به، وعلى كل لحظة لم أكن فيها بجانبك، وعلى كل ألم حملته وحدك ولم أكن بجانبك وقتها وعلى كل نوبة هلع عشتها ولم أكن من يهدئها أعتذر عن ما حدث وما لم يحدث يا وتيني…."

ابتسمت ميساء رغم وجع صدرها، ودفء قلبها يزداد وهو يلامس كلماتها:

"لا تعتذر… أنت لم تعرف ما كنت أمر به، والله له حكمة فيما يبتلينا به فلا تحزن، ولا تقنط… كل ما حدث قد كان جزءا من دربي"

رد عليها روانس وهمس بعاطفة تخترق الروح:

"إن الله يبتلي من أحب، وقد ابتلاك لحبه لك…"

شعرت ميساء بقلبها يذوب بين الكلمات، تتنفس ببطء، كأن كل جرح قد وجد له رداء من دفء الحنان، وكل خوف قد اختفى مع حضوره بالقرب منها.

رفعت يدها لتلمس وجهه برقة، والدموع لا تزال على وجنتيها، لكنها دموع مختلفة هذه المرة، دموع امتزج فيها الألم بالسكينة، والخوف بالطمأنينة، واليأس بالأمل.

ومن بين عتبات الجراح و السكينة التي حلت على قلبها بوجوده قد همست له:

"أحبك حبا يفيض في فؤادي كسيلٍ جارٍ لا يَفتر،

لقد ألفَت روحي قربك حتى كأنك دارُها،

وما نطقتُ حبًّا قط، لكنّي إليك أحنُّ حنينَ الظمآن لشربة الماء.

فإن كان للمرء سكن يُسكِّن روعَه،

فأنت سكني الذي لا أبتغي بعده بديلا  أيا مستقرّي"

.

.

.

.

.

.

..

.

.

.

.

إنتهى الفصل 😁

الفصل الذي يبدد الفضول

الفصل المنتظر

الفصل الذي سيجعلك تبكي أو جعلك

الفصل الذي أرهقني في الوصف

و أبكاني و أخذ كل ذرة من طاقتي

الفصل الذي أفضت فيه بماضي يمكن أن تعيشه أغلب الفتيات

على كل حال أتركو آراءكم

1

في التعليقات رجاءا

مراعاة  لتعبي على الأقل

الفصل على غير العادة لا يوجد فيه درس من روانس 🥹🥹🥹🥹🥹🥹

إذا أترككم الآن لنلتقي في فصل آخر

دمتم بخير

أحبكم رونسايون.

🫠🫠🫠🫠

لا تنسوا اخواننا في غزة و السودان بدعواتكم أعزائي

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة