السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب.
ملاحظة:
علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.
الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟
.
.
"
"ما رغبتها نزوة، بل سلاما لروحي، ووصالا لا يغضب الله... أردتها حلالي، كما يليق بنور سكن قلبي"
.
..
بعد الاعتراف بالحب، تتشابك المشاعر في قلب الإنسان بين الفرح والخجل، بين الترقب والخوف من المجهول.
يظهر شعور بالخفة في الروح وكأن جزءا منها تحرر، بينما يظل جزء آخر مترددا أمام حجم المشاعر الجديدة.
تتسارع الأفكار، وتصبح كل لحظة حية، وكل نظرة أو كلمة تحمل معنى أعمق.
إنه شعور مختلط بين الدهشة والسعادة، حيث يبدو العالم من حوله أكثر وضوحا ودفئا، ويملؤه شعور داخلي جديد، قوي، لا يمكن تجاهله: الحب.
{وما الحبُّ إلا طاعةٌ وتقرّبٌ
إذا كان في الرحمن يُتلى ويُرتجى}
أبي العتاهية
........
"كنت أخشى أن أبوح بما في قلبي، لكنني أدركت أن كتمان المشاعر أثقل من كتمان أي سر... أحبك في الله، حبًا يقربني منه ولا يبعدني عنه، يا وتيني"
ارتجفت يداها بجانب جسدها، وامتدت على وجنتيها حمرة غامقة كحبة فراولة.
كانت عيناها ما زالتا متسعتين، وفمها مفتوحا تحاول أن تلتقط أنفاسها.
تردد وعيها في رأسها كلمة واحدة، تتكرر بلا توقف: "يحبني... يحبني... يحبني."
لاحظ روانس صدمتها وارتجافها، فابتعد قليلا عنها، ورفع وجهها نحو وجهه، ثم وضع ثغره على جبينها في قبلة خفيفة تبث لها بعض الإرتياح بعضه فقط، وهو يقول بهدوء:
"تنفسي... اهدئي... أنا هنا، فقط تنفسي بعمق"
فتحت فمها وهي تحاول تنظيم أنفاسها المتلاحقة من وقع إعترافه الذي جعل من الإظطراب رفيقها، وسألته بصوت مرتجف:
"هل... هل ما سمعته صحيح؟ لكن... كيف؟ ألم تخطبني لما رأيت من ديني وخلقي؟ثم.. ثم متى حدث هذا أساسا"
ابتسم بخفة، وأمسك يدها ليقودها للجلوس على الأريكة جنبًا إلى جنب، ثم قال بصوت دافئ:
"بالطبع، لقد خطبتك لدينك وخلقك... لكن قبل كل شيء، هذا الفؤاد حين رأاك لأول مرة لم ينبض لسواك، فما كان لي إلا أن أستجيب له، فمن نحن لنرفض زرع الله في قلوبنا"
كانت يداها مضمومتين بيده، وهو يحرك إبهامه عليها بخفة.
ما زالت تحاول تنظيم أنفاسها وإخفاء ارتباكها، لكن خجلها كان واضحا في احمرار وجهها.
همست بصوت بالكاد يسمع:
"لا أصدق حقا كيف حدث هذا"
ضحك بخفة، وقد أُعجب بخجلها، وقال:
"ولم لا تصدقين؟ هذه أقدار الله التي بحكمته تكون ، وبذرة زرعها في قلبي اتجاهك كبرت، وأتمنى أن يزرعها الله في قلبك اتجاهي عاجلا غير آجل"
(لقد زرعها بالفعل) كانت تتمنى أن تقول ذلك، لكنها توقفت عن الكلام ولم تستطع التعبير عنه في تلك اللحظة أو لنقل خجلها كان الفئز في هذه اللحظة .
فجأة ارتجفت رجفة قوية يتبعها شهقة عندما شعرت بيده تمسح على حجابها و الإخرى تفكه، تحاول الابتعاد، لكن الوقت كان قد فات، فقد نزعه كليا ووضعه جانبا ذلك الخفيف.
جذب يدها برفق نحو نفسه، ثم مرر أصابعه في شعرها الذي انساب على ظهرها بسلاسة مبهورا بجماله المُسْود.
كان كل ما تراه في وجهه هو الدهشة والإعجاب، وهي التي بلغ منها الحياء منتهاه لم تستطع إلا أن تنظر للأرض بوجه محمر.
همس بإعجاب واضح:
"يا إلهي... فاتنة أنت يا وتيني"
ثم أضاف:
"تناغم لون عينيك التركوازي مع شعرك الأسود الطويل مذهل سبحان من صورك بأحسن صورة و رزقني اياك"
ازداد احمرار وجهها، وأخفضت عينيها إلى الأرض وهي تفرك يديها خجلا من قوله أولا و لأنه أول من رأى شعرها دون عائلتها.
أما هو، فقد ضحك بصوت خافت، مستمتعا بخجلها وارتباكها، وهو الذي لم يعرف منذ متى شعوره بالإعجاب الشديد بها قد بدأ يزداد هكذا وكلما إكتشف جديذا عنها.
وبعفوية ابتسمت، عضت على وجنتها من الداخل بإرتباك وهمست له:
"لا تضحك، أنت تقول أشياء لم أتوقعها، ليس ذنبي"
كلامها لم يوقفه عن الضحك، فهو بذاته لا يعلم سبب نوبة الضحك التي انتابته لرؤيته لحياءها الشديد.
بعد لحظة، أخذ وقتا وجيزا حتى توقف، ومسح دمعة نزلت بسبب ضحكه، ثم قال:
"أنا لا أقصد أن أضحك، يا وتيني، فقط خجلك هذا محبب لي"
رفعت الأخيرة حاجبها بخفة وسألته بإستغراب من اللقب الذي يطلقه عليها:
"لماذا تناديني وتيني؟"
أجاب بعفوية:
"لأنك ببساطة وتيني "
مرت لحظات من الصمت، قطعها هو حين نهض راحلا وقال:
"حسنا، يجب أن أذهب. نلتقي غدا في الجامعة، حسنا؟"
أومأت برأسها، ورأته يقترب منها ، ينخفض ليطبع قبلة على جبينها، ثم استدار تاركا إياها تواجه فيض مشاعرها وحدها مع وقع السكون الذي لا يزال يملأه نبضها المتلاحق.
....................
في صباح اليوم التالي، أفاقت بطاقة عجيبة، ولأول مرة تنام دون تفكير زائد في الماضي لساعات طويلة.
كان بالها منشغلا بشيء آخر... أو ربما بشخص ما.
نهضت من مكانها متوجهة إلى الحمام، تؤدي روتينها المعتاد.
وبعد ساعة ونصف تقريبًا، نزلت على الدرج متجهة نحو الأسفل، حيث كانت أصوات الأحاديث العائلية تتسلل إلى سمعها.
دخلت بخفة، تلقي تحية الإسلام يتبعها "صباح الخير"، ثم اتجهت لتعانق أمها الواقفة، وتقبل رأس والدها، قبل أن تطبع قبلةً على وجنتي أختها الصغيرة الجالسة على الأرض، وخلفها أسيد يسرح شعرها كعادته وهو يجهّزها للمدرسة.
جلست على الأريكة، فأفاق أخوها سيف من شروده حين رآها بجانبه، وقال مبتسما:
"صباح الخير أيتها العروس الصغيرة، كيف نمت؟"
ضحكت بخفة، وردت عليه هامسة لتجاكره:
"الحمد لله، أيها الهائم الكبير... وأنت؟"
لكن ابتسامته اختفت وهو يرد بنبرة متصنّعة:
"كبرتي وراكي تداسري فيا، يا وحدة المشعوذة!"
(لقد كبرت وأصبحت تناكفينني وتتدخلين، أيتها المشعودة!)
ثم أضاف بإبتسامة مشاغبة:
"آه أنا أخشى على صديقي منك"
انفجرت ميس ضاحكة بملء فاهها على ردة فعله، وأومأت برأسها مداعبة على كلامه الأول و ردت على الثاني:
"طبعا لن أعامل زوجي كما أعاملكم"
هز الأخير رأسه بإستسلام.
وبعد لحظات، قامت هي والجميع لتناول الفطور بعد أن نادتهم والدتهم.
...........
كان يسير بخطى سريعة نحو قاعته ليلقي محاضرته في القانون، وعيناه مثبتتان على الأرض كعادته، غير آبه بما حوله.
لكن وقع بصره على مشهد لم يكن ليمر مرور الكرام؛ فتاة يحاول شاب جرها قسرا وهي تقاومه بشدة، تدفعه بعيدا وهي تصرخ:
"اتركني... قلت لك ابتعد عني!"
كاد يتقدم إليهما حتى توقف و انفاسه توقفت معه، عندما رأى أن هالة سبقته بخطوات ثابتة، ووقفت بين الفتاة وذلك الشاب، تصرخ غاضبة:
"ألا ترى أنها لا تريد الذهاب معك؟! ثم بأي حق تجرؤ على لمسها؟! أهي أختك أم زوجتك؟"
تشبثت الفتاة بظهر هالة، صوتها يختنق برجفة خوف وهي تستنجد بها:
"أنا لا أعرفه... منذ أيام يلاحقني ويحاول الحديث معي، ولما رفضت، حاول اليوم جذبي بالقوة!"
تجمدت ملامح هالة، وانعقد حاجباها في تحد واضح.
أما الشاب فزمجر مهددا:
"لا تتدخلي،من الأحسن لك أن تبتعدي من طريقي"
فأجابته هالة بحدة، عيناها تقدحان غضبا:
"وإن لم أفعل؟ ماذا ستفعل؟ جرب فقط أن تقترب منها!"
استشاط غضبا، فمد يده بعنف ودفعها عنوة، لتسقط أرضا.
وما إن ارتطمت حتى عاجله صوت قوي يتبعه ارتطام أشد: لكمة حادة اخترقت فكه، أطلق معها صرخة مدوية.
وقف أمامه سيف، نظراته تومض غضبا وصوته يجلجل في المكان:
"أيها الفاسق! كيف تجرؤ على مد يدك عليها؟!"
ارتجف الشاب وهو على الأرض، يتلعثم:
"ما... ما دخلك أنت؟ ومن تكون؟!"
اقترب سيف أكثر، يزجره بلهجة حاسمة:
"ستعرف من أكون قريبا ايها ال...أستغفر الله أنظر كدت تشوه ألفاظي.. فقط انتظر و سأريك"
أشار إلى عمال الجامعة الذين أسرعوا نحوه ولم يكن غيرهم في المكان أساسا،لقد حمد ربه على عدم وجود أي طلاب الآن، فأمرهم باقتياده إلى مكتب المدير حتى يأتي ويقوم باللازم.
ثم التفت نحو الفتاتين يضع بصره أرضا، صوته أخف قليلا هذه المرة:
"هل أنتما بخير؟"
ظلت هالة تحدق فيه مذهولة يخفقات قلب تكاد تجزم أنها تصل لكل من حولها من شدتها، بينما بادرت الفتاة المرهقة ودموعها تكاد تجف بامتنان:
"الحمد لله... شكرا لك أستاذ، ولكِ أيضا، أنا ممتنة لكما على المساعدة، جزاكما الله خيرا "
أومأ سيف، وأشاح ببصره عنها وهو يتمتم:
" المهم أنكما بخير... أما أمره فسأتكفل به.
اذهبا الآن إلى دروسكما"
ثم استدار بخطوات صارمة متجها نحو مكتب المدير، وملامحه ما تزال مشدودة بالغضب مما رآه،لكن يبدو أنه ترك شيئا ما خلفه أو قلبا ما.
..........
جلست هالة في المقاعد الأمامية، إلى جانبها ميساء، غير أنها بدت شاردة بأعينها العشبية على غير عادتها ووجهها به عقدة حاجب طفيفة.
مدت ميساء يدها تهز كتفها بخفة، فجفلت هالة والتفتت نحوها بدهشة سرعان ما انقشعت حين سمعت سؤالها:
"هالة، ما بك؟ منذ جلسنا وأنت غارقة في الشرود... هل حدث أمر ما؟"
أطرقت هالة برهة، تتردد بين الكتمان والإفصاح، ثم رفعت عينيها وفيهما مزيج من الأرق والخجل، وقالت بصوت خافت:
"ميس... أظن أنني وقعت في الحب"
اتسعت عينا ميساء بدهشة، ليست من وقع الكلمات بقدر ما هي من اعترافها المفاجئ.
ارتسمت على ثغرها ابتسامة جانبية ماكرة وهمست بخبث لطي:
"وأخيرا اعترفتِ! ألم أقل لك منذ البداية أنك واقعة في غرام أخي؟و تنكرين أيضا 'تشه' "
توردت وجنتا هالة بحمرة داكنة، أشاحت بنظرها نحو الأرض وهمست مرتبكة:
"لكن... هل هو يبادلني الشعور ذاته؟"
ضحكت ميساء بخفة، وكأنها تعرف أكثر مما تقول، ثم أمالت رأسها قائلة بمواربة:
"لا أعلم يا رفيقتي... هل ترغبين أن أجلب لك الحقيقة بنفسي؟أم نترك الأمور للقدر يا فتاة. "
رفعت هالة نظرها إليها، ثم أومأت بخفة دون أن تنطق حرفا.
وفي تلك اللحظة فتح باب القاعة، فدخل روانس كعادته بخطوات واثقة، تحفها الهيبة.
كان يرتدي سروال كلاسيكيا باللون الأزق الغامق مع قميص أبيض و شعره الأشقر متشاقط بخفة على جانبي وجهه يرتدي نظارة سوداء الأطراف أعينه العسلية تحمل رقة وفرحا على غير العادة كان يبدو وسيما في عينيها.
(إبني وسيم حتى في عيني هو أوسم شخص يا حبيبتي،الكاتبة خرجت عن النص على ما يبدو "أوبس"،على كل حال لنعد للمفيد)
جال ببصره على الحاضرين، حتى وقعت عيناه عليها لوهلة قصيرة، ابتسم ابتسامة عابرة وأومأ برأسه دون أن يلحظ أحد، ثم اتجه إلى المكتب يضع أوراقه عليه.
" هل يحاول عدم لفت الإنتباه لعلاقتنا، لماذا؟ "
كانت هذه ميساء و االتي همست في نفسها بشيئ من الحنق
ألقى التحية بصوته الرزين:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أرجو أن تكون بحوثكم جاهزة للعرض اليوم فهي الدرس المعطى"
فأجابه الجميع في صوت واحد:
"جاهزة أستاذ"
كان قد كلفهم ببحوث فقهية علىحسب إختيارهم، ثنائية على شكل نقاش سؤال وجواب.
وبعد أن أنهى بعض الطلاب عرضهم المتباين بين فقه الزواج،الصلاة،الصوم، و الزكاة و غيرها، جاء دور هالة وميساء و التي يبدو عليها التوتر بشدة مما إستغربه الأستاذ.
وقفت ميساء وهالة أمام اللوح الكبير، والأنظار كلها مسلطة نحوهما.
حاولت ميساء أن تبدو ثابتة رغم إرتباكها، لكنها كانت تشعر بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها غير بعض الومضات الخاظفة، وخصوصا تحت نظرات روانس التي لم تفارقها منذ لحظة دخوله.
بدأت هالة بصوت واضح وهي تسأل:
"سؤالنا الأول: كثيرا ما يُقال إن الطلاق في الإسلام مباح، ومع ذلك نجد النصوص تشير إلى كونه أبغض الحلال عند الله. كيف يجمع الفقه بين هذا التناقض الظاهر؟"
ترددت ميساء لحظة ثم ردت بهدوء متكلف رغم كل شيئ خرج صوتها ثابتا:
"هو مباح لأنه حل لمشكلات قد تهدم الحياة الزوجية، لكنه مكروه إذا وقع بلا سبب، لأنه يفكك الأسرة عبثا"
تابعت هالة، وكأنها تقود النقاش بخطوات أعمق:
"حسنا، لنفترض أن الرجل طلق زوجته وهي في الحيض... ما حكم هذا الطلاق عند الفقهاء؟"
ابتلعت ميساء ريقها وهي تشعر بكل العيون تحدق بها، ثم أجابت باقتضاب:
"أجمع الفقهاء على أنه طلاق بدعي محرم، لكن الجمهور قالوا إنه يقع، بينما قال ابن تيمية وابن القيم: لا يقع لأنه مخالف للسنة"
أومأت هالة ببطء قبل أن ترفع نبرة صوتها قليلا:
"طيب... هناك خلط دائم بين الطلاق الرجعي والبائن، فهل لك أن توضحي الفرق للطلاب بشكل مختصر؟"
رفت أجفان ميساء بتوتر عند سماع بعض الهمسات من الطلاب ، لكنها أجابت سريعا بعد أن طرق روانس على الطاولة ليصمتوا :
"الرجعي: للزوج أن يرجع زوجته أثناء العدة بلا عقد جديد.
أما البائن: فلا رجعة إلا بعقد ومهر، وإن كانت بينونة كبرى فلا تحل إلا بعد زوج آخر"
تصاعدت همهمة خفيفة بين المقاعد، وواصلت هالة سؤالها الأخير بنبرة أبطأ وكأنها تختبرها:
"والسؤال الأخير... هل للمرأة أن تطلب الطلاق؟ ومتى يكون ذلك مشروعا؟"
شعرت ميساء بارتجافة في أصابعها وهي تشبك يديها، ثم قالت بهدوء قصير:
"يجوز إذا تضررت من زوجها كالهجر أو الضرب أو منع النفقة، أما بغير سبب شرعي فلا، لحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة»"
ساد القاعة صمت قصير، ثم التفتت الأنظار نحو روانس الذي رفع رأسه عن أوراق البحث أمامه التي قُدمت، وقال بنبرة عميقة تحمل وقارا خاصا:
"جزاكما الله خيرًا... أحسنتما العرض والإجابة. آنسة
هالة أحسنت صياغة الأسئلة بدقة،
وميساء..."
توقف لحظة وكأن الكلمة تعاند لسانه قبل أن يكمل: "أجبت بإيجاز لكنه أصاب المعنى، وهذا ما نطمح إليه في البحث الفقهي، أحسنتما يمكنكما الجلوس الآن"
انعكست على وجه هالة ابتسامة رضا وهي تلتقط اعتراف الأستاذ بجهدها، أما ميساء فقد خفضت بصرها خجلا، تحاول جاهدة أن تخفي ارتجاف ابتسامتها الصغيرة، مدركة أن صوته حين نطق باسمها كان مختلفا قليلا... وكأن في نبرته ما لم يقله علنا وهي تعلم ذلك فهو في النهاية زوجها على سنة الله و رسوله.
.
بعد انتهاء الدرس، كان روانس قد جمع أوراقه بينما خلت القاعة من معظم الطلاب، إلا من ميساء التي بقيت في مكانها، ومعها بعض الطالبات اللواتي التففن حوله لطرح الأسئلة.
لكن فتاتنا لم يكن الأمر بالنسبة لها مجرد سؤال أكاديمي، فالنظرة في عينيها المشتعلتين، وضربها بأصابعها على الطاولة، وحركة قدميها المتوترة، كانت كلها دلائل واضحة على أمر واحد: الغيرة.
اعترفت في سرها أن قلبها قد غار عليه وهي ترى الطالبات حوله، لحظات فقط، حتى غادر الجميع وبقيت وحدها معه.
اقترب منها بخطوات هادئة، يراقب ملامح وجهها المربكة، ثم قال بنبرة دافئة:
"كيف حالك، وتيني؟"
لم تملك سوى أن تفجر ما بداخلها بغيظ مكتوم:
"متى ستُعلن زواجنا في الجامعة؟ أم لأننا لم نقم الزفاف بعد، لا تعتبره زواجا حقيقيا بعد؟"
كانت كلمتها الأخيرة حادة، يغلفها الغضب والغيرة.
أما هو، فابتسم ابتسامة جانبية خفيفة، وهمس بسخرية محبة:
"هل تغارين؟ ثم طبعا زواجنا حقيقي. "
تلعثمت قليلا، تحاول إخفاء اضطرابها:
"أنا؟ لا... من قال إنني أغار؟ فقط... أردت أن أعرف"
ضحك بخفة ورد وهو ما يزال ينظر إليها بنعومة:
"حسنا، صدقتك يا وتيني"
ارتخت ملامحها شيئا فشيئا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة؛ خجلت من الاسم أولا، ومن ضحكته الساحرة ثانيا.
اقترب خطوة أخرى يمسك يدها بين كفه وقال بصوت مطمئن:
"سأعلن عقد قراننا في المسجد بعد أيام قليلة إن شاء الله، فلا تقلقي"
أومأت برأسها بخجل محبب له، وابتسامة صغيرة وهي تسحب يدها، تجمع حاجياتها، ثم غادرت تحت نظره الذي تبعها حتى خرجت من باب القاعة ، وعيناه لا تفارقها وشفتيه تحملان ابتسامة واسعة.
هو في القاعة أستاذ وقور، وفي حضورها زوج محب، وشتان بين الاثنين.
(إبني خفيف 🤧)
............
عند باب الشركة، وقفت ليا فجأة حين وجدت أسيد واقفا بجانب السيارة الخاصة به ينظر لها. لم يكن يقف كأي شخص، بل رئيس يعرف كيف يغلق الصفقات الحاسمة.
ابتسم إبتسامة جانبيةوقال بثقة:
"تمّ عقد القران أمس... أخوك أصبح زوج أختي شرعا، ولم يبق إلا أن أوفي بوعدي"
رفعت حاجبها بعناد مازح وقالت:
"وأي وعد هذا؟"
ابتعد خطوة إلى الوراء وكأنه يترك مسافة محسوبة، ثم قال بجدية هادئة رغم قلبه الذي يعبر عن كل شيئ غير الهدوء:
"هذا المساء... سأجلس مع أخيك وأطلبك منه"
ضحكت بخفة ساخرة وقالت:
"أمس كان يوقع عقد قرانه، واليوم تريد أن تثقل عليه بعقد جديد؟ ألا تعرف أن تمنح الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم؟"
ابتسم ابتسامة جانبية فيها مكر وقال:
"في الإدارة نتعلم أن الوقت المناسب لا ينتظر أحدا.
وأنا لن أنتظر... لأنك لا تنتظرين أيضا،و لأن أنفاسي أنا لا تنتظر "
شعرت بالارتباك لكنها أخفته بابتسامة متعالية:
"أتظن أن الأمر يدار كأوراق في شركتك؟ توقع عقدا اليوم، وتغلق ملفا غدا؟ أخي ليس سهلا"
أجاب بنبرة ثابتة:
"بل أراه مشروع العمر... والمشاريع الكبرى لا تؤجّل.ثم أعرف أخاكِ أيضا فهو صديقي قبل كل شيئ"
تشددت ملامحها رغم إعجابها بكلماته لكن هل ستتخلى عن عادتها الشرسة طبعا لا وقالت بعناد متحد:
"ومن قال لك إنني سأكون بانتظارك؟"
قال بثقة وهدوء:
"قلبك قال... وإن أنكر لسانك"
ترددت لحظة ثم رفعت ذقنها متحدية:
"إذن فلتذهب، مساء سنرى من سينتصر... أنت أم عنادي"
ضحك بخفة وهو يخطو مبتعدا:
"عنادك حصن... وأنا أدخل الحصون بالحلال"
تركها ومضى، فيما تقدمت هي بخطوات سريعة، تحاول أن تبقي رأسها مرفوعا، حتى لا ينكشف أثر كلماته عليها وهي التي صار فؤادها يغلي من وقعها،
يبدو أن الشراسة و العناد لن يصمدا طويلا أمام نبض القلب.
...........
حين يطلب الوصال بالحلال، تتبدل ملامح الحب، فيغدو سكينة لا اضطرابا، وعبادة لا نزوة.
هو وعد يشهده الله قبل الناس ، وتكتبه الملائكة بين سطور القدر قبل أن ينطق.
فالحلال لا يكتفي بضم قلبين، بل يطهرهما من لهاث العشق العابث، ويجعل اللقاء طاعة، والمودة صدقة، والأنفاس ذكرا.
ذلك هو الحب الذي يبدأ من باب يطرق باسم الله... فلا يغلق أبدا إلا على نور وطمأنينة بإذن الله.
........
كان الملعب شبه خال، والعشب الأخضر يتلألأ تحت أضواء الإنارة، والهواء بارد قليلا لكنه منعش.
لم يكن يسمع سوى دحرجة الكرة وارتطامها بالشباك.
اجتمع الأصدقاء الثلاثة. روانس، وأسيد، وسيف للعب بعد مرور أشهر على آخر مرة لعبوا فيها الكرة.
وبينما تدحرجت الكرة لتصل إلى أسيد، توقف، التقطها بيديه، ثم جلس أرضا على العشب ضاما الكرة ليديه، مشيرا لرفيقيه أن يجلسا.
تبادلا نظرات مستغربة لتوقفه فجأة قبل أن يجلسا بجانبه.
أخذ أسيد نفسا عميقا فيه توتر خفيف، ثم رفع رأسه قائلا بصوت جاد علىغير عادته مما زاد إستغرابهما:
"اجلسا، أريد التحدث بأمر مهم"
جلس الاثنان أمامه، بينهما مسافة بسيطة، ينظران إليه في ترقب للآتي.
قال أخيرا، موجها كلامه نحو روانس دون أن يلتفت إلى سيف:
"روانس، أريد أن أطلب منك أمرا جادا..."
أضاف بعدها ببعض الإرتباك
" جئتك طالبا صلة حلال بأختك ليا زوجة لي"
سكن الجو لوهلة، لا يسمع إلا همس الريح وهي تمر بخفة.
كان سيف أول من كسر الصمت قائلا بانفعال ممزوج بالدهشة من أخيه:
"أتمزح يا أسيد؟! في ملعب تطلب الفتاة هل تطلب مباراة كرة قدم أما ماذا؟!"
وكأن حدثه لم يقل هذا السيف لأن لا أحد سمعه.
أما روانس فظل صامتا للحظات، يراقب أسيد الذي يشيح بنظره عنه أرضا ليس خجلا بقدر ما هو خوف من الرفض.
ثم قال أخيرا بنبرة هادئة لكنها جادة:
"يا أسيد، الزواج ليس صفقة تُوقع، ولا قرارا يتخذ على عجل بين شوطين.
أنت تتحدث عن أختي،عن أمانة،عن إمرأة قبل كل شيئ، لا عن مشروع استثماري"
ابتسم أسيد بخفة، ينظر إلى الأرض وهو يحرك العشب بأصابعه:
"صدقت يا رفيق... لكن يبدو أن قلبي خالف لوائح الشركة هذه المرة.
استثمر بلا دراسة جدول، وكل المؤشرات تقول إن الإفلاس سيكون عاطفيا إن لم تقبل الصفقة، فقد وقعت دون إستأذان"
ضحك سيف بخفة على استعارة أخيه الساخرة، ثم نظر إلى روانس مترقبا رده رغم عدم إعجابه بأسلوب أخيه.
لكن أسيد تابع بهدوء:
"لا تقلق... هذه المرة رأس المال نية صافية، والمراقب الأعلى هو الله"
تأمل روانس وجهه لحظة، ثم قال بثقة جادة:
"أنا لا أشك في نيتك، لكن القرار ليس بيدي وحدي.
ليا أختي قبل أن تكون مرادك، ولها حق الاختيار قبل أي أحد.
سأتحدث معها أولا، فإن وجدت في قلبها ميلا ورضا، مضينا في الطريق كما أمر الله، وإن لم يكن، فالنية الطيبة تكفيك أجرا"
ابتسم أسيد وهو يومئ برأسه احتراما:
"أعلم، ولهذا السبب جئت إليك أولا.
لن أتحرك إلا بعد سماع موافقتك، وموافقتها أيضا، ثم لن أظمن سلامتي العاطفية و النفسية أن قوبلت بالرفض"
ساد صمت خفيف لثوان، قطعه سيف قائلا بابتسامة متفاجئة:
"لم أتوقع هذا منك، كنت غافلا عن نواياك يا أسيد!"
ضحك أسيد وهو يرد ببساطة:
"ولا أنا كنت أتوقعها من نفسي. قد وقعت"
ثم قال روانس بنبرة مائلة إلى اللين بعد أن خفت حدة الموقف:
"إن أكرمك الله بأختي، فأكرمها كما أمر الله، لا كما تمليه عليك خبرتك في إدارة العقود.
الحياة الزوجية ليست صفقة، بل عبادة و رحمة تتبعها مودة"
ابتسم أسيد بصدق وقال:
"أعدك أن أجعلها عبادة خالصة لله، ليا تستحق أن تصان"
سكت روانس لحظة ثم قال بنبرة أكثر هدوءا:
"إذن، صلّ ركعتين استخارة، وسأتحدث مع أختي.
إن كان في الأمر خير، فسيجمع الله القلوب قبل الأشخاص"
ثم أضاف:
"على كل حال أستودعك الله إن وافقت ستعاني كثيرا"
أجابه الأخير وهو يضحك بخفة:
"فقط لتوافق لا أطلب أمرا آخر"
ابتسم الثلاثة أخيرا، وعادوا إلى اللعب كما بدأوا على العشب ذاته، بين الجد والمزاح، بثلاثة قلوب تعرف أن طريق الحلال واضح، وإن كان محفوفا بالرهبة.
...........
في المساء، كانت ليا تجلس في غرفتها، تقلب صفحات كتاب مفتوح أمامها منذ ساعة، لكن عينيها لم تتابعا السطور.
كانت أفكارها تسبح في مكان آخر، بين صوته وكلماته التي لم تغادر رأسها منذ الصباح وقلبها الذي للآن لا زال يخفق عند إسمه و طيفه:
"هذا المساء... سأجلس مع أخيك وأطلبك منه"
طرقة خفيفة على الباب قطعت شرودها، تلاها صوت أخيها الهادئ الرزين:
"ليا، هل يمكنني الدخول؟"
رفعت رأسها بسرعة، محاولة إخفاء ارتباكها و الخروج من نفحة الشرود التي راودتها:
"طبعا، تفضل يا أخي"
دخل روانس بخطوات متزنة، يحمل فنجان قهوته، وجلس على الكرسي المقابل لمكتبها.
ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى صوت عقارب الساعة.
ثم قال بصوت منخفض لكنه واضح:
"أسيد كلمني اليوم"
تشنجت أصابعها قليلا وهي تحاول قلب الصفحة رغم معرفتها بالأمر، ثم سألته بخفة مصطنعة:
"أسيد؟ وماذا أراد؟"
ابتسم روانس نصف ابتسامة جانبية وهو يرفع حاجبه، وكأنه يقرأ ما تحاول إخفاءه:
"جاءني طالبا يدك... بالحلال"
رفعت رأسها نحوه فجأة، واتسعت عيناها دهشة، لكن الكلمات علقت في حلقها.
أضاف وهو يراقب ملامحها المتوترة :
"قال إنه لا يريد أن يتقدم إلا بعد أن يأخذ إذني أولا، وإن القرار لك قبل أي أحد"
صمتت ليا للحظة طويلة، ثم تنفست بعمق وقالت بنبرة حاولت أن تبدو هادئة يملئها الآستسلام:
"لم أكن أتوقع أن يفعلها بهذه السرعة..."
ابتسم روانس بهدوء:
"ولا أنا. لكنه كان صادق النية هذه المرة، مختلفًا عن ذاك الذي يمازح زملاءه بعد كل مباراة"
ترددت، ثم قالت بخفوت ممزوج بالحذر:
"وأنت... ما رأيك فيه حقا؟أعلم أنه صديقك و أخ ميس. لكن أريد رأيك الصريح.. "
ارتشف من قهوته قبل أن يجيب:
" أراه رجلا محترما بعيدا عن أنه رفيقي، يعرف ما يريد. لكنه يظل بشرا، يحتاج لمن تفهمه وتشاركه الطريق عن وعي.
أما أنا، فلست صاحب القرار هنا... أنت من يختار، والله هو الميسر"
خفضت بصرها، وشعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهها، ثم قالت بعد لحظة صمت:
"أخي... أنا لا أنكر أنني أقدره، وأرتاح لحديثه، لكن..."
توقفت قليلا ثم تابعت بصوت أكثر ثباتا:
"سأصلي استخارة، وأدع الأمر لله"
ابتسم روانس برضا، وقال وهو ينهض من مكانه يقترب طابعا قبلة على رأسها:
"هذا ما كنت أتمنى سماعه منك.
استخيري ولا تتعجلي، فما كان لله دام واتصل"
وقبل أن يخرج، التفت إليها بابتسامة أخوية هادئة:
"ويا ليا... حاولي ألا تختبئي خلف عنادك كثيرا، أحيانا يكون الخوف أقرب إلى الحب مما نظن"
رفعت حاجبها بخفة وردت بنبرة شبه جادة:
"أنا لا أختبئ، فقط لا أسلم قلبي بسهولة"
ضحك بخفة وهو يغلق الباب:
"ومن قال إن الأمر سهل يا عنيدة؟"
بقيت هي بعده، تحدّق في الباب المغلق، وقلبها ينبض بخفة غريبة لا تدري إن كانت خوفا أم حبا..
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:
أن استخارتها هذه المرة... لن تكون باردة المشاعر كما تدعي.
"هو بدأ الطريق كما يجب... فربما حان دوري لأرى إلى أين ينتهي"
ابتسمت وهي تهمس:
"الاستخارة لا تكذب... لكن قلبي سبقها الجواب"
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
٠٠٠٠٠٠٠
٠٠٠٠
٠٠٠
٠٠
٠
ستوب ستوب ستوب
إخرجو من حالة الضياع داخل الفصل إلى واقعكم الجميل
ها قد إنتهى فصل إخر و إنتهى معه رصيدي لليوم.
🤧🤧🤧
كيف حالكم «رونّاسيّون»
(رونّاسيّون من "الروناس" أي اللون الأحمر القاني رمز الشغف)
ان شاء الله تكونوا بخير
لا تنسوا التفاعل رجاءا أن لم يكن من أجل الفصل فتقديرا لتعبي
الفصل كان أغلبو عن أسيد و ليا 🤧🤧
👌ابنائي القط والفأر
ملاحظة:
أسيد ليس بالشخص الملتزم تماما، ولا هو بالبعيد عن طريق الالتزام أيضا.
هو انعكاس واقعي لكثيرٍ ممن نراهم حولنا؛ يعرفون الحق، ويحرصون على أوامر الله، لكنهم بشر يخطئون ولهم عيوبهم.
عيب أسيد كان في تسرعه… حين بادر بالكلام مع ليا قبل أن يفاتح أخاها.
لا أقول إن ما فعله صواب، فذلك لا يجوز، ولا أنصح به أبدا.
لكنني أردت من خلاله أن أُبين أن الناس ليسوا ملائكة في ثوب البشر، وأن في كل منهم ضعفا ونقصا، وأن الخطأ لا يُنهي الطريق، بل قد يكون بداية التوبة والتغيير.
وهذا ما ستلمسونه في شخصيته مع مرور الفصول، بإذن الله.
. نصيحتي: لا تجعلوا الزلة تطفئ فيكم نور الخير، فالله لا يطلب منا الكمال، بل الصدق في الرجوع إليه. من عرف خطأه وتاب، كان عند الله أحب ممن ظن نفسه لا يخطئ.
...
رأيكم بالفصل و الاحداث
.......
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira