السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عساكم بخير يا غاليات
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
"مَا بَيْنَ هَمْسِ القُلُوبِ وَصَمْتِ العُقُولِ، يُولَدُ القَرَارُ الَّذِي قَدْ يُغَيِّرُ مَجْرَى الحَيَاةِ."
.
.
كان يفكر فيها ويحسب الحسابات عن حالتها، قلقا عليها، حتى انتفض على صوت ميس وهي تناديه:
"ماذا؟"
نظرت ميس إليه بريبة، مردفة:
"ما بك؟ منذ مدة وأنا أحادثك "
نظر إليها غير عالم بما يقول، ثم أجابها يداري توتره الذي لا يعلم سببه:
"آسف... شردت قليلا.... لا مشكلة، سأخذك لتزوريها يا عزيزتي"
ابتسمت ميس بخفة، مرددة:
"حسنا، شكرا أخي... سأذهب الآن، لدي محاضرة."
أومأ برأسه قائلًا:
"حسنا غاليتي، اعتني بنفسك"
ودعته، وتركت المكان.
أما هو فعاد مشغول البال إلى صاحبه، الذي كان بدوره شاردا، يحدق في الأرض، ولم ينتبه لوجوده بجانبه.
وما لبث أن استفاق من شروده على يد سيف، التي وضعها على كتفه قائلا:
"إذن، مساء أخبرر قسمي عن الحملة لتطبيقها غدا إن شاء الله."
نظر روانس إليه لبرهة، ثم ابتسم بخفة مرددا:
"نعم، إن شاء الله... الآن سأذهب، نتكلم لاحقا يا أخي."
ودعه وسار مبتعدا، فيما عقله ما زال غارقا يفكر في ما حصل.
..........
كانت ميساء تجمع حاجياتها حين أوقفها صوت روانس وهو يقول:
"يا طلاب، هل لي بلحظة من وقتكم؟"
التفت إليه الجميع بترقب، فمرر عينيه عليهم بخفة قبل أن يتحدث بنبرة واثقة محفزة:
"تعلمون ما يحدث مع إخواننا المستضعفين في غزة، وتعلمون معاناتهم وكم هم بحاجة إلى المساعدة والدعاء. ولهذا، قررت جامعتنا أن تنظم حملة تبرعية غدًا في وسط الساحة، مقسّمة إلى جهتين: جهة للرجال وجهة للنساء. سأتكفّل أنا وصديقي مع المدير بجهة الرجال إن شاء الله، بينما ستتولّى إحدى الأساتدة الإشراف على جهة النساء.
فمن منكم يريد أن يساعد، ولو بالقليل، إحسانًا منكم وواجبًا علينا جميعًا؟ أتمنى أن تحضروا غدًا للمساهمة، عسى أن ننفعهم ولو بأبسط ما نملك."
ساد القاعة صمت خاشع، وارتسمت ملامح الحزن والتأثر على وجوه الحاضرين. عندها ابتسم بخفة وقال:
"إذا... لقد أخذت إجابتي من وجوهكم. نلتقي غدا في الحملة.
والآن أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه،
والسلام عليكم"
ابتسم لهم مجددا، ثم حمل حقيبته وغادر القاعة، غافلا عن قلب كان ينبض بشدة لم تعهدها صاحبته؛
نبضات أشعلتها طريقته في الحديث،
وصدق إحساسه، بل وشخصه هو بالذات.
انتفضت ميساء من مقعدها مسرعة لتلحق بأخيها، عازمة على زيارة صديقتها هالة، للإطمئنان عليها
وإخبارها بأمر الحملة.
............
مساءً في بيت آل الرواني:
كانت العائلة مجتمعة في الصالة، يتبادلون جلسة هادئة يزينها بعض الأحاديث الممتعة.
التفت روانس نحو أخته بابتسامة خفيفة قائلا:
"إذا، كيف كان أول يوم تدريب في الشركة ؟"
نظرت له ليا مجيبة ببعض التعالي:
"لقد كان جيدا، وقد شاركت في أحد الاجتماعات... وأنت تعرف أختك وما تملكه من قوة في الكلام، عزيزي."
ضحكت العائلة على تلك الفتاة التي لا تنفك تفتخر بشخصيتها القوية الواثقة.
فأجابها روانس وهو لا يزال على أعتاب الضحك:
"أعلم، أعلم... إبذلي جهدك،
فربما تقتنصين المنصب من أسيد"
نظرت له ليا بملامح مشدوهة مرددة:
"أتعرف مدير الشركة؟"
ابتسم روانس قائلا:
"نعم، هو أخ صديقي سيف، ويعتبر صديقا لي أيضا."
نظرت له ليا بملامح شبه شاردة قائلة:
"آه... جيد"
ابتسم روانس ثم مرر نظراته على أفراد عائلته، وقد عقد العزم أن يتحدث في الموضوع الذي يشغل باله.
تكلم يجذب انتباههم مردفا:
"أبي، أمي... لقد قررت الزواج"
ساد الصمت للحظات، وتبادلت العائلة النظرات بدهشة مفاجئة.
رفعت الأم حاجبيها باندهاش، بينما مال الأب قليلا إلى الأمام وكأنه يريد التأكد أنه سمع جيدا،
أما ليا فاتسعت عيناها في ذهول،
ثم شهقت بخفوت غير مصدقة ما قاله شقيقها.
كان أول من تحدث هي والدته خديجة، وقد غمرتها الفرحة حتى لم تسعها الكلمات، فقالت بلهفة:
"حقًا يا بني... هذا أسعد خبر قد سمعته"
ضحك والده مصطفى بخفة وهو يردد:
"الله أكبر! عشنا ورأيناك تقرر الزواج. يا ترى، من هي بنت الحلال التي خطفت عقلك؟"
ابتسم لهم روانس، وما إن همّ بالحديث حتى قفز صوت ليا بجانبه صائحا بحماسة:
"آااخ! هل حقا هذا العازب قرر الزواج أخيرا؟! هيا، قل لنا من ستكون زوجة أخي!"
انفجرت الأم ضاحكة، ولحق بها الأب على تصرفات ابنتهما المندفعة.
أما روانس فاكتفى بهز رأسه بخفة وهو يجيبهم ببعض القلق الذي يستوطن قلبه:
"في الحقيقة... لم أخبر عائلتها بعد، ولا أعلم إن كانت ستوافق أصلا.
لكنني سأتحدث مع سيف غدا ليعلمهم،
فهي أخته... ومن عائلة آل سراج"
ابتسم والده قائلا:
"ومن أفضل من ابنة العزيز محمد؟"
ضحكت ليا بعينين تلتمعان بالفضول وهي تقول:
"إذن، أخبرنا... كيف جعلتك هذه الفتاة تغير رأيك في الزواج، هممم؟"
نظر لها روانس بحدة خفيفة ممزوجة بمزاح ورد:
"يبدو أنك تحتاجين بعض التأديب... دعيني وشأني"
ثم حول بصره إلى والديه مردفا:
"أستأذنكم الآن، سأصعد لأنام. غدا يوم طويل... السلام عليكم"
أجابته العائلة بابتسامة ودودة مرددين السلام،
بينما هو صعد إلى غرفته بخطوات بطيئة.
ورغم ثبات ملامحه أمامهم،
إلا أن قلبه كان مثقلا بالقلق؛
يخشى أن يقابل طلبه بالرفض، وأن ينهار حلم بدأ يتشكل في داخله.
جلس على حافة سريره مطرقا، يردد في نفسه دعاء صامتا أن يكون الغد بداية خير، لا خيبة أمل.
.....................
أحيانا تشعر بغصّة تستوطن قلبك حين تسمع أن شخصا ما قد أصيب بمرض أو ألم بمصيبة،
فترفع له دعوة وتمضي.
لكن، ما باله لا ينفك يفكر فيها وفي حالتها، قلقا عليها بهذا الشكل؟
كانت أخته قد قالت أنه مجرد زكام،
فقط لتخرج من البيت وتهدئ باله.
جلس في السيارة أمام بيت هالة المتواضع،
ينتظر أخته التي دخلت لزيارة صديقتها،
بينما التفكير ينهش رأسه بلا توقف.
أما عند ميس، فقد كانت قد دخلت منذ قليل،
تجلس إلى جوار هالة التي بدت بخير عدا بعض السعال الخفيف.
تكلمت ميس برفق:
"غدا هناك حملة لجمع التبرعات لغزة، حبيبتي... هل ترغبين بالمشاركة؟"
ابتسمت هالة بخفة مجيبة:
"طبعا يا ميس، وهل هذا سؤال يطرح؟"
ابتسمت ميس وربتت على يد رفيقتها مردفة:
"أنا سأذهب الآن، سيف ينتظرني في الخارج."
خفق قلب هالة بقوة عند سماع الاسم،
وكأن صدى صوته ارتطم بجدران قلبها،
فأربك أنفاسها للحظة.
شعرت بحرارة غريبة تجتاح وجهها، وحاولت أن تخفي ارتباكها بابتسامة باهتة وهي تقول:
"حسنا، شكرا لك حبيبتي"
أومأت ميس بلطف:
"لا شكر بيننا يا غاليتي"
نهضت خارجة من غرفة نوم هالة تاركة إياها غارقة في أفكارها
ما إن همت الأخرى بالخروج حتى سمعت أم هالة تناديها:
"بنيتي، شكرا على زيارتك. أوصلي سلامي لوالدتك"
ابتسمت ميس قائلة:
"يصل إن شاء الله، خالة مروة... السلام عليكم."
ثم خرجت متوجهة نحو سيارة سيف الذي كان ينتظرها. وما إن جلست حتى بادرها بلهفة:
"كيف حالها؟ هل هي بخير؟"
نظرت له ميس بدهشة قبل أن تجيب:
"نعم، هي بخير. ما بك؟ إنه مجرد زكام."
تنحنح سيف بتوتر، محاولا إخفاء ارتباكه، وأجاب:
"آه... جيد. شفاها الله. لنعد إلى البيت."
أومأت ميس بخفة، وإن لم تقتنع تماما بجوابه.
بينما هو شغل المحرك وانطلق عائدا إلى البيت،
يهمس في نفسه بالاستغفار، على اندفاعه وتفكيره الذي بدأ يخونه.
والظاهر أنه لم يكن الوحيد الذي أفلت زمام أموره.
...........
في صباح اليوم التالي، كانت الجامعة تعج بالطلاب،
وقد امتلأت الساحة بجانبين:
جانب للطالبات وآخر للطلاب.
منهم من كان يتحدث عن قضية غزة،
ومنهم من يتبرع بالأموال، وآخرون يكتفون بالدعم بالدعاء الصامت.
أما القلة التي غابت عنها النخوة، فكن مجموعة من الطالبات اجتمعن في أحد أركان الساحة يتسامرن في الأحاديث،
كأن إخوانهم لا يقصفون، وكأن الضمير قد غاب عنهن، وكأن لا حملة تقام عن إخوانهم ليشاركوا فيها.
كانت ميس وهالة قد تبرعتا ببعض الأموال في الصندوق، واتجهتا لسماع الكلمات التي تلقى،
لكن ما لبثت أن توقفت ميس وهي تنظر لذلك الجانب الذي تجلس فيه بعض الطالبات،
حتى انتبهت لها هالة وتوقفت قائلة:
"حاشا أن يكونوا أناسا، ما هذه البلاهة وما هذه التصرفات؟! ألا يستطيعن على الأقل أن يبدين بعض الاحترام للقضية ولهذه الحملة؟"
كشرت ميس ملامحها باستهجان، مرددة:
"عيب، والله عيب ما يفعلن."
لم تترك الأخرى لترد، بل سارت بخطوات سريعة يعلوها شيء من العصبية، تحاول السيطرة على انفعالاتها.
وما إن وصلت إليهن حتى نطقت بحدة في صوتها:
"أي أناس أنتن؟! الناس هنا يهتفون، ويتبرعون، ويدعون، ويحزنون على حال إخوانهم الذين أنهكتهم الحرب، وأنتن تتسامرن وتضحكن على التفاهات!"
ثم نظرت إلى ما يحملنه وهتفت بغضب:
"لا، وتستمعن للأغاني فوق هذا! والله ما رأيت فيكن إلا انعدام إنسانية!"
انتفضت إحدى الفتيات الجالسات، وردت بنفور وعصبية:
"وما شأنك أنت؟! إن أردت تبرعي أو حزني فذلك أمر يخصك! لماذا تتدخلين في ما لا يعنيك؟"
كانت ميس قد فارت أعصابها، وكادت أن تتقدم إليها لولا هالة التي أمسكتها، تهتف هامسة:
"استغفري الله يا ميس، ليس بالعنف… بالحسنى"
حاولت ميس تمالك نفسها، وقالت بمرارة:
"كيف لا أتدخل وأنا أرى الهوان والاستهانة في عز الحزن؟!
أمس فقط كان الناس هناك يأكلون التراب من شدة الجوع، الأطفال لا يجدون لقمة عيش،
والقصف لا يتوقف، والترهيب بلغ أشده! بالطبع سأتدخل…
فأنتم رغم كل الأيام لم تجدوا وقتا لمثل جلستكن إلا في هذا اليوم!
أتركتم كل الأيام ليكون يوم الحزن هو يوم سروركن؟!"
كانت تتحدث بنبرة قوية، وعيناها تجولان بينهن.
لم تجب واحدة منهن، بل أطرقن أنظارهن إلى الأرض، فميساء كانت محقة… محقّة رغم كل شيء.
نهض الجمع وبدأن بالانصراف كل إلى جهة مختلفة، وربما استيقظت ضمائر بعضهن بعد كلماتها.
تنفست ميس بعصبية بعدما تركتها هالة، ثم قالت لها الأخيرة بابتسامة خفيفة:
"أحسنت، يستحقن هذا الحديث، لعله يوقظ ضمائرهن الميتة."
نظرت لها ميس، ثم أومأت:
"إن شاء الله… هيا نعد لنستمع للخطاب."
أومأت هالة بدورها وابتسمت، ثم غادرتا المكان، غافلتين عن الأعين التي كانت تلاحظهما بابتسامة.
كان سيف هناك، قد سمع كل شيء ورأى، فافتخر بأخته. وما إن وقعت عيناه على تلك التي أخذت تفكيره دون استئذان،
حتى خفق قلبه خفقات متتالية لا قِبل له بها…
وقع لعينيها الخضراوين، ولوجهها الطفولي.
لم ينتبه إلى نفسه إلا حين سمع صوته صديقه روانس يناديه:
"هيا يا سيف، لنجمع التبرعات من الطلاب."
أجابه على عجل:
"قادم… حالا قادم."
سار ذاهبا و هو يستغفر ربه من عدم غض بصره نادما
أحيانا يخوننا وجيب الفؤاد، ولا نسلم من التفكير،
ولا نستطيع قطعه. فهل سيأخذ بطلنا خطوة إلى الأمام، أم سيوقف افتتانه بذات الأعين العشبية؟
..........
في الشركة:
دخلت ليا المكتب تحمل تقريرا مرتبا تاركة الباب مفتوحا نصفه ، ووضعته بهدوء على المكتب أمام سيد قائلة:
"هذا تقرير الإجتماع الذي سيكون على الواحدة ظهرا".
رفع رأسه عن شاشة الحاسوب، نظر إلى الملف ثم إليها، وقال بنبرة جادة:
"لم أطلب هذا التقرير بعد."
أجابته بثقة وهي تقف مستقيمة:
"أعرف يا سيد أسيد، لكن توقعت أنك ستحتاجه قبل الاجتماع… فأعددته مسبقا."
ظل صامتا للحظة، وعيناه تتأملان التقرير بجدية، ثم رفع حاجبه بخفة وقال بنبرة نصفها دعابة:
"إذن نحن أمام متدربة تحب أن تربك مديرها"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة، وردت دون تردد:
"بل متدربة تحب أن تسهل عليه"
لم يستطع منع نفسه من ابتسامة خفيفة، ثم أشار إلى الكرسي:
"اجلسي، أريد أن أسمع كيف فكرت في هذا الترتيب"
جلست بثبات، وبدأت تشرح خطواتها بوضوح، بينما كان يستمع بانتباه… وفي قلبها ارتجافة خفية لم تعهدها من قبل، كأن شيئا صامتا يتحرك في صدرها كلما قابلت هدوءه الوقور بابتسامته العابرة.
بعد حوالي نصف ساعة من الشرح،
أنهت ليا حديثها ورفعت وجهها نحوه،
بينما هو ابتسم ابتسامة جانبية مردفا:
"أحسنت… التقرير شامل ودقيق"
أومأت ليا ورددت بثقة:
"شكرا"
هزّ رأسه قائلًا:
"يمكنك العودة إلى عملك"
أومأت بخفة، لكنها ما لبثت أن رفعت عينيها نحوه قائلة:
"سيد أسيد… هل لي بإذن بالمغادرة بعد ساعتين؟ هناك حملة للتبرع في جامعتي، وأود اللحاق بها"
أطرق سيد النظر للحظة، يفكر، ثم قال بهدوء:
"لا بأس… يمكنك الذهاب"
ابتسمت بخفة وأومأت، ثم خرجت من مكتبه.
غافلة عن اللمعة التي سكنت عيني أسيد السوداوين، وعن قلبه الذي اختلج بمشاعر لم يجد لها تفسيرا.
ما بال هذه الفتاة؟ واثقة… شرسة أحيانا… لكنها مختلفة.
انتفض يستغفر ربه، يهمس لنفسه:
"الله الله جيت نخدم ولا نقارع أستغفر الله شوالا هذا"
(الله الله، هل أتيت لأعمل أم لأتأمل؟ أستغفر الله، ما هذا؟)
............
كانت تسير رفقة هالة مع أواخر وقت الظهيرة بعد أن قاربت الحملة على الانتهاء متجهتين نحو المكتبة،
لكن فجأة توقفت ميس في منتصف الرواق ما جعل هالة تتوقف معها، تسمعها تهتف:
"يا إلهي، أي عقل هذا الذي أملك؟ لقد نسيت حقيبتي في الساحة... هالة، انتظريني هنا سأذهب لأحضرها وأعود"
أومأت هالة، وانطلقت الأخرى شبه مهرولة.
ظلت واقفة، وإذ بملصق على الحائط يشد انتباهها،
كان يتحدث عن ندوة ستقام غدا في الجامعة تتعلق بالقانون والمحاماة.
سهت في قراءته ولم تنتبه للظل الذي وقف بجانبها ببعض السنتيمترات، مراعيا المسافة ليقرأ الملصق نفسه، ولم يكن إلا سيف.
كان يقرأ، وبدون شعور همس:
"يقيمون الندوات وجلهم لا يعرفون العدالة الحقيقية"
انتفضت هالة عندما سمعت كلماته، واستدارت بخفة لتتفاجأ بوجود أخ صديقتها،
وما لبثت أن خرجت منها كلمات عفوية لم تحسب لها حسابًا، تردّد:
"أليست العدالة أن يأخذ كل شخص حقه؟"
نظر لها سيف بخفة ثم خفض بصره أرضا تلقائيا،
لكنه في نفسه لم يستطع إنكار إعجابه بعفويتها وصراحتها البريئة.
أجابها بنبرة هادئة:
"ذلك تعريف ناقص... العدالة أحيانا ترى بعين الحزم، وأحيانا يجب أن ترى بعين الرحمة،
وعلينا أن نعلم متى نرجح إحداهما دون ظلم أحد"
سكتت هالة تفكّر في كلماته، وتعترف في داخلها أن تفكيره جميل جدا.
أما هو، فضم ملفه إلى صدره وحقيبته في يده الأخرى مستعدًا للذهاب.
وقبل أن يكمل خطوته، سمع صوتًا مألوفًا آتيًا من خلفه:
"هالة، آسفة تأخرت عليك."
رفعت هالة رأسها على صوت ميس، واستدار هو ينظر إليها تتقدّم نحوهما.
وما إن وصلت حتى رأت أخاها واقفا أمام اللوحة،
فقالت بدهشة:
"آه سيف، أخي... أنت هنا! يبدو أن لقاءاتنا في الجامعة قد كثرت"
رفع سيف الملف الذي في يده مجيبًا:
"كنت في المكتبة أبحث عن بعض الأمور التي أحتاجها، ومررت بهذا الإعلان.
يبدو أنني سأحضر الندوة غدا"
ضحكت ميس بخفة وقالت:
"لن أستغرب، فأنت لا تفوت أي فرصة للتواجد في أجواء القانون وإلقاء محاضراتك"
ابتسم سيف وهو يستدير قائلا:
"العدل لا يعرف عطلة يا عزيزتي... والآن، إلى اللقاء"
ثم مضى بخطوات ثابتة.
وقفت هالة بجوار ميس تحمل في داخلها أثر كلماته،
إلى أن قاطعت شرودها ميس مردفة:
"هيا هالة، لنتوجه إلى المكتبة"
..............
مساء، وبعد أن انتهت الحملة، كان سيف وروانس يسيران معا متوجهين نحو القاعة الخاصة باجتماع الأساتذة ليأخذا أغراضهما ويعودا إلى بيوتهما.
قال سيف متنهدا:
"أتمنى أن تصل التبرعات إلى غزة في أقرب وقت،
فما نراه أصعب مما قد ينتظر"
أومأ روانس، وقد لمعت في عينيه البنيتين لمعة حزن، مجيبا:
"نعم، إن شاء الله لن تتأخر"
فتح سيف باب القاعة التي بدت فارغة، وما إن دخلا حتى قال له روانس بنبرة مختلفة:
"سيف... هلّا جلست قليلا؟ أريد أن أحدثك في موضوع شخصي"
استغرب سيف من طلبه، لكنه جلس مقابله وهو يرمقه بترقب.
كان روانس مطرق الرأس، كأنه يبحث عن طريقة ليبدأ الحديث.
قال سيف بقلق:
"روانس، ما بك يا أخي؟ هل هناك أمر خطير؟"
رفع روانس رأسه بسرعة، ينفي بعجلة:
"لا، لا... ليس أمرا خطيرًا، فقط... لا أعرف من أين أبدأ"
أومأ سيف وهو يقول:
"ابدأ من حيث تستطيع"
تنفس روانس بعمق، ثم قال بثبات:
"في الحقيقة... الأمر متعلق بشقيقتك التي تدرس عندي الفقه"
تشنجت ملامح سيف، ورد باستنكار واضح:
"أختي؟ وما شأن أختي لتجعل الأمر شخصيا يا روانس؟ تكلم، فقد بدأ صبري ينفد"
تنهد روانس وأجابه بصدق:
"جئت أطلب ودّ أختك حلالا طيبا، وعلى سنة الله ورسوله.
لم أرد أن أخفي مشاعري أو أجعلها أمرا عابرا... بل طرقت الباب من أوسع أبوابه"
ساد صمت ثقيل، ظل خلاله سيف يراقبه بعين فاحصة، ثم قال بلهجة صارمة:
"انتبه لكلامك يا روانس... هذه أختي،
والكلمة فيها ليست كأي كلمة.
من يقترب منها عليه أن يكون رجلا يعرف قيمة المسؤولية، لا طالبًا لشيء عابر.
وإن سببت لها دمعة واحدة... سأذكرك أني لا أمزح"
ابتسم روانس رغم ثقل الموقف، ورد بثبات:
"اطمئن يا سيف... ما جئت إلا طالبا للأمان لا سببا في وجع."
تنفس سيف ببطء، ثم نهض وهو يجمع أوراقه قائلًا:
"
حسنا... سأخبر أختي وأرى رأيها.
فإن كان لها قبول، فلكل حادث حديث. "
ترك وراءه صمتًا مشحونا، يحمل بين طياته مزيجا من الحزم والرجاء، وكأن القرار الحقيقي لم يعد بيده وحده.
............
كانت تنتظر أمام سيارة أخيها،
وبرفقتها هالة يتبادلان أطراف الحديث، حتى تراءى لهما سيف وروانس قادمين من الجهة الأخرى.
ويبدو أن كلاً منهما قد خفق قلبه عند رؤية من لا يزال يشغل باله.
ودع سيف روانس متقدما نحو سيارته، فوقعت عيناه على أخته وبجانبها هالة.
قالت ميس بابتسامة:
"أخي، هل يمكننا إيصالها معنا إلى البيت؟"
نظر لها سيف لبرهة، ثم أومأ بخفة محسوبة مجيبا:
"طبعا... هيا اركبن"
ركب كل شخص في مكانه، وانطلقت السيارة في طريقها بصمت طغت عليه دقات القلوب.
في الجهة الأخرى، كانت ليا قد ركبت مع روانس،
الذي سرعان ما اتجهت عيناه نحو ميس.
وما إن رأت ليا نظراته، حتى تكلمت بابتسامة جانبية:
"إذن، تلك هي... تبدو جميلة."
انتفض روانس على حديث أخته، مرددا:
"نعم، إنها هي"
أومأت ليا قائلة:
"غُضَّ بصرك يا أستاذ الشريعة، لم تصبح الفتاة حلالك بعد "
احمرت أذنا روانس بخفة من حديث أخته،
لكنه تكلم هامسا:
"إلتهي بنفسك أيتها المشاكسة..... بدأت تحشرين أنفك كثيرا "
فضحكت المعنية بصوت مسموع، ثم حل صمت ثقيل في السيارة التي واصلت طريقها نحو البيت.
......
تأتي لحظات يسيطر عليك فيها التفكير بشخص ما،
يملأ حضوره ذهنك حتى يغدو كأنفاسك التي لا تنقطع.
تتساءل في صمت:
لم يلازمني طيفه في كل خاطر، ويطرق أبواب قلبي في كل سكون؟
ثم، وفي غمرة انشغالك به،
يفاجئك الله بلطفه فيسوقه إليك على غير موعد،
كأنه شعلة انبثقت من أعماق تفكيرك،
تضيء الطريق أمامك فجأة.
فتقف مذهولا بين رجاء و خوف من القادم،
تتأملها بارتباك وحيرة...
أهي نور يبدد عتمتك، ويبعث فيك حياة لم تعرفها من قبل؟
أم هي نار تخفي لهيبها خلف بريقها،
لتلتهم قلبك إذا دنوت منها أكثر مما ينبغي؟
وهكذا تبقى معلقا بين الاحتمالين،
تصارع دهشة اللقاء وخوف الفقد،
لا تدري أكان ذاك الحضور هبة من السماء... أم ابتلاء يختبر صبرك.
.
.
.
كان جالسا بين أفراد عائلته في تلك الأمسية، لكن ذهنه لم يكن حاضرا معهم، بل غارقا في تفكيره. كيف له أن يفاتحها بالموضوع الذي طرق بابه في هذا اليوم بالذات؟
لقد أخبر والديه حين عاد مساء، فاستمعا إليه بهدوء،
ولم يجدا مانعا إن كانت أخته راضية.
ورغم ذلك ظل قلبه مضطربا، يخشى أن يفتح جرحها القديم فيرتد عليها بألم أو نوبة هلع،
لكنه في الوقت نفسه يرى أن الحديث معها قد يكون بداية لتجاوز كل ذلك.
وهو على يقين أنه ما من أحد أحق بها من صديقه؛
فما عرف أنبل ولا أوفى منه،
كان روانس بالنسبة له هو من يوفر شرط الزواج الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:
"إن أتاكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه "
مرر عينيه على من حوله
والداه غارقان في حديث جانبي،
أخته نور ترسم في دفترها خطوطًا متشابكة،
أما أسيد فكان يبادل ميس بعض الأحاديث الخفيفة.
بينما هو، يجلس بصمت، يحمل في صدره طلب صدق أراد ودا ،
ويشعر أن اللحظة المناسبة قد آن أوانها ليفاتحها بالموضوع.
زفر ببطء، يستجمع أنفاسه،
ثم جذب أنظارهم قائلا بصوت حازم وهادئ:
"ميس... غاليتي، هل تمنحينني انتباهك؟ هناك أمر أود أن أحدثك به"
رفعت ميساء رأسها بحيرة صغيرة،
يلفها ارتباك لا تدري سببه،
والتفت أسيد هو الآخر، وقد انقطع حديثه فجأة.
أومأت ميس برأسها مجيبة :
"طبعا أخي... ما الأمر؟"
تأملها سيف لحظة، وكأن عينيه تبحثان عن الكلمات داخل صدره، ثم قال بعد تردد قصير ينظر في عينيها التركوازية بحنان:
"في الحقيقة... هذا اليوم جاءني من يطلب يدك للزواج."
لم تبد اندهاشا كبيرًا، فقد اعتادت مثل هذه المواقف وكثيرا ما رفضت الخطاب من قبل منذ سنة وهي ترفض.
لكنها ولأول مرة تحس أن هذا الطلب ليس كغيره
ردت، تحاول أن تسيطر على ملامحها:
"ومن هو...؟"
لكنها لم تكن تتوقع أبدا ما سمعته بعدها.
قال سيف وهو يزفر الكلمة كمن يلقي بثقل كبير عن كاهله:
"صديقي روانس من عائلة آل الرواني ... أستاذك في الفقه."
عندها، تجمدت أنفاسها لوهلة،
اتسعت عيناها بصدمةٍ لا إرادية، واشتعل قلبها بخفقات سريعة لم تعهدها من قبل.
وكأن الزمان توقف حولها، وصوت أخيها ظل يتردد في أذنيها مرارا... روانس... أستاذك في الفقه
......
.
.
.
.
.
.
ا
نتهى الفصل،
وأسئلة كثيرة ما زالت دون إجابة.
لا تنسوا أن تضغطوا على النجمة في الأسفل،
وتتركوا تعليقات جميلة مثلكم،
فهذا يسعدني كثيرًا.
..
. ماذا حدث لميس ليخاف سيف
. ماذا سيكون قرارها
. كيف ستنتهي افكار سيف
. وما هي حصيلة العمل مع أسيد
أرائكم
...
.
.
.
.
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira