السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
.
.
"ما بين دقات قلب متسارعة وأنفاس متقطعة، كانت الأرواح تستعد لوعد أبدي."
.
أحيانا لا يكون الكابوس مجرد حلم عابر، بل شيء يشبه الماضي حين يعود فجأة.
كأنه باب يفتح في وجهك من غير قصد، لتخرج منه صور قديمة وأصوات كنت تظنين أنك نسيتها.
في هدوء الليل، يتحول السكون إلى خوف، وتشعرين أن قلبك يركض من شيء لا ترينه.
وما إن تفيقي، تدركين أن ما رأيته لم يكن بعيدا عن حياتك... بل قريبا جدا، كأنه جزء منك لم يرحل بعد.
..........
انتفض جسدها فجأة، شهقة حادة مزقت سكون الليل.
فتحت عينيها على جدران غرفتها، تتصبب عرقا وأنفاسها متلاحقة، كأنها تطارد بعد عدو خفي.
مدت يدها المرتجفة تتحسس وسادتها، تبحث عن يقين أنها في مأمن. لم تجد سوى الصدى القاسي لنبضها المتسارع.
رفعت كفيها إلى وجهها، تمتمت بصوت مبحوح:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... اللهم اجعلها رؤيا خير، وادفع عني شرها"
أغمضت عينيها، ثم انطلقت شفتاها بما تحفظه من كتاب الله، تسترجع آيات السكينة التي طالما وجدت فيها ملاذها:
﴿فَأَنْزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾...
﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِيمَٰنًۢا مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ﴾.
كانت تتلوها ببطء، كأن كل كلمة منها قطرة نور تطفئ ظلاما فيها قد وُجِد.
ومع كل آية، أحست أن الطمأنينة تتسرب إلى أعماقها.
غير أن صورا من ماضٍ بعيد أخذت تتسرب إلى ذهنها؛ ظلال قديمة، أصوات بعيدة، جرح حاولت طويلا أن تطمس معالمه.
شهقت من جديد، وهزت رأسها كأنها تدفع الصور عن عقلها،و بالتزامن مع علوّ صوت المؤذن مناديا لصلاة الفجر، نهضت من سريرها، تمرر يدها على شعرها الطويل، ثم اتجهت إلى الحمام لتتوضأ وتؤدي فرضها.
"أهو حلم... أم ذاكرة أيقظها الليل من رقادها؟"
.......
جلست ميساء في مقعد السيارة بجوار أخيها، بينما كان هو هادئا خلف المقود يقود بتمهل.
كان صباحا صافيا، تزينه خيوط شمس دافئة تتسلل عبر زجاج السيارة، والطرقات شبه خالية إلا من بعض المارة الذين يبدؤون يومهم على عجل.
اليوم ستذهب لاختيار فستان عقد قرانها، الذي لم يتبق عليه سوى أربعة أيام.
كان عليهما المرور على هالة لترافقها، ثم تذهبان سويا لابتياعه.
ساد الصمت داخل السيارة، قبل أن تلتفت ميساء برأسها نحو سيف قائلة:
"أتعلم يا سيف... لم أتوقع أن يأتي يوم أبحث فيه عن ثوب قراني بهذه السرعة"
ابتسم سيف وهو يثبت عينيه على الطريق:
"كل شيء مكتوب بقدر... وربما الخير أسرع مما نظن"
أعادت نظرها سريعا إلى النافذة بعد أن رمقته بنظرة خاطفة، وهمست بابتسامة:
"إن شاء الله يكون خيرا وبركة"
أجابها بهدوء:
"بإذن الله... وأسأل الله أن يجعلك من السعداء دائما صغيرتي"
حل صمت لطيف من جديد، لم يقطعه سوى هدير السيارة المنتظم وامتداد الطريق المشرق أمامهما.
بعد حوالي عشر دقائق توقفت السيارة أمام منزل هالة، وما هي إلا لحظات حتى عادت ميساء معها.
وما إن وقعت عينا ذلك الوسيم على هالة حتى اضطرب قلبه وارتجفت أنفاسه، إذ رآها تتقدم بخطوات يغمرها الحياء، تمشي نحو السيارة بهدوء يفيض رقة.
وما إن وصلت حتى ركبت السيارة، وألقت تحية الإسلام بصوت شبه مسموع:
"السلام عليكم ورحمة الله"
انتفض سيف على وقع صوتها الرقيق، وأعاد أنظاره إلى الأمام وهو يرد سريعا بصوت خافت متهدج:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
ثم حل صمت هادئ على السيارة، كل شخص شارد في أفكاره الخاصة.
في داخل سيف، كان قلبه يضطرب وهو يستعيد صورتها وهي تقترب بخجل، كأنها تربك كيانه كله.
أما هالة، فكانت تجلس متشبثة بيديها في حجرها، تحاول أن تخفي ارتباكها.
...........
كان جالسا في زاوية شبه خالية من المكتبة، أمامه حاسوبه المحمول وبعض الأوراق التي يدون عليها ملاحظات الدرس الذي سيلقيه لاحقا على قسمه.
الجو ساكن، لا يُسمع فيه إلا تقليب صفحات متباعدة وصوت نقر خفيف على لوحة المفاتيح.
وفجأة، خطر بباله طيف تلك الأعين التركوازية وذلك الوجه الطفولي البريء، فارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يستعيد ارتباكها في ذلك اليوم.
لحظة صغيرة لكنها تركت في قلبه أثرا كبيرا، حتى تمنى لو أنه أخبرها بمشاعره التي تفيض نحوها.
لكنه سرعان ما استغفر ربه في نفسه، وتذكر أنه لا يريد أن يتجاوز حدود ما أذن الله به، ولا أن يبوح قبل أن يجمع بينهما عقد شرعي مبارك.
كان يدعو الله أن يقربه منها بالحلال، وأن يجعل ما في قلبه طاهرا صادقا لوجهه الكريم.
أطرق برأسه قليلا، ثم تذكر أن اليوم لا دروس له مع قسمها، بل في الحقيقة ليس لها أي دروس أصلا.
شعر بوخزة خفيفة من الفراغ، وكأن غيابها عن يومه أطفأ شيئا من نوره.
مد يده إلى جيبه وأخرج علبة صغيرة، فتحها بتؤدة، فإذا بخاتم رقيق يتراءى له، تتوسطه ألماسة شفافة متلألئة بصفاءٍ نادر.
ظل يتأمله طويلا، يلمع أمام عينيه كأنه يحمل وعدا بمستقبل جديد.
تذكر الأمس حين خرج مع ليا لاختيار الخاتم.
كانت مصرة على أن تختار له أجمل ما يناسب عروسا رقيقة، ولم يعترض.
فما إن وقع بصره على هذا الخاتم حتى شعر أنه خلق ليزين يدها وحدها... يد طالما دعا الله أن يمسك بها بالحلال.
لبث دقائق متواصلة وهو يتأمل الخاتم بين يديه، تتبع بريق الألماسة الصغيرة كأنها تحمل بين طياتها ملامح المستقبل الذي يرجوه.
عيناه شاردتان، وقلبه يزداد اضطرابا كلما تخيلها وهي تضعه في إصبعها.
لكنه ما لبث أن انتفض قليلا، وكأنه عاد من غيبوبة حالمة، ليتذكر أن أمامه واجبا لا ينتظر؛ عليه أن يكمل تحضير درس اليوم.
همس لنفسه بصوت خافت يكاد لا يسمع:
"يا إلهي... أخذت هذه الفتاة كل عقلي"
ابتسم بعدها ابتسامة صغيرة، ثم ضحك بخفة وكأنما يلوم نفسه على شروده الطويل.
أغلق العلبة برفق، وأعاد الخاتم إلى مكانه في جيبه، ثم جذب أوراقه أمامه من جديد، محاولا أن يركز على ما كان يدونه، فيما قلبه لا يزال يسبح في بحرها.
.............
في الشركة:
كان يسير كعادته في الرواق المؤدي إلى مكتبه الخاص، غارقا في التفكير بكمّ الأعمال التي ما تزال على عاتقه.
خطواته ثابتة، لكن ذهنه مثقل بالمهام المؤجلة.
لم تمض سوى لحظات حتى مر بجانب مكتبها، فلاحظ أن الباب مفتوح قليلا، والغرفة تبدو فارغة تماما.
عقد حاجبيه بضيق، وبدأت التساؤلات تعصف بعقله: أين يمكن أن تكون؟ ولماذا مكتبها مفتوح بهذا الشكل؟
توقف لثوان أمام الباب، يمد بصره إلى الداخل وكأنه يبحث عن أثر يدل عليها، ثم زفر بعمق، فشيء من القلق تسلل إلى صدره دون أن يشعر.
وما لبث أن سمع وقع خطواتها يقترب. التفت فرأى تلك الملامح الحادة التي يحفظها عن ظهر قلب، تحمل بعض الأوراق بجدية،تتمتم ببعض الكلمات تحت أنفها و تجعد ملامحها، كأنها لا تترك ثغرة لشيء آخر.
ومع ذلك، في عينيه فقط، كان يراها مختلفة... يراها قريبة من قلبه أكثر مما تظن و مما اعترف.
مرت كلماتها القديمة في ذهنه، حين اعترف لها بمشاعره: لم ترفضه، بل قابلت صدقه بقبول صامت، ثم همست له: "تكلم مع أخي بعد عقد قرانه"
تذكرها الآن وكأنها قالتها قبل لحظة، وابتسم بخفة.
كانت تلك الكلمات أشبه بإشارة خفية، باب لم يغلق... شرط أن يدخل منه بالطريق الصحيح.
لحظات، ورآها ترفع رأسها. وما إن وقعت عيناها عليه حتى احمرّ وجهها على غير عادتها الشرسة والجريئة.
نظرت إليه تحاول تنظيم أنفاسها، ثم، وكأنها لم تكن محمرة، استعادت ملامحها الجدية وهي تقترب قائلة:
"سيد أسيد، السلام عليكم... ماذا تفعل هنا؟"
رفع حاجبه بخفة لتحولها المفاجئ، ثم رد بهدوء:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... لا شيء. كنت مارا فحسب، ورأيت المكتب مفتوحا وأنت لست فيه، فأردت إغلاقه"
ثم أضاف بتمتمة لم تصلها:
"تتنقلين من مكان إلى آخر كالقط، لا تهدئين أبدا... فقط انتظري، حين نتزوج لن أسمح لك بالعمل في الشركة بعد الآن"
نظرت إليه باستغراب،ترفع حاجبا واحدا تردف متسائلة:
"هل قلت شيئا؟"
رفع بصره نحوها بخفة، ثم نفى برأسه:
"لا... لم أقل شيئا. على كل حال، أنا ذاهب الآن.
يوما سعيدا"
ثم استدار مغادرا، تاركا إياها تحدق في ظهره وهو يبتعد ليكمل أعماله العالقة.
.........
بعد أربع أيام:
في الصباح الباكر، ومع صلاة الفجر تحديدا، جلست صاحبة الوجه البشوش على سجادتها، وأمامها مصحفها تتلو ما تيسر من آيات القرآن؛ علَّ قلبها يهدأ قليلا.
مرت أربعة أيام منذ ذلك الحلم، وما زالت لم تخرج من دائرته. ينقبض قلبها كلما تذكرته، أو مر شبح ذلك الشخص أمامها.
ولا تزال أنفاسها تضطرب كلما خطرت ببالها ذكرى ذلك اليوم، تخشى أن تتكرر في حياتها مرة أخرى.
لكنها كانت على يقين أن إخوتها ووالدها لن يختاروا لها إلا خيرا، ولن يسمحوا بتكرار ما جرى حين قررت بمفردها سابقا، ولا تنسى انها اختارته لان الله زرع حبه في فؤادها و أراحها به.
أكملت تلاوة الآيات حتى شعرت بها تتسلل إلى قلبها، تضع فيه الطمأنينة والسكينة.
اليوم هو يوم قرانها، اليوم الذي ستجتمع فيه مع الإنسان الذي قبلته زوجا، والذي أحبه قلبها.
الشخص الذي أرسله الله ليكون شريكا ورفيقا في حياتها.
كانت تظن أنها لن تقدم على خطوة الزواج إلا بعد سنوات طويلة بسبب ماضيها، لكن أقدار الله تأتي فوق كل قرارات البشر.
رفعت كفيها إلى السماء، وخرج دعاؤها بصوت متهدج ملؤه الرجاء بطلب الأمان:
"يا رب، أنت الذي ألفت بين القلوب وجمعت بين الأرواح،
زرعت في قلبي بذرة حبٍ طاهر، فاسقه برعايتك، وأنبته برحمتك، وثبّته بقدرتك.
إن كان قد جاءني ليكون سترا وسندا، فاجعلني له سكنا ومأمنا،
واجعل بيننا مودة ورحمة لا تزول، ووفاقا لا ينقطع.
اللهم اجعله لي كما كان حبيبك محمد ﷺ لعائشة،
واجعلني له كما كانت عائشة لمحمد ﷺ.
اللهم ارزقنا صفاء القلوب، وصدق العهد، وهناءة العيش،
وأكرمنا ببناء بيت ترضيه، وحياة نلقاك فيها وأنت راض عنا"
أكملت دعاءها، وأتبعته بأدعية أخرى تستودع فيها قلبها وحياتها عند الله، راجية أن تكون بدايتها الجديدة كما تتمنى، مكللة بالخير والبركة.
مرت دقائق هادئة عليها، كأنها استراحت من ثقل كان يجثم على صدرها.
ثم رفعت نفسها عن الأرض، تلملم سجادتها ومصحفها بحنو، وتعيدهما إلى مكانهما المعتاد، كمن يودع رفيقا عزيزا على وعد بلقاء قريب.
تنفست بعمق، أحست بخفة تسري في روحها، وبأن يومها هذا لن يكون كغيره.
اليوم ليس مجرد مناسبة عابرة، بل بداية فصل جديد تسطره إرادة الله في حياتها.
وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، رأت في عينيها بقايا قلق يتلاشى أمام نور الطمأنينة الذي تركته تلاوة الفجر والدعاء.
مسحت على وجهها بابتسامة خجولة، وفي قلبها همست:
"اللهم اجعل هذا اليوم مفتاح خيرٍ لما بعده، وبارك خطواتي فيه"
ثم مضت بخطواتها لكي تستحم وتجهز نفسها، مستعدة للقاء القادم الذي سيغير مسار حياتها.
.........
في الطرف الآخر من المنزل، وتحديدا في غرفته المطلة على الحديقة، جلس سيف يتأمل خيوط الفجر المتسللة عبر الأفق، غارقا في بحر أفكاره.
لقد اتخذ في الفترة الأخيرة قرارات كثيرة، لكن أهمها كان القرار الذي ظل يؤجله طويلا، وكان قلبه يرفض تأجيله أكثر.
كانت أخته أول من لمح بوادر حبه، منذ أن بدأ التدريس، لكنها لم تكن تعلم أن المسكين قد غرق في هواها منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناه عليها في بيتهم، حين جاءت لتزور صديقته.
يومها، رآها من الحديقة وهي تدخل، ربما لم تنتبه لوجوده، لكن قلبه ارتجف كما لم يفعل من قبل.
لم يعرف عنها سوى أنها صديقة أخته، فظن الأمر مجرد إعجاب عابر سرعان ما ينطفئ.
حاول أن يقنع نفسه أنه وهم، وأن ما يشعر به ضعف يجب أن يستغفر الله منه.
لكن كيف يتجاهل بذرة زرعها الله في فؤاده؟ كيف يطفئ شعورا كهذا، كلما ذكرتها أخته أو جاءت سيرتها ازداد خفقان قلبه اشتعالا.
تكررت رؤيته لها في بيتهم حين كانت تزور أخته للمذاكرة، وهناك تيقن أن الأمر أكبر من مجرد إعجاب عابر.
وزاد يقينه يوم صادفها في الجامعة بعد أكثر من أربعة أشهر، حينما ساعدها بعفوية في جمع أوراقها المتساقطة.
أعجبه ارتباكها، ذلك الارتباك البريء الذي فضح نقاءها.
ومنذ ذلك اليوم، صار كل تفصيل منها يرسخ وجودها أعمق في قلبه: حركاتها العفوية، نبرتها الرقيقة، وحتى صمتها الذي يتحدث أكثر من الكلام.
لقد أحبها بصدق، حبا لدرجة العشق أحبها حد النخاع.
هام بها بكل ما فيها، حتى غدت جزءا من روحه لا ينفصل.
ولم يبق أمامه سوى أن يتم عقد قران أخته على خير، ليخطو بعدها أولى خطواته نحو ما يريده قلبه منذ زمن: أن يطلب من أخته أن تحدثها، لتعلم أن غايته واضحة وجادة... الزواج بها.
.......
كانت هالة قد بدأت يومها بملامح شاردة، تفكر في ذلك الذي استوطن فؤادها دون استئذان.
خفقان قلبها بات يرهقها، تتمنى فقط ألا يكون وهما عابرا، وألا تكون الوحيدة التي تحترق بنار هذه المشاعر الجياشة.
أشرقت الشمس معلنة بداية يوم جديد، وكان عليها أن تذهب إلى ميس لتكون رفيقتها في هذا اليوم العظيم.
ارتدت عباءة بنفسجية أنيقة، مع إسدال من اللون ذاته، أتمته بحقيبة سوداء وحذاء مماثل. نزلت الدرج بخطى سريعة، حتى توقفت فجأة عند أسفله.
عيناها علقتا على مشهد أبقاها في مكانها، والدتها واقفة قبالة صورة موضوعة على الخزانة في زاوية الصالون، ودموعها تنساب بصمت على وجنتيها.
اقتربت هالة بخفة، عانقتها من الخلف وهمست بنبرة متأثرة:
"أعلم أنك تشتاقين لأبي، وأنا أيضا أفتقده كثيرا... لكن لا ترهقي قلبي برؤية دموعك، أرجوك"
شهقت والدتها بخفة، التقطت أنفاسها ثم ردت بصوت متهدج تغالبه غصة:
"أعلم يا ابنتي، هو قدر الله، لكنني أشتاق إلى جواره"
استدارت نحوها، مسحت دموعها بيد مرتعشة، ثم عانقتها وقبلت رأسها قائلة:
"اعذريني... لن أبكي، ها قد توقفت"
نظرت إليها هالة بعينين مثقلتين بالدموع المتجمعة على رموشها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
"حسنا... يجب أن أذهب الآن. اعتني بنفسك، أرجوك"
أومأت والدتها برأسها، وأضافت بصوت حانٍ:
"رافقتك السلامة، بنيتي... اهتمي بنفسك، وباركي لميساء نيابة عني"
طوقت هالة يد والدتها وقبّلتها بمحبة، ثم خطت نحو الباب.
ابتسمت ابتسامة متماسكة رغم الدموع العالقة في عينيها، ومضت بخطواتها إلى الخارج، تحمل في قلبها ثقل الفقد ودفء الدعاء.
............
في منزل آل الرواني:
كان الصبح قد أشرق على البيت بهدوء، وروانس يقف في غرفته مرتديا قميصا أبيض ، يصل الى فوق الكعب بقليل، يضبط أطرافه كأنه يتهيأ لخطوة عظيمة.
دخلت أمه، تنظر إليه بحنو قائلة:
"زادك الله نورا يا بني، وكتب لك البركة في خطوتك"
ابتسم بخفة يقبل جبينها وهو يلتقط أنفاسه:
"دعواتك يا أمي، فالأمر أثقل على صدري مما توقعت"
وما إن أنهى عبارته حتى أطلت ليا من الباب، وعلى وجهها ابتسامة ماكرة:
"ثقيل؟! لم أرك هكذا حتى يوم تخرجك يا حضرة الدكتور، كأنك ذاهب لتواجه قاضيا بتهمة إرتكاب جريمة لا عقدا شرعيا و اماما فقط!"
قطب حاجبيه نصف ضاحك:
"كفاك تهويلا يا ليا... دعيني أستجمع نفسي"
اقتربت بخفة، وهي تضم ذراعيها وتقول:
"أتعلم؟ أخشى أن تخلط اسمك باسم ميساء أو إسمي من شدة التوتر"
التفت إليها بحدة مصطنعة:
"إياك أن تذكري اسمها في هذه اللحظة!توتري يكفيني أيتها الشرسة"
قهقهت بخفة وهي تشير إليه:
"انظروا إليه! يتصبب عرقا لمجرد سماع الاسم ... كيف ستقف أمامها إذن أيها الموقر؟"
رد ساخرا:
"أفضل حالا منك لو كنت مكانها. يكفيني أن أراك تتلعثمين يوم يحين دورك"
رفعت حاجبها متحدية:
"بل سأكون أكثر رباطة جأش منك... وربما أُلقن الإمام الكلام الذي سيقوله بنفسي"
ضحك روانس بخفة وقال:
"إذن اجلسي مكاني يا أختي العزيزة، وأرينا شجاعتك"
لوّحت بيدها كأنها تستسلم:
"لا، سأترك لك هذا الشرف. لكنني سأراقبك جيدا، ولن أغفل أي ارتباك منك أمام ميساء، سأفضحك أمامها فقط إنتظر"
ابتسم بخجل وهو يتمتم:
"حسبك يا ليا... كأنك لا تريدين إلا أن تزيديني توترا و قلقا"
سكنت ابتسامتها قليلا، ثم نظرت إليه نظرة أرق بحي أخوي خالص وقالت:
"مهما ناكفتك بها يا أخي، فأنا أعلم أنك ستكون على قدر هذه اللحظة.
ميس محظوظة بك... كما أنت محظوظ بها، طبعا للفتاة قدرها"
ساد الصمت لحظة، قطعه صوت والده وهو يدخل بخطوات واثقة، قائلا بنبرة حانية:
"كفى مناكفاتكما الآن، هيا بنا... أهل البيت هناك في انتظارنا"
تنفس روانس بعمق، ثم خرج برفقة والده وأمه وأخته، خطاه ثابتة، وفي قلبه دعاء يردده في صمت:
"اللهم يسر أمري، وبارك عقدي، واجعل فيه الخير لي ولها، واصرف عنا كل سوء، واجمع بيننا على طاعتك ورضاك قبل كل شيئ"
.....................
.
"عقد القران الشرعي هو أجمل اللحظات التي يمكن أن تعيشها القلوب، لحظة نقية يلتقي فيها شخصان على طهر، ويتعاهدان أمام الله أن تكون حياتهما سكنا ومودة ورحمة.
ليس بينهما سوى كلمات صادقة، إيجاب وقبول يفتحان أبواب حياة جديدة، يشهدها الحاضرون ويباركها الله.
في تلك اللحظة يذوب الخوف ويزهر الأمل، وتغدو المحبة عهدا شرعيا معلنا، لا يربط بين جسدين فقط، بل بين روحين اختارا أن يسيرا معا على طريق الحلال.
هو جمال صاف يتجلى في البساطة، في الصدق، في النية الطيبة، وفي ابتسامة قلوب اطمأنت لأنها وجدت طريقها إلى الله وإلى بعضها.
هناك يبدأ العمر الحقيقي، وتكتب بداية الحكاية التي طالما انتظرها القلب."
"وعُقِدَ قرآنُ قلبي على قلبه، فـ ألبستهُ قلبي خاتم مودةٍ واجلالٍ وثناء؛ و ألبسني قلبه تاج حبٍ واستثناء.. رضيتُ بكَ قدراً."
عبد الكريم بدرخان – شاعر سوري معاصر
.
.
.
كانت الأجواء في بيت ميساء تسير على قدم وساق؛ والدتها وإخوتها يجهزون الطابق السفلي لاستقبال الضيوف، فيما الحديقة قد فرشت بالأبسطة استعدادا لعقد القران.
أما ميساء، فكانت في الحمام ترتدي ثوبها، بينما جلست هالة على السرير تنتظرها بترقب.
لم تمض سوى لحظات حتى سمع صوت مقبض الباب يفتح، لتطل ميساء من خلفه.
ارتسمت ابتسامة على وجه هالة وهي ترى الثوب الذي اختارتاه في المرة السابقة، وكيف بدا على ميساء باهرا يبرز جمالها.
كان الثوب ينافس صفاء بشرتها ويلائم لون عينيها ببريقه.
الثوب كان فضفاضا طويلا يصل إلى الأرض، ذو أكمام واسعة، بسيطا بلا زينة متكلفة، ومع ذلك يخطف الأنظار.
وقد أكملت ميساء طلتها بحجاب أبيض تتناثر عند أعلاه ورود صغيرة بالكاد ترى إلا عند التدقيق.
ببساطتها، طغت على كل ما حولها.
رفعت ميساء بصرها نحو صديقتها، والارتباك باد على وجهها وهي تفرك يديها بتوتر.
اقتربت هالة منها بخفة وقالت بإعجاب صادق:
"ما شاء الله، تبارك الرحمن، لا حول ولا قوة إلا بالله... تبدين جميلة جدا يا رفيقتي، كأنك النور ذاته"
خجلت ميساء واحمرت وجنتاها، فقد اعتادت أن ترتبك سريعا أمام المديح، ثم تمتمت بصوت خافت:
"حقا؟ ألا يبدو الأمر مبالغا فيه؟"
قهقهت هالة وهي تلوّح بيدها:
"مبالغة؟! لو نزلت الآن للحديقة، قد يظنّون أنك ضيفة شرف لا صاخبة الزواج"
ضحكت ميساء بخجل وهي تضرب كتفها بخفة:
"كفي عن هذا، يكفيني ما أنا فيه من توتر"
أمالت هالة رأسها بمكر وقالت:
"بل أزيدك توترا، لتظهري أجمل حين يراك الاستاذ الفاضل"
لم تستطع ميساء كبح ابتسامة صغيرة، فقد نجحت هالة مرة أخرى في كسر جمود اللحظة وإشاعة بعض الخفة في قلبها المرتجف.
مرّت الدقائق عليها بطيئة، تجلس في سكون يملأ المكان، وكأنها لا تسمع سوى أنفاسها المتلاحقة وارتجاف قلبها.
خرجت هالة بخطوات هادئة لتتفقد وصول روانس وأهله.
وفي الحديقة التي تهيأت بخشوع اللحظة، تقرر أن يكون عقد القران هناك؛ حيث يجتمع هي وهو، والشاهدان، والإمام، إضافة إلى الأهل.
لم يرغبوا في صخب أو مظاهر كبيرة، فهو عقد قران وحسب، لا زفاف.
كانت متوترة، تشعر بأنفاسها تتسارع، وقلبها يكاد يغادر صدرها.
تهمس لنفسها بكلمات مرتجفة: أن تهدأ، أن تتذكر أنه مجرد عقد شرعي، وأن عليها أن تسير بخطوات ثابتة كما قررت.
لكن قلبها كان يعرف الحقيقة؛ أن ذاك الذي سيكون بجانبها اليوم، والذي ستنطق بالموافقة عليه، هو من أسر فؤادها... ومهما أنكرت، لن تستطيع أن تخفي ذلك.
لبثت ميساء على حالها بضع دقائق، لا تدري كم مضى منها، حتى سمعت صوت هالة وهي تدخل الغرفة قائلة:
"هيا يا ميساء، لقد وصلوا، وهم في الحديقة مع الإمام بانتظارك"
ارتجفت يداها، وتسارع نبض قلبها، وبدت ملامح الارتباك واضحة على وجهها، حتى إنها تمتمت بتلعثم:
"أنا... أنا لست جاهزة. دعينا نؤجل الأمر، حقا لست مستعدة"
اتسعت عيناها حين رأت هالة تقترب منها، واضعة يديها برفق على كتفيها، تقول بنبرة حازمة مطمئنة:
"ما هذا الكلام يا ميساء؟! إنه عقد قران، لحظة مباركة كتبها الله لك، فلا تجعلي الخوف يفسدها.
تنفسي بعمق، واستغفري الله، واهدئي"
أصغت ميساء لكلماتها، وبدأت تتنفس ببطء، تسحب الهواء في صدرها ثم تزفره بهدوء، حتى أحست بأن ثقلا يزول عن قلبها شيئا فشيئا.
ابتسمت هالة لتشجيعها، ثم أمسكت بذراعها بخفة، تسير إلى جوارها وهما تنزلان الدرج معا.
خطواتها الأولى كانت مترددة، لكنها تماسكت، حتى دخلتا الحديقة.
هناك، ساد سكون مهيب يليق بالموقف، وجلست العائلة بهدوء ينتظرون اللحظة.
كان أول ما وقعت عليه عيناها هو ملامحه؛ واقف بثبات، ينظر نحوها بنظرة امتزج فيها الوقار بالرهبة، وكأن اللحظة تجمع بين الحلم والواقع.
تسارعت أنفاسها، لكنها تماسكت أكثر، ورفعت رأسها بخجل، فيما ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة حملت لها طمأنينة لم تجدها في كلمات أحد من قبل.
كانت النساء في طرف بعيد، لا يظهرن كثيرا عن مجلس العقد.
أما في صدر الحديقة، فقد جلس الإمام على بساط بسيط، وعن يمينه والد ميساء، وعن يساره إخوتها، و مصطفى والد روانس كان يجلس في مكان خلف محمد، بينما جلس روانس أمامهم مطأطئ الرأس، يضع يديه المرتجفتين على حجره في صمت مهيب.
تقدمت ميس بخطى بطيئة ثم جلست بجانبه بينهما مسافة محسوبة، وضعت يديها امامها تفركهما بإرتباك و التوتر قد علا ملامحها وظهر جليا امام الجالسين
افتتح الإمام المجلس بخطبة الحاجة، فقال بصوت مفعم بالخشوع:
"إنّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا."
ثم التفت إلى والد ميساء قائلا:
"يا سيد محمد ، هل تزوج ابنتك ميساء لروانس بن مصطفى آل الرواني، على سنة الله ورسوله، وبالمهر المتفق عليه"
أجاب محمد بثبات ووقار حنون:
"زوجته ابنتي ميساء على سنة الله ورسوله، وبالمهر المتفق عليه"
انتقل الإمام ببصره نحو روانس، الذي كان يضم كفيه المرتجفتين في حجره محاولا إخفاء توتره، وسأله بوضوح:
"هل قبلت هذا الزواج يا روانس بن مصطفى؟"
رفع روانس رأسه ببطء، ألقى نظرة سريعة إلى حيث تجلس ميساء، ثم أجاب بصوت مبحوح لكنه ثابت قد إخترق صدر من بجانبه و إختلجت عيناها بفيض من المشاعر حتى تجعت الدموع علىأطراف عينيها:
"قبلتها زوجة لي، سكنا دائما ومأمنا لروحي، وحبيبة للفؤاد ورفيقة للطريق، تحمل عني من عبء الحياة ما تقدر وتشاركني فرحي كما همي.
قبلتها مرهما لجرحي ونسيما يخفف لهيب الأيام، شريكة في الدنيا ودعائي أن تكون لي في الآخرة جنة وقرارا، وبالمهر المتفق عليه"
ابتسم الإمام قليلا وهز رأسه، ثم التفت نحو ميساء التي بدت مضطربة وهي تفرك يديها باستمرار، وقال لها برفق:
"وأنت يا إبنتي ميساء، هل قبلت هذا الزواج على سنة الله ورسوله، وبالمهر المتفق عليه؟"
طرفت بعينيها سريعا، ثم أجابت بصوت مرتجف لكنه مسموع:
"قبلته زوجا لي، سكنا وسندا، يشاركني أفراحي كما همومي، وشريكا في الدنيا والآخرة، وبالمهر المتفق عليه"
أومأ الإمام برضا، ثم التفت إلى الشاهدين اللذان كانا كل من سيف و أسيد قائلا:
"هل شهدتما على هذا العقد وسمعتما الإيجاب والقبول؟"
قال أسيد بوضوح:
"نعم، أشهد على ما سمعت"
وأضاف سيف بثقة:
"وأنا كذلك، أشهد على ما سمعت"
ابتسم الإمام وأعلن:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. وبذلك تم عقد النكاح الشرعي بحضور الولي والشاهدين"
في تلك اللحظة، تقدمت أم ميساء بخطوات مفعمة بالعاطفة تحمل علبة صغيرة فيها خاتمان.
وضعتها أمامهما ثم إبتعدت بهدوء تعود لمكانها، وعيونها تلمع بالدموع.
مد روانس يده نحو الخاتم الأول، أصابعه ترتجف رغم محاولاته إخفاء ذلك.
التفت نحو ميساء، فوجدها تحدق في كفيها وهي تفركهما بلا توقف، وكأنها تبحث عن شجاعة ضائعة.
حين مدت يدها أخيرا، التقت كفها بكفه، فشعرت بحرارة يده المرتعشة، فسرت رجفة في جسدها بالكامل من ثقل المشاعر.
رفع عينيه نحوها في تلك اللحظة، فالتقت نظراتهما على استحياء، ليجد كل منهما في الآخر صدقا وفرجا
وارتباكا.
أدخل الخاتم في إصبعها ببطء شديد، وكأنه يخشى أن يجرح جمال اللحظة بحركة متعجلة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة مرتبكة، فيما كان قلبه يخفق كأنه يطرق جدار صدره.
ترددت ميساء قليلا قبل أن تمسك بالخاتم الآخر.
ارتجفت أصابعها حتى كادت أن تفلت منه، فقرب يده إليها مشجعا، وعيناه لا تفارق وجهها.
بحمرة خجل بدت واضحة على وجنتيها، وضعت الخاتم في إصبعه بحذر، ثم رفعت بصرها سريعا لتلتقط ابتسامته التي منحتها شيئا من الطمأنينة.
ساد الصمت لحظة قصيرة، لكنها كانت أبلغ من أي كلمة.
تبادل الخاتمان مكانهما، ومعهما تبادلت القلوب وعدا جديدا، كتب تحت أنظار الجميع، وباركه الله في تلك اللحظة المباركة.
ثوان فقط، واقترب والد ميساء منها يعانقها ويبارك لها ، ثم التفت إلى روانس فعانقه هو الآخر قائلا بصوت يملؤه الحب والوصية:
"مبارك لكما... اعتنِ بها جيدًا، فهي قرة عيني وحبيبتي"
أومأ روانس يرد بصدق:
"فوق رأسي يا عمي"
بينما مصطفى بارك لهما ثم ذهب ليرافق الإمام للخارج
تقدّم الإخوة بعدها، يحملون نفس المشاعر الصادقة. قال سيف وهو يربت على كتف أخته:
"مبارك صغيرتي، عسى الله أن يرزقك السعادة الدائمة"
وأضاف أسيد بابتسامة يغمرها الحنان:
"بارك الله لك يا حبيبة أخيها"
أومأت ميساء برأسها وهي تعانقهما شاكرة، ثم سمعت صوت والدها يوجهها:
"هيا، اذهبي إلى النساء الآن يا بنيتي"
فأطاعت تذهب بخطى تبدو للعيان هادئة لكنها كانت متوترة لحد الساعة، متجهة نحو مجلسهن.
وفي تلك الأثناء، استدار سيف وأسيد نحو روانس، يبتسمان بخبث قبل أن يعانقاه مهنئين:
"مبارك يا روانس... لكن ما كل هذا الارتباك؟ لم نقم بالزفاف بعد ولم تأخذها إلى بيتك، ومع ذلك كدت تفقد أنفاسك!"
رفع روانس حاجبه ساخرا وهو يهم بالرد، لكن سيف سبقه قائلا بجدية مازحة:
"واعلم أن أختي لن تأخذها لبيتك بهذه السهولة"
حينها رفع روانس حاجبيه معا، ينظر لهما بنصف ابتسامة وبشيء من التحدي:
"سآخذها عاجلا أم آجلا... فقط انتظرا"
أما عند النسوة، فما إن تقدمت ميساء إلى مجلسهن حتى بادرتها هالة بعناق دافئ وهمست لها:
"مبارك لك يا عزيزتي... عسى الله أن يسعدك دائما"
ابتسمت ميساء تشكرها بلطف قبل أن تبتعد قليلا، فإذا بليا تفاجئها بقفزة مرحة وهي تعانقها بقوة قائلة بحماس:
"مبارك يا زوجة أخي! من اليوم أنت أختي وصديقتي... همم"
ضحكت ميساء بخفة وهي تربّت على ظهرها بحنان:
"وأنا أتشرف بذلك يا ليا"
اقتربت منها نور الصغيرة والدموع متجمعة في عينيها، وقالت:
"هل ستذهبين وتتركيني يا أختي؟"
ابتسمت ميس وجلست على الأرض تربت على رأسها، ثم أجابت:
"لا يا حبيبتي، لن أتركك، وسأزورك دائماً. ثم إن وقت ذهابي لم يحن بعد، فما زال أمامنا الكثير من الايام"
مضت قرابة الساعة والنسوة يتبادلن أطراف الحديث، حتى سمعت ميساء نداء من أخيها.
ما إن توجهت إليه حتى قال:
"ميس، هيا يا أختي لتتحدثي مع روانس على انفراد"
رمشت ميس بسرعة وقد بدا عليها القلق والتوتر، وأومأت باستسلام وهي تتقدم مع أخيها نحو الصالون حيث كان روانس في انتظارها.
تركها سيف عند الباب وغادر.
طرقت ميس بخفة ثم دخلت، لتجده جالسا على الأريكة يرمقها بعينين تحملان مشاعر متضاربة.
تقدمت بخطوات مترددة، فوقف هو بدوره يستقبلها.
لم تمر سوى لحظات قليلة حتى وجدت نفسها بين ذراعيه، بينما هو يضع وجهه على كتفها فوق الحجاب يستنشق عبيرها.
لكن ما جعل جسدها يرتجف لم يكن العناق وحده، بل كلماته التي همس بها بعدها، فتجمدت من فيض المشاعر واتسعت عيناها بدهشة.
"كنت أخشى أن أبوح بما في قلبي، لكنني أدركت أن كتمان المشاعر أثقل من كتمان أي سر... أحبك في الله، حبًا يقربني منه ولا يبعدني عنه، يا وتيني."
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ستوب ستوب إنتهى الفصل واخيرا 🥹🥹🥹
اجمل فصل كتبتو حتى الان كمية مشاعر مو طبيعية
اخ بس هالفصل كنت انتظرو من بداية الرواية
شو رأيكم
كيف الاحداث وهل حبيتو التطور
انكشاف بعض الامور كيف
🤧🤧🤧🤧🤧
استودعكم الله الذي لا تظل ودائعه
لا تنسو اخواننا في غزة من دعواتكم
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira