السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
.
.
ملاحظة:
علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.
الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟
.
.
.
.
"كما تتغير الفصول في الطبيعة، يحمل هذا الفصل الجديد نسيم التجديد والإلهام لكل من يسعى نحو الأفضل."
.
.
.
.
"أحبك حبا يفيض في فؤادي كسيلٍ جارٍ لا يَفتر،
لقد ألفَت روحي قربك حتى كأنك دارُها،
وما نطقتُ حبًّا قط، لكنّي إليك أحنُّ حنينَ الظمآن لشربة الماء.
فإن كان للمرء سكن يُسكِّن روعَه،
فأنت سكني الذي لا أبتغي بعده بديلا أيا مُستقرّي"
دق فؤاده وجلاً من هكذا اعتراف، وارتجفت مقلتاه بفيض مشاعر هائجة لم يعرف مثلها من قبل، كأن في صدره عاصفة تتنازع بين الفرح والدهشة، بين الحلم والحقيقة.
وأخيرا... سمعها منها، أخيرا نطقت بحب طالما سكن ملامحها وصمتها، فأشرقت روحه بنور جديد لم يألفه من قبل، وابتسمت نفسه كما لم تفعل يوما.
يداه ارتجفتا حبّا، وأنفاسه تثاقلت من فرط الإحساس الذي يعتصره، كأن قلبه لم يعد يتسع لما يحمله من نبض ولهفة.
نظر إلى وجهها الذي ما زالت عليه آثار الدموع، وفي عينيها بريقٌ غامضٌ صار الآن يفهمه... بريق من الحب، ومن الطمأنينة، ومن وعد لا يقال بل يشعر.
مدّ يده إليها برفق لا يجيده إلا عاشق يخاف على حلمه من الزوال، كأنّ كلّ إصبع منه يود أن يحتضن روحها قبل يدها.
ثم اقترب حتى لامس جبينها بقبلة مرتعشة، قبلة تشبه السجود أكثر مما تشبه اللمس، وقال بصوت متقطع يكاد يغالب نشيجه:
"ما لي طاقة بوصف سعادتي... هكذا اعتراف لا يُحَدّ بقول، ولا يُقدَّر بميزان"
ثم رفع بصره إليها، وتنهد كأن صدره امتلأ بالسكينة أخيرا، وأردف:
"أتعلمين...؟"
نظرت إليه ببريق تعلم من خلاله أن ما سيقول سيفتح على قلبها أبوابا من الجمال والدهشة، فتابع قائلا بصوت يقطر دفئا:
"حين أمسكت يدك اليوم، شعرت أني أمسكت بالدنيا والآخرة معا... يا وتيني، يا نبض روحي الذي لا يهدأ"
اتسعت ابتسامتها حتى ظن أن وجهها نور لا ظلّ له، وارتعشت شفتاها من شدة الفرح، وتلألأت دموعها رقيقة كأنّها لآلئ سالت من بحر داخلي لم تفتح أبوابه إلا له وحده.
ثم همست، كأن دعاء يرفع إلى السماء خرج مع كل حرف:
"وأنا... ما شعرت يوما أنّ الله جمع بين قلبين حلالا إلا وفي ذلك رحمة عظيمة يساق بها الخير.
يا مستقري، يا سكن روحي، يا من يتمم به نقصي، ويجعل بين ضلوعي وطنا"
ظلّ يتأملها كما يتأمل الظمآن عينًا تفجرت بعد ظمأ طويل، وكأنها صبح استوى على ظلماته، أو حياة دفعت إليه هدية من القدر بعد أن ظن أن أبواب الفرح أُغلقت.
وفي تلك اللحظة أدرك يقينا أن بعض الاعترافات ليست كلمات تقال، بل أعمارا تكتب، وأن لقاءهما لم يكن محض حب، بل كان حياة كاملة تجسّدت على هيئة امرأة بكت شوقا... فابتسمت السماء في قلبه لأجلها.
...........
في صباح اليوم التالي، كان جالسا على أريكة فردية، وقد انحنى فوق حاسوبه يسجل بعض الملاحظات ويعد ما يلزمه لدوامه في الجامعة.
وكان الخاطر لا يزال يراوده في أن يأخذ وزوجته إجازة قصيرة يمضيان فيها شهر العسل، غير أنها أبت إلا أن تتم عامها الدراسي الأخير قبل ذلك، وقالت إن لكل شيء حينا مقدورا.
وبينما هو منهمك في الكتابة، أخذ يسمع صوتها العذب يتلو آيات من كتاب الله، يمتزج صوتها بقرقعة أدوات المطبخ ورائحة الخبز المحمر، فكان للمشهد وقع ينساب في صدره انسياب النسيم ويجعله فخورا بإختياره لهكذا مرأة،و مع أنه أخبرها أن يفطرا خارجا إلا أنها أبت ذلك قائلة أنها تريد أن تعد له الفطور بنفسها.
ولما فرغ من عمله، نهض بخطوات هادئة قاصدا المطبخ، غير أنه ما إن بلغ بابه حتى توقف على عتبته كأن الدهشة شدت قدميه إلى الأرض.
لقد أعدت مائدة كاملة؛ أطباق متنوعة من بيض و زيتون و بعض المقبلات السعودية التي يعدونها على الفطور، وجانبها عصير طازج تلتمع قطراته تحت نور الصباح، وكانت منهمكة في إعداد القهوة العربية لتضيفها إلى المائدة...كان مندهشا من أنها قد أعدت هذا في حوالي ساعة فقط وبنفس الوقت من الكمية.
وحين التفتت ورأته واقفا عند الباب، ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وقالت بنبرة تشبه دفء الشمس:
"هلمّ للمائدة، لقد أصبح الفطور جاهزا "
هز رأسه موافقا، وتقدم وهو يقول بنبرة لا تخلو من العتاب اللطيف:
"لمَ كل هذا؟ نحن اثنان فقط، وأنا صباحا لا أشرب إلا القهوة غالبا"
حدقت فيه بعينين مستغربتين وقالت بهلجة جزائرية خرجت بعفوية:
"راك سيرويو لازم تاكل انا كان مناكلش منقدرش نكمل صباحي صايمة ولا بشويا تع قهوة ولا لاطونسيو تهود و الدوخة تحكمني قاع النهار"
رمش بخفة يقول بإبتسامة:
"هلا أعدت كلامك بلهجة أعلمها لأنني لولا معرفتي بأن هذه الكلمات الغريبة لهجتك الأم لقلت أنها شعوذة تحاولين سحري بها "
احمرت خداها متداركة ما فعلت تعيد ما قالته:
" قلت لك أأنت جاد؟ يجب أن تأكل! أنا لا أستطيع أن أمضي الصباح صائمة أو ببعض القهوة فقط وإلا سقط ضغطي، ويهالكني الدوار"
ابتسم محاولا تدارك نفسه:
"إذن كُلي ما استطعتِ... سلمت أناملك الجميلة على هذا الأكل"
أومأت برأسها وهي تحمل بيضة تسلخ قشرتها بترفق، ثم قالت:
"ثم إن أغلب الطعام يحفظ في الثلاجة إن بقي... لا أرميه أبدا، فذلك تبذير"
ابتسم وهو يراقبها بعين يختلط فيها الود بالفخر:
"طبعا... زوجتي تعرف ما تفعل"
توقفت يدها فوق البيضة، كأن الكلمة هزت شيئا دفينا فيها، وارتعشت في عينيها لمعة إعجاب لم تستطع إخفاءها، وقالت بصوت خفيض:
"يبدو أنني سأحتاج وقتا لأعتاد على هذه الكلمة..."
ارتشف من فنجان قهوته ثم قال:
"بالمناسبة... متى يعتزمان أسيد وسيف إقامة زفافهما؟"
رفعت كتفيها وقالت بعد تفكير قصير:
"سيف ينتظر قدوم خال هالة من سوريا، فقد شغلته بعض الأمور... أما أسيد، فاسأل أختك عنه، فهي التي تُماطل"
ضحك وهو يحرك فنجانه:
"ليا... عنيدة قليلا، وستجعله يعاني"
قهقهت بخفة وردت:
"يقولون: لا يتزوجان حتى يتشابها... وقد اجتمع العنيد والعنيدة"
ضحك هو الآخر هادا رأسه ثم أكمل طعامه بإعجاب.
وبينما يمد يده نحو كوب الماء، وقع بصره على طبق صغير في طرف المائدة، تتلألأ حباته تحت ضوء الصباح، فمال نحوه وقال مستغربا:
"وما هذا يا ميس؟ ما رأيته قبل قليل"
التفتت إليه وابتسمت ابتسامة لطيفة وقالت:
"أمي أرسلته قبل زفافنا بيومين للمنزل مع سيف...
هي عادة عندنا قبل الأفراح.
أردت أن تعرف هذه الحلويات الجزائرية...
هذه غريبية، وذاك المشوك"
أخذ قطعة من المشوك الذي يقطر بالعسل وتذوقها، فما لبث أن انفرجت ملامحه دهشة وسرورا:
"ما أطيبها...!
لم أُخبرك من قبل، لكني أعشق الحلويات عشقا طفوليًا لا يفارقني"
رفعت حاجبيها في دهشة نقية وقالت:
"حقا؟ لم أكن أعلم... ولا أمي كذلك. أرسلتها فقط لأنها من هدايا ما قبل الزفاف"
ابتسم وهو يمد يده نحو قطعة أخرى دون تفكير:
"يبدو أنها أصابت نقطة ضعفي دون أن تدري"
ضحكت بخفة، ودفعته للطبق برفق:
"كل ما شئت... سأخبرها أن حلوانا الجزائرية نالت إعجابك"
تنهد بارتياح وهو يرفع قطعة الغريبية:
"في هذه الحلوى دفء غريب... كأنها تعيد لي شيئا من طفولتي"
ثم عاد يكمل فطوره، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لم يستطع إخفاءها.
...........
كانت ليا في مكتبها، منصرفة بتمام عقلها إلى مراجعة تقارير صفقة هامة، وكأنها في خلوة لا يشاركها فيها أحد.
كانت منغمسة في الإتقان غافلة عن الدنيا.
على عتبة الباب، كان يقف هو، يناظرها بهيام عميق في مقلتيه، وقد أسرته هذه الصورة الآسرة.
كان يحب فيها تفانيها الذي لا يضاهى، ويعشق تركيزها الذي تهديه لكل عمل، ولكل مهمة.
لم يكن حبّه لجهدها في العمل فحسب، بل لإخلاصها التام لكل ما تفعله، حرصا على أن يكون بأكمل صورةٍ وأفضل شكل.
كان هذا الإتقان هو سر افتتانه الأول بها.
تقدّم نحوها بخطوات وئيدة كأنه يخشى أن يقطع خيط تركيزها، ثم قال بصوت خفيض يتسلل برفق:
"السلام عليكم"
رفعت رأسها ببطء، كمن يعود من عالم آخر، وعيناها ما زالتا تحملان أثر الغوص في عمل طويل، ثم ردت بنبرة هادئة:
"وعليكم السلام ورحمةُ الله وبركاته"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة تبدد شيئا من الإرهاق الذي يعلو ملامحها، وقالت مداعبة:
"ما الذي جاء بك؟ أليس لك عمل يشغلك؟"
ابتسم بدوره، وطفق يقترب خطوة أخرى وقد انفرج صوته بحنان:
"لقد حل وقت الغداء يا فتنتي العنيدة... وجئت لآخذك معي، فلنتناوله معًا في المطعم القريب"
خفضت بصرها إلى هاتفها، تقلب الزمن بين أصابعها، ثم قالت بدهشة لطيفة:
"حقا... لقد تجاوزت الساعة موعد الغداء، وما شعرت بذلك من فرط انغماسي"
مال نحوها ابتسامة شفيفة، وهمس:
"أرى ذلك... تعالي، فلنغادر قبل أن يسبقنا الوقت"
أومأت موافقة، ونهضت في رفق، ثم تقدمت نحوه حتى تآخى ذراعها بذراعه، كأن بينهما عهدا صامتا لا يحتاج إلى لفظ.
خرجا من المكتب في سكينة، وأغلقت الباب خلفها، ثم مضيا معا نحو الخارج، حيث لفحتهما نسمة خفيفة تذكرهما بأن للحياة جانبا أكثر دفئا من الأوراق والملفات.
وبينما كانا يعبران الطريق نحو المطعم المقابل، كانت مشيتهما تنسجم في وتيرة واحدة، إلى أن وصلا إلى المطعم.
مرت لحظات يسيرة أثقلها الصمت المفعم بما لا يقال، ثم جلس أسيد قبالتها، وقد انتشر عبق الطعام بينهما كرسالة دافئة. كانت لِيَّا أول من كسرت هدوء اللحظة، رفعت بصرها إليه وقالت بصوت فخور:
"لقد راقت لي لفتة ميساء أمس... ما أبهى أن تختم كتاب الله في ليلة زفافها. شعرت بأن في عائلتنا نورا يتوهج، وحقا إني لفخورة بها"
اتسعت ابتسامته، وأومأ موافقا قبل أن يقول وقد رق صوته كأنه يستعيد اللحظة:
"نعم... لطالما أخبرتنا أنا وسيف أنها تعد شيئا مميزا لزفافها، مفاجأة تشبه قلبها.
لكنها لم تبح لنا بشيء إلا في ليلة سبقت عرسها، لقد غمرني الفخر بها يومها"
ابتسمت لياابتسامة مطمئنة، فتابع أسيد وقد خفت نبرة صوته ولامست شيئا منها:
"العقبى لك يا فتنتي العنيدة..."
رفعت حاجبيها، لكن ابتسامتها لم تفارق ثغرها وهي تقول بخفة ممزوجة بعتاب لطيف:
"ألن تكف عن مناداتي بهذا اللقب؟ ثم ما سره أصلا؟"
ضحك ضحكة هادئة، كأنما انفرج صدره بكلمة كان يحبسها، ثم قال:
"لا... لن أكف عنه أبدا. أناديك فتنتي لأنك مذ رأيتك أول مرة سلبتِ عقلي و فتنتني، وجذبتِ عيني لك جذبا لا فكاك له. وأما العنيدة... فذاك أمر لا نختلف عليه، أليس كذلك؟"
هزت رأسها بيأس مصطنع، كأنها تخفي خلفه ابتسامة لا تريد الاعتراف بها، ثم مالت إليه بجدية خفيفة وسألت بصوت خافت يقطر فضولا وحلاوة:
"قل لي يا أسيد... متى وقعت في حبي؟ أي لحظة كانت تلك التي أسرت فيها قلبك؟"
اندهش من سؤالها متمتما تحت أنفاسه بما لم تسمع:
"راكي تحوسي تنكدي عليا في وقت لفطور واقيل"
(تريدين ان تنكدي علي في وقت الفطور على ما يبدو)
ثم بدت في عينيه شرارة لم تنطفئ يوما، وارتسم على وجهه ذلك الهدوء الذي يسبق الاعترافات الكبرى... وكأن اللحظة تنتظر نبضه قبل كلماته.
ابتسم أسيد ابتسامة خافتة حملت في طياتها شيئا من الذكرى وشيئا من الحنين، ثم قال بصوت لا يخلو من صدق يلمع بين حروفه:
"لأكون صريحا معك... لست ممن يؤمنون بالحب من أول نظرة. قد تكون النظرة الأولى فتنة أو انجذابا أو وميض إعجاب، وهذا ما شعرت به يوم لقائنا الأول... يوم كدت بغفلتي أصدمك بالسيارة"
ضحك بخفة وهو يميل برأسه قليلا، كأن المشهد انبعث حيّا أمام عينيه، ثم تابع وقد رق صوته شيئا فشيئا وهو يستسلم لتلك الذكرى:
"لكني أؤمن كل الإيمان أن القلب لا ينبض لقلب إخر إلا بمواقف ذلك الشخص، وبسجاياه، وبما تظهره الأيام لا النظرات.
وأول موقف أوقع قلبي في شِرَاكك... كان يوم أحضرتك إلى أول اجتماع لأختبر كفاءتك، ظننت أنك ستترددين أو ترتبكين، فإذا بك تفاجئينني بثباتك وحدتك في كشف محاولة الاحتيال التي أراد الطرف الآخر تمريرها. يومها... لم أعد أسمع إلا صوتك"
رفع يده ببطء ووضعها على صدره، فوق موضع قلبه، ثم قال بنبرة منخفضة كأنها اعتراف يقال لأول مرة:
"ولم أسمع أيضا... إلا هذا، دقات هذا القلب المتسارعة. أدركت في تلك اللحظة أنني جلبتك لأختبر كفاءتك، فإذا بك تفاجئينني... وتنهار كفاءتي أنا أمامك"
اتسعت عينا ليا دهشة، وانسكب الاحمرار على وجنتيها كقمر خجول يلوذ بالسحاب، حاولت أن تتكلم، أن تقول شيئا، أي شيء، لكن أسيد كان قد انطلق بحديثه كأنما فتح في صدره باب لا يريد أن يغلقه بعد اليوم:
"ثم تتابعت المواقف... واحدا يتبعه الآخر، كل موقف يزيد فؤادي إليكِ قربا، ويشدني شدا لا خلاص منه،
وكان أجملها بل أقربها إلى قلبي تفانيك في العمل، كنت مجرد متدربة، لكنكِ عملت كأنك صاحبة المكان، ودفعت نفسك بعزم لا يفعله إلا أصحاب الهمم العالية، هناك... في ذلك التفاني، وقعت في حبك مرارا وتكرارا"
مال قليلا نحوها، وكلماته تنساب بثقل المشاعر التي في قلبه:
"أصبحت حقا اسما على مسمى... فتنتي العنيدة. فتنت قلبي حتى لم أعد أفرق بين عاطفة وواجب، وملكتني حتى لم أعد أحسن كتمانا، ولهذا... اعترفت لك يوم أردتك زوجة لي،
فما عاد قلبي قادرا على الصمت، ولا فمي قادرا على الخداع"
أطبقت ليا شفتيها، وعيناها ما زالتا معلقتين به، كأن اعترافه لم يكن مجرد كلام... بل نافذة تطل بها على عالم لم تكن تدري أنها ملكته منذ البداية.
لم تستطع ليا للحظة أن تنتزع أنفاسها من أسر كلماته. شعرت وكأن الزمن قد توقف عند وقع اعترافه، وكأن المكان من حولهما تلاشى ولم يبق إلا صوته ينبض في أذنها، رفرفت رموشها مرتجفة، ثم تنفست بعمق كمن يحاول جمع شتات قلب باغتته الحقيقة.
قالت بصوت خافت يكاد يهمس، ومع ذلك كان يحمل شيئا من رعدة الفرح:
"أسيد... إنك تلقي عليّ كلاما لو سمعته الريح لمالت، ولو سمعه الليل لأضاء، لم أتخيل يوما... أن تلك المواقف الصغيرة، وتلك اللحظات العابرة التي مرت بيننا، كانت تفعل كل هذه الأمور بك"
حركت يدها ببطء فوق الطاولة، لا لتلمسه، بل لتقرب المسافة بين قلبين لا بين جسدين بينما هو ظل يناظرها بحب وإبتسامة جميلة.
أضافت وقد ازدادت حمرة وجنتيها علىغير عادتها والتي قد أعجبته كثيرا:
"كنت أظنك لا تراني إلا متدربة مجتهدة... أو موظفة تحاول إثبات نفسها. لم أعلم أن صوتي في ذلك الاجتماع وحده... كان قادرا على زلزلة قلبك"
خفضت بصرها لحظة، ثم رفعت عينيها إليه بنظرة صافية كالماء:
"أما أنا... فقد أحببتك بلا اعتراف، وبلا تسمية، وبلا أن أدري أن ما أشعر به يسمى حبا، أحببتك حين كنت تُقوّم أخطائي لا لتجرحني بل لتعلمني، أحببت صبرك، ورفقك، وطريقتك في حمايتي وكأنك تخشى علي من نسمة هواء، أحببت جرأة طلب الزواج مني و وفاءك بالعهود.. "
توقفت، وكأنها تجمع شجاعتها كلها في كلمة واحدة، ثم قالت:
"لا تقول إنك لم تؤمن بالحب من أول نظرة... لأنني أنا مذ رأيتك تغير في قلبي شيء لم أفهمه إلا بعد إعترافك"
مالت نحو الأمام قليلًا، وأردفت بصوت ينساب كالدفء:
"وإن كنت فتنتك... فأنت الرجل الذي أسكن قلبي دون استئذان. أحبّك يا أسيد... أحبك كما لم أحب أحدا قبلك يا نَبْضِي"
كانت كلماتها كاعتراف خجول لا يمثل ليا العنيدة التي تناقش كل صغيرة وكبيرة و لا أسيد الذي يملأ الجو ضحكا، لكنها حملت في باطنها يقينا لا ينازع، وكأن اللحظة التي جمعتهما وصلت أخيرا إلى الحقيقة التي ظلت تتشكل بصمت... منذ اللقاء الأول.
جلس أسيد مقابلها، والضوء ينسكب على ملامحهما من نافذة المطعم، كأنه يحرص على تسليط لمسة من الدفء على اللحظة، بقي الصمت لوهلة، ليس صمتا ثقيلا، بل صمتا يسبق الكلمات التي تقطع النفس، صمتا كأنه يتهيأ لاستقبال شيء كبير في قلبه.
ثم ابتسم بخفة، ابتسامة تشبه تدفق شعاع الشمس بين الغيم، وقال بصوت منخفض، وه يضع يده علىقلبه بدرامية:
"ياه ليا تعرفي واش درتي بيا هذي الخطرة"
ما لبث أن شرح بالعربية لتفهمه:
"أوه يا ليّا... أتعلمين ما الذي فعلته بي هذه المرة؟"
رفعت حاجبها، وعيناها تتأملانه بفضول خفي، فاستمر بأسلوب يمزج بين الجدية و بعض المزاح:
"لقد جعلت قلبي... يتسابق كما لم يتسابق من قبل. لا أعرف إن كنت لا تعرفين، أم أنك تتصرفين عن علم... لكن الكلمات التي قلتها... هي كسهم أصاب صدري، لم يترك لي وقتا لأفكر أو أتنفس"
أخذ نفسا عميقا، ثم أكمل ببطء، وكأن كل كلمة يرسمها بعناية على لوح الزمن:
"أتعلمين، هناك شيء في صوتك، في طريقة نظرك إلي... شيء يجعلني أرتجف، أضحك، وأموت فرحا في الوقت نفسه. شيء... لا أستطيع أن أشرح له سببا إلا أنه أنت يا فتنتي العنيدة"
مال قليلا نحوها، ضاخكا بخفة،بشكل لا يمكنه أن يخفيه:
"أعلم... أنني أبدو الآن رجلا يسخر من نفسه، ألوذ بالضحك كي أخفي هذا الاضطراب الذي سببته لي... نعم، أضحك لأبدو قويا، لأبدو طبيعيا... لكن الحقيقة أن قلبي، يا ليّا، يئن من الفرح والدهشة، حتى وأنا أحاول السيطرة"
تنفست ليا ببطء، عيناهما تتلاقيان، وكانت الدهشة والحنان يتراقصان بينهما، حاولت الكلام، لكنه رفع يده بخفة، أشار إليها أن تصمت، ثم تابع:
"لكنك تعرفين، أليس كذلك؟ أنت تعرفين أنني أحب كل شيء فيك... حتى تلك اللحظات التي لا تعرفين فيها أنك فتنتني. كل موقف منك... كل نظرة... كل كلمة... كانت تبني حبا لم أكن أعرف أن قلبي قادر عليه... لا أدري، لكن أشعر أن الكون كله يسير على إيقاع دقات قلبينا"
ابتسمت بخجل، ووضعت يديها على الطاولة متماسكة، بينما أكمل هو بنبرة أخف، ممزوجة ببسمة ساخرة رقيقة:
"لكن، دعيني أكون صريحا... هذا كله مؤذي. أنت ترسلينني بين دهشة وحيرة وفرح... وأنا هنا أحاول أن أحافظ على شيء اسمه 'هيبتي'، وأنت تفسدينما وقت ما تشائين!"
ضحكت ليا بصوت منخفض وملامحها لا تدل إلا على إعجابها بما تسمع، فاقترب منها أكثر، ورسم على وجهه ابتسامة لم تعد مجرد مزاح، بل كانت اعترافا مكتملا:
"أعلم أنك ستضحكين، لكن صدقيني... كل هذه المفاجآت... كل هذه الاعترافات... كل شيء منك... يجعلني أعيش، يجعلني أكون أنا... الرجل الذي لا يخشى أن يكون ضعيفا أمامك، الذي لا يخشى أن يبوح بكل شيء لأنه يعرف أن قلبك يحتضنه"
أومأت رأسها، ثم قالت بخفة عنيدة و مشاكسة، كأنها تهمس للهواء:
"أنت... أيها المراهق الكبير...تتصرف كأنني وحدي من أفعل بك كل هذا وأنك لم تفعل شيئا"
ابتسم أسيد ابتسامة خفيفة، ثم أشار بيده وكأنما يعلن حكما لطيفا:
"إذن... بما أنك كذلك... فأنا أطالبك، بمحبة، بصوت رقيق... أن تنادينني أحيانا كما ناديتني منذ قليل... يا نَبْضِي"
حدقت فيه ليا للحظة، قبل أن تنساب ضحكها بخفة، وكأنها تقر بقبول هذا الطلب، وفي قلبها شعور بأنه لا يطلب شيئا مستحيلا، بل مجرد لحظة لهزة قلبية، تجعل العلاقة بينهما أكثر دفئا وأكثر حياة.
همست له بخفة وعي تحمل الملعقة لكي تأكل:
"موافقة يا نبضي"
...............
في الجهة الأخرى في الجامعة تحديدا، كان ذو الخصلات السوداء جالسا في ركن المكتبة، تَحُفُه رفوف الكتب من كل صوب، وأمامه ركام من الملفات التي تتعلق بقضية موكله.
ورغم أنه مر على توقفه عن العمل وقت ليس بالطويل جدا ، إلا أنه عاد إليه ما دام المنهاج قد خف، وساعات تدريسه قد قلت لهذا الفصل الدراسي، فكأنما وجد لنفسه فسحة يعود فيها إلى ميدانه الأثير و شغفه الدائم في المحاماة.
كان غارقا في أوراقه غرقَ من نسي ما حوله، حتى كاد يذوب بين السطور، فلم يشعر بخطاها ولا بظلالها التي انسدلت على سطح الطاولة، حتى انفرج الصمت على صوتها العذب تقول:
"يبدو أن عملك ينتزعك من كل شيئ، أليس كذلك؟"
ارتبك حين اخترق صوتها شروده، فرفع رأسه ببطء، وما إن التقت عيناه بملامحها حتى انفرجت شفتاه بابتسامة خفيفة تعبر عنه كلما وقعت عيناه عليها، وقال بصوت هادئ يشوبه حنوّ:
"أهذه أنت يا منيّتي؟ سامحيني... ما انتبهت إلى حضورك، فقد شدتني الأوراق و غرقت في محتوياتها"
بادلته ابتسامة خجلى، تومئ بخفة وهي تقول بلطف يشفّ عن شخصيتها الدائمة:
"لا بأس... أراك غارقا في شغفك،يا مُتكئي وهذا شيئ جميل"
ثم جلست أمامه كأنما تستعيده من بين ضجيج الملفات، فيهدأ المكان، ويخفق الهواء بينهما بنعومة لا يدركها إلا قلبان يعرف كل منهما صاحبه دون حاجة لبيان.
رفعت بصرها إليه، ملامحها تجمع الخجل والطمأنينة، ثم قالت:
"إذن... هل تسمح لي ببعض الوقت معك؟ فقط قبل أن تكمل عملك"
مد يده يداعب الغلاف الجلدي لأحد الملفات، ثم قال وكأنه يستسلم برضا:
"بل أنا من يحتاج وقتا معك... كنت أنتظر ذريعة لأبتعد قليلا عن هذا الركام"
ضحكت بخفة، تستعيد شيئا من جرأتها اللطيفة:
"جميل... لأني جئت ومعي ذريعة أقوى"
مال نحوها دون وعي، فضوله يتقدم على انشغاله:
"وما هي؟"
أجابت وهي تسحب من حقيبتها شيئا مغطى بورق صغير:
"جلبت لك قهوة، كما تحبها...بسكر متوسط، حتى تستعيد بعض تركيزك"
نظر إليها للحظة طويلة، ثم قال بصوت خافت يشبه الاعتراف:
"أخشى أني... كلما رأيتك، يذهب كل تركيزي مهب الريح"
وضعت كوب القهوة أمامه، لكن بدا وكأن شيئا ما يشغلها أكثر من هديتها الصغيرة، فشبكت أصابعها فوق الطاولة وقالت بنبرة هادئة:
"آه... قبل أن أنسى... خالي اتصل بي اليوم"
رفع حاجبه باهتمام، يترك القلم جانبا كليا هذه المرة:
"حقا؟ ماذا قال؟"
ابتسمت بخفة، وفي صوتها لمعة ارتباك لطيف:
"أخبرني... أنه سينتهي من كل أموره في غضون أسبوع فقط و يأتي"
لمعت عيناه بوضوح، وكأن الخبر حرك شيئا في قلبه أكثر مما في تفكيره.
أغلق الملف تماما، ودفعه بعيدا كأن الموضوع كله انتهى، ثم قال بنبرة هادئة لكنها محملة باليقين:
"أسبوع؟ هذا يعني..."
توقف لحظة، يتأمل ملامحها قبل أن يكمل بنبرة منخفضة تشبه وعدا:
"أننا جاهزان، هالة، كل شيء من جهتي مرتب... ويمكننا إقامة زفافنا فور وصوله"
اتسعت عيناها قليلا، لم تكن تتوقع أن يجيب بهذه السرعة ولا بهذا الثبات، فتنهدت بخفوت:
"أكنت... تنتظر هذا الخبر؟"
ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تظهر إلا حين يراها:
"منذ عقدنا القران... وأنا أنتظر اليوم الذي ننتقل فيه من الوعود إلى الواقع"
خفضت رأسها قليلا، وفي وجنتيها لون لا يخفى، ثم قالت بخجل لطيف:
"سيف... أنت تجعل الأمر يبدو... حقيقيا جدا"
رد عليها بصوت أقرب للطمأنة منه للكلام:
"وهل هناك ما هو أكثر حقيقة من رغبة رجل في أن يبدأ حياته مع من اختارها قلبه؟"
وضعت يدها على الطاولة دون أن تقصد، فمدّ يده يلامس أطراف أصابعها برفق، وقال بابتسامة صافية:
"أسبوع فقط... وتزفين إليَّ عروسا"
إبتسمت بخجل ثم نهضت من مقعدها تقول:
"أنا سأذهب لدي محاضرة الآن يجب أن أحضرها"
أومأ سيف برأسه في هدوء، بينما كانت هالة تستدير خارجة من المكتبة، ترسل خُطاها على الممر الطويل المتجه نحو قاعة المحاضرات.
وما إن لامست عتبة القاعة ودخلت، حتى تراءى لها وجه ميساء الجالسة في الصف الأمامي بنقابها الأسود لا يظهر منها إلا عيناها التركوازية ، فانعقد حاجباها دهشة، وكأن السؤال قد اشتعل في عينيها قبل فكرها:
ما الذي جاء بها إلى هنا؟
كان من المفترض أن تكون في بيتها، تنعم بسكينة يومها الأول بعد الزفاف.
اقتربت منها بخطواتها، تلقي السلام بصوت خافت:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
رفعت ميساء رأسها، وعيناها تحملان بريقا جميلا ما بين ابتسامة و فرح:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
جلست هالة إلى جانبها، وما يزال التعجب مرسوما على قسمات وجهها:
"وما الذي أتى بك اليوم؟ أليس من المفترض أن تلزمي المنزل هذه الأيام؟ أو حتى تذهبي أنت وزوجك لمكان ما في عطلة"
ابتسمت ميساء من تحت نقابها، وقد سرت في ابتسامتها طمأنينة ظهرت من عينيها :
"لم أشأ أن أفوت دروسي بما أنه عام التخرج... فاتفقنا أن نؤجل كل شيء إلى ما بعد نهاية العام . ثم إن حصة الصباح لم أحضرها هي و التي بعدها، فقلت أحضر هذه لعلي لا أتراخى"
أومأت هالة وقد بان في عينيها تفهم ورقة، ثم سألتها:
"ومن سيُدرّسنا هذه المادة اليوم؟"
هزت ميساء كتفيها في حياء لطيف:
"سألت روانس، فقال إننا سنعلم حين يحين الوقت... لكنه لم يشأ أن يخبرني. ومع ذلك... أتمنى أن لا يكون هو"
انعقد حاجبا هالة مرة أخرى، وقالت مستغربة:
"ولمَ لا؟ دروسه جميلة واضحة، وشرحه لا يُشقّ له غبار"
أطرقت ميساء برأسها قليلا، وكأن الخجل قد غمر وجنتيها بلون وردي لم يُرى، ثم قالت بصوت رقيق:
"أعلم يا رفيقتي... والله أعلم كم أحسنت الاستفادة من دروسه. ولكن... أخجل. أخجل أن يكون زوجي هو أستاذي. بالكاد تهيأت في الفصل الماضي قبل الزواج... فكيف الآن؟ ونحن تحت سقف واحد... ثم أدخل إليه تلميذة وهو مدرّس! أشعر بأن في الأمر شيئا غريبا، كأن قلبي يسبقني إلى الباب هربا كلما فكرت في ذلك"
وضعت هالة يدها على يدها برفق، وربتت عليها مطمئنة:
"وهل يستحي القلب من صاحبه يا ميساء؟ ثم بالعكس أن يدرسك زوجك أحسن من الغريب."
.............
ها هو يمضي في الرواق الفسيح، يخطو بخطوات وئيدة تشبه نبرة شاعر يجر خلفه همسا دافئا.
كانت ابتسامة خفيفة تشق فاهه، ابتسامة تتأرجح ما بين العبث والفرح، فكلما تذكر حديثها معه في السيارة قبل ساعة فقط، ازدادت تلك البسمة رسوخا.
قبل ساعة، داخل السيارة،
كان يقود ببطء هدوء على الطريق، لم يقطع الصمت شيء سوى صوتها الرقيق الذي خرج خجولا، كعصفور يتردد قبل أن يهبط على غصنه:
"من... من سيدرسنا فقه الحديث؟ أهو... أنت؟"
سقطت الكلمات من فمها خافتة، كمن يخشى أن يلامس الحقيقة بيده، التفت إليها برهة، تتملكه دهشة لطيفة لم يستطع إخفاءها:
"ولماذا؟ أهناك ما يدعوكِ للقلق؟ أم أنك لا تريدينني أستاذا لكِ؟"
فركت أصابعها بعضها ببعض، كمن يحاول تفتيت توتر عالق في أطرافه، ثم قالت بنبرة سريعة مرتبكة:
"ليس أنّي لا أريدك أن تدرسني... لكنّي... أخجل.
أشعر أن الأمر غريب قليلا ... أن يكون أستاذي هو... زوجي. لا تفهمني خطأ صحيح أنك درستني الفصل الماضي لكننا لم نكن متزوجان آن ذاك...
أما الآن، أنا فقط أستحي من فكرة الوقوف أمامك كطالبة تنتظر تقييمك"
انزلقت أنفاسها بعدها في زفرة طويلة، كأن حملا صغيرا خرج معها، بينما عيناها تحدقان في أرضية السيارة، تتجنب النظر إليه كي لا يفضحها ذلك البريق فيهما.
روانس، الذي كان يصغي لها بكل رفق، أطلق ابتسامة تحمل من الحنان بقدر ما تحمل من فخر، وقال بنبرة هادئة:
"أي خجل هذا يا وتيني؟ الأمر ليس غريبا.
وإن درستك، فلن يتغير شيء. سأعاملك كأي طالب عندي، أدفعك إلى الأفضل... لا تقلقي"
رفعت رأسها بخجل يلون وجناتها بلون الرمان وقد حمدت ربها لعدم ظهور ذلك ، وسألت:
"وهل... هذا يعني... أنك أنت من سيدرسني فعلا؟"
لحظتها، رفع يده ليمسح شيئا من ضحك كاد يفلت منه، يهمس بخفة:
"خجلك هذا حقا محبب لي"
ثم أوقف السيارة داخل مرآب الجامعة.
التفت إليها بعينين تشعان سكينة وقال:
"لا أعلم بعد... وستعرفين مثل غيرك من الطلبة حين يرن جرس الحصة، لا شيء يسبق وقته، يا وتيني"
كانت كلماته كنسمة دافئة عبرت قلبها، فيما بقي صوتها يترد د في رأسه هو، يصنع تلك الابتسامة التي ظلت تلازمه وهو يتجه نحو قاعة المحاضرات... وكأنها ترافق خطاه خفية.
وها هو يقف أمام قاعة المحاضرات، ارتدى قميصا أزرق بلون السماء، وسروالا أسود يضفي عليه الوقار، أما حذاؤه الأسود فكان يلمع بخفة، في معصمه ساعة فضية تلتمع كلما لامسها الضوء، تزيده وقار رجل يحسن اختيار لحظته، وشعره الأشقر قد سُرّح بعناية بالغة حتى بدا كأنه حرير سكب على جبينه.
ولم يكن ما يرتديه اعتباطا؛ فوتينه من اختارت له هذا الطقم مخبرة إياه عن حبها للون الأزرق.
رفع يده نحو مقبض الباب بتمهل، ثم فتحه بخطوة رزينة، ودخل القاعة مرددا بصوت جهوري هادئ:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
وما إن انسكبت كلماته في القاعة حتى سمع ارتطاما خفيفا، تلاه حفيف جلوس متعجل، كأن الطلاب فوجئوا بطلته.
لم يرفع رأسه مباشرة؛ ترك للحظة أن تستقر، وكأن الصمت يعيد ترتيب أنفاسهم، ثم رفع نظره نحو الصف الأول... وهناك وقعت عيناه عليها.
ميساء، تسمرت كتمثال نُحِت على غفلة، اتسعت عيناها بدهشة صافية.
لم تتحرك إلا عينيها بعدها برمشة خفيفة دلت على إمتعاضها من عدم إخبارها.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، تلك التي لا يعرف سرها إلا هو وهي، ثم تابع طريقه نحو مكتبه بخطوات موزونة.
وضع حقيبة حاسوبه على الطاولة، رتب مستلزماته بيد هادئة، ثم استدار إليهم وقال بصوته الواثق:
"أهلا بكم... لا حاجة للتعريف بي، فأنتم تعرفونني، وتعلمون طريقتي في التدريس"
تجولت نظراته على الوجوه المتحفزة، بعضها يلمع بفضول، وبعضها بدهشة ترتعش، ثم أردف:
"سأكون أستاذا لكم في مادة فقه الحديث لهذا الفصل.
وكما عهدنا، فهذه المادة مثل سابقاتها عظيمة في بابها، جميلة في معانيها، تهذب العقول وتفتح أبواب الفهم لمن يطرقها بصبر وتؤدة"
ارتفع الهدوء في القاعة كحرير يتموج، وكأن لحظة دخوله قد حملت الهواء شيئا من الهيبة والدفء معا.
هناك، في الصف الأول، كانت ميساء لا تزال تراقبه... بنبض تعرفه هي، ولا يفصح عنه هو أمام طلابه لكنها تشعر به من نظراته.
استدار بهدوء، ثم التقط قلما بيده وتوجه نحو اللوح، يدون التاريخ في أعلاه بخط واضح، ثم خفض يده قليلا ليكتب تحته الحديث الذي سيشرع في شرحه اليوم.
عَنْ أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ:
" إِنَّ مَثَل مَا بعَثني اللَّه بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ كَمَثَلَ غَيْثٍ أَصَاب أَرْضاً فكَانَتْ طَائِفَةٌ طَيبَةٌ، قبِلَتِ الْمَاءَ فأَنْبَتتِ الْكلأَ والْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمسكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّه بِهَا النَّاس فَشَربُوا مِنْهَا وسَقَوْا وَزَرَعَوا. وأَصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينَ اللَّه، وَنَفَعَه بمَا بعَثَنِي اللَّه بِهِ، فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمثلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً وِلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ "
متفقٌ عَلَيهِ.
ثم استدار إليهم، يضمّ القلم بين أصابعه كمن يستعد لفتح باب جديد من العلم، وقال بصوت هادئ يليق بوقار الموقف:
"قبل أن أبدأ بشرح الحديث ومعانيه، سأمهد لكم بتعريف يسير عن فقه الحديث..."
جالت عيناه بين الوجوه المنتبهة، ثم أردف:
"فقه الحديث هو الفهم العميق لمعاني كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والغوص في دلالاته ومقاصده، واستنباط ما فيه من حكم وأحكام وآداب.
هو ليس قراءة ألفاظ فحسب، بل تدبر لما وراءها؛ معرفة سياقها، وسبب ورودها، وما يرشد إليه توجيه النبي الكريم في كل كلمة قالها.
فالعلم بالحديث رواية، أما العمل به وتبيّن مراده فهذه هي درايةٌ تُنير القلب قبل العقل"
ثم أضاف وهو يضع القلم على الطاولة بلطف:
"وبهذا الفقه، يتحول الحديث من نصٍّ تلفظه الألسنة... إلى نور تسير به الأرواح"
رفع القلم مرة أخرى، وكتب على اللوح كلمات مفتاحية: فهم، تدبر، تطبيق، نقل، ثم نظر إليهم بجدية وابتسامة هادئة:
"فقه الحديث ليس مسألة أكاديمية فقط، إنه حياة. عندما نفهم الحديث، نحن نفهم سياقه، وسبب ورود كل كلمة فيه، ونستنبط الأحكام، ونميز بين ما هو أساسي وما هو فرعي... وبهذا، يتحول الحديث إلى نور لا يضيء فقط أذهاننا، بل قلوبنا أيضا"
ثم جلس قليلا، مستمتعا بالهدوء الذي ملأ القاعة، وكأن كل كلمة قالها كانت تتردد في أرجاء المكان، وأضاف بنبرة أقرب إلى الحكاية:
"هناك طبقات في الفهم. فبعض الناس يسمعون الحديث ويفهمونه جزئيا فقط... كالأرض التي تنبت قليلا، لا تُثمر إلا قليلا.
وبعضهم يتعمق، ويتدبر، ويطبق... هؤلاء هم الذين يزرعون حياة حقيقية، ويجعلون من حديث النبي صلى الله عليه وسلم نورا يضيء طريق الناس"
وارتفع صوته قليلا ليشد انتباه الطلاب:
"هنا يكمن جمال فقه الحديث: أنه يربط بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والعمل، بين القلب والعقل.
لا يكفي أن نعرف الحديث لفظيا، يجب أن نستوعبه، أن نعيش معانيه، وأن نجعل منه دليلا في حياتنا اليومية"
ثم أخذ القلم مرة أخرى، وكتب على اللوح:
'فقه الحديث = معرفة + تدبر + تطبيق + نشر'
وشرح قائلا:
"المعادلة بسيطة، لكنها عميقة: المعرفة تأتي أولا، ثم التدبر فيها، وبعد ذلك التطبيق، وأخيرا نشر الخير للآخرين.
بهذه الطريقة، يتحول كل حديث إلى مصدر نور، لا يضيء فقط لنا، بل لكل من حولنا"
أمال رأسه قليلا كما لو يحيي حضور كل قلب مستعد لسماع كلمة الحق.
ثم رفع صوته، متأنٍ في كل لفظ، وقرأ الحديث النبوي الشريف:
"إِنَّ مَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ منَ الْهُدَى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا..."
ابتسم قليلا، ثم تابع:
"الحديث يصف ثلاثة أنواع من القلوب كما تصف الأرض ثلاثة أنواع من الأرض: الطيبة، الأجادب، والقيعان.
أول هذه الطوائف، الأرض الطيبة، هي التي قبلت الماء، فأصبحت خضراء، أنبتت الكلأ والعشب الكثير.
هذا القلب، يا طلابي، هو قلب يتلقى العلم بروح صافية، يفهمه، يطبقه، ويزرع الخير من حوله.
هو إنسان نافع، يفقه في دين الله، ويفهم مقاصد النبي ﷺ من حديثه، ثم ينقله للآخرين كما نقلت له النعمة"
مر بخطاه على الطلاب، ووقف أمام الطاولة في الصف الأول حيث جلست ميساء بمسافة معتبرة، فتوقف بها قليلا:
"هذا النوع من القلوب لا يكتفي بالحفظ، بل يعمل، ويعلم، ويزرع، ويحيي.
تماما كما تروي الأرض الطيبة النباتات والثمار، تغذي الناس بما تعلمت، وتنتشر بها الحياة"
ثم خفف صوته قليلا، وأشار إلى اللوح حيث كتب الحديث:
"أما الأرض الأجْدَب، فهي تلك التي أمسكت الماء، لكن لم تنبت كلأً. هذه تشبيه للقلب الذي يحفظ العلم، لكنه لا يثمر العمل، لا يجتهد في الفهم العميق، لكنه مفيد للناس في نقل ما يحفظه، كما في الحديث: 'فَنَفَعَ اللَّه بِهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا'.
يظل قلب صاحبها محتفظا بالعلم، لكنه لم يرتقِ به إلى مستوى العمل الكامل"
تقدّم روانس قليلا نحو منتصف القاعة، ورفع صوته ليصبح أكثر جدية:
"وأما الطائفة الثالثة، القيعان، فهي الأرض التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ.
القلوب القاعية، يا طلاب، لا تستفيد من العلم؛ تسمع، لكنها لا تحفظ، تحفظ، لكنها لا تعمل، تعمل، لكنها لا تفيد الآخرين.
وهذا درس هام: العلم بلا فقه ولا فهم ولا عمل، لا قيمة له، ولا يثمر خيرا، وهو تحذير لكل من يكتفي بالحفظ دون استنباط المعاني وتطبيقها"
عاد إلى مكتبه، ورفع يديه ليشرح معنى الفقه الذي استنبطه من الحديث:
"الفقه، كما ورد في الحديث، ليس مجرد حفظ النصوص، بل فهمها وفهم مقاصدها وعلاقتها بحياة الناس.
فقط القلب الذي فقه في دين الله، نفع بما بعث النبي ﷺ به، فعلم وعَلَّم. هنا يجتمع الحفظ والفهم والعمل والتعليم.
العلم النبوي ليس كلمات تُتلى فقط، بل حياة تثمرها القلوب الطيبة"
أمال رأسه قليلا إلى الطلاب:
"تدبروا معي، يا أحبتي:
الغيث الذي ينزل على الأرض ليس هو الحياة فقط؛ بل قبول الأرض له، واستعدادها لاستقبال الماء هو ما يصنع ما ينبت منها.
هكذا هي القلوب، بعضها يفتح نفسه للهداية ويستقبلها، وبعضها يحتفظ بالعلم دون أن يتغير، وبعضها يرفضها ولا يجد فيها أثرًا"
ثم نظر إلى ميساء التي كانت مستغرقة في التفكير، وقال:
"إن أردتم أن تكونوا من الطائفة الأولى، عليكم أن تتعلموا، وتفقهوا، وتعملوا، ثم تعلموا غيركم، وتنشروا الخير، فذلك ما يريده الله من كل مسلم يتلقى العلم:
أن يكون نافعًا لنفسه وللآخرين"
أكمل روانس، متكئا على الطاولة قليلا، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه:
"الحديث، يا طلاب، يعطينا ثلاث قواعد ذهبية:
أولا، العلم هداية ورحمة.
ثانيا، قبول القلب واستعداده للمعرفة هو ما يصنع الفرق بين قبول العلم أو مجرد حفظه.
ثالثا، العمل بالعلم ونقله للآخرين هو أعلى درجات الفقه والفهم.
هذه القلوب، كما وصفها النبي ﷺ، هي من يجعل العلم يثمر ويعيش في الناس"
ثم أضاف بحنان:
"انظروا إلى أنفسكم، تأملوا القلوب، فاسألوا أنفسكم:
هل أنا أرض طيبة؟ أم أجْدَب؟ أم قيعان؟ العلم بلا عمل مثل المطر على صخر: لا يثمر، ولا ينفع، والهدى بلا قلب يقبله يذهب هدرا.
لذلك، علينا أن نزرع في قلوبنا استعدادا للاستقبال، وأن نثمر العلم بالعمل، وأن ننقله للآخرين كما نرشد المبتدئين"
كانت القاعة قد امتلأت بصمت يوازي عمق الحديث، وكأن كل كلمة كانت بذرة صغيرة تسقط في قلب كل طالب.
مر روانس بين الصفوف، يراقب ملامح الطلاب، ويبتسم وهو يراهم يتأملون في أنفسهم، وقد بدأ بعضهم بالفعل يكتب ملاحظات وتدوينات على هامش دفاترهم، محاولة لفهم أنفسهم في ضوء الحديث.
ختم قائلا:
"فلنسع، يا أحبتي، لأن نكون الأرض الطيبة، نفتح قلوبنا للغيث، نعمل بما تعلمنا، وننفع الناس كما أمرنا الله ورسوله ﷺ.
وليكن درس اليوم ليس مجرد قراءة حديث، بل حياة نتلمسها ونعمل بها.
تذكروا: العلم بلا فقه بلا عمل بلا تعليم للآخرين، كالأرض التي لا تنبت، أما العلم المطبق والنافع فهو الغيث الذي يحيي القلوب والخلق"
وابتسم روانس وهو يعود لمكتبه يجمع أقلامه، ويترك القاعة مليئة بالتأمل والفكر، بينما الطلاب يشعرون وكأن المطر النبوي قد هطل على قلوبهم، فازدهرت فيها بذور الفهم، والعمل، ونقل الخير.
...........................
انقضى اليوم على درس بديع، درس لا ينسى في قلب كل طالب حضر قاعة ذلك الأستاذ، وكانت هالة إحدى هؤلاء المحظوظين.
جلست إلى جانب سيف في مركبته، وهو يسوق ببطء متأن، حريصا على إيصالها إلى البيت سالمة.
فجأة، شعرت بوقفة مفاجئة للسيارة، فرفعت عينيها إليه فوجدته يحدق فيها، ناطقا بصوت هادئ يخاطبها:
"انتظري هنا... سأنزل لأبتاع فنجان قهوة، عساه يهدئ صداع رأسي. ألك حاجة؟"
ابتسمت هالة، ثم هزت رأسها نفيا، فأومأ لها مبتسما، وفتح باب السيارة نازلا إلى الخارج.
وما إن رحل، حتى ضلت هي جالسة، تتأمله بعينين لا تشبعان النظر، حتى اختفى داخل المقهى عن مرأى العين.
أعادت رأسها إلى الأمام لحظات قليلة، كأنها تحاول أن تستعيد أنفاسها وتجمع شتات أفكارها، غير أن تلك اللحظات انكسرت سريعا...
إذ انطلقت من صدرها شهقة مباغتة، حادة، كأنها خرجت من موضع لم تجرؤ على لمسه منذ أعوام.
ارتفعت يدها إلى فمها محاولة كبحها، لكن الصمت الذي تلاها كان أثقل من أن يحتمل؛ صمت لف روحها كما يلف الضباب قمة جبل موحش.
ثمّ انهمرت دموعها فجأة، تتساقط قطرة بعد أخرى، كأن سحابة شتوية ثقلت بحملها فوق قلب صغير، فتفجرت عليه دون رحمة.
كانت تنظر أمامها بعينين شاخصتين لا تبصران الطريق، فيما عقلها يغوص في مكان سحيق... مكان لا اسم له، ولا باب، ولا ضوء.
.
.
.
.
.
.
.
.
إنتهى الفصل
آراءكم
لن أطيل عليكم فلا وجود لما أقول
أقول لكم أحبكم و نلتقي في الفصل القادم
دمتم بخير
ولا تنسو إخواننا في غزة و السودان بدعواتكم
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira