صوتك كان ملاذي

صوتك كان ملاذي

22 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

1

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

1

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

ملاحظة:

علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.

الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟

قبل البدء في القراءة، أحضري كوب شاي أو قهوة، أو حتى عصيرك المفضل، مع بعض المقرمشات إن توفرت. وابتعدي قليلًا عن العائلة، لأن ما سيحدث لبطنك الصغير قد يجعلك تصرخين، تضحكين، أو حتى تخجلين في بعض مواقف الأبطال. وان كنت حساسة جدا ربما تبكين.

والآن، أترككم مع رحلة من 4200 كلمة … 🫠

.

.

.

"تجمّد الزمن من حولها، وكل حركة صغيرة تحرك قلبها كعاصفة، والهواء خانق يضغط على صدرها بلا رحمة."

.

.

.

.

أحيانا تمر بموقف لا يؤثر فيك لأنك تعيشه الآن، بل لأنه كان مرآة لماض قاسيته.

فتعود الحالة نفسها، والمشاعر ذاتها، سواء كان الموقف مفرحا أو مؤلما.

لكن أقساها ذاك الذي ترك في نفسك كسرا لم يجبر بعد.

فنظل دائما حبيسين في ضيق ما عشناه، نحاول ردم الماضي الذي التهم فؤادنا، فتكون ضريبة ذلك خسارة أنفسنا.

مكلومة القلب كغصن جاف كسر في مهب ريح صرصر، تخفي كمدها ببشر ما اقتنعت به وما صدقته.

فكان سبيلها شائك العتبات، حتى زاد فوق الجراح جراحا.

.

.

"ظننتِ أن إهانتك لي أنت وذلك الأستاذ ستمر هكذا؟ أيتها العفيفة المتصنعة!"

ارتجف الهواء بينهما، كأن المكان كله ضاق بأنفاسهما.

كانت عيناه تشتعلان بظلمة تشبه ظلمة قلبه الذي إمتلأ بحقد خلفته إهانة كان هو سببها، لا يرى فيها سوى صورة لكرامته المهدورة كما يتخيلها، ولا يسمع إلا صدى غروره المكسور وهو يطالب بالانتقام.

جذبها بقسوة أقرب إلى الجنون، فارتطم جسدها بالجدار، وامتزجت رعشتها بصوت دقات قلب يصرخ دون أن يسمع.

في تلك اللحظة، لم تعد ترى الجدار الجامعي ولا الرواق،

بل انفتح في داخلها ماضي مقيت.

عادت الذكريات تتقافز في عقلها الذي غادر المكان، تلتف حولها وتخنقها حتى بات التنفس صعبا،و الحديث أصعب.

أنفاسها تسارعت، واتسعت عيناها في ذهول، بينما تبرق الدموع في مآقيها دون وعي.

انسحبت الدماء من وجهها حتى غدا شاحبا كجسد فقد الحياة، واشتد خفقان قلبها حتى كاد يخرج من صدرها. تسلل العرق إلى جسدها المرتجف، وغصة خانقة تعتصر حلقها، يصاحبها ألم حاد ينهش صدرها.

لم تعد تعي الحاضر، كانت هناك، في زمن و مكان آخر…

في ذلك الممر القديم، بين ذلك الوجه الذي لم يمح من ذاكرتها.

يداه المطبقتان على معصميها أيقظتا في جسدها ذاكرة الخوف، فاختنق الهواء من حولها، وتجمد صوتها في صدرها. تصاعدت حرارة جسدها المضطرب، حتى شعرت وكأنها تنفصل عن ذاتها تمامًا.

كانت غارقة في نوبة هلع تمتص وعيها رويدا رويدا،

تتقلص في مكانها كطفلة مذعورة تبحث عن أمان لن تجده.

ذلك الذي كان أعمى بغضبه، ما إن رأى حالتها حتى تملكه الذعر، وكأنه لم يكن قبل لحظات ذلك المتبجح المتغطرس.

ارتدت يداه عن جسدها فجأة، بعد أن كانت قد بدأت تتلمس مواضع منه، فتراجع خطوة إلى الوراء مذهولا، بينما هي سقطت أرضا، إذ خذلتاها قدماها، وعجزت عن الوقوف تحت وطأة الصدمة.

وفجأة، اخترق السكون صوت غاضب كالرعد:

"ابتعد عنها أيها الفاسق"

استدار الطالب مذعورا، قبل أن تصطدم قبضة روانس بوجهه، ضربة عنيفة أطاحت به أرضا.

1

اندفع نحوه بلا تردد، تتقد ملامحه بغضب لم يعهده أحد منه.

انهال عليه بضربة تلو أخرى، وصوت ارتطام الجسد بالأرض يتردد في الممر الفارغ كصدى الغضب والوجع،صفعة تليها صفعة و قبضة بعد قبضة حتى تجرحت يداه اثر ذلك.

كان قد عاد من مكتب المدير بعد أن وجده مغلقا، ليصادف المشهد الذي نسف سكونه، وسرق منه أنفاسه.

لم يرى شيئا سوى ذعرها… ذلك الذعر الذي شق قلبه نصفين.

توقف فقط حين سمع خلفه أنفاسها المتقطعة.

التفت، فرأى ميس جالسة على الأرض، وجهها شاحب كأن الحياة فرت منه، نظراتها شاردة، تتنفس بسرعة كمن يغرق في صدمة لا قاع لها.

ميس لم تكن تسمع أو ترى ما يجري حولها، كأن العالم بأسره انكمش بعيدا عنها.

كانت محاصرة في صدى الخوف، في صمت ثقيل لا يكسر، وعيناها معلقتان في الفراغ، لا ترى سوى المشهد الذي حطمها يتكرر في ذاكرتها ككابوس لا ينتهي.

تجمعت أنفاسها بصعوبة، كأنها تجر الهواء من عالم بعيد، بينما ظل هو جاثيا أمامها، يحدق فيها بقلق لم يعرفه من قبل.

كان وجهها شاحبا، ودموعها تلمع كزجاج مكسور على خديها، ترتجف وكأنها تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث ليس كابوسا آخر من كوابيسها القديمة.

مد يده برفق، يعدل حجابها الذي قد خربه ذلك الفاسق، وهمس بصوت واهن يملؤه الحنان:

"انتهى الأمر... انظري إلي، أنا هنا، لن يؤذيك شيء بعد الآن"

ارتجفت أنفاسها مجددا، ثم رفت جفونها ببطء، ونظرت إليه كمن يعود من غياب طويل. كان صوته يجذبها من أعماق خوفها، يعيدها من شرود مظلم إلى واقع كان هو فيه.

ارتعشت شفتاها دون أن تنطق، فقط أومأت ببطء، ثم أغمضت عينيها كما لو أنها تهرب إلى مأمن صوته.

اقترب منها أكثر، حتى شعرت بحرارته تلفها كغطاء مطمئن،كانت أنفاسه قريبة، وصوته خافتا كأنه يكلم قلبها لا أذنها:

"تنفسي معي... ببطء... خذي نفسا عميقا... أحسنت، هكذا... تنفسي، تنفسي، لأتنفس أنا يا وتيني."

شيئا فشيئا، بدأ الاضطراب يهدأ، وارتجاف جسدها يخفت.

وضعت يدها المرتعشة فوق صدرها، وكأنها تتحقق من أن قلبها ما زال هناك.

حين فتحت عينيها، كان أول ما رأته هو وجهه القريب، نظراته المشفقة والقلقة في آن واحد.

"روانس..."

نطقت اسمه كهمس مبحوح يتشبث بالحياة، فابتسم ابتسامة قصيرة، تخفي خلفها غيظا عارما لم يزل يغلي في عروقه.

التفت إلى الجهة الأخرى، حيث كان ذلك الطالب ممددا على الأرض، يحاول النهوض بصعوبة.

نهض روانس واقترب منه بخطوات بطيئة لكنها مشتعلة بالغضب، أمسكه من ياقة قميصه، وصر على أسنانه قائلا بنبرة حادة كحد السيف:

"لو لم تكن هي هنا... ما تركتك تمشي على قدميك مجددا"

1

دفعه بقوة أطاحت به أرضا مجددا، ثم التقط هاتفه بسرعة واتصل برقم مألوف، وما إن أجيب عليه حتى قال بنبرة حازمة:

"أرسلوا رجال الأمن إلى الممر المؤدي إلى قاعة طلاب الشريعة... بسرعة، لا تتأخروا."

أنهى المكالمة، وعاد نحوها، تلك التي ما زالت جاثية في مكانها، ترتجف بخفة ودموعها تسيل بلا وعي.

جثا أمامها، ومسح برفق تلك القطرات المتساقطة على خديها، وقال بصوت منخفض مطمئن:

"اهدئي... فقط انتظري قليلا حتى يصل الأمن، ثم نغادر من هنا، حسنا؟"

هزت رأسها نفيا، تشبثت بيده تشد على قميصه، وهمست بصوت متهدج:

"أنا... أنا بخير، فقط دعني أغسل وجهي، ثم نذهب. لديك محاضرة والطلاب بانتظارك"

فتح فمه ليعترض، لكن كلماتها سبقت اعتراضه، تقاطعه برجاء متكسر:

"أرجوك... لا أريد أن نفسد هذا اليوم، أنا بخير حقا... فقط أغسل وجهي وأكون بخير، همم؟"

نظر إليها طويلا، بين تصديقه وإنكاره، ولم يكن يعلم أكانت تطمئنه... أم تقنع نفسها،

تنهد بعمق، نظر إليها للحظة ثم قال بصوت خافت يحمل شيئا من الانكسار:

"ميس... ليس عليك التظاهر بالقوة الآن"

لكنها هزت رأسها بإصرار، تمسح دموعها بكف مرتجفة وتبتسم ابتسامة واهنة لا تشبهها:

"أنا حقا بخير، فقط... لا تجعل أحدا يعرف، أرجوك"

وفي تلك اللحظة، وصل رجال الأمن مسرعين إلى المكان، تتقدمهم خطوات سريعة وصوت أجهزة الاتصال يتردد في الممر.

وقف روانس بصلابة رغم اضطراب أنفاسه، وأشار إلى الطالب الملقى على الأرض وقال بصرامة واضحة:

"خذوه من هنا فورا، وابقوه تحت المراقبة. سأتكفل بالأمر لاحقا بنفسي"

1

أومأ أحدهم بسرعة، وسحبوا المعتدي بعيدا عن الممر، بينما ظل روانس واقفا يراقبهم حتى ابتعدوا تماما.

عندها فقط عاد بنظره إليها، لا تزال جاثية في مكانها، ترتجف بخفة ودموعها تنهمر بلا وعي.

ساعدها على النهوض برفق، كأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه.

كانت خطواتها متعثرة، لكنها تحاول أن تبدو ثابتة، تجر خلفها ما تبقى من جسدها المنهك جراء نوبة الهلع الذي أجتاحتها.

رافقها بصمت حتى وصلت إلى المغسلة القريبة، وقف عند الباب يراقبها من بعيد.

كانت تنظر إلى وجهها في المرآة وكأنها لا تعرفه، تغسل آثار الدموع بيديها المرتجفتين، والماء ينهمر فوق وجع لا يمحى.

حين عادت إليه، كانت ملامحها أهدأ، لكن في عينيها بقايا زلزال.

ابتسمت بخفوت وقالت:

"أرأيت؟ قلت لك إنني بخير، هيا لنذهب"

لم يجبها، فقط نظر إليها طويلا، وفي صمته كان وعد خفي بأنها لن تؤذى ثانية... ما دام هو هنا.

"روانس... لا تخبر أحدا، أرجوك"

خرج صوتها مبحوحا

رفع حاجبيه بدهشة خافتة، وكأنه لم يتوقع أن يكون هذا أول ما تقوله.

"ميس..."

قاطعته بصوت واهن لكنه حازم:

"اليوم الرؤية الشرعية الخاصة  بأسيد و ليا... لا أريد أن أفسده "

ظل يحدق فيها لحظات طويلة، عيناه تبحثان عن أي أثر لوعيها الكامل بما تقول.

أغلقت عينيها، دمعة أفلتت رغما عنها وسقطت على وجنتها،

لكنها ابتسمت ابتسامة حزينة:

"كفاني أنك كنت هناك... لو لم تكن، لا أدري ماذا كان سيحدث. هذا وحده يكفيني، روانس."

اقترب منها خطوة، يده ارتفعت قليلا ثم تراجعت قبل أن تلمس كتفها.

كأنه يخشى أن يضيف إلى وجعها شيئا.

قال بصوت مبحوح لكنه أكثر لينًا:

"ميس... لا تطلبي مني أن أرى ما رأيته وأصمت. هذا ليس من طبعي"

ابتسمت بخفة صادقة، وقد شعرت أن كل خوف تسرب من قلبها، وأن من أحبه فؤادها كان طمأنينة لها قبل أن يكون حبّا.

لكن بهتت ملامحها قليلا ما أن لاحطت يداه التي جف عليها بعض الدم إثر جروح صغيرة على قبضته. بخفة وضعت يدها على يده و قالت:

"يجب أن نعالج يدك إنها متضررة"

إبتسم وهو يرى اهتمامها ورد:

"أنا بخير يا وتيني سأغسلها فقط.... هيا لنذهب هناك محاضرة تنتظرنا"

أومأت له رغم قلقها مطرقة رأسها بخفة

ثم تابعا سيرهما نحو القاعة، حيث سيلقي روانس درسه، الذي يبدو أنه سيغير مضمونه للمرة الثانية، من أجل الشخص ذاته.

..............

كانت القاعة تغمرها أجواء السكون الذي يسبق بدء الدرس، ذلك الهدوء الذي لا يخلو من همس خافت بين الطلبة، واحتكاك المقاعد بالأرض وهي تسحب ببطء.

أشعة المساء تسللت من النوافذ لتصنع خطوطا ذهبية فوق الطاولات، وكأن الضوء نفسه ينتظر قدوم شخص ما.

في تلك اللحظة، فتح الباب بخفة، ودخلت ميس.

كانت خطواتها مترددة كأنها تخشى أن يسمع أنين قلبها كل من حولها.

وجهها بدا هادئا في ملامحه، لكنه يحمل في عينيه أثر بكاء لم يجف تماما،

كأنها جاءت لتجلس بين الكتب لا طلبا للعلم، بل هروبا من شيء يثقل صدرها.

جلست إلى جانب هالة، التي بادرتها بنظرة قلقة ما إن رأت ملامحها المتعبة.

مالت نحوها وهمست بصوت مفعم بالود والاهتمام:

"ميس؟ تأخرت، وجهك شاحب اليوم... خيرا؟"

أجابت ميس بخفوت، تحاول أن تتحكم في نبرة صوتها المرتجفة:

"كنت... مع روانس لهذا تأخرت.. أنا بخير لا داعي للقلق"

تسمرت الكلمات بينهما للحظة، نظرت هالة إلى عينيها في محاولة لقراءة ما خلفهما،

لكنها لم تجد سوى صمت ثقيل تكتنفه دمعة لم تسقط بعد.

مدت يدها تربت على يد صديقتها، وقالت برقة:

"الحمد لله أنك بخير، لا تضغطي على نفسك، اجلسي وارتاحي"

أومأت ميس بإيماءة صغيرة، وأسندت كفيها إلى الطاولة تحاول لملمة نفسها من الداخل.

فتح الباب مجددا، ودخل روانس، وقف للحظات أمام القاعة، نظراته جادة لكنها لا تخلو من الهدوء.

كان يحمل بين يديه مجموعة أوراق، ووضعها على الطاولة برفق كعادته، ثم ألقى السلام بصوت رخيم متزن، تلاه سكون قصير كأن الجميع ينتظر منه كلمة تبرد شيئا في داخله كالعادة.

جلست ميس في مكانها دون أن ترفع بصرها،

لكنها شعرت بكل خطوة يخطوها نحو المنصة،

وكأن الأرض تهتز بنبض تعرفه.

التفت إليهم مبتسما بخفة، وقال بصوت هادئ لكنه عميق:

"درسنا اليوم عنوانه... ولكُلِّ كَسرٍ جبرٌ عندَ الله"

حل صمت مهيب في القاعة،

ثم بدأ روانس حديثه بصوت مائل إلى الحنان أكثر من العادة وفي بؤبؤ عينيه بريق خافت:

"أيها الأحبة، كلنا نكسر بطريقة ما.

مرة بكلمة، ومرة بخذلان لم نتوقعه،

وربما بأمنيةٍ كنا نظنها قريبة فأصبحت بعيدة، وربما بمشكلة و ربما بماضي لا يزال يطاردنا.

لكن الله، جل جلاله، لا يكسر قلبا إلا ليعيد بناءه على هيئة أصلح،

ولا يبتلي عبدا إلا ليطهره مما لا يراه في نفسه.

كثير من الأوجاع، لو كشف الله لنا سببها، لبكينا شكرا لا ألما. فكل كسر كان طريقا نحو سجدة،

وكل دمعة كانت خطوة إلى يقين جديد.

الله يجبرنا حين نظن أننا لا نجبر،

يمدنا بالسكينة في اللحظة التي نكاد نفقد فيها القدرة على الوقوف،ويبعث إلينا من كلماته ما يربت على قلوبنا بلطف لا يوصف.

قال تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}،

ولم يقل بعده، بل معه...

لأن اليسر يولد في قلب العسر،

كما يولد النور في رحم الظلام"

أغمضت ميس عينيها قليلا، كأنها تخشى أن تنهار دموعها أمام الجميع. كل جملة منه كانت تسكنها،

تستقر في موضع الألم وتعيد إليه نبضا دافئا من الطمأنينة.

توقف روانس لحظة، نظر إلى القاعة، ثم تابع بنبرة أكثر حنوا:

"لا تبحثوا عن الجبر في الناس،فالله وحده هو الجابر حقا،يجبر من انكسر وهو في السجود، ومن أرهقه الانتظار، ومن ابتلي بصمت لا يشرحه أحد.

إن الله لا ينسى من رفع إليه قلبه،

ولو همسا.

فحين تظنون أنكم وحدكم، ثقوا أن الله معكم،

وأن بعد كل ضيق فرجا،

وبعد كل جرح شفاء،

وبعد كل ليل.. فجرا جديدا"

كانت القاعة كلها صامتة،

حتى الهواء بدا وكأنه يستمع بخشوع.

بعض الطالبات كن يمسحن دموعهن خفية،

بينما بقيت ميس تحدق في دفترها،

لكن ذهنها لم يكن هناك، كان في صوته، في كلماته، في صدق ما يقول.

رفعت بصرها بهدوء دون قصد،

فالتقت عيناها بعينيه للحظة خاطفة،

ابتسامة صغيرة، بالكاد ترى،

لكنها كانت كافية لتعيد إلى قلبها شيئا من الحياة.

انحنى قليلا وهو يجمع أوراقه وقال ختاما:

"اجعلوا هذا الدرس لأنفسكم قبل عقولكم،

ولقلوبكم قبل دفاتركم،

فإن العلم الذي لا يواسي لا يثمر،

والجبر الذي لا يشعر بالسكينة... ليس من الله"

تناهى صوت الأوراق وهي تغلق،

وتعالت بعض الهمسات بين الطلبة وهم يغادرون القاعة ببطء.

أما ميس، فقد بقيت في مكانها،

تنظر إلى المنصة الخالية، وكأن حضور روانس ترك في المكان أثرا لا يُمحى.

همست لنفسها بصوت بالكاد يسمع:

"حتى دروسه... تواسي قلبي دون أن ينطق باسمي"

فابتسمت ابتسامة خفيفة، لم تكن فرحا كاملا،

بل بداية طمأنينة بعد طول اضطراب...

طمأنينة تشبه وعد الله:

«ولِكُلِّ كَسرٍ جبرٌ عندَ الله.»

اقترب منها روانس ببطء، جمع أوراقه ووضعها على الطاولة أمامها،

ثم جلس إلى جوارها، بهدوء عفويّ كمن اعتاد قربها.

قال بنبرة خفيفة لكنها دافئة:

"ما بالك جالسة بعد انصراف الجميع؟"

رفعت عينيها نحوه، ونظرت إليه بصمت طويل،

ثم قالت بهدوء كمن يعترف بما في قلبه دون تكلف:

"كنت أستمع إليك… حتى بعد أن انتهيت"

ابتسمت بخفوت وأضافت وهي تعبث بأطراف دفترها:

"كنت أستمع... فقط أستمع، كأن الدرس كان لي وحدي"

رفع يده ببطء، أزاح خصلة شعر انزلقت على وجهها،

وقال بصوت يقطر حنانا:

"ما كنت لأدعك تمرين بما مررت به وحدك يا ميس،

أنا هنا، كما كنت، وكما سأبقى"

أغمضت عينيها لحظة،

وشهقت نفسا عميقا كمن يتنفس الحياة من جديد،

ثم همست بصوت خافت لكنه صادق:

"حين كنت هناك، في تلك اللحظة...

لم أفكر بشيء إلا بدعاء واحد: أن تكون أنت أول من يراني بعدها"

تجمّد في مكانه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة خفيفة، مد يده نحو يدها المرتجفة،

أمسك بها،كأن لمسة يده وحدها كانت كفيلة بأن تطفئ ما تبقى من ما خالجها.

قال وهو ينظر إليها بثبات ناعم:

"الله وحده يعلم كم دعوت أن أكون لك جبرا بعد كسر كهذا"

نظرت إليه بعينين دامعتين، ونبرتها كانت ناعمة:

"أتعلم..... فِي بُؤْبُؤِ عَيْنَيْكَ أَرَى الطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي طَالَمَا كَانَت دُعَاءً  فِي صَلَوَاتِي"

ارتجف قلبه من وقع كلماتها المفاجئة، وارتعشت أنامله كمن لامس نسيما من جنون الحنين.

تاهت نظراته في عينيها لحظة، مال نحوها قليلا، صوته انخفض حتى صار همسا يشبه الدعاء:

"وكنت أنت الإجابة التي ما ظننت أني أستحقها"

رفعت عينيها إليه، وابتسمت تلك الابتسامة التي لا تشبه إلاها، التي تحمل كل شكر، وكل حب، وكل راحة بعد عناء.

قال وهو ينهض ببطء:

"هيا بنا، سيحل المساء، وليس في قلبي إلا حمدٌ لله الذي جمع بيننا، ليعلمني كيف يكون الجبر على هيئة امرأة اسمها ميساء"

نهضت معه بخطوات مترددة،وقبل أن يخرجا من القاعة،

توقف لحظة، وضع يده على كتفها بلطف،وقال بابتسامة خافتة:

"كل ما مر بك انتهى يا وتيني،

الآن يبدأ ما وعد الله به الصابرين… جبر بعد كسر"

وخرجا معا من القاعة،يسيران في ممر طويل يلامس جداراه نور المغيب،وفي قلب كلّ منهما يقين واحد:

أن الله حين يجبر، فإنه يبدع في الجبر.

ولكل كسر جبر عند الله. وبداية الجبر قد طلت عليها.

...........................

في المساء، في بيت آل الرواني، وتحديدا في غرفة ليا، كانت الأخيرة تجلس على فراشها متأنقة بلباس سعوديّ فخم.

الثوب الأسود الفاخر ازدان بتطريز تقليدي غني يغطي الصدر بالكامل، بخيوط ترابية وذهبية متداخلة تنسج قصةَ فخامة وأصالة في آن واحد.

على أطراف الأكمام والخطوط الجانبية تدلت كريات صغيرة ملونة، أضفت على القماش الداكن لمسة حياة دافئة.

واكتملت الإطلالة بمجموعة من المجوهرات الذهبية التقليدية التي عكست فخامة الزي وجمال من ترتديه.

وفي المقابل، جلست هالة التي جاءت تلبية لطلب ليا، بينما اعتذرت ميس عن الحضور معهم في البداية، موضحة أنها ستأتي لاحقا برفقة العائلة.

مدت هالة يدها لتصلح خصلة جانبية من شعر ليا وقالت بابتسامة مشجعة:

"هيا، لا تتوتري، كل شيء سيكون بخير يا جميلة"

ضحكت ليا بخفة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة:

"من قال إني متوترة؟"

ثم أردفت بصوت واثق يختلط بشيء من الحماس،

"أنا فقط... أنتظر هذا اليوم منذ أيام. أشعر أنه سيكون مختلفا، لا أعلم لماذا"

ابتسمت هالة وهي تميل نحوها قليلا:

"ربما لأنك تشعرين أنه يوم سيكتب في ذاكرتك، حتى وإن كان بسيطا"

ردت ليا بعد لحظة صمت قصيرة:

"ربما... أو لأنني فقط أريد أن أراه كما هو، دون أي تكلف. أريده أن يرى ليا الحقيقية"

ابتسمت هالة برفق وربتت على يدها:

"ومن يراك ولا يرى ذلك النور فيك؟"

ضحكت ليا بخجل وهي تمسك بيديها المتشابكتين في حجرها:

"تبدين وكأنك تلقين فيّ خطبة مشجعة قبل معركة"

ضحكت هالة هي الأخرى:

"بل قبل بداية قصة، من يدري؟"

بعد لحظات سمع طرق خفيف على الباب، تلاه دخول ميساء التي دلتها والدة روانس إلى الغرفة.

ابتسمت بخفة وقالت مازحة:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... يا إلهي يا ليا! من هذه الملكة الجالسة أمامي؟ أكيد غير تلك التي أعرفها!"

ضحكت ليا بصوت خفيف وهي تقول بثقة مرحة:

"بل أنا هي، لكن بنسخة محسنة خصيصا لهذا اليوم!"

ضحكت ميس وهالة معها، قبل أن تقول ليا بابتسامة واسعة:

"هل وصلت العائلة؟"

أومأت ميس برأسها قائلة:

"نعم، النساء في الأسفل، لننزل إليهن... أما الرجال، فقد جلسوا في الصالون الآخر"

وقفت ليا بنشاط وهي تلتقط حقيبتها الصغيرة قائلة بخفة:

"جيد، فلنذهب إذا قبل أن يعتقدوا أني أتدلل أكثر من اللازم"

ضحكت هالة بخفة وقالت وهي تنهض:

"أنا سأغادر الآن، يجب أن أعود إلى البيت... أتمنى أن يمر كل شيء بخير، ومبارك لك من الآن يا ليا"

ابتسمت ليا بثقة ودنت منها تعانقها بود قائلة بنبرة مرحة صادقة:

"شكرا يا هالة، لا تقلقي، كل شيء سيكون كما يجب... أنت فقط جهزي لعقد القران بعد القبول!"

ضحكت هالة وهي تتجه نحو الباب قائلة:

"واضح أنك واثقة جدا يا فتاة"

أجابتها ليا بابتسامة واسعة ونبرة مرحة:

"أكيد! الثقة نصف الجمال يا هالة!"

ولم يسمع بعدها سوى صوت خطوات هالة وهي تنزل الدرج على عجل متجهة نحو الباب، وما إن فتحته حتى اصطدمت بذلك الذي كان يقف أمامه ممسكا بعلبة من الحلويات الجزائرية، ارتدت قليلا للخلف بينما أسرع هو ليتفادى سقوطها للعلبة من يده، لتتمتم بخفوت متوتر:

"يا إلهي... ليس مجددا"

ضحك بخفة وهو يقول بنبرة مازحة:

"يبدو أن الاصطدام أصبح طريقتنا في السلام، حتى بعد الرؤية الشرعية"

رفعت عينيها نحوه بارتباك ظاهر، وقد زاد من توترها ابتسامته الجانبية الهادئة، فاكتفت بهز رأسها بخجل قائلة:

"عن إذنك، يجب أن أذهب الآن"

ثم تابعت طريقها مغادرة المنزل بخطوات سريعة نحو موقف الحافلات، فيما ظل هو يراقبها بابتسامة لم تفارقه حتى غابت عن ناظريه.

سرعان ما عاد لرشده يقول:

"أستغفر الله العلي العظيم واتوب إليه"

هز رأسه بخفة يعود لمجلس الرجال.

ومع دخوله، كان أول ما وصل إلى سمعه صوت أسيد المندفع كعادته يقول بحماس واضح:

"إذا يا عمي مصطفى، لا داعي للمقدمات ولا للف والدوران، نيّتي واضحة... جئت اليوم طالبا يد ابنتك على سنة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام "

لم يكد يتم جملته حتى ضربه سيف بخفة على رأسه وهو يضحك، وتبعه روانس بالمثل، بينما قال محمد بنبرة مازحة:

"وهل تظن أن الأمور تسير هكذا يا متهور؟! هل مت أنا لتطلبها أنت عني؟"

1

انفجر الجمع ضاحكا، حتى أدرك أسيد ما قاله فحك رأسه محرجا وقال بابتسامة مربكة:

"يا أبي، فقط رأيت أن إعادة الكلام غير ضرورية... فالجميع يعرف الغاية أصلا"

ضحك مصطفى من قلبه وقال بلطف:

"حسنا يا ولدي أسيد، لا بأس... فنحن موافقون على كل حال، فليا لم تترك لنا مجالا لغير ذلك'

تبادل الجميع نظرات البهجة والارتياح، لتعم أجواء خفيفة ومليئة بالفرح والود بين العائلتين.

...............

كانت ليا تجلس في حديقة المنزل برفقة ميس، والهدوء يخيّم على المكان، لا يسمع سوى صوت النسيم الذي يحرك أوراق الأشجار برفق.

لم تمض سوى لحظات حتى دخل أسيد يتقدمه روانس بخطوات واثقة.

1

وما إن وقع بصرها عليه بطقمه الكحلي الأنيق الذي أبرز عرض منكبيه وشعره الأسود المنسدل بخفة، حتى لمعت عيناها دون وعي، كأنهما استقبلتاه قبل قلبها.

نهضت ميساء بهدوء لتفسح لهما المجال، متجهة نحو المقاعد الجانبية حيث جلس روانس بجانبها مبتسما بخفة وكأنه يراقب المشهد من بعيد.

أما أسيد، فجلس مقابلا لليا، يبادلها نظرة قصيرة صادقة، تحمل من الاحترام والدهشة ما يكفي ليجعل اللحظة أثمن من أي كلام.

جلس أسيد قبالتها، يتأملها بنظرة تجمع بين الجد والممازحة كما هي عادته، بينما كانت ليا تحاول جاهدة أن تبقى على هدوئها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.

قال بعد لحظة صمت قصيرة، وهو يعتدل في جلسته:

"لن أطيل الحديث يا ليا... أنا رجل واضح، ما في قلبي على لساني. عملي ليس بسيطا، ولا وقتي كثير، لكني مؤمن أن المرأة لا تقاس بما تفعل خارج البيت بقدر ما تصنع داخله"

رفعت حاجبها بخفة وهي تبتسم:

"هل هذه طريقة لطيفة لتخبرني أن أترك العمل بعد الزواج؟"

1

ضحك وقال:

"ليست لطيفة، لكنها صادقة... بعد تخرجك وإتمام تدريبك في الشركة، أفضل أن تتوقفي عن العمل.

لن ينقصك شيء بإذن الله، وسأكون مسؤولا عن كل ما تحتاجينه. فقط أريد أن يكون بيتنا هو مشروعنا الأكبر"

أومأت بخفة، وبدت الجدية في عينيها هذه المرة:

"كنت أنتظر أن تقول هذا... لأن عملي لم يكن غاية بقدر ما كان وسيلة لأتعلم.

والآن بعد التخرج، لا مانع لدي، لكن بشرط"

أمال رأسه مبتسما:

"شرط؟ يا الله، بدأت المفاوضات باكرا، خفت!"

1

ضحكت قائلة:

"شرطي بسيط، بل جميل حتى. أريدك أن تحفظني القرآن في البيت.

بقي لي نصفه لأختمه، وأظن أني لن أجد معلما أفضل من زوجي الحافظ للقرآن بدوره"

صمت لثانية، ثم رفع حاجبيه بخفة وقال:

"أها، تريدين أن أتحول إلى شيخ!"

ضحكت مجددا وقالت:

"بل إلى رجل يقود بيته على نور من الله"

ابتسم أسيد ابتسامة خافتة هذه المرة، تلك التي تخفي خلفها امتنانا عميقا، ثم قال بصوت هادئ:

"اتفقنا إذن، أنتِ تحفظين القرآن، وأنا أحفظك من كل سوء"

ضحكت ميساء من بعيد، وهمست لروانس الذي كان يراقب الموقف:

"أظن أنه وقع قبل أن يبدأ النقاش"

فرد روانس بخفة:

"وهي كذلك، أقنعته قبل أن تنطق بشرطها"

ابتسمت بخفة، سرعان ما تلاشت تلك الابتسامة وهي تستدير نحوه بنظرة جادة قليلا، ثم سألت بصوت خافت:

"ماذا فعلت بذلك الطالب بعد أن افترقنا؟"

زالت ملامح الابتسامة من وجه روانس تدريجيا، وغابت الخفة المعتادة في عينيه، ليحل محلها شيء من الصرامة والغضب بعد تذكره لذلك الطالب.

أدار نظره عنها نحو الأمام، كأنه يعيد ترتيب الأحداث في ذاكرته قبل أن يجيبها بصوت منخفض وهادئ:

"سأخبرك... ما حدث بعد أن غادرت"

قبل عدة ساعات:

ساد التوتر أرجاء المكتب، والهدوء الذي يسبق العاصفة كان يخنق الأنفاس.

فتح رجال الأمن الباب ودخلوا، يدفعون الطالب أمامهم.

كان وجهه متصلبا، وعيناه تقدحان غضبا وعنادا أكثر من الندم.

خلفهم دخل روانس بخطوات غاضبة متزنة، نظرته حادة كالسيف، وصمته أبلغ من أي تهديد.

رفع المدير رأسه من خلف مكتبه، صوته يحمل القلق:

"أستاذ روانس، ما الذي يجري؟"

تقدم روانس بخطوة نحو الطالب، وقال بصرامة متجمدة:

"هذا الطالب حاول اليوم الاعتداء على زوجتي اليون، بعد أن ظن أن الفرصة سانحة،والممر خالي."

توسّعت عينا المدير بدهشة، ثم التفت إلى الطالب وقال بحدة مضبوطة:

"هل وصل يك الحال لأن تعتدي على طالبة؟أين إسلامك؟ "

ابتسم الطالب ابتسامة متشنجة، فيها حقد مكبوت:

"قبل شهر، في الكافيتيريا... أمام الجميع، أهانني هذا الأستاذ، وكنت أنا الضحية! لم أنس ذلك اليوم، جعلتني أُهان كطفل أمام طلاب الجامعة كلهم!"

1

اقترب روانس، قبضتاه تتصلبان، صوته خرج غليظا كالرعد:

"

أتقصد يوم أمسكت بيدك وأنت تحاول لمسها؟ يوم تفوهت بكلمات لا يقولها صاحب خلق ولا مسلم يخاف الله؟!"

صرخ الطالب بعناد:

"كنت أمزح! لكنها جعلتك تتصرف كأنني مجرم! والناس كلهم ضحكوا علي بسببك!ومن ذلك اليوم اتلقى كلمات تسم البدن"

ضرب روانس الطاولة بقبضته بقوة جعلت المدير يقف من مكانه، وقال بصوت مزلزل ارتج له الجو:

"ما ضحكوا عليك إلا لأنك فضحت نفسك! أردت أن تنتقم لأنك لم تحتمل أن تفضح سوءتك؟!"

حاول المدير تهدئته، لكن روانس تابع بغضب مكبوت يقطر من كلماته:

"لقد سكت عنك يومها سترا، لكنك رجعت لتؤذيها اليوم لتشبع غرورك المريض؟ والله، لو لم أكن هنا، لكان ما فعلت جرما لا يغتفر!"

خفض المدير صوته بجدية وحزم:

"كفى! هذا السلوك لا يقبل في جامعة مسلمة، لا من طالب ولا من أي أحد"

رفع الطالب رأسه متحديا، وقال بمرارة وحنق:

"أنتم حكمتم عليّ من البداية! كل ما فعلته لأستعيد كرامتي!"

1

اقترب منه روانس ببطء، وصوته هذه المرة هادئ لكنه أكثر رعبا من صراخه السابق:

"من أراد الكرامة، لا يطعنها بذنبه. الكرامة تستعاد بالتوبة، لا بالانتقام، و اسمع أقسم بمن خلقني أن رأيتك تحوم حولها لأحيلن حياتك لجحيم"

ثم التفت نحو المدير وقال:

"أطلب تحويله فورا إلى المجلس التأديبي. أمثال هذا لا مكان لهم في بيئة تعلم الأخلاق قبل العلم، إن لم يتب لربه فلا حاجة لنا بتوبته ها هنا"

أومأ المدير برأسه بصرامة:

"سيحال للتحقيق اليوم. لن يسمح له بدخول الحرم الجامعي مجددا"

رمق الطالب روانس بنظرة مليئة بالكراهية والانكسار، ثم تم اقتياده من قبل رجال الأمن خارج المكتب.

وحين أغلق الباب، ظل روانس واقفا، أنفاسه مضطربة، والغضب ما زال يغلي في عروقه.

قال المدير بهدوء حذر:

"روانس... أراك غاضبا على نحو لم أعهده منك"

أجاب بصوت منخفض، لكنه مشحون بالعاطفة والإيمان:

"لأن من يمد يده على امرأة طاهرة، لا يعتدي على شخصها فحسب... بل يعتدي على حرمة صانها الله"

ثم أضاف:

"ولا تنسى أنه مس عرضي قبل كل شيئ... زوجتي خط لا يمكن تجوازه أو حتى مسه بسوء..."

عودة للوقت الحالي:

رفع رأسه ليُكمل حديثه، غير أن صوته اختنق في صدره حين التفت نحوها.

كانت ميس جالسة إلى جانبه، كتفاها متقوسان، وعيناها غارقتان في صمت ثقيل يشبه الغياب.

تأملها لحظة، قبل أن يلمح خيط دمعة يتسلل على وجنتها فيسقط على كفها المرتجفة.

اتسعت عيناه بدهشة وقلق، اقترب منها دون أن يفكر، رفع يده ببطء ليمسح آثار الدموع بأنامله الدافئة، وصوته يخرج خافتا لكنه يحمل رجفة خوف صادق:

"يا إلهي... ميس، لمَ تبكين؟ هل قلت شيئا أزعجك؟"

هزت رأسها نفيا، شفتيها ترتجفان، ثم ابتسمت من بين دموعها ابتسامة صغيرة أقرب إلى الوجع منها إلى الفرح، وقالت بصوت خافت مبحوح:

"لا، لم تقل شيئا... فقط، أنا سعيدة لأنك موجود في حياتي"

تأملها مطولا، نظراته تزداد عمقا مع كل كلمة خرجت منها، وكأنه يحاول أن يفهم ما تخفيه بين حروفها.

أراد أن يجيبها، أن يقول شيئا يوازي صدقها، لكن الكلمات خانته، فبقي صامتا، يكتفي بأن تبقى كفها الصغيرة بين يديه.

مرت لحظة صمت طويلة، لا يسمع فيها سوى أنفاس متقطعة ودفء خفيف يملأ المكان.

ثم همست هي، بنبرة حملت شيئا من الهدوء بعد عاصفة داخلية طويلة:

"يوما ما... ربما يمكنني أن أخبرك بالماضي دون أن يؤلمني ذلك"

أغلق عينيه للحظة، وضمّ أصابعها برفق أكبر، كأنه يعدها بصمت لا يحتاج إلى كلمات...

أن ذلك اليوم سيأتي، وأنه سيكون هناك حين تفعل.

........... 

في الجهة الأخرى، ساد بعض الصمت بين أسيد وليا، صمت ثقيل لكنه مفعم بالانتظار، حتى كسرته الأخيرة بصوت هادئ:

"أسيد، متى نعقد قراننا؟"

ابتسم أسيد، كأن كلماتها كانت ما ينتظره منذ وقت طويل، وقال:

"ما رأيك أن يكون مع قران سيف، والذي سيكون بعد ثلاثة أيام؟"

ارتسمت على وجه ليا ابتسامة واسعة، هزت رأسها موافقة، ثم قالت بخفة:

"أتعلم..."

أجاب بخفة وفضول:

"ماذا؟"

ابتسمت بحنان، ولمعان جميل في عينيها، ثم أردفت بعفوية:

"أتعلم.... أحببتك دعاءً صامتًا في دجى الليل، ورفعت يدي إلى الله أن يجمع قلبي بقلبك على طاعته، فإذا بك رزقًا كريمًا حلّ في أيامي حين لم أكن أتوقعه."

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

نقول ستوب... اعلم اعلم اندمجتم همم

اسفة لتخريب اندماجكم لكن الفصل قرر التوقف هنا عند اعتراف يشل القلوب، قفلة حلوة مو عوض جميل عن القفلة الماضية 😁😁

1

أتتفقون معي.. ومن كان يظن اننا سنسمع اعتراف ليا اولا🫠

اذا ما رأيكم بالفصل

هل نال اعجابكم

الشخصيات وبداية التطورات

الاحداث.

اذا اترككم لكي تحللو الماضي لميس في رؤوسكم 😁

ملاحظة صغيرة:

اعتراف الفتاة أثناء الرؤية الشرعية بأنها تحب الخاطب وأنها دعت الله أن يرزقها به

➡ جائز شرعًا ولا حرج فيه

ما دام الكلام بوقار واحترام، والنية صادقة في الزواج، ولم يكن فيه خضوع بالقول أو خلوة محرمة.

بل قد يكون ذلك من علامات الصدق والوضوح، والله يحب الصادقين.

نلتقي في فصل آخر رونسايون

ملابس الرؤية الشرعية طبعا كالعادة.

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"

السلام عليكم ورحمةالله و بركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة