《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》 《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》 نبدأ بسم الله... ___________ كنتُ ماهرة جدًا في اختيار الكلمات، أجيد ترتيبها كأنها لوحاتٌ تعكس الألم والتعب، وكنتُ دائمًا أتحدّث عن العجز، وعن ثقله الذي يأكل الروح، وعن كونه رحلةً مرهقة لا تنتهي. لكن... حينما وقعتُ فيه حقًّا، شعرتُ بأن كل الكلمات التي قلتها أو كتبتها أصبحت بلا معنى. لم تعد تفي بالوصف، لم تعد تصل إلى حقيقة ما يُشعر به الإنسان عندما يصبح العجز ليس مجرد فكرة، بل واقعًا يسكن الجسد والروح. هذه ليست محنة عابرة... هذه تجربة تُعيد تشكيلك من الداخل، تُسقط كل كلماتك على الأرض، وتعلّمك أن الألم الحقيقي لا يُوصف... بل يُعاش. وقفت آسيا أمام ذلك المنزل الكبير، أو بالأحرى القصر، تحدّق به بضيقٍ من كآبته التي تتسلل من نوافذه، تتغلغل في زواياه، كأنها جزء لا يتجزأ منه، رغم محاولات عمتها المستميتة لشراء الأثاث الفاخر وتزيين المكان. بالنسبة لآسيا، لم يكن هناك فرق، فمهما فعلت عمتها، ستظل مبتذلة، ولا حياة تُضفى على هذا القصر البارد. أخذت نفسًا عميقًا، محاولةً جمع شتات أفكارها قبل اللقاء المرتقب. زفرت ببطء، ثم تقدمت بخطوات ثابتة. لم تصل إلى المدخل حتى أوقفها الحارس، ناظرًا إليها بحذر قبل أن يسأل بلهجة رسمية: -ما سبب زيارتكِ؟ رمقته آسيا بنظرة هادئة، ثم ردّت بنبرة واثقة: -جئتُ من أجل لينا وكاميليا. رفعت حاجبها قليلًا، وأردفت بصرامةٍ لم تخفَ على الرجل: -أم أن ذلك ممنوع أيضًا؟ بدت كلماتها كصفعة غير متوقعة، فابتلع الحارس ريقه بتوتر، ومسح العرق البارد عن جبينه قبل أن يجيب باحترامٍ متكلف: -بالطبع، سيدتي، مسموح لكِ في أي وقت! أفسح لها الطريق فورًا، متمنيًا في داخله أن تمر هذه الزيارة بسلام. وما إن دخلت حتى رفع هاتفه على عجل، متحدثًا بصوت منخفض لكن قلقه كان واضحًا: "آنسة آسيا جاءت لرؤية كاميليا!" توقف قليلًا، يستمع للطرف الآخر، ثم قال بحزم: "نعم، نعم... حسنًا." في أثناء ذلك، كانت آسيا تتجول داخل القصر بوجه جامد، يخفي خلفه ضيقها المتزايد. فجأة، استقبلتها رئيسة العاملات بابتسامة مصطنعة، وهتفت بود زائف: -مرحبًا بكِ، آنسة آسيا. رفعت آسيا بصرها ببطء نحو المرأة التي أمامها، تلك التي حاولت رسم ابتسامة متملقة، لكن عينيها فضحتا قلقها. فكرت ببرود: كم هو غبي أن يدّعي أحدهم التودد أمام شخص يدرك نواياه الحقيقية! ثم ردّت بابتسامة مماثلة: -يبدو أنكِ أخطأتِ في الترحيب... تقصدين: ما الذي جاء بكِ؟ أردفت كلماتها بينما كانت عيناها تفحصان المكان بنظرات صقرية: -أخبريني... أين الجميع؟ تلعثمت المرأة للحظة، لكنها سرعان ما تماسكت، قائلة بنبرة حاولت أن تخفي انزعاجها: -تالا، خذي الآنسة إلى غرفة الضيافة... لم تكمل جملتها حتى قاطعتها آسيا دون أن ترفع نظرها عن أظافرها، وكأنها تتعمد استفزازها: -تقصدين غرفة لينا وكاميليا؟ رفعت عينيها أخيرًا، لتحدق في المرأة مباشرة، قبل أن تضيف بلهجة باردة لكن حادة: -أم أنكم تخفون شيئًا؟ بدت علامات التوتر على وجه رئيسة العاملات للحظات، لكنها سرعان ما حاولت السيطرة على تعابيرها عكس تالا. أجابت رئيسة العاملات بثبات زائف: -بالطبع لا! كيف يمكننا إخفاء شيء كهذا؟ حسنًا، دعيني أرحب بكِ أولًا كما يليق. بإشارة من يدها، قادت آسيا نحو الداخل. كانت آسيا تسير بجانبها، وعيناها تلتقطان كل تفصيلة في المكان، قبل أن تقول باستخفاف وسخرية: -يا له من استقبال رائع حقًا! وفي داخلها، لم تستطع منع نفسها من التفكير بسخرية: [ألا يُتعبهم هذا القدر من الوقاحة؟ أم أنَّ انعدام الذوق صار مهنةً تتطلب تدريبًا؟!] أثناء سيرها في القصر، لاحظت آسيا السكون المخيم على المكان، وكأنه فارغ تمامًا. كادت أن تسأل عن السبب، لكنها رصدت توترًا واضحًا في تصرفات بعض العاملات. أدركت حينها أن هناك أمرًا سيئًا يجري في الخفاء. شعرت بانقباض في صدرها، وتمنت ألا يكون للأمر علاقة بأولئك الذين تعزّهم. تنهدت بضيق، فالمصائب التي تحملها على عاتقها كانت تكفيها بالفعل. عندما وصلتا إلى غرفة الضيافة الفخمة، دلفت آسيا بهدوء وجلست على الأريكة المنقوشة، مستقرة كأنها تملك الوقت كله. لم تبدِ أي استعجال، فقط هدوء المُنتَظِر الذي يعرف أن الكلمات القادمة قد تحمل الحقيقة أو الكذب. تساءلت في داخلها: [ماذا بعد؟ هل سيخبرونني الحقيقة هذه المرة أم سيستمرون بالمراوغة؟] ألقت نظرة خاطفة حولها، تتنقل بين الجدران المرتفعة والأثاث الذي لم يطرأ عليه تغيير يذكر، مسترجعة ذكريات طفولتها حين كانت تحب المجيء إلى هذا المكان، لكنها سرعان ما عبست عندما استدعت تلك الذكرى... الحادثة التي حوَّلت حياتها رأسًا على عقب. انقطع شرودها بصوت خطوات خفيفة، فدخلت إحدى العاملات تحمل صينية عليها مرطبات وكوب من الشاي الساخن. راقبتها آسيا بصمت بينما وضعت الصينية على الطاولة بيد مرتعشة، وقالت باحترام: -اسمحي لي، سيدتي. لم تجب آسيا، بل استمرت تحدق في الكوب بجمود، مما أثار القلق في نفس الفتاة. مدت يدها أخيرًا وتناولته، وبينما كانت الفتاة تستعد للمغادرة، انفجر صوت ارتطام الكوب بالأرض وتحطمه إلى قطع صغيرة. قالت آسيا ببرود وقسوة: -هل أعطيتكِ إذنًا للمغادرة؟ ارتجفت الفتاة بخوف، متلعثمة بصوت بالكاد يُسمع: -أ... أعتذر... لم أقصد... لم تمنحها آسيا فرصة أخرى، فصرخت بصوت متعمد، كأنها تطلق أمرًا حاسمًا، فأحدثت ضجة جعلت الباب ينفتح على الفور. دخلت فتاة ذات شعر أسود قصير يصل إلى كتفيها، وقفت بينهما بملامح هادئة، لكن نظراتها كانت تحمل شيئًا مختلفًا — شيء من الفهم الخفي. لم تكن آسيا قد أخبرتها مسبقًا بما سيجري، لكن تلك الفتاة، كانت دائمًا تفهم الإشارات دون كلمات. ضمَّت يديها أمامها، ثم تحدثت بنبرة رسمية مستعارة، كأنها تؤدي دورًا ألِفَتْه: -أعتذر لعدم استضافتكِ كما يليق، سيدتي. اسمحي لي بإكمال العمل نيابة عنها. نظرت إليها آسيا بهدوء، وبدا في عينيها لمحة ارتياح خفيّ. لم تكن قد خططت لهذا المشهد، لكنها لم تتفاجأ أيضًا. فقد اعتادت الفتاة أن تُظهر هذه البراعة في القراءة بين السطور، وتتصرف بدقة حين تحتاجها. ثم نظرت إلى الصينية التي لا تزال تحتوي على المرطبات، ومدت يدها بخفة لتحريكها جانبًا، كإشارة إلى انتهاء المشهد، وقالت ببرود: -حسنًا... فلتخرج هذه. التفتت الفتاة ذات الشعر الأسود نحو العاملة، نظرت إليها بعينين مليئتين بالفهم، ثم أغمضت جفنيها لبرهة، كإشارة أنها بخير. خرجت الفتاة الأخرى مسرعة، والدموع تنهمر على وجنتيها، حتى التقت بها رئيسة العاملات عند الباب، فأخذتها بكل جدية، دون كلمة أو نظرة، ثم أغلقت الباب بصمت خلفهما. حين انقطعت أصوات الخطوات الخارجية، مدّت الفتاة يدها ببطء إلى جيب ثوبها الداخلي، فأخرجت منديلًا ورقيًّا ناعمًا، وناولته لآسيا ببطء، قائلة بهدوء: -لم أعهدكِ بهذه القسوة، سيدتي. ابتسمت آسيا بسخرية، تمسح يدها بالمنديل، ثم ردّت بنبرة متهكمة: -يا لجرأتكِ! وما الداعي لهذا الاحترام الزائف؟ ضحكت الفتاة بخفة، ثم جلست مسترخية على المقعد، تسند ظهرها وتضع رأسها للخلف. راقبتها آسيا بصمت قبل أن تتحدث بابتسامة صادقة: -لو تعلمين كم اشتقتُ لهذه الوقاحة منكِ! ابتسمت الفتاة بدورها، ثم اعتدلت في جلستها وأجابت بمشاكسة: -وأنا اشتقتُ لإثارة غضبكِ! التقطت آسيا وسادة من أحد المقاعد وألقتها عليها، فانفجرتا ضحكًا، لكن اللحظة لم تدم طويلًا، إذ ساد الصمت فجأة. نظرت الفتاة إليها بجدية، وعيناها تحملان شيئًا غامضًا، ثم قالت بنبرة مبهمة: -آسيا، أريد إخباركِ بشيء مهم. لاحظت آسيا نبرتها المتغيرة، فتقدمت وجلست بجانبها، محاوِلة تخفيف الأجواء بمزاحها المعتاد: -وأخيرًا، ستفيدينني بشيء! لكن رد الفتاة جاء بالصمت، إذ كانت تقبض على حافة ثوبها، مما زاد من كآبة المكان. شعرت آسيا بانقباض في قلبها، ثم تحدثت بهدوء، مشجعة: -تحدثي، عهد... وكأن عهد كانت تنتظر هذه الكلمة، فاندفعت قائلة بصوت خافت لكنه مشحون بالعاطفة: -كاميليا بحاجة ماسة إليكِ! عقدت آسيا حاجبيها، تنتظر بقية الكلام، لكنها لم تكن مستعدة لما ستسمعه. فجأة، أمسكت عهد بيدها بقوة، وكأنها تخبرها بصمت: مهما حدث، سأكون بجانبكِ. ثم نطقت بصوت متقطع، وكأنها تخشى قول الكلمات: -لينا... ماتت! وكاميليا... محبوسة داخل الخزنة! في تلك اللحظة، شعرت آسيا وكأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميها. غاصت في عالم آخر، عالم ملئ باللوم والعتاب، والحزن والقهر. عقلها توقف عن الاستيعاب، عندما انهت عهد من السرد بكل ما حدث، كانت كلماتها ترن في أذن آسيا، تردد صداها كضربة قاسية في قلبها. اهتزت عيناها من الصدمة، وارتعشت شفتاها، لكنها لم تستطع النطق بأي كلمة. كل شيء كان ثقيلًا جدًا، الألم، الخزي الغضب الذي تفجّر في داخلها. أرادت أن تصرخ، أن تواجه تلك العمة المهملة، تلك المرأة الأنانية التي تفتقر إلى أدنى معاني الإنسانية. كيف لأم أن تفعل شيئًا كهذا؟ خرجت الكلمات من فمها بصعوبة، صوتها يحمل مزيجًا من الصدمة والقهر: -حتى إنها بخلت بإقامة جنازة تليق بابنتها! السيدة شيرين هي من طلبت ذلك! أردفت بصوت مختنق، ودموع القهر تنهمر على وجهها: -يا لها من قسوة! ثم خرج أنينها وهي تضيف بحزن قاتل: -كم عاشتا في عذاب، ورغم ذلك... كانتا تبتسمان وكأن شيئًا لم يكن! أكملت بصوت متهدج، ثم صرخت بحرقة، غير قادرة على احتواء ألمها: -كم نحن عديمو الضمير! كيف لم ننتبه إلى أنهما بحاجة إلينا؟! احتضنت عهد آسيا بين ذراعيها، وتركت يدها تربت على كتفها برفق، بينما ظل صوتها هادئًا رغم العاصفة التي تخفيها في داخلها: -كيف ستدركون ما عاشاه وهما خارج البلدة تمامًا؟ نظرت عهد إلى البعيد قبل أن تكمل، كأن الكلمات كانت تخرج من مكان عميق لم تُفتح أبوابه منذ زمن: -لم يكن بيدكم شيء، سيدتي... أنتم كنتم في وادٍ آخر... وادٍ مظلم. كانت عهد تعرف أكثر من أي شخص حول سيدتها. تدرك خفايا العائلة، انقساماتها، والأسرار التي تثقل كاهل الجميع. كانت تعلم أن لا يد لسيدتها، ولا لأحد من أبناء العائلة، في تغيير هذا الواقع المرير. كل شيء كان مُحكمًا بإحكام، وكأن لعنةً قد حلت على هذا المكان. عندما هدأت آسيا ورتبت عهد مظهرها، أرشدتها إلى مكان كاميليا بتخفٍّ، لكن قبل أن يُفتح الباب، اخترق أذنيهما صوت متعالٍ، صوتٌ كريه صادر من أكثر شخص تبغضه آسيا في هذا المكان. قالت المرأة بنبرة مليئة بالاستعلاء: -ما الذي تفعلينه؟ تشنجت ملامح آسيا، وجزّت على أسنانها بغيظ، بينما كانت تشتم بصمت داخلها. التفتت بجمود نحو تلك المرأة، التي لم ترَ فيها يومًا سوى حيةٍ تتربص بالجميع. طال الصمت بينهما، حتى قطعته العمة بأمر صارم: -اذهبي يا عهد، وعقابكِ سيكون لاحقًا! شعرت آسيا بأظافرها تكاد تخترق جلد راحة يدها من شدة قبضتها، ثم قالت بهدوء زائف: -ولماذا ستعاقبينها؟ أنا من طلبت منها ذلك! نظرت العمة إليها ببرود، ثم رمقت عهد بنظرة احتقار قبل أن تسأل بجفاء: -توقفي، وأخبريني... لماذا أتيتِ بها إلى هنا؟ ألم أمنع الجميع من الاقتراب من هذا المكان؟ توقفت عهد للحظة، ثم أجابت بصوت خافت، تخفض بصرها متعمدة إظهار الخضوع: -نعم، يا سيدتي، لقد قلتِ ذلك، لكن الأمر كان خارجًا عن إرادتي. طلبت مني ذلك وأصرّت بشدة، ولم أجد وسيلة لرفض طلبها، فهي من العائلة. بدا أن إدعائها أرضت غرور العمة، التي ردّت ببرود يخفي فخرها الداخلي: -اذهبي! التفتت نحو آسيا، التي كانت تحدّق بها بجمود يُخفي عاصفةً من المشاعر. تقدمت العمة منها بخطوات واثقة، ثم مالت قليلًا نحوها وقالت بنبرة مستفزة: -تهوركِ هو ما يوقعكِ دائمًا في المشاكل، آسيا. لو أنكِ التزمتِ الصمت ولم تأتِ، لكنتُ قد عفوت عن الخادمات. لكن الآن، مع كل حماقة تصدر منكِ، هناك عقاب ينتظر الجميع. تخيلي كم من الأبرياء سيتأذون بسبب غبائكِ! وضعت يدها على كتف آسيا، وضغطت عليه بقوة وهي تضيف بلهجة تهديد: -وضعكِ لا يسمح لكِ بالاعتراض أو فعل أي شيء. عودي أدراجكِ، إذا كانت حياة توأمكِ تهمكِ حقًا. ثم ابتعدت خطوة إلى الخلف، وقالت ببطء، وكأنها تستمتع بتعذيبها: -تخيلي ما سيحدث لشقيقتكِ عند توقف علاجها! أردفت بنبرة باردة، وكأنها توجه طعنة أخرى: -لا تتدخلي في شؤون بناتي، واذهبي للتحضير من أجل زفافكِ. أنهت كلماتها الحادة، ثم التفتت إلى رئيسة العاملات، وأمرتها بمرافقة آسيا للخارج، قبل أن تغادر بنفسها، وكأنها لم تفعل شيئًا سوى تأدية واجبها المعتاد في التحكم بالجميع. أما آسيا، فلم تكن تدرك كيف تحركت، ولا كيف وصلت إلى المنزل. شعرت بأسوأ شعور قد يمر به إنسان: العجز. أن تكون قريبًا ممن تحب، لكنك لا تستطيع إنقاذه. عاجز عن فعل شيء، مكبل بالأغلال من كل جانب، وإذا حاولت كسرها، ربما كانت المعادلة أفضل. أفاقت من شرودها على صوت شاب يقف أمامها. كان شعره الذهبي ينسدل إلى عنقه، وعيناه الزرقاوان تحدقان فيها بقلق واضح. مد يده إليها بتردد، وسأل بصوت يحمل شيئًا من الخوف: -آسيا! أأنتِ بخير؟ حدّقت به بدهشة. ”هل هو قلق حقًا؟ رغم كل ما حدث بينهما في الماضي؟“ عندما تشجع ووضع يده على كتفها بلطف ليهزها برفق، أجابته بهدوء زائف، وبصعوبة خرجت الكلمات من فمها: -أنا بخير. ثم ابتعدت عنه بسرعة، وهرعت إلى غرفتها، لم تكن تريد أن تنكسر قشرتها أمام أحد، ولم تكن ترغب في الحديث مع أي شخص. أرادت العزلة، أرادت أن تواجه هذا الألم وحدها. وما إن أغلقت الباب خلفها، حتى انهارت على سريرها، ودفنت وجهها في الوسادة، لتطلق صرخة مكبوتة مليئة بالقهر. شعرت بمدى غبائها وضعفها. لم تستطع الوقوف في وجه تلك الحية، حتى في أشد اللحظات التي كانت كاميليا، تلك الصغيرة، بحاجة إليها. والآن، هي عاجزة عن اتخاذ القرار... عقلها يكاد ينفجر من شدة التفكير. كيف يمكنها أن تختار؟ إنقاذ كاميليا، أم حماية توأمها؟ أيهما أهم؟ كيف تستطيع إيجاد مخرج دون أن تخسر؟ تمنت، ولو للحظة، لو كان بإمكانها أن تشارك أحدهم هذا الحمل الثقيل، من يساعدها على الخلاص من هذا العجز المؤلم. في مدينة أخرى، بعيدًا عن صخب الحياة اليومية، كان مسرح الجريمة يعج برجال الشرطة وغيرهم، يحدقون بدهشة في المشهد أمامهم، باستثناء شخصين بقيا هادئين وسط الفوضى. وسط صمتٍ مشحون، قال صوت واثق: -انتظروا... هذه ليست وفاة طبيعية. إنها جريمة قتل. التفت المفتش إليه فورًا، وعيناه تضيقان بريبة. تقدم نحوه بخطوات ثابتة، ثم سأله بلهجة متوجسة: -ماذا قلت؟؟ ومن أنت؟! قبل أن يزداد التوتر، أسرع ليو بالتدخل، محاولًا تهدئة الأمور قبل أن تتعقد أكثر. رفع يديه بإشارة تهدئة، ثم قال بنبرة ودية: -حسنًا، حسنًا، تمهل يا رجل! لا داعي لكل هذا. هذه الفتاة ليست كما تظن. اسمها ورد، وهي التي حدثتك عنها. أنهى جملته بابتسامة واسعة وبريئة، لكن المفتش لم يكن مقتنعًا بسهولة. نظر إليه بريبة قبل أن يعقب بلهجة جافة: -سأعتبر هذا تدخلًا غير مرحب به إذا لم تكن المعلومات دقيقة. فلا تحاول اختصار الطريق. لم يرد ليو، لكنه ابتسم بصمت، وكأنه اعتاد على ردود المفتش القاسية. زفر الأخير بضيق، ثم قال بتحذير واضح: -سأتجاهل هذه الفوضى الآن، لكن لا تفسد مجريات التحقيق. اكتفى ليو بإيماءة قصيرة، ثم توجه نحو فادي، الذي كان يقف بصمت، يراقب ورد بتركيز شديد. نظر إليه ليو للحظة قبل أن يقطع حبل أفكاره بسؤال غامض: -هل لاحظتَ شيئًا؟ أجاب فادي دون أن يرفع عينيه عن ورد، بنبرة هادئة لكنها مليئة بالاهتمام لم يدرك أن سؤال ليو كان عن شيء آخر: -ربما... لكنها تتحرك كما لو كانت تخفي شيئًا. ترك ليو العبارة معلقة، ثم اتجه إلى أحد رجال الشرطة ليتفقد بعض التفاصيل. على الجانب الآخر، وقفت ورد أمام سيارة الضحية، تحدق إلى الداخل بتركيز عميق، وكأنها تحاول فك شفرة كتبها الموت بنفسه. لم يكن برودها انعدامًا للمشاعر، بل كانت غارقة في بحر من الأفكار، تجمع كل خيط صغير قد يقودها إلى الحقيقة. شعرت بأن الوقت ليس في صفها، وأن كل لحظة تمر هي فرصة ضائعة قد تكون حاسمة. بينما كانت تتأمل الجثة، شعرت بحركة خفيفة خلفها. التفتت لتكتشف أن فادي كان يراقبها بصمت، لكن شيئًا ما في تصرفها أزعجه. اقترب منها بخطوات ثابتة، وصوته المنخفض كان يحمل نبرة انفعال مكتوم: -لماذا خرجتِ من السيارة؟ كنتِ تجلسين مع رغد. هذا ليس مكانًا آمنًا لكِ! رفعت ورد حاجبيها بتعبير هادئ، وكأنها لم تكن مفاجأة تمامًا بتواجده. ردت بنبرة جدية، لكن فيها لمسة من التحدي: -عندما رأيتكم جميعًا هنا، أدركت أنني قد أستطيع المساعدة. كما علمنا دائمًا... كل تفصيلة صغيرة قد تكون حاسمة. غمزت له بمزاح خفيف، وكأنها تحاول تخفيف التوتر الذي بدأ يتسلل إلى الجو. أدرك فادي فورًا ما تقصد: معلمهم الأول الذي علمهم كيف يلاحظون التفاصيل الصغيرة حتى في أحلك اللحظات. ابتسم بخفة، لكن قلقه لم يختفِ تمامًا. قال: -أنتِ تعرفين أن هذا ليس وقتًا للمزاح، أليس كذلك؟ أعادت ورد تركيزها نحو السيارة، ثم قالت بهدوء ولكن بنبرة مليئة بالإصرار: -لا أحد يمزح هنا. فقط أعطني دقيقة أخرى لأتأكد من شيء. قطب فادي حاجبيه، لكنه التزم الصمت بينما أخذت ورد تتأمل الجثة بتمعن. فجأة، قالت بجدية: -انظر إلى ذقنه... هناك علامات خنق خفيفة. ومن شكل يده، يبدو أنه أعسر. أثار تعليقها اهتمام فادي، لكنه سأل بنبرة حذرة: -هل هذه الملاحظات تساعدنا في شيء الآن؟ نظرت إليه ورد لثوانٍ، ثم ابتسمت بخفة وكأنها تتحدى الشك في صوته: -ربما... لكن علينا التحقق من كل شيء. ابتسم فادي بخفة، ثم قال: -إذًا، تأكدي بسرعة. الوقت ليس في صفك. قبل أن تتمكن ورد من الرد، قطع ليو حديثهما بصوت صارم، ملامحه متجهمة بوضوح: -كفاكما عبثًا! هذا تحقيق جاد، لماذا لا تأخذانه بجدية؟ أمالت ورد رأسها جانبًا، وكأنها تستمتع بالتحدي. قالت بنبرة هادئة ولكن بابتسامة خفيفة: -أنا أعرف ما أفعله، يا سيد ليو. فقط دعني أتعامل مع هذا بطريقتي. غمغم ليو بشيء غير واضح، لكنه أدرك أن ورد لن تتغير، فتراجع خطوة إلى الخلف بينما استدارت ورد نحو فادي. نظرتها هذه المرة كانت أكثر حدة، ونبرتها أكثر جدية: -علينا إنهاء هذه القضية بسرعة... لديّ أمور أخرى أريد اكتشافها منك. ابتلع فادي ريقه، فقد كانت نظراتها كافية لجعله متوترًا. أشاح ببصره نحو الجهة الأخرى، متجنبًا لقاء عينيها. بعد أن قالت ورد ما كان عالقًا في ذهنها منذ وقت، ذهبت إلى أحد رجال الشرطة وسألته بجدية: -عذرًا، هل عثرتم على أي سجائر داخل السيارة؟ رفع الشرطي كيسًا بلاستيكيًا شفافًا يحتوي على بعض الأدلة، وقال: -نعم، وجدنا بعضها، وما زلنا نراجع التفاصيل. تأملت ورد الكيس للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وكأنها عثرت على قطعة مفقودة من اللغز. لم تقل شيئًا، بل استدارت نحو السيارة. طلبت إذنًا سريعًا قبل أن تفتح الباب الخلفي وتبدأ في تفحص الداخل بتركيز. مرت أناملها على المقاعد، وكأنها تقرأ قصة مكتوبة بلغة غير مرئية، ثم توقفت عند النافذة. تحدث فادي بهدوء، مستندًا على باب السيارة من الجهة المقابلة: -لن تجدي شيئًا هنا. رفعت ورد نظرها إليه، ثم ابتسمت ابتسامة مشاغبة وقالت: -إذن، لاحظت ذلك أيضًا؟ ابتسم فادي بخفة وأجاب: -لست الوحيد الذي يلاحظ الأشياء، إذن. بينما عادت الأجواء إلى الجدية، أدركا معًا أن خيوط الحقيقة بدأت تتكشف. كان هناك شعور غامر بالتوتر في الهواء، كأنه ضغط غير مرئي يضغط على صدور الجميع. كل شخص منهم كان يحمل شيئًا ما في داخله، سواء كان ذلك الخوف أو الذنب أو حتى الشعور بالذنب المزيف. بعد عدة دقائق من انشغال الجميع بفحص مسرح الجريمة، وقف فادي وسطهم، وقد تكوّنت لديه صورة أوضح لما حدث. بدا على ملامحه الهدوء، لكنه كان يراقب القاتل بعين ثاقبة، مستمتعًا بقدرته على التلاعب بأعصابه. كانت نظراته ثاقبة وكأنها تخترق الجدران، وكل كلمة يقولها تحمل وقعًا ثقيلًا على النفوس. حمحم قبل أن يتحدث، ثم قال بصوت واثق، لكنه مليء بثقل اللحظة: -لقد اكتشفنا من قتل الضحية، وكيف تم قتله. جذبت كلماته انتباه الجميع، فتوجهت إليه الأنظار بدهشة. كان هناك صمت مطبق لحظة، وكأن الزمن توقف. بادر المفتش بالسؤال، وهو لا يزال تحت تأثير الدهشة، وصوته يحمل رجاءً واضحاً لمعرفة الحقيقة: -هل اكتشفت القاتل؟ أومأ فادي برأسه ببطء، وكأنه يستمتع بلحظة التوتر التي يخلقها. كان يعرف تمامًا كيف يجعل الكلمات تؤثر بعمق. التفت حول الأشخاص الأربعة، متعمدًا خلق جو من التوتر الذي يكاد يُلمس. ثم بدأ بكلمات متأنية، وكأنه يختار كل كلمة بعناية: -نعم، وسأخبركم كيف نفذ جريمته. ربما اتصل به وطلب لقاءه، أو استدراجه بحجة الحديث معه. أيًا كانت الوسيلة، فقد صعد معه إلى السيارة، وهناك بدأت الجريمة. توجه نحو السيارة، فتح الباب الأمامي بجوار كرسي الضحية، ثم حركه إلى الخلف قليلًا وهو يوضح: -أمال الكرسي للخلف، ثم خنقه باستخدام خيط الصيد. رفع ذقن الضحية ليُريهم العلامات حول رقبته، وكان وجهه يعكس مزيجًا من الغضب والحزن. لم يكن مجرد تحقيق بالنسبة له؛ كان هناك شيء شخصي في الأمر، كأنه يشعر بالظلم الذي تعرض له الضحية. -هناك آثار خيط حول العنق، ليست واضحة جدًا، إلا أنها مرئية لمن يدقق. لكن ما يحيرني... كيف لم ينتبه الضحية لما يحدث؟ رفع يد الضحية اليسرى، وأشار إلى أصابعه قبل أن يقول بصوت هادئ ولكنه يحمل ثقلًا كبيرًا: -ما يؤكد لي أنه خنق بخيط صيد، هو تلك العلامات على أصابعه. من الواضح أنه حاول المقاومة، لكنه لم يستطع. تخيلوا ذلك... الرجل يكافح بشدة لينجو بحياته، ولكن دون جدوى. قاطعه المفتش متسائلًا وهو يحدق بالجثة باستغراب، وصوته يحمل دهشة ممزوجة بقلق عميق: -كيف لم يستطيع المقاومة بيديه الاثنتين؟ حينها، ابتسم فادي بابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن ابتسامة سعادة. كانت ابتسامة شخص يعرف أكثر مما يقول، ثم رفع يد الضحية الأخرى بهدوء وقال: -لأن يده الأخرى كانت منشغلة بالتدخين... ربما. كانت كلماته تحمل ثقلًا أكبر مما يبدو. كان يحاول أن يوصل رسالة خفية لكل شخص في المكان، وكأنه يقول: أنا أعرف أكثر مما تعتقدون. توجهت أنظاره إلى الأربعة، ثم عاد إلى الجثة، وصمت للحظات، ما أثار غضب المفتش، فقال بانفعال، وصوته يحمل نبرة قلق واضحة: -أكمل يا رجل! ربما ماذا؟ ابتسم فادي، متعمدًا المماطلة. كان يعرف كيف يجعلهم يشعرون بالتوتر. ثم استدار نحو كلوي وقال بنبرة هادئة لكن حادة، وكأنه ينظر مباشرة إلى قلبها: -قلتِ إنكِ كنتِ توصلين طفلك وتأخرت، ثم هرعتِ للعودة إلى المنزل، لكنك التقيتِ بأحد هؤلاء الثلاثة، أليس كذلك؟ أومأت كلوي برأسها باضطراب، وكانت عيناها تتجنب النظر إلى فادي. كان هناك شيء في داخلها يأكلها حيًا، وكأنها تحمل سرًا لا تستطيع الكشف عنه. فتابع فادي بتفانٍ وهو ينظر بجدية إلى كيرلس: -وأنت، قلت إنك كنت آخر من رأى الضحية، وأنكما كنتما تتسابقان، لكنك تركت سيارتك في الصيانة، فاضطرت السيدة كلوي لإيصالك. كما ذكرت أنكما صديقان منذ أيام المدرسة. أومأ كيرلس برأسه بارتباك، وكانت يداه تتعرقان. شعر بالذنب يزحف عليه، ليس لأنه فعل شيئًا، ولكن لأنه يعرف شيئًا ولم يقله. كان صوته يتلعثم عندما أجاب: -أ... أجل. توجهت نظرات فادي نحو جيفن، الذي بدا عليه القلق، وأعينه تتجنب النظر إلى أي شخص آخر. كان هناك شيء في عينيه، ربما خوف، ربما ذنب. فأكمل فادي تحقيقه ببطء، وكأنه يسحب الحقيقة من أعماقه: -وأنت قلت إنك لا تملك سيارة، وأن علاقتك به تقتصر على العمل، مما يعني أنك رأيته بالأمس فقط... لكن، لمَ لا نقول إنك استأجرت سيارة أجرة لتفتعل الجريمة؟ توتر جيفن، وشعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. كان هناك شيء في داخله يصرخ، يحاول أن يدافع عن نفسه، لكن الكلمات لم تخرج. حاول الدفاع عن نفسه بانفعال، وصوته يحمل نبرة يائسة: -هذا مستحيل! كيف يمكنني فعل ذلك؟ أنا لم... قاطعه فادي، الذي أشاح وجهه عنه والتفت إلى كلوفر، متجاهلًا احتجاج جيفن. كانت كلوفر تجلس في زاوية، وكأنها تحاول الاختباء من العالم. كانت عيناها مليئتين بالدموع، وكأنها تحمل عبئًا أكبر مما يمكنها تحمله. قبل أن يتابع تحقيقه، نظر إليها بثقل وقال بنبرة هادئة لكنها حادة: -أما أنتِ، ذكرتِ أنكِ كنتِ تتسوقين لشراء هدية للضحية، وقلتِ أنكِ تركتِ... توقف عن الحديث فجأة، متظاهرًا النسيان، ثم استدرك بنبرة استفسار، وكأنه يترك لها فرصة للتفكير: -معذرة، أين قلتِ أنكِ تركتِ سيارتك؟ أجابته كلوفر بتلعثم واضح، وعلامات التوتر ترتسم على ملامحها. كانت كلماتها تخرج بصعوبة، وكأنها تحاول إخفاء شيء ما: -تـ... تركتها في منحدر غير قابل للسير. كان هناك شيء في صوتها، نبرة يائسة تحمل الكثير من الألم. لم تكن تعرف كيف تتعامل مع هذا الضغط، وكأنها تقف على حافة الهاوية، وعلى وشك الانهيار. ساد الصمت للحظات، قبل أن يتبادل الجميع نظرات حذرة، وكأن الحقيقة بدأت تتكشف أخيرًا. بعد لحظات، التفت فادي نحو المفتش، ثم قال بنبرة ساخرة، محاولًا كسر التوتر الذي خيّم على الأجواء: -من الواضح أن الضغط النفسي لن يكون أداة فعالة في كشف هوية القاتل. كانت كلماته تبدو خفيفة، لكنها حملت بين طياتها ثقلًا دفينًا، كأنه يحاول أن يقنع نفسه قبل الآخرين بأن الأمور ستتحسن. ارتسمت على شفتي ورد ابتسامة جانبية، لكنها كتمت ضحكتها فورًا، فقد أدركت جيدًا ما يحاول فادي فعله. كان هناك شيء في عينيه، نظرة مزيج من الإصرار والإرهاق، وكأنه يتحمل وزر هذا التحقيق بأكمله على كتفيه. حدّقت بالمشتبه بهم، تراقب تعابير وجوههم المتوترة، قبل أن تخاطب نفسها بصمت: [على أي حال، لقد نجح في كشفه.] لكن الضجر بدأ يتسلل إليها ببطء، كدخان خانق يملأ المكان. شعرت أن الأجواء أصبحت خانقة، وأن كل نفس تتنفسه يحمل معه جزءًا من الحزن والتوتر. قررت مغادرة مسرح الجريمة لبعض الهواء النقي. سارت ببطء نحو سيارتهم، خطواتها كانت ثقيلة، وكأنها تحمل وزرًا لا يخصها. كانت أفكارها مشغولة بصديقتها رغد، تتساءل عمّا يدور في ذهنها الآن، لكنها تدرك سبب صمتها وانعزالها. ما إن فتحت باب السيارة حتى وجدت رغد جالسة في المقعد الأمامي، شاردة الذهن تحدق في الأفق البعيد. كان هناك هدوء غريب يلفها، كأنها تعيش في عالم آخر، بعيد عن الواقع الذي يحيط بهما. لم تفوّت ورد الفرصة، فابتسمت بخبث محاولة كسر هذا الصمت، وهمّت بمفاجأتها، لكن رغد قاطعتها بملل دون أن تكلف نفسها عناء النظر إليها: -أعلم أنكِ هنا، لا تحاولي. صوتها كان عاديًا، لكنه حمل في طياته نبرة من الحزن المكتوم. توقفت ورد في منتصف حركتها، ثم أغلقت الباب وجلست باعتدال، متظاهرة بالبراءة وهي تسألها: -كيف عرفتِ؟ لم تحوّل رغد نظرها عن المرآة الجانبية، فقط ابتسمت بخفة وقالت: -رأيتكِ في انعكاس المرآة. لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها، التي كانتا تشعان بحزن عميق، كأنها تحاول إخفاء شيئًا كبيرًا بداخها. استدارت نحوها وأردفت بسخرية لطيفة، لكنها لم تستطع إخفاء الثقل في صوتها: -محاولاتكِ في التخفّي تفشل دائمًا. ضحكت ورد بخفة، لكن ضحكتها كانت مليئة بالحنين، كأنها تتذكر الأيام التي كانت فيها الأمور أبسط وأكثر براءة. ثم حدّقت بها لثوانٍ قبل أن تهمس بابتسامة هادئة: -سينتهي الأمر قريبًا. كانت كلماتها تحمل أملًا خافتًا، لكنها في الوقت ذاته كانت كذبة صغيرة تخبرها بنفسها لتخفيف وطأة الواقع. بادلتها رغد الابتسامة، لكنها لم تعلّق، وعادت تحدق في المرآة بشرود. كانت عيناها تقول الكثير مما لم تستطع شفاهها قوله، كأنها تختبئ خلف هذه النظرات الساكنة، تخفي ألمًا عميقًا أو ذكريات مؤلمة. أما ورد، فقد راقبتها للحظات قبل أن تستلقي قليلًا، مغطية عينيها بيدها لتستريح. شعرت بثقل اليوم يتسلل إلى جسدها، وكأن كل كلمة قيلت وكل نظرة تم تبادلها قد تركت آثارًا عليها. همست بصوت ناعس، لكنه كان مليئًا بالاستسلام: -لا توقظيني حتى نصل. هزّت رغد رأسها موافقة، لكنها لم تصدر أي صوت. ظلت تحدق في المرآة، وكأنها تبحث عن شيء ما في الانعكاسات البعيدة، ربما عن إجابة لسؤال لم تطرحه بعد. كانت رغد تشعر بوحدة غامضة تلفها، وكأنها تغرق في بحر من الأفكار، لكنها لم تستطع مشاركة ورد أي منها. ربما كان ذلك بسبب حاجتها للبقاء وحدها لبعض الوقت، أو لأنها لم تجد الكلمات المناسبة لوصف ما تشعر به. في تلك اللحظة، عاد التوتر ليخيّم على مسرح الجريمة، وكأن الهواء أصبح أثقل، محمّلًا بترقب الجميع للحظة الحسم. نفد صبر ليو، فتحدث بنبرة حادة وهو يرمق فادي بضيق: -كفاك مماطلة، أخبرنا من القاتل؟ لكن المفتش لم يكن متحمسًا كالعادة، بل استدار إليه بابتسامة ساخرة، مستعيدًا في ذهنه حديث ليو السابق عن ”أصدقائه“، قبل أن يعلّق بسخرية: -من الواضح أن صديقك مجرد محتال. لم يبدُ على فادي أي تأثر بكلامهما، فقد تجاهل تعليقاتهما ومشاحنتهما تمامًا، وظل مركّزًا على القضية، وكأنه يسمع صدى أفكاره فقط. بعد لحظة صمت، رفع يده وأشار بثقة نحو أحد المشتبه بهم، قائلًا بنبرة ثابتة: -أنت خارج دائرة الاتهام، لأنك ببساطة لا تملك الوسيلة لتنفيذ الجريمة. التفتت الأنظار نحو الشخص الذي أُعفي من الشبهات، بينما تابع فادي تفسيره، مشيرًا نحو الطريق الفارغ خلفهم: -سيارات الأجرة لا تمر من هذا الطريق، مما يعني أنك لم تكن لتصل إلى هنا دون سيارة خاصة. أي أن الجاني لا بد أن يكون واحدًا من بينكم أنتم الثلاثة المتبقين. ألقى نظرة متفحصة على المشتبه بهم، متعمدًا ترك لحظة صمت ثقيلة قبل أن يتكلم. كانت عيناه تتنقل بين المرأة النحيفة، ثم المرأة الممتلئة، وأخيرًا الرجل الآخر، وكأنه يقيس ردود أفعالهم تحت وطأة كلماته. ثم، وبحركة هادئة لكنها قاطعة، رفع يده وأشار مباشرة إلى أحدهم، وقبض أصابعه ببطء وكأنه يطبق عليها كما أُطبِق الخيط حول عنق الضحية. قال بصوت منخفض لكنه مشحون بالحزم: -أنت من قتله... يتبع 《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما