ظلال السلك المظلم.

ظلال السلك المظلم.

16 0

《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》

《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》

نبدأ بسم الله...

___________

انطبق باب الشقة الخارجي للمرة التي لا تعد هذا الصباح؛ رحل الجميع أخيرًا نحو مدارسهم وأعمالهم، ليعود الصمت ويفرض سيطرته على الردهة المشتركة. كانت بقايا صخب الرفاق لا تزال عالقة في أرجاء المكان؛ رائحة خبزٍ محمص ملأت المطبخ الصغير، بضع ستراتٍ ملقاة بإهمال على الأريكة، ونصف كوبٍ من القهوة التي نسيها أحدهم فوق الطاولة، يتصاعد منه خيط دخان ضعيف يتلاشى أمام ضوء الشمس الباهت الذي انكسر ببرود فوق الخرائط والكتب المبعثرة.

وسط هذا الهدوء المفاجئ، كانت ساكورا هي الأخيرة. وقفت للحظة أمام المرآة الطولية في المدخل، تعدل ياقة معطفها الصوفي الأسود بآلية، بينما انعكس خلفها ترتيب الشقة الفوضوي الذي تشاركه مع رفاقها. سحبت حقيبتها الجلدية بصرامة، وتأكدت من وجود دفترها الأسود في مكانه، وكأنها تفصل نفسها تمامًا عن حياة الرفاق المسترخية لتدخل عالمها القانوني الجاف.

خرجت أخيرًا، وأوصدت الباب خلفها بمفتاحها المعدني الذي أصدر صوتًا جافًا وحاسمًا في القفل. استقبلتها ريحٌ شتوية شرسة، ريحٌ لم تكن تداعب الوجوه بل كانت تلطمها بذرات جليدٍ مجهرية. توجهت نحو سيارتها المتوقفة تحت الشجر العاري من أوراقه، وصوت وقع حذائها على الإسفلت المبلل هو الصوت الوحيد الذي يكسر هيبة الضباب الرمادي الذي غلّف الحيّ.

بمجرد صعودها، أحست ببرودة المقعد الجلدي تخترق جسدها، فأنفاسها تصاعدت كدخانٍ رقيق في مقصورة السيارة الباردة. أدارت المحرك، ومع أول اهتزازة للمقود، رن هاتفها محطمًا صمت الصباح بداخل السيارة. كان اتصالًا من برين.

لم يكن صوته يحمل دفء الصباح، بل جاء جافًا ومقتضبًا عبر السماعة الخارجية:

"ساكورا، لا تتوجهي للمكتب. هناك حالة طارئة في مركز المدينة، غرفة التحقيقات رقم (2). لدينا قضية ترويج مواد مخدرة تسببت في حالة وفاة. نحتاجكِ هناك فورًا بصفتكِ المنتدبة للدفاع."

وقبل أن تزيح إصبعها عن شاشة الهاتف، ومض إشعار رسالة نصية من مايكل، بدت كلماتها كأنها صرخة مكتومة:

"ساكورا، نحن في ورطة. القضية تتعلق بحشيش مطور بمركبات كيميائية، والمتهم يرفض الكلام مع أي شخص سوانا، لكننا نحتاج غطاءً قانونيًا لمحامٍ نثق به قبل البدء. أسرعي."

تجمدت نظراتها على الضباب الكثيف الذي يكسو الزجاج الأمامي. قضية مخدرات، حالة وفاة، وخيوط بدأت تتقاطع في ذهنيتها مع هواجس غريبة. لم تتردد؛ ضغطت على دواسة الوقود، وانطلقت السيارة تشق عباب الضباب الذي يلف الشوارع الأوروبية ككفنٍ ثقيل، تاركةً خلفها ذكريات ليلة الأمس الهادئة مع رفاقها، متجهةً نحو الثقب الأسود الذي ينتظرها في الغرفة رقم (2).

مركز شرطة المدينة - مكتب التحقيقات الكبرى| التاسعة صباحًا - في قلب الشتاء الأوروبي.

ساد الصمت أرجاء المكتب، إلا من طقطقة منتظمة ومنهكة لأنابيب التدفئة المركزية التي كانت تُصارع برودة الجدران الإسمنتية العتيقة دون جدوى. كانت الستائر المعدنية نصف مغلقة، تسمح لضوء الصباح الشاحب بالتسلل بوهن، ليرسم خطوطًا باهتة عبر الزجاج الضبابي المُغطى بدموع الندى. الهواء هناك كان يلسع الأنفاس؛ فرغم حرارة المدافئ المعدنية القابعة تحت النوافذ، كانت أنفاس الحاضرين تتصاعد كدخان رقيق يتلاشى في الفضاء الموحش. رائحة الورق الرطب المختمرة بمرارة القهوة سادت المكان، يقطعها عبير كيميائي رخيص لمنظف أرضيات يحاول عبثًا التغطية على رائحة المعاطف الصوفية الثقيلة التي لم تجف تمامًا، نافثةً رطوبة شوارع الممطرة في قلب الغرفة.

جلست ساكورا على حافة الكرسي الجلدية القاسية، جسدها مشدودٌ كوترٍ على وشك الانقطاع. لم تخلع معطفها الطويل، بل أبقته عالقًا على كتفيها كدرعٍ يحميها من قسوة المكان. يدها اليمنى تقبض على قلمها الباركر الفضي كأنه سلاح، بينما تعتصر قفازها الجلدي الأيسر بتوترٍ صامت. كان دفترها الأسود مفتوحًا على بياضٍ موحش، بينما كان هاتفها الموضوع بجانبها يلمع بصمت، وكأنه شاهد من عصر آخر على ورطتها.

مقابلها، وقف برين؛ الشاب الذي يمثل "الخطيئة الإدارية" الوحيدة في سجلات المديرية. في الثامنة والعشرين من عمره، كان الضابط الأصغر الذي انتُزع من دوريات الشوارع ليقود التحقيقات الكبرى بقرارٍ سيادي، بعدما فكك شيفرة ”جريمة الرصيف السابع“ في ليلة واحدة. عيناه تحملان ثقلًا غامضًا يوحي بعقودٍ من الخيبات، كأنه عاين في سنتين ما لم يره غيره في دهر. كان يرتدي سترة صوفية سوداء ذات ياقة عالية تحت بدلة رسمية تمنح كتفيه هيبة صارمة؛ هيبةٌ لا تنبع من الرتبة، بل من تلك الثقة الهادئة لـ ”قنّاص“ لم يخطئ تقديره يومًا، الرجل الذي تلقى على عاتقه القضايا التي يخشى غيره مجرد لمس ملفاتها.

وعلى يساره، جلس مايكل، الاستثناء الآخر في تلك الغرفة. فرغم كونه رئيسًا لوحدة المكافحة - وهو منصب يتطلب عادةً شعرًا رماديًا وسنوات من البيروقراطية - إلا أنه كان لا يزال يحتفظ بروح الميدان. أكمام قميصه المرفوعة كشفت عن ساعة قديمة، هدية تخرجهما معًا من الأكاديمية في دفعةٍ وُصفت بأن ذكاءها "لن يتكرر". كان يميل بجسده للأمام، يقلب أوراق ملفٍ تيبست أطرافه من رطوبة المبنى المزمنة.

في أروقة القسم، يُهمس عنهما بـ "الظلال الذهبية"؛ برين يقرأ ما وراء الرّمش والنبض، ومايكل يقرأ الأرقام والسموم. كان مايكل هو عقل برين الرديف، والوحيد الذي يلمح التزوير في تفاصيل مجهرية، والشخص الذي يملك الجرأة الكافية لإكمال جملةٍ لم ينطق بها برين بعد.

كسر برين الصمت بصوته الرخيم الذي يجمع بين الوقار والحياد، صوته الذي لا يحمل تهديدًا فجًا ولا تملقًا رخيصًا:

- نحتاجكِ محاميةً لـ كريم مروان. ليس لأنه بريء... بل لأننا نثق بأنكِ الوحيدة التي ستجعله يتكلم دون أن يُقتل في اليوم التالي.

رفعت ساكورا عينيها ببطء؛ كانت نظرتها هادئة هدوءًا حذرًا، لكنها ثاقبة كمن يدرك أن كلمته القادمة ستحدد مصير كل شيء، ثم قالت:

- لماذا أنا؟ لديّ قضايا في ردهات المحاكم أكثر تعقيدًا من ملاحقة مروجي الحشيش في الأزقة الضيقة.

ضحك مايكل ضحكة مكتومة، جافة لم تصل شرارتها إلى عينيه، وهو يقلب صفحة من الملف الورقي السميك قائلًا:

- كريم لا يبيع الحشيش يا ساكورا. كريم يوزع السّم الجديد؛ مادة تركيبية قاتلة ظهرت قبل ثلاثة أشهر، وحصدت أرواح سبعة شبان في الحي المجاور.

ثم انحنى قليلًا للأمام، وأضاف بصوت خفيض مشحون، كأنه يستعيد نصًا من الذاكرة:

- كل جرعة تحمل رقمًا تسلسليًا دقيقًا مطبوعًا على الغلاف الزجاجي.. كأنه توقيع قاتل متسلسل يعشق التباهي.

لم تتحرك ساكورا، لكن قبضتها على القلم اشتدت حتى ابيضت مفاصل أصابعها. تغلغل برد الغرفة القارس في عظامها، هي التي لم تكن تنوي المكوث هنا لأكثر من دقائق.

في تلك اللحظة، قطعت حبل التوتر المشدود طرقاتٌ خفيفة على الباب الخشبي الثقيل المصنوع من البلوط الداكن. دخلت لينا بهدوء ينم عن اعتياد، تحمل كوبًا من القهوة السوداء تفوح منه رائحة أرابيكا قوية، ووضعته أمام ساكورا. كان البخار المتصاعد في لولب رقيق هو الحركة الوحيدة في المكتب الذي يفوح برصانة المكاتب الأوروبية العريقة؛ حيث غطت الجدران خزائن ملفات معدنية رمادية ممتدة بصرامة حتى السقف. ومع تسلل نور الصباح البارد عبر النوافذ، انعكس الضوء بحدة على الأسطح المعدنية، ليرسم خطوطًا لامعة فوق الملفات المرتبة بهندسة ميكانيكية.

أبقت ساكورا عينها معلقة بساعتها لثوانٍ؛ كانت الدقائق تتسرب من بين أصابعها كرمال ناعمة، ولم تسمح لنفسها بأكثر من رشفة واحدة، قبل أن تترك الكوب ليواجه مصيره في أن يصبح باردًا ومهملًا فوق الطاولة، تمامًا كبرود الغرفة.

قالت لينا، بصوتٍ هادئ مكسور ببحّة عاطفية:

- ساكورا... الضحايا الذين سقطوا بسبب هذه الشحنة كانوا من طلاب مدرستي القديمة. جميعهم لم يتجاوزوا العشرين بعد.

التفتت ساكورا إليها؛ كانت تلك المرة الثانية التي تفصل فيها اتصالها البصري بملف القضية. التقت نظراتهما، ولم يكن فيهما حزنٌ مستسلم، بل نوع حاد من الإدراك المُر؛ الإدراك بأن اللعبة قد تجاوزت حدود الأوراق والقانون لتطال الأرواح.

عادت ساكورا بنظرها نحو برين، ثم نحو مايكل الذي كان يراقب تقاسيم وجهها بصمتٍ حذر. قالت بنبرة رخيمة، تقطر برودًا احترافيًا يليق بمحاميةٍ لا يهزها عصف:

- سأقبل تمثيل هذا الشخص، وسأنجز المهمة. لكن... إن اتضح لي أن جهازكم اتخذه طُعمًا بشريًا لإسقاط الرؤوس الكبيرة، أو أنكم غضضتم الطرف عن السموم التي مررها لتصلوا لمبتغاكم... فأعدكم، أنني سأجعل المحكمة تزلزل الأرض تحت أقدامكم.

ساد صمتٌ عميق، ثقيل لدرجة تسمع فيها طنين السكون الذي يملأ الضوء الباهت. لم ينطق مايكل بكلمة، بينما لمعت عينا برين بتقديرٍ مكتوم، وأومأ برأسه مرة واحدة بوقارٍ بارد. كانت تلك الإيماءة بمثابة توقيعٍ على عقدٍ غير مكتوب، وكأن لسان حاله يقول: هذه الشراسة هي تمامًا ما نحتاجه في هذا المستنقع.

استأذنت ساكورا بهدوء، ثم نهضت لتتوجه نحو هدفها. وقبل أن تغادر، ألقت نظرة خاطفة أخيرة على ساعتها؛ العاشرة إلا ربع تمامًا، والقهوة التي وضعتها لينا منذ قليل كانت قد فقدت بخارها واستقرت في صمتها الكامد.

سارت عبر الممرات الطويلة الصامتة، وعندما وصلت، وقبل أن تضع يدها على مقبض الباب المعدني البارد المؤدي لغرف التحقيق، شعرت بظلٍّ يلقي بظلاله عليها؛ التفتت لتجد مايكل واقفًا هناك، بدا جادًا كعهده في العمل. كان يضع إحدى يديه داخل جيب معطفه بجمود، بينما قبض بالأخرى على فنجان قهوة بلاستيكي؛ ورغم محاولته الثبات، إلا أن ارتجافةً طفيفة في يده الممسكة بالفنجان فضحَت اضطرابه المكتوم.

اقترب منها بما يكفي لئلا يُسمع صوته، وكأن للجدران آذانًا تترصد، وقال بنبرةٍ خافتة يملؤها الحذر:

- ساكورا، اسمعيني جيدًا.. كريم ليس مجرد شابٍ متعثر، إنه خائف من شيءٍ أكبر من تهمة حيازة مخدرات. لا تندفعي خلف مثاليّتكِ المعهودة اليوم؛ الجدران هنا تملك آذانًا، والكاميرات لا تنام.

رمقته ساكورا بنظرةٍ حادة، مشتعلةٍ بمرارة الشعور بالورطة؛ فثقتهم العمياء بها لم تعد تبدو لها كإشادة ببراعتها بقدر ما بدت كقيدٍ حديدي يجرها إلى قلب إعصارٍ لم تختره. كانت نظرتها تلومه بصمت: «كيف تضعان هذا الثقل كله على عاتقي ثم تطلبان مني الحذر؟». شعرت بعبء الأمانة يخنق أنفاسها، وكأن إيمانهم بها صار الفخ الذي لا تستطيع الفكاك منه.

تابع مايكل محذرًا بصوتٍ يكاد لا يغادر شفتيه:

- إذا شعرتِ أن الكلام سيتخطى حدود القضية، اقطعي التحقيق فورًا. هناك أسماء إذا طُرحت في هذه الغرفة... فلن نخرج منها كما دخلنا. كوني محامية، لا محققة.

​تصلبت كتفاها، وأشاحت بنظرها عنه بعيدًا، وهي تضغط على ملف القضية بقوة جعلت أطراف أصابعها تبيضّ. أحسّ مايكل بحرارة غضبها الصامت يلفح هدوءه، فخفتت نبرة التحذير في صوته، وحلّت محلها نبرة انكسارٍ لم تعهدها فيه.

​رفع يده كمن يريد وضعها على كتفها لمواساتها، لكنه سرعان ما أوقف حركته في الهواء وتراجع، مدركًا كراهيتها للمسات المفاجئة واحترامًا للمساحة التي تضعها حولها. اكتفى بوقفةٍ مثقلة بالأسف، وقال بصدقٍ عارٍ:

​- ساكورا.. أنا أعتذر. أعلم أننا لم نمنحكِ حق الاختيار، وأننا ألقينا بكِ في وسط النيران فقط لأننا نعلم أنكِ الوحيدة التي لن تخذلنا. لم يكن من العدل أن نحملكِ وزر مخاوفنا.. أنا آسف حقًا.

​​هبطت كتفاها قليلًا مع زفيرٍ طويل، وكأن اعتذاره كان الثغرة التي تسرب منها بعض غضبها. لم تلتفت إليه، لكن حدة عينيها انطفأت لتفسح المجال لملامح أكثر سكينة؛ فاحترامه لخصوصيتها وكلماته الصادقة لامسا ذلك الجزء الذي يعلم يقينًا أنها، برغم غضبها، لن تتخلى عنهم أبدًا مهما بلغت خطورة الموقف. القت نظرة سريعة على ساعتها؛ كانت العقارب قد تجاوزت العاشرة إلا ربع ببضع دقائق استهلكها هذا الحديث غير المتوقع. لم يعد هناك متسع لمزيد من الوجدانيات، فكريم ينتظر خلف الجدران الصماء.

في العاشرة وعشر دقائق صباحًا، كانت غرفة التحقيق رقم (2) تمتص كل صخب الخارج وتستبدله بصمتٍ ثقيل. عشر دقائق من التأخير لم تكن في حسبان ساكورا، لكنها كانت كافية لتبدو الغرفة أكثر ضيقًا، ولتجعل الهواء الراكد المعبأ برائحة المعدن والأسمنت يثقل كاهل من بداخله.

الغرفة ضيقة، جدرانها مطلية باللون الأبيض البارد العقيم الذي يبتلع الضوء ولا يعكسه، ولا يكسر رتابتها سوى طاولة معدنية مثبتة بمسامير غليظة في الأرض، وكرسيان من البلاستيك المقوى باللون الرمادي الباهت. خلف الزجاج العاكس، كان بريق عدسة الكاميرا الرقمية يترصد كل رمشة عين، بينما يملأ المكان طنين أجهزة التدفئة المركزية التي تنفث دفئًا جافًا وثقيلًا.

على أحد الكرسيين، جلس كريم مروان؛ شاب في أوائل عشرينياته، بشعرٍ أشقر باهت يبدو كأنه لم يُمشّط منذ زمن، وعينين زرقاوين غارقتين في حُمرة الإجهاد والدموع المحتبسة. كانت يداه المكبلتان ترتجفان طفيفًا فوق سطح الطاولة المعدني، لكنه لم ينظر إلى الأصفاد؛ بل ظل يحدق في الباب بتوجس، كمن ينتظر منقذًا لا يرتدي بذلة رسمية، بل يحمل له طوق نجاة وسط هذا المحيط من الأسمنت.

فُتح الباب بصرير معدني خافت، ودخلت ساكورا. كانت وحدها، ترتدي معطفًا طويلًا من الصوف الأسود يضفي عليها هيبة عملية، وتحمل حقيبتها الجلدية بصرامة. لم تبتسم، ولم تطلق نظرة إدانة أو شفقة؛ بل كانت ملامحها لوحة من الحياد المهني الصارم. وضعت حقيبتها الجلدية على الطاولة بهدوء، ثم نظرت إلى كريم بملامح هادئة خالية من التكلف، وقالت فجأة بنبرة لطيفة غير متوقعة باللغة الإنجليزية:

- اعتذر عن التأخير يا كريم، آمل أنك لم تنتظر طويلًا.

لاحظت بحّة صوته واهتزاز نبرته، ففتحت حقيبتها بتمهل وأخرجت زجاجة ماء لم تُفتح بعد، وضعتها أمامه كبادرة إنسانية صامتة لتعطيه المساحة ليلتقط أنفاسه. راقبت يده المرتعشة وهي تمتد نحو الزجاجة، وفي تلك اللحظة، تحول شيءٌ ما في نظرتها؛ تلاشت الرقة تدريجيًا ليحل محلها ذلك الحياد المهني الصارم. توقف كريم عن الشرب، وبقت زجاجة الماء معلقة في يده وهو يرمقها بنظرةٍ شابتها الريبة. وعندما حاول إعادتها إلى الطاولة، خانته أصابعه المرتجفة لتحدث قعقعة معدنية فضحت اضطرابه؛ فقد أدرك في تلك الثانية أن اللطف الذي أبدته لم يكن ضعفًا، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.

مالت بجسدها للأمام، ودوى صوت قفل حقيبتها في أرجاء الغرفة، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها اخترقت السكون بنفس اللغة:

- أنا ساكورا، محاميتك. وإذا لم تمنحني الحقيقة الكاملة الآن... فلن يتمكن أحد في هذه البناية من انتشالك مما أنت فيه.

رفع كريم عينيه المثقلتين، ولم تظهر عليه علامات المفاجأة؛ بل بدا وكأن حضورها هو الشيء الوحيد المنطقي في هذا اليوم الطويل الحافل بالهزائم. تساءل بصوتٍ مبحوح ينم عن عطشٍ قديم:

- أنتِ جديدة هنا، أليس كذلك؟

أجابت وهي تفتح قفل حقيبتها ببرود، بينما أخرجت هاتفها من طراز (iPhone 6s) ووضعته مقلوبًا على الطاولة:

- هي المرة الأولى التي سأقف فيها بصف الدفاع في هذا القسم، لكنني لستُ مبتدئة في تشريح الأكاذيب.

ساد صمتٌ لثوانٍ، ابتلع خلالها كريم ريقه بصعوبة، ثم قال بصوتٍ خشن مزقته الغصة:

- لم أقتله.. لم أقتل أحدًا. لكنني.. أعطيتُ الحبة الأخيرة لصديقي تَيْم. وهو مات بسببها.

سألت ساكورا باختصارٍ حاد، وهي تميل بجسدها للأمام:

- لماذا؟

أجابها وعيناه تائهتان في ذكرياتٍ بعيدة:

- لأنه توسل إليّ. قال لي: 'إما أن أجربها، أو أعود إلى جحيم كوابيس الحروب'. فأعطيتُه إياها.. كهدية وداعٍ ملعونة.

انكسر صوته في النهاية، وسقطت دمعة وحيدة على الطاولة المعدنية، لكن ساكورا لم تمنحه رفاهية التعاطف السريع؛ بل أخرجت دفترًا جديدًا وقلم حبرٍ أسود، ووضعت سنّ القلم على الورقة البيضاء في انتظار اللحظة الحاسمة:

- من زوّدك بهذا السم؟

- لا أعرف اسمه. لكنه.. يعمل من داخل النظام. كان يقول لي دائمًا 'إن هؤلاء الشباب ليس لهم مكان هنا'. كان يقول: 'إنهم يهربون من جحيم الموت في بلادهم، ليجدوا سوق السموم ينتظرهم هنا كوجبةٍ أخيرة. أنا لا أقتلهم يا كريم، أنا فقط أمنحهم شيئًا يُنسيهم، شيئًا يبقيهم أحياء... ولو للحظة زائفة'.

توقفت يد ساكورا عن الكتابة تمامًا. شعرت ببرودة الكلمات تخترق دفء الغرفة الجاف؛ لم تكن مجرد جريمة إتجار، بل كانت جريمة محملة بفلسفة مظلمة ومقززة. رفعت عينيها ببطء نحو كريم، وسألت بنبرةٍ انخفضت لدرجة الهمس المحذر، وهي ترمق الكاميرا المثبتة فوق الزجاج العازل بنظرةٍ خاطفة:

ـ هل هذا ما قاله لك الضابط الذي كان يزودك بالحقائب؟

هزّ كريم رأسه بإيجابٍ واهن، وتابع بصوتٍ مكسور:

- كان يقنعني أنني أريحهم من كوابيسهم.. حتى رأيتُ تَيْم يموت أمامي. حينها أدركتُ أن اللحظة الزائفة التي وعدني بها، لم تكن سوى تذكرة ذهاب بلا عودة.

ساد صمتٌ ثقيل؛ فقد كانت الكلمات كافية لقلب موازين القضية، وتحويلها من مجرد جرعة زائدة في زقاق مهجور إلى مؤامرة تضرب قلب الجهاز الأمني الذي يحيط بهما الآن.

في ممرات مديرية التحقيقات - الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق صباحًا

خلفها، أُغلق الباب المعدني لغرفة التحقيق رقم (2) بوقعٍ ثقيل، وكأنه يطوي صفحة من الاعترافات التي لم تكن ساكورا مستعدة تمامًا لثقلها الأخلاقي. كان الممر يمتد طويلًا كأن لا نهاية له، تحت إضاءة فلورسنت باهتة تومض بترددٍ طفيف، تمنح الوجوه شحوبًا مريضًا يوحي بالإنهاك. أما الأرضية المغطاة بطبقة من اللينوليوم الرمادي المصقول، فكانت تعكس برودة المكان كمرآة باهتة، وتُصدّر صريرًا حادًا ومنتظمًا مع كل خطوة؛ صدىً يتردد بين الجدران العالية كأنه طرقات مطرقة قاضٍ لا يرحم. كانت رائحة القهوة المحترقة الممزوجة بالمعقمات الكيميائية تملأ الرئتين؛ تلك النكهة المألوفة في أروقة العدالة، حيث يحاول المبنى عبثًا تطهير نفسه من أسرار القضايا العالقة في مسامه.

كانت ساكورا تمشي بخطواتٍ واسعة وحازمة، حقيبتها الجلدية السوداء تصطدم بجانب معطفها مع كل حركة، وكأنها بندول ساعة يحصي الثواني الضائعة من عمر القضية. لم تكن تنظر يمينًا أو يسارًا؛ بل كانت تسير بعينين مثبتتين على هدفٍ بعيد، مدركةً أن رمال الوقت بدأت تتسرب من الساعة أسرع مما توقعت.

- ساكورا!

اخترق الصوت سكون الممر من خلفها، صوتٌ مشروخ بالارتباك. تسمرت في مكانها، لكنها لم تلتفت فورًا. أغمضت عينيها لثانية واحدة، استجمعت فيها هدوء المحامية داخلها، ثم استدارت ببطء كليّ يُبرز ثباتها.

كانت أَلِيس تقف هناك، تستند بيدٍ مرتعشة قليلًا إلى إطار بابٍ موارب، بينما يتدلى من يدها الأخرى هاتفها الذكي الذي لم يتوقف وميض إشعاراته. وجهها كان شاحبًا كالورق، وعيناها تائهتان تبحثان عن مرفأ آمن في ملامح زميلتها الرصينة.

قالت أَلِيس بنبرة خفيضة، وعيناها تلمعان ببريقٍ يشبه الرجاء، كأنها تحاول حماية ساكورا من نفسها:

- لا ترهقي نفسكِ بتصديق كل ما تسمعينه يا ساكورا. أحيانًا، يختلق هؤلاء الشباب قصصًا عن النظام ليبرروا ضياعهم. نحن هنا لنفعل الشيء الصحيح، والشيء الصحيح هو إغلاق هذه الملفات ليرتاح الجميع، ويستعيد المجتمع هدوءه.. أليس هذا هو الهدف الأسمى لعملنا؟ أن ننهي الفوضى؟

نظرت إليها ساكورا مباشرة، بنظرة ثاقبة خالية من أي ابتسامة أو مجاملة بروتوكولية، وقالت بلهجة عملية تقطر برودًا:

- هل تعرفين من هو الضابط الذي أشار إليه؟

لم تظهر أَلِيس أي وعيد، بل سكنت ملامحها في حزنٍ مفاجئ، ومدت يدها لتلمس كتف ساكورا برفقٍ أخويّ قبل أن تتراجع، قائلة بصوتٍ مخلص:

- لا.. وأتمنى من كل قلبي ألا تذهبي خلف هذا الخيط. هناك توازنات في هذا السلك الأمني أقدم منا ومن طموحاتنا، ونبشُها لن يجلب سوى الألم. نحن نقوم بعملٍ إنساني حين ننهي هذه القضايا بما هو متاح، وهذا هو الحق الذي يجب أن تؤمني به يا ساكورا.. لكي تحمي نفسكِ، ولكي تنامي بهدوء في الليل.

رسمت ساكورا على شفتيها ابتسامة خفيفة، لكنها كانت باردة كشتاء القارة العجوز، وهزت رأسها قائلة:

- أليس هذا تحديدًا ما تعلمناه منكِ؟ أن الحقائق لا تختبئ خلف الأبواب المغلقة للأبد، بل تنتظر فقط من يملك الجرأة لكسر الأقفال.

لم تجد أَلِيس كلماتٍ للرد؛ اكتفت بنظرة طويلة صامتة، نظرة محملة بالخوف الصادق والأسى، كأنها ترى في ساكورا نسخة قديمة من نفسها قبل أن تلوثها الضرورات. ثم أومأت برأسها ببطء وتراجعت لتختفي خلف منعطف الممر، تاركةً ساكورا وحدها في تلك المساحة الفارغة. لم يكسر الصمت سوى صدى خطواتها الرصينة التي استأنفت سيرها نحو المجهول، بينما كانت تلمس قفل حقيبتها وكأنها تتأكد من جاهزية أسلحتها القانونية.

كان مكتب برين يطلّ على شوارع المدينة المزدحمة، حيث تتدفق السيارات في سيلٍ صامت خلف زجاجٍ مزدوج عازل للصوت، كأنه يرفض السماح لأي ضجيج خارجي بأن يخلخل نظام عالمه الصارم. الجدران كانت مغطاة بخزائن ملفات معدنية رمادية ممتدة حتى السقف، وفي الزاوية، قبع كوب قهوة بارد يحمل طبقة رقيقة من الغبار، شاهدًا صامتًا على ساعاتٍ من العمل المضني الذي لا ينتهي.

وقف مايكل بجوار النافذة، يراقب المارة في الأسفل محاولًا تهدئة ضجيج أفكاره. قطع حبل الصمت بتساؤلٍ خفيض:

- هل ستخبرها الحقيقة التي علمناها بمحض الصدفة؟

لم يتحدث برين، بل كانت نظراته ثابتة على الأوراق التي أمامه بجمود. تنهد مايكل، وما إن سمع صرير الباب حتى التفت، وارتسمت على وجهه ابتسامة مجهدة وذابلة:

- أنتِ أسرع مما توقعتُ يا ساكورا.

دخلت ساكورا دون استئذان، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ تعكس حجم الغليان داخلها. لم تُلقِ حقيبتها إهمالًا، بل وضعتها بحزمٍ فوق مكتب برين الخشبي، وفتحتها لتخرج دفتر ملاحظاتها وهي تقول بنبرة حادة كالنصل:

- كريم يدّعي أن السم يُوزع بواسطة ضابطٍ من داخل النظام.. وأنه أعطى الحبة الأخيرة لـ تَيْم كهدية وداعٍ أخيرة.

لم يتحرك برين؛ ظل جالسًا خلف مكتبه، يداه متشابكتان فوق السطح الخشبي بجمود، وعيناه لا ترمشان خلف عدسات نظارته الطبية. سأل بهدوءٍ مريب:

- وهل صدّقتِه؟

ردت ساكورا بذكاء المحامية التي تقرأ ما وراء الكلمات:

- لا، لكني صدقتُ أنه مؤمنٌ تمامًا بما يقول، وهذا بحد ذاته خطر.

اقترب مايكل بخطواتٍ وئيدة، وهمس بصوتٍ مشحون:

- هذا هو الكابوس الذي خشيناه؛ السّم الجديد لا يُزرع في الأحياء الفقيرة يا ساكورا.. بل يُزرع من داخل حصوننا، وتحت حماية الشارات الرسمية.

ساد صمتٌ ثقيل، حتى كاد صدى دقات الساعة الجدارية يمزق سكون الغرفة. نهض برين ببطء، وتوجه نحو خزانة حديدية في الزاوية، مستخدمًا مفتاحًا خاصًا ليخرج ملفًا أسود بختمٍ أحمر قانٍ كُتب عليه بخطٍ عريض: [سري للغاية - إدارة مكافحة المخدرات]. وضعه أمامها وقال بصوتٍ منخفض يحمل تهديدًا مبطنًا:

- اقرئيه في مكتبكِ يا ساكورا.. بعيدًا عن الأعين. لكن تذكري.. إن خرجت منه كلمة واحدة، ستتوقفين عن كونكِ محامية، وستصبحين متهمةً بالتخابر ضد الدولة.

لمست ساكورا غلاف الملف الأسود البارد، وشعرت وكأنها تلمس جمرةً مخبأة تحت الثلج. نظرت إلى مايكل الذي كان يراقبها بصمت، ولم تكن نظراته تحمل لؤمًا أو تشفيًا، بل كانت مغلفة بأسىً عميق وقلق يخشى على رد فعلها حين تنفرد بهذا الورق؛ كان يعلم أن ما بداخل الملف ليس مجرد قضية، بل هو زلزال سيضرب كل ما تؤمن به.

كسرت ساكورا الصمت وهي ترفع عينيها لبرين ومايكل، وقالت بنبرةٍ تهكمية يخنقها التوجس:

- نبش القبور.. أهذا ما تفعلونه هنا؟ تخفون الجثث تحت مسميات السرية وتنتظرون من المحامين أن يرقصوا فوقها؟

تنفس مايكل بعمق، وأدار وجهه نحو النافذة كأنه لا يقوى على رؤية لحظة سقوط براءتها المهنية، بينما ظل برين محتفظًا بهدوئه الجليدي. عدّل الأخير نظارته الطبية، وقال بصوتٍ رخيم وعادل في صرامته:

- نحن لا ننبش القبور يا ساكورا، نحن فقط نختار الوقت المناسب لفتحها. العدالة ليست اندفاعًا عاطفيًا، بل هي ميزانٌ دقيق؛ أحيانًا نضطر لإبقاء الحقيقة في الظلام لفترة، ليس لحمايتها، بل لحماية المجتمع من انهيارٍ لا يستطيع تحمله.

مال برين بجسده قليلًا نحوها، وتابع بصدقٍ قاطع:

- خذي الملف. اقرئيه ببرود، ليس بصفتكِ امرأة تشعر، بل بصفتكِ محامية تحلل. الحقيقة الموجودة هناك هي الأعدل بالنسبة للنظام الآن، حتى وإن كانت الأقسى على قلبكِ.

ضمت ساكورا الملف إلى صدرها بقوة، وخرجت من المكتب بخطىً متسارعة، بينما كان صدى كلمات برين يتردد في عقلها: «طالما أنكِ تسيطرين على الموقف قانونيًا»، «الأعدل بالنسبة للنظام»؛ كانت الكلمات تتردد كصوتٍ جنائزي في أذنيها. لم تكن تعلم حينها أن ما ستراه في هذا الملف، سيسلبها القدرة على السيطرة على أي شيء.. حتى دموعها.

بمجرد وصولها إلى المصعد، وبأيدٍ مرتعشة، دست ساكورا الملف السري داخل حقيبتها على عجل، لكنه كان كقنبلة موقوتة ترفض الاستقرار في مخبئها. كانت تمشي في الممرات بسرعة، تضغط بذراعها فوق الحقيبة لتخفي معالم ما بداخلها، بينما قلبها يقرع صدرها بعنفٍ يتردد صداه في أذنيها.

في ردهة وحدة التحليل الاستخباراتي للمخدرات – الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا

كان الممر يفوح برائحة خفيفة من المعقمات الكيميائية، حيث تصطف شاشات تعرض تركيباتٍ جزيئية معقدة ومسارات تهريب السموم عبر القارة. كانت لينا تقف أمام شاشة عرض رقمية، تراجع إحصائيات الجرعات الزائدة لهذا الأسبوع؛ كانت عيناها تتحركان بسرعة فائقة، تربط بين البيانات ببراعة من اعتاد ملاحقة الأشباح التي سلبت منه ماضيه.

​لمحت ساكورا وهي تخرج من المصعد، متصلبة الكتفين، تحيط حقيبتها بذراعيها كمن يحمي جثة. التفتت لينا، وارتسمت على وجهها تلك الابتسامة الهادئة التي تخفي خلفها ندوبًا لا يراها أحد. اقتربت لينا، وبينما كانت ساكورا تحاول تعديل وضع حقيبتها بارتباك، انزلق طرف الملف الأسود قليلًا من السحاب الذي لم ينغلق تمامًا؛ فوقعت عينا لينا بعفوية على الختم الأحمر القاني. عرفت هذا اللون جيدًا، إنه الختم الذي يوضع على القضايا التي تبتلع الناس ولا تعيدهم.

​قطبت جبينها بتوجس وسألت:

-​ملف سري للغاية من وحدة المكافحة؟ يبدو أن برين وضع حِملًا ثقيلًا فوق كتفيكِ يا ساكورا. هل للأمر علاقة بنوع السم الجديد الذي ظهر في الأحياء الفقيرة؟

​حاولت ساكورا أن تبدو متماسكة، وأجابت بنبرة رصينة:

- ​إنه مجرد إجراء روتيني لقضية كريم، لا تشغلي بالكِ يا لينا.

​لم تقتنع لينا؛ فخبير المخدرات لا يقتنع بالسطح أبدًا. مالت برأسها قليلًا وقالت بلطفها المعتاد الذي يغلف صرامتها المهنية:

- ​حسنًا، لن أضغط عليكِ.. لكن تذكري، أنا هنا أحلل هذه السموم لا لأحفظ أسماءها، بل لأمنعها من حرق قلوب أخرى. إذا شعرتِ أن الخيوط تعقدت، أو احتجتِ لتحليل أعمق لتركيبة ما يواجهه كريم، فرقمي معكِ. هاتفي متاحٌ لكِ دائماً، لا تترددي بالاتصال.. اتفقنا؟

​أومأت ساكورا بامتنانٍ مشوب بالذعر، بينما انصرفت لينا بخطواتها الهادئة. لكن بمجرد أن ابتعدت، اشتعل عقلها التحليلي بالتساؤلات:

​[لماذا ساكورا؟ المديرية لديها جيش من المحامين المختصين في قضايا المخدرات.. لماذا اختارها برين ومايكل بالتحديد لتسليمها هذا الملف السري في هذا التوقيت؟]

​تذكرت صمت مايكل المريب ونظرات برين التي كانت ترفض الاستقرار في عينيها قبل قليل. أدركت لينا أن استدعاء ساكورا لم يكن لمجرد براعتها القانونية، بل لأنها الوحيدة القادرة بذكائها على إخفاء ما لا يُقال، وكشف ما يجب كشفه قانونيًا دون إحداث جلبة تطيح برؤوس كبيرة. كادت لينا أن تستدير وتواجه مايكل -رئيس وحدة المكافحة- بأسئلتها، لكنها تراجعت، قائلة لنفسها بمرارة: [لا.. دعي الأمور تتضح في وقتها، فالاستعجال في ملاحقة السموم قد يقتلكِ قبل أن تجدي الترياق.]

​لم تدرك لينا وهي تمشي نحو مختبرها أن الوداع الحقيقي قد بدأ بالفعل، وأن تلك البراءة التي صقلتها في وحدة المخدرات قد لُطخت للأبد خلف غلاف ذلك الملف الأسود.

عادت ساكورا إلى مكتبها، وأغلقت هاتفها، وألغت كافة مواعيدها. جلست وحيدة أمام الملف الأسود تحت ضوء الصباح الشاحب، مدركةً أن عليها تفكيك هذه المصيبة قبل أن تحرق الجميع في نيرانها. كانت النافذة مواربةً قليلًا، تسمح بتسلل تيارٍ هوائي بارد يعبث بأوراق الملف المنثورة كأوراق خريفٍ ميتة.

ساد صمتٌ مطبق في المكتب، لم يقطعه سوى حفيف الورق بينما كانت ساكورا تقلب صفحات الملف الأسود. وعندما وصلت إلى الصفحة الأخيرة، تجمدت الدماء في عروقها. كانت صورة أَلِيس بزيّها الرسمي، بجانب تقارير مخبرية تحمل توقيعها، تثبت أن الشحنات المصادرة لم تكن تُعدم، بل كانت تُعاد صياغتها في مختبرات سرية وتُوزع من جديد.

- مستحيل...

همست ساكورا، وشعرت وكأن الجدران تضيق عليها. جلست متصلبة، لا تتحرك، وعيناها اللتان اعتادتا قراءة الثغرات القانونية، غرقتا الآن في الاسم المدوّن تحت الصورة مرارًا: "أَلِيس هاربر" - مساعدة رئيس وحدة مكافحة المخدرات.

​لم تكن تلك الصدمة الوحيدة؛ إذ أشارت الملاحظات الجانبية بخط يدٍ دقيق إلى أن أَلِيس هي من زوّدت كريم بالسم تحت ذريعة الحماية، لكنها كانت تبيعه بضعف سعره، تتاجر بأرواح المهمشين في تلك الأحياء البائسة؛ الأحياء التي نشأ فيها تَيْم، الضحية التي لم تعد تملك صوتًا للمطالبة بحقها.

أما هي، فقد غَرِقت في سوادٍ حالك؛ لم تكن تحتمل صوتًا، ولا عتابًا، ولا مواساة. في تلك اللحظة، كان مايكل يحاول الوصول إليها، لكن صوتًا آليًا باردًا كان يواجهه في كل مرة: «الهاتف الذي تطلبه مغلقٌ حاليًا». ولم تكن لينا أوفر حظًا؛ إذ واجهت النتيجة ذاتها، مما زاد من وتيرة القلق في صدرها، فقررت التوجه إليها فورًا.

فجأة، وسط ذلك السكون الذي فرضته ساكورا على غرفتها، سمعت صدى خطواتٍ مترددة في الممر، توقّفت تمامًا عند بابها. لم تكن هناك طرقة، بل كان صمتًا ثقيلًا كأن الطارق يخشى حتى أن يتنفس. نهضت ساكورا بجسدٍ مثقل، وسارت ببطءٍ نحو الباب، ثم فتحته.

كانت أَلِيس واقفة هناك؛ بلا مساحيق تجميل، وشعرها منثورٌ بإهمالٍ غير معهود، لكن عينيها كانتا تشعان ببريقٍ غريب، بريق من يظن أنه أنجز مهمة مقدسة. همست أَلِيس بصوتٍ أجش:

- أعلم أنكِ قرأتِ كل شيء يا ساكورا، لكنكِ لا ترين الصورة الكاملة.

لم تحاول ساكورا الإنكار، بل اكتفت بالهمس والذهول يغلف نبرتها:

- لماذا يا أَلِيس؟ كيف سقطتِ في هذا المستنقع؟

اقتربت أَلِيس خطوة، وبدأت تتحدث بحماسٍ محموم، كأنها تحاول إقناع نفسها قبل إقناع ساكورا:

- لم يكن مستنقعًا، بل كان طوق نجاة! هؤلاء الشباب يهربون من جحيم الموت في بلادهم، ليجدوا هنا نظامًا يلفظهم وشوارعَ تسحقهم. كنتُ أمنحهم الغياب عن الواقع.. كنتُ أعطيهم لحظات من السلام لا يستطيع قانونكِ الجاف توفيرها لهم! كنتُ أحميهم من تجار الشوارع القساة، وأُشرف بنفسي على ما يتعاطونه لئلا يقتلهم غشّ الغرباء. أنا لم أكن أتاجر بهم، أنا كنتُ أرعاهم بطريقتي الخاصة!

يا له من عذرٍ واهٍ! كان وقع الكلمات على مسمع ساكورا أسوأ مما تخيلت. لأول مرة في مسيرتها المهنية، اهتزت تلك المحامية الرصينة، ولم تعد قادرة على فصل مشاعرها الممزقة عن موازين القانون الصارمة. تراجعت خطوة للخلف، وشعرت بغثيانٍ يكتسح صدرها وهي تسمع هذا المنطق الملتوي. ضاق صدرها ذرعًا بهذا التبرير الذي يغلف الجريمة برداء الفضيلة، ولم تعد تحتمل أكثر، فانفجرت صرختها لتمزق سكون المكتب؛ صرخةً مشروخة بالمرارة:

- كفى! اصمتي يا أَلِيس!

هزّ صوتها أركان الغرفة، وتابعت وهي تنظر إليها بعينين تملؤهما دموع الصدمة:

- عن أي رعاية تتحدثين؟! هل تسمين الموت البطيء رعاية؟ هل تسمين بيع الوهم مقابل أثمانٍ باهظة إنقاذًا؟ لقد نصّبتِ نفسكِ مَن يقرر من ينسى ومن يعيش، بينما أنتِ في الحقيقة لم تفعلي سوى سلبهم آخر ما يملكون.. كرامتهم وأرواحهم! تَيْم لم يجد السلام في سمومكِ يا أَلِيس، بل وجد القبر! كيف تلوّث تفكيركِ إلى هذا الحد؟ كيف تتوهمين أنكِ بطلة بينما أنتِ لستِ سوى وجهٍ آخر لهذا القبح الذي نحاربه؟

تحدثت بصوتٍ مرتجف، ودموعها بدأت تغالب كبرياءها:

- أَلِيس... هذا سمّ، والسمّ لا يُبقي أحدًا على قيد الحياة. إنه يسرق الروح ببطء بينما يوهم الجسد بالخلاص.

ردت أَلِيس بنبرة مهزومة:

- وأنا؟ هل كنتُ أعيشُ حقًا حين رأيتُ تَيْم ينتحر لأنه لم يعد يتحمّل صراخ الرعب في رأسه؟

انهارت الجدران بينهما. مدت ساكورا يدها وأمسكت بيد أَلِيس المرتجفة؛ وفي هذه اللحظة، لم تبنِ أَلِيس جسرًا زائفًا لتُهدمه، بل وقفت على حطام الحقيقة، منكسرةً تمامًا. خمدت صرخة ساكورا لتحل محلها نبرة انكسارٍ موحشة، وأضافت وهي تشير إلى الباب بيدٍ ترتجف:

- كنتِ صديقتي.. كنتُ أرى فيكِ النور الذي يوجهني في هذا السلك المظلم، والآن لا أرى أمامي سوى حطام إنسانة غطت عارها بأعذارٍ واهية.

 ساد صمتٌ خانق، وبدت أَلِيس وكأن صرخة ساكورا قد جردتها من درعها الزائف، فبقيت واقفة كشجرةٍ يابسة عراها الخريف فجأة. ابتلعت ساكورا ريقها، والغصة تكاد تخنق صوتها وهي تنطق بالحكم الذي يمليه عليها ضميرها:

- يجب أن تنالي عقابكِ يا أَلِيس... أرواح الناس ليست سلعة للتجربة أو المواساة الملتوية.

ابتسمت أَلِيس بمرارةٍ قاتلة وأجابت بضعف:

- لا بأس... العدالة لا تُبنى على مواراة الجرائم خلف ستائر الصداقة.

ساد صمتٌ طويل، قبل أن تسأل ساكورا بصوتٍ يكاد يذوب من الأسى:

- ماذا تريدين مني أن أفعل؟

- افعلي واجبكِ كأفضل محامية عرفتها. سأواجه ما صنعت يداي.

التفتت أَلِيس لتغادر، فوجدت لينا تقف في نهاية الممر كشبحٍ شاهدٍ على المأساة؛ يبدو أنها وصلت للتو بعد فشل اتصالاتها المتكررة. التقت نظراتهما، فابتسمت أَلِيس لها ابتسامة وداعٍ ذابلة، وربتت على كتفها بلمسةٍ أخيرة قبل أن تسلم نفسها للمجهول.

نظرت لينا إلى ساكورا، والدموع تفيض من عينيها؛ لم تعد قادرة على التظاهر بالقوة أكثر من ذلك. جثت على ركبتيها في منتصف الردهة، واضعةً يديها على فمها لتكتم شهقاتها التي مزقت سكون المكان. أسرعت ساكورا إليها، وجثت بجانبها لتعانقها بحزنٍ عميق، مدركةً أن أصعب ما في مهنتها ليس إدانة الغرباء، بل تقديم الأدلة التي ستودع أعز صديقاتها خلف القضبان.

ربتت على ظهر لينا المرتعش بينما رفعت رأسها نحو السقف، تشعر بمرارةٍ لا تُطاق؛ وهي تدرك أن يدها التي كانت تصافح أَلِيس بالأمس بامتنان، هي ذاتها التي ستكتب مذكرة عقابها غدًا بيقينٍ حزين... يتبع

《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهات الحلم

المؤلف نارة لوما
2024/06/08 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة