قضية غامضة

قضية غامضة

31 0

《لا تجعل الرواية تلهيك عن عبادتك》

《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》

نبدأ بسم الله...

____________

في العاشرة مساءً، حيث كان الجميع غارقًا في النوم، ظل ذلك الشاب جالسًا أمام الغرفة التي جمعت الفتيات معًا، كحارسٍ يسهر على أمنهن، تمامًا كفارسٍ يحمي أميرة.

ورغم الإرهاق الذي أثقل جفونه بسبب السفر وقلة النوم، فإن عزيمته كانت أقوى من التعب. قد يراه البعض مبالغًا في حذره، أو شديد الحساسية تجاه الموقف، لكن هذه طبيعة مترسخة في المجتمعات الشرقية، ولا سيما عند العرب.

فالغيرة لديهم ليست مجرد شعور عابر، بل مبدأ متجذر في ثقافتهم، ينبع من إحساسهم العميق بالمسؤولية تجاه نسائهم. فهنّ شرف العائلة، وصونهن واجب لا يقبل التهاون. ومنذ قدوم الإسلام، كانت مكانتهن محفوظة كملكاتٍ يُحطن بالرعاية والحماية، فلا يظهرن رقتهن وحنانهن إلا لمن يستحق.

في مجتمعاتهم، ليس الأمر مجرد تقاليد أو عادات، بل هو جزء من عقيدتهم، من ذلك الحس الفطري الذي يجعلهم يتصدون لكل من تسوّل له نفسه المساس بأمان من تحت رعايتهم. وقد يراها البعض مبالغة، لكنها في نظرهم تستحق كل ذلك وأكثر.

تنهد الشاب بتعب شديد، يناجي ربه بصمت، طالبًا الصبر، متمنيًا أن تمر الساعات بسرعة ليغادروا هذا المكان المشؤوم. منذ لحظة وصولهم، لم يشعر بالارتياح، ولم يستطع تفسير هذا الشعور الغريب الذي يلازمه.

في تلك اللحظة، نهض ليو من فراشه، غير قادر على النوم بسبب أفكاره المتشابكة. هو أيضًا لم يشعر بالراحة، وكان يرغب في الحديث عن ذلك، لكنه لم يرد إثارة قلق الآخرين أو إزعاجهم. ورغم رغبته في إخفاء مخاوفه عن الجميع، كان يشعر بالتعب حقًا، وكان يتمنى من أعماقه لو استطاع إخفاء هذه القضية عن الجميع، لكنه لم يكن يملك هذا الخيار، فقد منعته المسؤولة من ذلك. ومع ذلك، كان مستعدًا للذهاب بمفرده إن رفض الآخرون مرافقته، فقد أصبح الأمر عبئًا على عقله، ولم يعد يحتمل المزيد من الانتظار.

خرج من غرفته ليستنشق بعض الهواء، لكن ما رآه جعله يتوقف في مكانه. في الظلام الدامس، حيث لم يكن القمر ينير العتمة، لمح ظلًا جالسًا بصمت. تسارعت نبضاته للحظة قبل أن يدرك أنه يعرف هذا الشخص. اقترب منه بحذر، ثم نظف حلقه قبل أن يسأل بصوتٍ خافت:

-ألم تتمكن من النوم؟

رفع فادي بصره إليه، ثم زفر قليلًا، فرد قدميه وقال بعبوس:

-لا أثق بهذا المكان، ولا أشعر بالارتياح.

ثم رفع نظره مجددًا، وأضاف بجدية:

-ماذا بجعبتك؟

ابتسم ليو، ثم جلس بجانبه وأجاب:

-أريد أن أخبرك بشيء، وأعلم أنك الشخص المناسب لسماعه. لا أريد للفتيات أن يعرفن بالأمر الآن.

استمع فادي بصمتٍ وانتباه، بينما واصل ليو حديثه بصوتٍ منخفض:

-أعتقد أن هناك شيئًا مريبًا هنا.

نظر إلى فادي مترقبًا ردة فعله، لكنه لم يجد أي أثرٍ للدهشة على ملامحه. أدرك حينها أن الشاب أمامه قد شعر بالأمر ذاته. ابتسم وقال بخفة:

-يبدو أنك لم تتفاجأ؟

أجابه فادي بسخريةٍ خاليةٍ من الفكاهة:

-سأدّعي الاندهاش الآن.

قهقه ليو بخفّة، شاعرًا بأن حاجز الجدية قد انكسر قليلًا، مما قد يقربهما كأصدقاء مع مرور الأيام. ثم زفر بارتياح وقال:

-يبدو أن سهرتنا ستطول.

ابتسم فادي وأومأ برأسه موافقًا. طال الصمت بينهما للحظات، قبل أن يقطعه ليو بنهوضه قائلًا:

-إذًا، ما رأيك بأن نستكشف المكان إلى حين أن يستيقظ الآخرون؟

كان فادي مترددًا، لكن ليو لاحظ ذلك فسارع ليطمئنه:

-لا تقلق، لقد تعقبتُ صاحب المنزل مسبقًا، فقط لأتأكد من سلامة الفتيات.

تنهد فادي باستسلام، ثم وقف خلفه قائلًا:

-حسنًا، لا حجة لي أمامك.

ورغم تحفظه، لم يستطع إنكار رغبته في استكشاف المكان، فهذه الشكوك التي تملؤه لم تتركه وشأنه، وكان بحاجة إلى يقينٍ يريح عقله أخيرًا.

عودة إلى الحاضر...

بينما كان الجميع خارج المنزل، نجحت رغد في الهروب من الباب الخلفي، أما ورد، فكانت على وشك الخروج من الباب الأمامي، لكنها توقفت مكانها عندما سمعت صوت إطلاق النار وقد شلَّ حركتها.

في الخارج، استدار الجميع نحو المنزل فور سماع الطلقات، واتسعت عينا فادي بقلق وهو يهتف:

-ما هذا؟! ورد ورغد لا تزالان في الداخل! ليو، افتح الباب بسرعة!

أسرع ليو إلى الباب، لكنه كان موصدًا بإحكام، فحاول فتحه دون جدوى. في تلك اللحظة، ضغط فادي على أسنانه بغضب، وعيناه تتفحصان المكان بحثًا عن حل. وقع نظره على فأس ملقى على الأرض، فأمسكه بحزم وتقدم بخطوات واثقة نحو الباب:

-افسح عن الطريق!

صرخ بصوتٍ حازم وهو يرفع الفأس، فالتفت ليو نحوه متسائلًا، لكنه لم يجد وقتًا للكلام، إذ سرعان ما هوى فادي بالفأس على الباب بكل قوته، محطمًا القفل تحت أنظار الجميع المذهولين.

نظر ليو إليه باندهاش، ثم سأل وهو يرمقه بفضول:

-من أين أتيت بهذه الفأس؟

لكن فادي لم يلتفت إليه، بل اندفع إلى الداخل بخطواتٍ سريعة، مدركًا أن كل ثانية قد تكون فارقة. التفت إليهم بحدة وقال بنبرةٍ عاصفة:

-هذا ليس وقت الأسئلة... هيا، لننقذ الفتاتين!

ثم تابع بتحذير واضح:

-ولا تدع أحدًا يتبعنا!

كان قلبه يخفق بسرعة، وذهنه يسبق قدميه، متأهبًا لما قد يواجهه في الداخل.

ظل ليو متسمِّرًا في مكانه، عقله متوقف عن التفكير للحظات، قبل أن يهز رأسه سريعًا، طاردًا الأفكار السلبية التي بدأت تغزو ذهنه. التفت بهدوء نحو أكينا محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه حتى لا يرعبها، لكن قبل أن يتمكن من قول شيء، ظهرت رغد أمامهما وهي تلهث، وجهها شاحب وعيناها مليئتان بالذعر.

نظر إليها ليو بدهشة وسألها بقلق:

-أين ورد؟

تجمدت رغد في مكانها، وكأن السؤال صدمها، فقد كانت تظن أن ورد نجحت أيضًا في الخروج. لكن حين قرأ ليو تعابير وجهها، أدرك الحقيقة قبل أن تنطق بكلمة. زفر بحدة، ثم حذرهما بصوتٍ صارم:

-لا تتبعانا... ابحثا عن مكان آمن فورًا!

أخرج هاتفه وسلَّمه لأكينا، مشيرًا إلى خاصية التتبع فيه، وقال لها:

-خذي، يا سميث. إذا حدث أي شيء، اتصلا بنا فورًا.

مدَّت أكينا يدها المرتجفة لتأخذ الهاتف، بينما كانت رغد تراقب المنزل بقلقٍ متزايد. فتحت فمها أخيرًا محاولة الاحتجاج:

-لكن... ورد ما زالت في الداخل! أريد أن أذهب وأ...

لم يمنحها ليو فرصة لإكمال حديثها، فقد انطلق بسرعةٍ نحو المنزل، عازمًا على اللحاق بفادي وإنقاذ ورد.

أما أكينا، فقد حدقت برغد التي وقفت في مكانها مترددة، وشعرت بالأسف لأجلها. وضعت يدها برفق على كتفها وربتت عليها، ثم قالت بلطفٍ مشجّع:

-لا تقلقي، سيكون كل شيء على ما يرام... نحن نتحدث عن ورد!

ثم أنهت كلامها بغمزة خفيفة، جعلت رغد تبتسم رغم قلقها. وأخيرًا، استجابت للأوامر، وانطلقتا معًا إلى مكان آمن كما طُلب منهما.

في الوقت نفسه، ركضت ورد إلى إحدى الغرف، أدركت أن الموقف أصبح خطيرًا، وأن عليها الاختباء بسرعة. كانت أنفاسها متقطعة، ويدها ترتجف وهي تهمس لنفسها بذعر:

-يا إلهي! هذا مخيف.

حاولت تهدئة نفسها والتفكير في حل، لكن صوت تحطيم الأبواب المتتالي قطع عليها أفكارها، فقد كان صاحب المنزل يتنقل بين الغرف مستمتعًا بترهيبها، يحطم الأبواب بعنف، صوته المليء بالسخرية يتردد في أرجاء المكان:

-أين أنتِ يا فتاة؟ هل تظنين أنكِ نجوتِ مني؟ (قهقهة قصيرة) لا تقلقي، سأجدكِ عاجلًا أم آجلًا..

توقف عند آخر غرفة، دفع بابها بعنف جعله يرتطم بالحائط، ثم أخذ يجول بنظره في أرجائها. توقف عند الخزانة، عينيه تضيقان بمكر، شفتاه تنفرجان عن ابتسامة خبيثة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، رفع يده ليفتحها، لكنه فجأة توقف.

في الخارج، انطلق صوت فادي ينادي بصوتٍ عالٍ، محاولًا لفت انتباهه. زمجر الرجل بانزعاج، قبض على سلاحه، وبدأ يملؤه بالرصاص بينما يبتسم ابتسامة شرسة، ثم تمتم بنبرة قاتلة:

-حسنًا... سأقتله أولًا، ثم أعود إليكِ يا حلوتي.

أنهى كلامه وغادر الغرفة بخطوات ثابتة، متجهًا نحو فريسته الجديدة.

ظلت ورد في مكانها، أنفاسها متلاحقة، قلبها يكاد ينفجر من التوتر. انتظرت للحظات حتى ساد الهدوء، ثم فتحت باب الخزانة ببطء، لكن جسدها كان مرهقًا من شدة الخوف، فسقطت على الأرض، تحاول التقاط أنفاسها.

فجأة، دوى صوت إطلاق النار في أرجاء المنزل، جعلها تجفل بشدة. حاولت النهوض، لكن ساقيها خانتاها، وارتجف جسدها بالكامل. همست بصوتٍ مرتجف، والدموع تملأ عينيها:

-يا إلهي... لا، لا، لا! ساعدنا... كل هذا بسببي... كيف لي أن أخرج من هنا الآن؟

بعد دقائق من الهدوء المخيف، سمعت ورد خطوات تقترب منها. رفعت بصرها ببطء، متوسلة ألا يكون الشخص الذي تخيلته، لكن سرعان ما اتسعت عيناها بارتياح عندما رأت ليو واقفًا أمامها، يحدق بها بقلقٍ واضح. سألها بصوتٍ منخفض لكنه حازم:

-هل أنتِ بخير؟

أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة، ثم حاولت النهوض. كادت أن تتحدث، لكنه قاطعها بنبرةٍ منزعجة، بينما يرمقها بجدية:

-سنركض بسرعة، هل تستطيعين المشي؟

أومأت مرة أخرى، هذه المرة بثقةٍ أقل، لكن لا وقت للتردد. سارت خلفه بسرعة، تحاول إخفاء ارتجافها وتتبع خطواته بدقة. بعد لحظاتٍ مرهقة، تمكنا أخيرًا من الخروج إلى الهواء الطلق، حيث امتزجت برودة الليل مع التوتر الذي يسري في جسديهما.

بينما كانا يركضان، تذكر ليو الخطة التي اتفق عليها مع فادي. أدار رأسه نحو ورد وقال بصوتٍ حازم:

-أعطني هاتفك.

ناولته الهاتف بهدوء، لكن عقلها لم يكن معه، بل كان مشغولًا بالدعاء أن يعود فادي إليهم سالمًا. في تلك اللحظة، اتصل ليو بفادي، الذي كان لا يزال يشتت انتباه الرجل ويحاول تفادي الرصاص. تحدث ليو سريعًا:

"لقد غادرنا، حان دورك الآن. اخرج من هناك واتجه إلى المكان المتفق عليه."

جاءه صوت فادي متقطعًا بسبب أنفاسه اللاهثة، وهو يركض محاولًا تجنب الطلقات:

"حسنًا، لقد اقتربت من الفخ."

ابتسم ليو ابتسامة خفيفة، وهو يراقب المسافة التي قطعاها، ثم أنهى المكالمة، ليعود بنظره إلى ورد التي كانت تتنفس بصعوبة، نظرة عتابية ارتسمت على وجهه، ثم قال محذرًا:

-اختبئي هنا، لا تتحركي، سنأتي إليكِ.

أومأت ورد برأسها على مضض، لكنه لم يكن مقتنعًا بأنها ستنفذ أوامره. استدار على وشك المغادرة، إلا أن صوتها أوقفه وهي تسأله بفضولٍ حذر:

-لكن... أين هذا الفخ؟

تنهد ليو بعمق، ثم وضع يده خلف رأسه بإحباط، مدركًا أن فضولها لن يمنعها من التدخل. نظر إليها بجدية، ثم قال بصوت منخفض، وكأنه يخشى أن تسرق الرياح كلماته، وأخبرها عن الموقع المتفق عليه. قبل أن يهز رأسه محذرًا بعدم الذهاب إليهم، ثم استدار وانطلق مسرعًا. لكن السؤال الحقيقي كان: هل ستستمع إليه؟

بالطبع لا. نحن نتحدث عن ورد... وهي لم تكن يومًا من النوع الذي يستمع للتحذيرات.

شعرت ورد بقلقٍ شديد، فقررت العودة إلى المنزل بحثًا عن أي دليل آخر قد يساعدهم. وبينما كانت تتأمل المكان، تذكرت إحدى الروايات التي قرأتها، فأسرعت نحو المرحاض. أخذت تحرك المرآة يمينًا ويسارًا بفضول، حتى لاحظت شيئًا مريبًا خلفها. حاولت فتحه بحذر، وبعد محاولات عدة، نجحت أخيرًا. ما إن نظرت داخله حتى اتسعت عيناها دهشة، فقد وجدت مسدسًا مخبأً هناك. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، قبل أن تهمس لنفسها بمرح:

-تمامًا كما في القصص، قراءتي جاءت بفائدة هذه المرة.

لكنها سرعان ما استعادت جديتها، فأخذت المسدس وغادرت المنزل بسرعة، متجهة نحو المكان الذي خططوا فيه للفخ. وما إن وصلت، حتى تجمدت في مكانها، مصدومة مما رأته.

كان فادي يجثو على الأرض، ممسكًا بذراعه التي تنزف، بينما يقف الفتى أمامه، يضحك بسخرية وهو يصوب سلاحه نحو صدره، مستمتعًا باللعبة التي يسيطر عليها. وعلى الجانب الآخر، وقف ليو متوترًا، ينظر حوله يائسًا، محاولًا العثور على أي حل قبل فوات الأوان.

شعرت ورد بأن عليها التصرف فورًا، رغم إدراكها للمخاطرة. تنفست بعمق، محاولة تهدئة أعصابها، ورفعت السلاح بيدٍ مرتعشة، تهمس لنفسها بكلمات تشجيعية. ثم، دون أن تمنح نفسها وقتًا للتردد، ضغطت على الزناد، وأطلقت النار باتجاه يد الفتى التي تمسك بالسلاح.

تعالى صوت الطلقة في المكان، فصرخ الفتى متألمًا، متراجعًا إلى الخلف وهو يمسك بيده المصابة. كاد أن يطلق النار، لكنها سبقته بلحظة واحدة. لم يمنحه ليو فرصة لاستجماع نفسه، فانقض عليه بسرعة وأبرحه ضربًا.

بينما كانت ورد تلهث من هول الموقف، التفت فادي إلى الفتى الملقى على الأرض وسأل بصدمة:

-هل مات؟

أجابه ليو بامتعاض، وهو يضغط على جسده ليمنعه من الحركة:

-للأسف، لا يزال حيًا يُرزق.

تجاهلت ورد حديثهما، واندفعت نحو فادي بقلق، عيناها تمتلئان بالدموع التي حاولت كبحها، وسألته بصوتٍ يخفي معالم البكاء:

-هل أنت بخير؟

أومأ لها بإرهاق، ثم اعتدل في جلوسه، وقام بتمزيق جزء من قميصه ليضغط به على الجرح، محاولًا إيقاف النزيف.

لكن ليو، الذي كان قد وصل إلى أقصى حدود توتره، لم يستطع كبح غضبه أكثر. استدار نحو ورد وصاح بانفعال، وهو يرمقها بحدة:

-ألم أخبركِ بالبقاء في مكانكِ؟!

احتجّت ورد بصمتٍ مصطنع، بينما تدخّل فادي بهدوء محاولًا تهدئة التوتر:

-لا تصرخ عليها، فهذا ليس ذنبها.

ردّ ليو بانزعاج وهو يستقيم في وقفته:

-أنت تدلّلها دائمًا، حتى لم تَعُد تميّز بين الخطأ والصواب.

كاد فادي يردّ عليه، لكن ورد التي كانت تحدّق بليو بانزعاج قاطعته بانفعال، مسترجعة ما حدث:

-لو لم آتِ إليكم، لكان فادي الآن... ميتًا! وأنت؟ أخبرني، ماذا كنت تفعل في تلك اللحظة؟

نفد صبر ليو، فصرخ بغضب دون أن يدرك ما يقوله، لتظهر على ملامحه لمحة من الندم بعدما أدرك قسوة كلماته، ولكن كما يُقال... لا ينفع الندم بعد فوات الأوان:

-كل هذا بسببكِ! لو لم تتهوري، لما كنا في هذا الموقف! وفوق ذلك، كيف تمسكين بسلاح؟ هل تظنينه لعبة؟ هل تعتقدين أننا نصوّر مشهدًا سينمائيًا؟ أخبريني، ماذا لو قتلته؟ ماذا كنا سنفعل حينها؟

قاطع فادي ثورته بصوتٍ عالٍ:

-لا تتحدث معها بهذا الأسلوب! ما حدث قد حدث، لا فائدة من اللوم الآن، والأهم أن الجميع بخير. لكنه بحاجة إلى معالجة قبل أن يفقد المزيد من الدماء.

أنهى كلماته وهو يشير إلى الحقيبة التي يحملها على ظهره. التقط ليو أنفاسه العميقة، ثم اتجه نحو الحقيبة وأخرج منها بعض الأدوات الطبية، قبل أن يعود إلى الفتى ويبدأ في تضميد جرحه ببعض الإسعافات الأولية، قبل أن يسوء الأمر.

ساد الصمت في المكان لبضع دقائق، حيث كانت ورد تحدّق بفادي بحزن يغلّفه القلق، بينما ترتعش يداها لا إراديًا. نظرت حولها، وكأنها تبحث عن مخرج من دوامة الشعور بالذنب التي اجتاحتها، ثم تراجعت خطوات إلى الخلف قبل أن تستدير وترحل بهدوء، مقتنعة بأن كل ما حدث كان بسببها.

تحرّك ليو ليلحق بها، لكن فادي أوقفه بكلامه، قائلًا بهدوء:

-دعها تبقى بمفردها قليلًا.

ثم بدأ بربط جرحه مؤقتًا، عازمًا على تطهيره لاحقًا حين يصلون إلى أحد المنازل. رفع بصره نحو ليو، وكاد أن يتحدث، لكن ليو قاطعه بينما يجلس إلى جواره، متمتمًا بأسف:

-أعتذر عمّا بدر مني... فقدتُ صوابي.

ابتسم فادي وهو يخرج هاتفه للاتصال برغد، ثم قال بنبرة هادئة:

-وأنا أيضًا أعتذر على رفع صوتي.

ثم أردف بابتسامة ماكرة:

-إذن، تعادلنا؟

ارتسمت على شفتي ليو ابتسامة خفيفة، لكنه لم يلبث أن تنهد، وقال بصوت خافت، وكأنه يحدّث نفسه:

-لا... لا زلت بحاجة إلى الاعتذار لشخص ما.

فهم فادي قصده، فاكتفى بابتسامة هادئة بينما كان ينتظر رد رغد على الهاتف.

لم يستغرق الأمر طويلًا حتى وصلت رغد وأكينا. ما إن اقتربتا حتى تساءلت رغد بقلق وهي تتلفّت حولها:

-أين ورد؟

أجابها فادي بنبرة حازمة، متذكرًا قراره بأن تذهب صديقتها للتحدث معها:

-ذهبت لتكون بمفردها، لا تقلقي، هي بخير. أريدكِ أن تبحثي عنها وتتحدثي معها.

تطلّعت إليه رغد بعدم اقتناع، ثم نقلت نظراتها إلى ليو، الذي بدا شارد الذهن، وكأن شعورًا بالذنب يُثقله. عندها همست أكينا، بصوت خافت لكنه كافٍ ليصل إلى مسامع رغد:

-تشاجرتم، أليس كذلك؟

نظرت رغد إليها للحظات، ثم حدّقت بفادي مجددًا، لتلاحظ الجرح الذي يلف ذراعه، فسارعت بسؤاله بقلق:

-هل حدث شيء؟ ولماذا أنت مصاب؟

نظر فادي نحو ليو، ثم تنهد الاثنان قبل أن يرويا لها ما حدث. بعد انتهاء حديثهما، تمتمت أكينا بصوت خافت، لكنها كانت تعلم أن رغد ستسمعها:

-هكذا، وضح الأمر.

لم تنتظر رغد أكثر، بل استأذنت منهم سريعًا ثم غادرت للبحث عن صديقتها، متمنية ألا تكون قد ابتعدت كثيرًا.

أثناء بحثها، لم تستغرق رغد وقتًا طويلًا حتى وجدتها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، ثم اقتربت منها بخطوات هادئة، محاولةً تلطيف الأجواء بلهجة مرحة:

-لقد وجدتكِ أخيرًا!

استدارت ورد نحوها ببطء، وعيناها تحملان مزيجًا من الحزن والإنهاك. أجابت بهدوء متحشرج:

-أجل.

جلست رغد بجانبها بصمت، تحاول منحها بعض المساحة، لكن الجو المشحون بالخوف والقلق كان يخنق المكان. قررت كسر الصمت بتوضيحها الأمر بنبرة لطيفة:

-لم يقصد السيد ليو ما قاله، صدقيني... كان فقط قلقًا عليكِ، لا أكثر...

لم تكمل جملتها، إذ انفجرت ورد فجأة، غير قادرة على كبح مشاعرها، وصرخت بانفعال:

-يقلق عليّ؟! وعلى أي أساس؟ هل هو والدي ليقلق؟ هل هو أخي؟! لماذا عليه أن يقلق عليّ؟! أنا... أنا...

توقفت فجأة، وكأنها أدركت ما تفوّهت به. التقت عيناها بعيني صديقتها، التي لم تفارقها يومًا منذ الطفولة، فاهتزت شفتيها، وبدأت دموعها تنهمر. رفعت رغد يدها لتربت على كتفها، لكنها توقفت حينما سمعت صوت ورد يخرج متحشرجًا، ممتزجًا مع شهقاتها:

-كنتُ أريدُ حلّ هذه القضية حتى يعترف بنا... منذ هجرتنا من بلدتنا، لم يعد لدينا مكان ننتمي إليه. أردتُ أن أصبح مثل والدي، أن أحقق هذا الحلم، أن أُثبت وجودي هنا، أريد أن أعِيش كأي مواطن... أعلم أن ليو يشعر بالمسؤولية تجاهنا، وأعلم أنه محق فيما قاله، لكن...

توقفت فجأة، غير قادرة على إكمال حديثها، بينما ارتجف جسدها من شدّة الانفعال. لم تحتمل رغد رؤيتها بهذا الضعف، فمدّت ذراعيها وعانقتها بحنان، تربّت على ظهرها برفق، هامسة بنبرة دافئة:

-أفهم شعوركِ... لا بأس، أنتِ لستِ المخطئة.

في تلك اللحظة، كان فادي يقف على مقربة منهما، يستمع بصمت. لم يستطع البقاء بعيدًا، فتقدّم نحوها بابتسامة مطمئنة، وقال بحزم:

-أجل، لستِ المخطئة... أنا فخورٌ بكِ حقًا.

رفعت ورد رأسها لتنظر إليه بدهشة، ثم مسحت دموعها سريعًا، محاولة استعادة رباطة جأشها. ارتسمت على وجهها ابتسامة حقيقية، قبل أن تقول بحماس:

-إذن... هل نكمل ما جئنا لأجله؟

نظر كل من فادي ورغد إليها، ثم ابتسما ابتسامة واثقة، ليجيبا معًا بصوت واحد:

-أجل... لنُكمل!

بعد مرور بضع دقائق داخل السيارة التي يقودها ليو، كان الصمت يخيّم على الأجواء. لم يكن أحدهم راغبًا في كسره، حتى تنهد ليو أخيرًا، محاولًا التخلص من شعور الذنب الذي يثقل صدره، وقال بصوت هادئ:

-أعتذر لكِ، يا ورد.

نظرت إليه باستغراب، ثم حركت يديها نافية وهي تردّ بارتباك:

-لا، أنا من يجب أن يعتذر... لقد تسببتُ بالكثير من المشاكل.

ابتسم فادي قليلًا، وكأنه يحاول تخفيف التوتر، ثم قاطع هذه اللحظة وسأل بفضول بينما يفتح كتابه:

-بالمناسبة، يا ورد، عندما ذهبتِ إلى منزل الضحية... هل وجدتِ شيئًا مهمًا؟

في تلك اللحظة، ضغط ليو فجأة على المكابح، مما جعل السيارة تتوقف بعنف، ونظر إلى ورد بذهول، رافعًا حاجبيه، قبل أن يسأل بصوتٍ مرتفع:

-متى ذهبتِ إلى هناك؟!

رفعت أكينا يدها بكسل، بينما كانت منشغلة بتناول طعامها، وقالت بنبرة مازحة:

-لا تقلقوا، لم تذهب ورد وحدها... كنتُ معها.

تغيرت ملامح ليو إلى خيبة أمل واضحة، حدّق بها للحظات قبل أن يقول بنبرة جادة:

-إذن، أنتِ من استدرجتها معكِ؟

انتبهت أكينا إلى فخ كلماته، فتظاهرت بأنها مشغولة تمامًا بطعامها، متجاهلة نظراته، بينما انفجرت ورد وضحكت معها رغد، محاولة تغيير الموضوع:

-أوه، يا إلهي! الطعام سيبرد! إنه لذيذ حقًا... تبًا لقضيتكم هذه التي ستنهي حياتكم!

لكن ضحكات ورد سرعان ما خفتت، واستعادت جديتها وهي تتنهد بخيبة أمل، ثم قالت:

-نعم، ذهبتُ مع أكينا، لكننا لم نجد أي شيء يساعدنا... ووالد الضحية لم يخبرنا بشيء.

توقفت للحظة، شاردة في أفكارها، ثم أضافت بحذر:

-أشعر أنهم يخفون شيئًا... سيد ليو، هل يمكنك أن...

-لا.

قاطعها فورًا، رافضًا بحسم حتى قبل أن تكمل جملتها. ثم أدار محرك السيارة مجددًا، لتنطلق وهي تئنّ وكأنها تستغيث.

نظرت إليه بدهشة، قبل أن تتذمر بانفعال:

-لكنني لم أُكمل حديثي بعد!

أجابها ليو بصوت هادئ، بينما كان يركز على الطريق أمامه:

-أعلم ما تريدين قوله... أن أبحث في الملف أو أحقق في الأمر بطريقتي.

نظرت إليه أكينا، التي كانت مشغولة بمضغ طعامها، ثم تحدثت بلا مبالاة:

-وكأنك لا تستطيع ذلك! قل لها الحقيقة، أنك فقط لا تريد التورط في المزيد من المشاكل.

انعكست نظرات ليو الحادة في المرآة، وهو يحدق بها بانزعاج، بينما تبادلَت رغد وورد نظرات مستغربة. استغرقت أكينا بضع ثوانٍ قبل أن تدرك أنها تسرعت وفضحته دون قصد، فتداركت الأمر بسرعة، متظاهرة بالدهشة، ثم وضعت يدها على فمها قائلة بإحراج:

-أوبس... لم أقصد ذلك!

لكن ليو لم يمنحها فرصة للتراجع، تنهد بيأس، ثم قال بحزم:

-أجل، كما قالت تمامًا.

ساد الصمت للحظة، قبل أن تنتبه ورد فجأة إلى أمر مهم نسيته تمامًا، فالتفتت إلى ليو وفادي متسائلة بقلق:

-انتظروا لحظة! أين تركتما ذلك القاتل؟

تبادل ليو وفادي نظرة سريعة، ثم ابتسما في الوقت ذاته. تحدث ليو بنبرة ساخرة، بينما ردّ فادي بصوتٍ يملؤه التسلية:

-ربطناه في إحدى الأشجار.

أكمل ليو بنفس النبرة الساخرة:

-ثم اتصلنا بالشرطة وتركنا له رسالة صغيرة.

لاحظت رغد كيف تغير أسلوبهما فجأة، حدّقت بهما بصدمة، ثم همست بخفوتٍ، وهي توجه حديثها إلى ورد وأكينا:

-هل اتفقا للتو، أم أنني أتوهم؟

نظرت إليها أكينا وهي تحاول استيعاب الأمر، بينما كانت ورد تحدق بالشابين بدهشة، قبل أن تهمس مستنكرة:

-حقًا؟! هل اتفقتما للتو دون أن نلاحظ؟

نظر فادي إليهم بارتباك، محاولًا إخفاء ذلك بتصنع السخرية، فقال بنبرة ساخرة:

-أجل، يبدو أن هذه الجريمة لها بعض الفوائد... فقد جعلتنا نتفق ونتعاون، لكنها في المقابل ستجعلنا في خطر أيضًا.

ضحك ليو، ثم صحح له بنبرة ساخرة:

-تقصد ”هنا تكمن المشكلة“، أليس كذلك؟ هذا هو العيب الوحيد.

أومأ فادي برأسه موافقًا، ثم همس بكلمة مقتضبة قبل أن يعود لقراءة كتابه:

-أجل.

لكن ورد هذه المرة لم تكن تمزح، بل سألت بجدية:

-سيد ليو، هل يمكنك الوصول إلى ذلك الملف الذي تخفيه شرطة البلدة؟

تنهد ليو بنفاد صبر، ثم نظر إليها موضحًا بعض الأمور التي قد تكون غفلت عنها أو لم تكن على دراية بها من الأساس:

-ورد، هل نسيتِ أنني من أصول يابانية؟ هذا يعني أنني انضممتُ إلى الشرطة اليابانية، وليس لدي أي صلاحية للوصول إلى ملفات هذه البلدة، لأنهم سيعتبرون ذلك تجسسًا.

لكن ورد لم تتوقف، بل ردت بسرعة، متجاهلة العقبة التي ذكرها:

-إذن، ألا يوجد حل آخر؟

صمت ليو للحظات، ثم أوقف السيارة على جانب الطريق، وأسند رأسه إلى المقعد، محدقًا بسقف السيارة، محاولًا التفكير في مخرج لهذه الورطة. تحت أنظار الجميع، الذين يترقبون جوابه، تذكر شيئًا مهمًا، فاعتدل في جلسته ونطق بعد تأملٍ قصير:

-بالطبع يوجد حل آخر... علينا أن نجد شخصًا داخل الشرطة يمكننا الوثوق به، ليساعدنا في الحصول على المعلومات التي نحتاجها.

ابتسمت ورد ابتسامة باهتة، ثم نظرت إلى ليو وسألته بإحباط:

-حسنًا، يبدو هذا جيدًا، لكن كيف سنجد هذا الشخص؟

بدا ليو واثقًا من نفسه عندما قال:

-لدي صديق في هذه البلدة.

ساد الصمت للحظات، ثم تبادل الجميع نظرات متوجسة، وكأنهم تذكروا جميعًا ماضيهم القاتم مع ”أصدقاء“ ليو. ألقى فادي نظرة خاطفة عليه قبل أن يعود إلى كتابه، وهمس بضجر:

-ليتكِ يا ورد لم تسألي.

أومأت أكينا ورغد برأسيهما موافقتين، بينما شعرت ورد بندمٍ خفيف، وكأنها أدركت أنها طرحت السؤال الخطأ. لاحظ ليو ردود الأفعال المتشائمة حوله، فتساءل باستغراب:

-ماذا؟

تنهد فادي، ثم أجابه بصوت هادئ، لكن لم يخلُ من نبرة سخرية:

-دعني أذكّرك بما حدث آخر مرة... قلت لنا إن لديك صديقًا، ثم اكتشفنا لاحقًا أنه القاتل.

لم تكن ورد سعيدة بذلك الأمر، إذ زمّت شفتيها بازعاج، وقالت بامتعاض:

-لا، لن أثق بأصدقائك بعد الآن! كدنا أن نموت حتمًا. أتعلم ما يزعجني أكثر؟ أنك تتحدث بثقة وكأن شيئًا لم يحدث!

حاول ليو التظاهر بالسذاجة، وهو يدير محرك السيارة ليكملوا طريقهم، قائلاً بنبرة دفاعية:

-لكنني لم أتعرف على ذلك القاتل سوى قبل ثلاثة أيام فقط.

وضع فادي يده على جبينه وتنهد بإحباط:

-يا إلهي!

ضحكت أكينا على الموقف، لكن عندما التقت بنظرات رغد الحادة، تظاهرت بالبراءة والتزمت الصمت. أما ورد، فقد صرخت بغضب:

-أتمزح؟ هل تسمي ذلك صداقة؟! وماذا عن الشرطي الآخر؟

عاد ليو للحديث بجدية، لكن هذه المرة كان صوته يحمل شيئًا من الشوق:

-لدي صديق منذ أيام الجامعة... كان يزور اليابان كسائح، وهو الآن شرطي في هذه البلدة.

قاطعته ورد بسرعة، وعلامات الدهشة تعلو وجهها:

- لماذا لم تذكر ذلك من البداية؟

نظرت إليها رغد باستغراب وقالت مستنكرة:

- أهذا هو ما يهمكِ الآن؟!

ابتسمت ورد لها بخفة، وأجابت بنبرة واثقة:

- بالطبع! إذا كان هذا سيساعدنا في حل القضية، فلا مانع لدي.

نظر الجميع إليها، ثم تبادلوا الابتسامات قبل أن يوافقوا على رأيها. وبعد لحظات من الصمت، رفعت ورد بصرها نحو السماء، وهمست لنفسها:

[هل أستطيع حقًا كشف هذه الجريمة؟ أرجو من الله أن يوفقنا.]

توقف ليو فجأة، ناظرًا إلى الخريطة قبل أن يعلن بجدية:

- لقد وصلنا.

تساءل فادي وهو ينظر حوله متفحصًا المكان:

- وأين نحن بالضبط؟

فتح ليو باب السيارة بثقة، وأجابهم بينما يشير إلى المبنى أمامهم:

- سنقيم هنا الليلة... في هذا الفندق.

حدقت أكينا بالفندق باندهاش، وهمست بصوت مسموع:

- إنه كبير جدًا... وجميل!

أما ورد، فظهر القلق على ملامحها، لتتذمر وهي تعقد ذراعيها:

- لكننا لا نملك المال الكافي لهذا!

ابتسم ليو بثقة، وأجابها بنبرة مطمئنة:

- لا تقلقي، لدي صديق هنا، سيتكفل بكل شيء.

نظر إليه فادي بسخرية، قائلاً وهو يهز رأسه:

- محتال محترف!

ضحكت الفتيات على تعليق فادي، بينما واصل ليو حديثه بنفس النبرة الواثقة:

- بل يمكنكم حتى دخول المطعم بذكر اسمه فقط... يوسف.

همست رغد بهدوء، وعيناها تتفحصان الفندق الضخم أمامها:

- يبدو أن يومنا سيكون طويلًا.

نظرت أكينا إلى السماء، وعدّلت نظارتها بيدها قبل أن تقول بنبرة مرحة:

- لا تتشائمي يا فتاة! اليوم قابلنا قاتلًا، وغدًا ربما نواجه عصابة تتاجر بالأعضاء.

ساد الصمت للحظات، ثم حدق الجميع بها بذهول. تنهدت ورد قبل أن تهمس بسخرية:

- انظروا من تطلب منا ألا نتشائم.

ثم شردت فجأة، إذ شعرت بقشعريرة تسري في جسدها دون سبب واضح. رفعت رأسها ببطء، وحدقت بإحدى نوافذ الفندق بعينين متوجستين، لتتحدث إلى نفسها في سرها:

[هل كان هناك من يراقبنا... أم أنني أتوهم؟]

لاحظت رغد توترها، فاقتربت منها وسألتها بقلق:

- ورد، هل هناك شيء ما؟

أفاقت ورد من شرودها، لتبتسم بسرعة محاولة إخفاء ارتباكها:

- لا، لا شيء. هيا، دعونا ندخل الفندق.

دخل الجميع إلى بهو الفندق الفخم، وسرعان ما حصل كل منهم على مفتاح غرفته. وبمجرد أن وصلت ورد إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، ثم تنفست الصعداء وهي تنظر حولها بابتسامة رضا، قبل أن تهمس لنفسها:

- أخيرًا، سأحظى بليلة نوم هانئة هذه المرة!

دون تفكير، قفزت بحماس فوق السرير، واستلقت عليه بسعادة غامرة، إلا أن فرحتها لم تدم طويلًا... فقد قطع صراخ مدوٍّ هدوء المكان.

ارتفع صوت الصراخ من مكانٍ ما داخل الفندق، فانتفضت ورد من فراشها، وشعرت بقلبها ينبض بعنف. لم تتردد، بل قفزت فورًا واندفعت راكضة نحو الخارج، عازمة على معرفة ما يحدث...يتبع

《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهات الحلم

المؤلف نارة لوما
2024/06/08 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة