《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》
《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》
نبدأ بسم الله
-----------------
في عالمٍ واسع، حيثُ يلُفُّ الخوف وجوه البشر، تتناثر الأحلام والطموحات في أرجاء الفضاء. تمتلئ قلوبهم بالجشع والطمع، ولكنها قد تجرك إلى ظلمات لا مفر منها. وفي النهاية، ستحصل على ما تستحقه بسبب جشعك.
تحت سماء قاتمة، تصدر أصوات مخيفة، وتهطل الأمطار بغزارة في كل مكان. يقوم التجار بإغلاق تجارتهم ويهرعون إلى منازلهم مثل بقية الناس. يحدق شاب في منتصف العشرينيات داخل القصر، متأملًا هذه الأجواء. ثم يُفتح الباب على مصراعيه، ويتقدم صديقه نحوه وهو يقول بغيظ:
- إنه يبحث عنك!
ثم يتابع بانزعاج، وهو يجلس على الأريكة أمام النافذة بغضب، ويتساءل:
- ما الذي يخطط له هذه المرة؟
قاطع الشاب تركيزه بهذا المنظر، ثم التفت نحو مكتبه وجلس، بعدها تحدث بنبرة غير مكترثة:
- دعه يفعل ما يشاء، سنكتشف ما يدور في خلدِه.
انتهى من حديثه بنظرة حادة، فشعر صديقه بالتردد للحظة، ثم تحدث بعد لحظات من الصمت:
- إذًا، هل ستذهب؟
يسأله ليس بدافع الفضول، بل من قلق على صديقه، حيث يتمنى له الخير. يبتسم الشاب، وتتبادر إلى ذهنه فكرة. ينهض وهو يقول بحزم:
- دعنا نرى ما يريده.
يأخذ معطفه ويضعه على كتفيه، ثم يخطو بخطوات واثقة نحو هدفه، دون أن يدرك ما الأخبار الصادمة التي تنتظره.
بينما في مكان آخر، جلست فتاة ذات شعر بني متوسط وعينين بلون البندق على مقعد في الحديقة. كانت تشاهد بحزن الأطفال وهم يلهون هنا وهناك، ويلعبون، في حين تظهر حالتها العكس تمامًا. كانت تشعر بالحنين إلى تلك الطفولة، وتفتقد الأمان والدفء. نفضت رأسها وصفعت وجهها بيديها في محاولة للاستيقاظ من هذا الحلم القاسي، ثم جمعت شجاعتها ونهضت قائلة بحماس:
-هذا ليس وقتك... نورسين، ابتهجي!
حاولت أن تبتسم، لكنها لم تستطع؛ كيف يمكنها أن تبتسم وهي على وشك العودة إلى هذا البيت المرير؟ تنهدت بثقل وعادت إلى المنزل.
عندما وصلت، فتحت باب المنزل ثم قالت بهدوء وهي تقف في منتصف البيت:
-لقد عدت!
ثم أجابت لنفسها ساخرة من وضعها:
-مرحبًا بعودتك، صغيرتي.
-ياه! نورسين، تعالي وألعبي معي هذه اللعبة فقط!
-سأذهب إلى العمل الآن.
تقف وتنظر حول المنزل، تتخيل أن أفراد عائلتها متواجدون، وتبدأ الدموع في السيل من عينيها دون إرادتها. حتى أفاقت من هذا البؤس على صوت رنين الجرس وصياح الرجل، وهو يقول:
-إن لم تدفعي إيجار اليوم، فاعلمي أنكِ مطرودة!
استمر في الطرق المتكررة، فابتسمت بمرارة. حقًا، يا لها من حياة بائسة، فكرت بذلك وظلت واقفة بتجمد، لا تدري لماذا لا تستطيع التحرك وما الذي يجب عليها فعله. قررت الذهاب والتحدث معه وهي على علم بأنه لن يجدي نفعًا، لكنها عزمت الأمر ولن تهرب هذه المرة. أوشكت على الذهاب، ولكنها لم تعد تسمع صوت الطرقات. فتنهدت وجلست على أحد الأرائك، تنظر إلى السقف بعيون متعبة. ثم مسحت دموعها بأكمامها بقوة، ونهضت لتعد لنفسها وجبة خفيفة.
عندما انتهت من تناول الطعام، نهضت وتوجهت نحو غرفتها. تفتح الدرج ثم أخرجت البطاقة التذكارية، التي تحمل جزءًا من الماضي...
˝في داخل المطعم، كان رجل في أواخر الثلاثينيات يجلس على طاولة الطعام يتناول ما وضع أمامه. في ذلك الوقت، دخلت فتاة في الرابعة عشرة من عمرها ترتدي ملابس صبيانية وتضع قبعة على رأسها، حيث تختبئ بها.
عندما قام الرجل بالنهوض، ركضت الفتاة نحوه واصطدمت به. ثم قالت باعتذار:
-آسف، آسف، لم أقصد ذلك. والآن، أرجو أن تعذرني.
أكملت الفتاة في ركضها وتركت الرجل وراءها حيث أدخل يده في جيب سرواله ليخرج محفظته، ولكنه لم يجدها. فتش في بقية الجيوب ولم يجد شيئًا! حتى أدرك الأمر، فقهقه، لم يكن من عادته أن يكون مهملًا هكذا. لكنه كان يشغل تفكيره في ذلك الوقت هي تلك الطفلة التي كان يبحث عنها ولم يجدها بعد. تنهد ثم خرج من المطعم بعد وضع النقود على الطاولة.
في الخارج، توقفت الفتاة عن الركض وأخرجت المحفظة. بدأت في عد النقود بسعادة، وتغيرت ملامح وجهها إلى اندهاش. كان عدد النقود كثيرًا، ولم تعتاد على هذا العدد. يا له من رجل ثري! قبلت النقود وقالت بسعادة وهي ترفع يدها الذي تحمل النقود بحماس:
-حسنًا، دعونا نستمر في العيش بهذا الكم من المال!
فاجأها الرجل بأخذ المال من يدها. ثم قال وهو يبتسم ابتسامة واسعة مكلفة، مما جعلها تبتلع ريقها بخوف:
-هل تعرفين ما هي عقوبة السرقة هنا؟
شعرت الفتاة بالخوف، فابتعدت ثم اعتذرت عدة مرات وهي خائفة. وبعد أن لاحظت ما قاله، توقفت ورفعت رأسها بدهشة. كيف عرف أنها فتاة؟ ابتسامته هذه جعلتها تشعر بعدم الارتياح. وجدته يخرج بطاقة ومدّها نحوها، ثم قال:
-إن احتجتِ شيئًا، لا تترددي في الاتصال بي.
انتهى من حديثه بابتسامة لطيفة، ثم أعطاها النقود وربت على رأسها وذهب. تاركًا الفتاة في حالة صدمة، تشاهده وهو يبتعد بتعبير الاندهاش واضحًا على وجهها.˝
مرت سنتان على هذا اللقاء، حيث كانت تجد في كل مرة صندوقًا أمام منزلها يحتوي على مالٍ ورسالةً تحمل كلمات بسيطة. استطاعت التعرف على صاحبها:
" هل تعرفين ما هي عقوبة السرقة؟ "
كلما قرأتها، يقشعر بدنها وتشعر بالخوف، وفي الوقت نفسه تشعر بالسعادة لأن شخصًا يسأل عنها ويهتم بها بعد رحيل عائلتها المتوفاة. ابتسمت بعد تذكرها كل هذا. استيقظت من الذكريات ثم خرجت من المنزل وذهبت إلى الشارع العام، ووضعت بطاقة الإئتمان أمام الرجل الواقف وقالت بصوت حاد:
-أرغب في شحن الرصيد.
رمقها الرجل بريبة إذ كانت تخفي رأسها بقبعة وتحجب نصف وجهها بوشاحها، كما كانت ترتدي ملابس صبيانية، لذا من يراها يعتقد أنها فتى.
أخذ البطاقة وقام بشحن رصيدها. عندما انتهى، تحركت بخطى سريعة وتجنبت الاختلاط بالناس. وحين ابتعدت وقفت في منتصف الطريق وجلست على رصيفه، وكتبت الأرقام وانتظرت لحظات حتى جاء الرد. صوته الأجش الذي لم تنسه أبدًا، تحدث بنبرة هادئة:
" من معي؟ "
ارتبكت وترددت للحظات وتجمعت دموعها في مقلتيها، إذ كانت خائفة من أن يكون قد نسيها. عندما سمعت صوته مرة أخرى، تحدثت بسرعة وهي خائفة من أن ينقطع الاتصال:
" س... سيدي، إنها أنا! "
يا لحماقتي، كيف يمكنني قول بضع كلمات كهذه وكأنه سيتعرف عليّ! خاطبت نفسها بعتاب وسخرية، حتى قاطع حبل أفكارها حديثه المتسائل، أو بالأحرى الساخر:
" السارقة؟ "
استغربت من أنه قال ذلك، فكرت في نفسها كيف يقولها بهذه البساطة؟ إنها إهانة بحق، ولم يكن بيدها سوى فعل ذلك. همهمت وحاولت أن تخفي توترها، ولكنها فشلت، وضحك الرجل.
" م... من فضلك، لا تنعتني بهذا اللقب! "
أنهت حديثها بغضب، وأجاب هو بعد أن استمتع بما حدث:
" لمَ اتصلتِ؟ "
ترددت في الرد، فأكثر شيء تكرهه هو أن تمد يدها لأشخاص مثله، فالحياة لم تكن عادلة بعد وفاة عائلتها وسرقت منها كل شيء. قضمت شفتيها بانزعاج وأجابت:
" أريد المساعدة! "
ابتسم هذا الرجل، حيث كان يريدها أن تطلب المساعدة من البداية، وهي لم تدرك أن هذه الكلمة ستغير حياتها تمامًا.
في مكانٍ آخر، عندما وصل الشاب أمام مكتب عمه، طرَقَ البابَ وانتظر الردَّ، حاملًا في قلبه توقُّعًا بلقاءٍ يحمل أخبارًا مزعجة.
بمجرد أن أُذِنَ له بالدخول، ولج إلى الداخل بخطواتٍ هادئة، حتى وقف أمام الرجل الجالس الذي كان يُعطِي ظهرَه له.
فقال العُمُّ بنبرةٍ هادئة:
- لقد جاء ذلك المدعو يعقوب إلى هنا، وتحدَّثنا في عدَّة أمور. نحن بحاجةٍ إلى القوَّة، لذا اتَّفقنا على زواجك من إحدى بناته: آسيا.
انتابت ملامح الاستياء وجه الشاب، حيث لم يكن يرغب في الزواج، خاصةً من أولئك الذين سببوا له الأذى. بينما استمر الرجل بنفس النبرة الهادئة، بدون أي مشاعر دافئة أو مخلصة:
- يجب أن تتزوج على أية حال، وبعد ذلك يمكنك فعل ما تريده معهم.
تحدث الشاب بصوت هادئ، على الرغم من أن داخله كان يندلع غضبًا، لكنه سعى للحفاظ على هدوئه وقال:
- هل يجب عليّ أن أتزوج من ابنة قاتلة والدتي؟
لم يستطع تصديق أن عمه قد وصل إلى هذا الحد من الاقتراحات. كان يرغب بصدق في إقناع عمه بعدم القيام بذلك، ويرغب في قتل يعقوب وعائلته بأسوأ الطرق الممكنة، ليقاطعه حديث عمه الذي التفت إليه مستدركًا بنبرته الودودة:
- عليك أن تتعامل مع عدوك، ولكي تنتقم منه، كن قريبًا منه واعرف نقاط ضعفه.
رفع الشاب حاجبه بينما نهض الرجل وتوجه نحوه، يحوم حوله وهو يتابع:
- مهمتك هي معرفة نقاط ضعفه وكسره قبل أن تقوم بقتله!
وضع الرجل يديه على كتفي الشاب ونظر إليه بود، وقال بنبرة زائفة:
- آدم، إنهم من تسببوا في مقتل عائلتك. عذب كل فرد منهم ثم اقتله بعد هذا التعذيب البطيء.
أنهى حديثه بنظرة سوداوية بينما كان آدم ينظر إليه ببرودة، وعندما أبعد الرجل يديه عنه، قال آدم بهدوء:
- آسف، عمي. أعتقد أنك على حق.
ثم قال بأدب وهو يستعد للمغادرة:
- هل يمكنني المغادرة؟
أومأ عمه، ثم أشار بيده ليسمح له بالمغادرة. خرج الشاب بخطوات غاضبة ونظرات مشتعلة بالغضب.
بعيدًا عن كل هذا، كانت هناك فتاة ذات شعر كستنائي مجعد وعيون زرقاء بلون السماء، تتجول بين هذا الازدحام في مكان يكتظ بالمتاجر وعامة الناس. أحبت هذه الأجواء ولم تكن تحب طبقتها الراقية، إذ أحست دومًا بأنها حبيسة داخل قفص. لم تجد الراحة في العادات والتقاليد المعقدة، حتى الطعام لم يكن مريحًا. كانت هناك عادة بأكل الطعام بالسكين! لماذا هذا التصرف الغريب؟ دعونا نكن طبيعيين هنا. كانت تفكر بهذا الشكل وتقف تتنفس الهواء براحة بين هذا الازدحام وضحكات التجار ونداءات بعضهم للزبائن.
سارت بخطوات مستمتعة وهي تحمل بيدها كعكة من أحد التجار وتتناولها وهي تستمتع بالمشاهد. كل مرة تهرب فيها من عالمها دون أن يلاحظها أحد، ولكن هذه اللحظة السعيدة قاطعتها واحدة من العاملات أو بالأحرى محتفظة أسرارها وصديقتها الوحيدة في منزلها، وهي تركض نحوها وتتنفس بصعوبة:
- آنستي!
- آسيا!
قالت آسيا بعبوس طفولي، لتتنهد العاملة ثم تصحح ما قالت لتكمل الخبر المهم:
- حسنًا، آسيا! هذا ليس الوقت المناسب. إن والدك يبحث عنكِ، لا أعرف ما السبب!
كانت تبتسم آسيا بسعادة، حتى تغيرت تعابير وجهها إلى انزعاج فور ذكر والدها، وقالت بتعب:
- لماذا يريدني اليوم من بين كل الأيام؟
ثم تقدمت نحو وجهتها وقالت بعبوس:
- دعينا نرى ما يريده جودي.
أومأت جودي برأسها، جاهزة للذهاب، لكنها توقفت وحدقت بسيدتها باستغراب. توقفت آسيا عن السير والتفتت للخلف، وهي تحدق بالمكان بعيون غامضة.
ثم استأنفت السير بعد أن لاحظت نظرات جودي القلقة.
عند وصولها، وفور دخولها القصر، سُكب عليها الماء من قبل ابن زوجة أبيها، الذي يضحك باستهزاء. وبجانبه الأيمن، أخوه المرتبك ضعيف الشخصية، وبجانبه الأيسر، أخته المغرورة التي تنظر إليها بازدراء.
تنهدت بتعب، هي حقًا تعبت من أفعالهم الصبيانية. وفي الأعلى، يراقب والدها ما حدث ويتحدث بنبرة باردة:
- عديمة الفائدة!
ثم أغلق الستار وجلس على مكتبه، بينما هي مضت بخطوات هادئة مسببة لهم انزعاجًا. فكيف لها أن تكون بهذا الهدوء بعد هذه الأفعال؟ عندما وصلت لمكتب والدها، طرقت الباب حتى سمعت صوته من الداخل، ودخلت تقف أمامه، لا تريد الخوض معه في أي نقاش، فقط تريده أن يخرج ما بجعبته وتغادر هي بكل بساطة، لتذهب إلى غرفتها بعيدًا عن الجميع.
قطع حبل أفكارها حديثه الغير مبالي، قائلًا ببرودة:
- تجهزي، فستتزوجين أحد أبناء ألبرت.
فتحت عينيها على مصرعيهما، غير قادرة على تصديق ذلك وتعجز عن الرد. كيف يفعل هذا بابنته؟ أن يعطيها لأحد من أسوأ عائلة؟ لقد تعبت من هذه العائلة. هي الآن عرفت صاحبة هذه الخطة، زوجة والدها أو بالأحرى من تتلاعب بالجميع، عمتها من غيرها؟ ضغطت على يدها بقوة، غير مبالية للجروح التي تسببت بها، وأصبحت تنزف. عضت شفتها وهي تخاطب نفسها بأسى، تتجمع الدموع بعينيها:
[هل المال والسلطة أهم من عائلتك يا أبي؟]
ثم قالت بهدوء، بعد رفع وجهها بنظرة باردة يعتليها:
- من مَن؟
تحدث والدها، دون الاهتمام بمشاعر تلك الفتاة أو أخذ رأيها:
- آدم.
صُدِمت وخابَ أملُها ممن يُدعى والدها. كيف يمكنه أن يعطيها لشخص يعتقد أن والدتها قاتلة والدته؟ وعقيدتها غير عقيدته! هل هو بكامل قواه العقلية؟ هل لهذه الدرجة يريد التخلص منها؟ كانت تصارع بين نفسها ويجنُّ جنونها. لا تعرف لماذا يفعل بها هذا الرجل الذي أمامها. حقًا تشعر بالمرض كلما نظرت إلى وجهه. رجل جشع مقرف، أغمضت عينيها لتُهدئ نفسها، ثم فتحتهما وقالت بحزم:
- حسنًا.
وتابعت بهدوء وهي تمسك فستانها لتنهي هذا النقاش:
- عن إذنك.
وغادرت دون انتظار ردّه. كانت واحدة من قلةٍ من أبنائه تجرؤ على فعل ذلك، لكنها الوحيدة التي تعرف كيف تستفزّه حقًا.
بعد خروجها من مكتبه توجهت نحو غرفتها، حتى قابلت في طريقها زوجة أبيها لتهمس بغيظ:
- يا له من يوم! لماذا قابلتها من بين الجميع؟
ادَّعَت عدم رؤيتها وتابعت طريقها. مضت بجانبها دون اكتراث، حتى أوقفتها الأخرى بنبرة منزعجة:
- أنتِ!
توقفت عن السير ولم تتعب نفسها بالالتفات، وهذا الأمر أزعج الأخرى، التي أمسكتها من كتفها بقوة، مما جعل آسيا تتألم. ثم التفتت تلك الزوجة بازدراء وقالت:
- لا تفكري بحيلة من أفعالك، فأنا سأفسد كل شيء. فقط انصتي وأفعلي ما يُؤمر لك، هل فهمتِ؟
أنهت حديثها ودفعتها للخلف، ثم ذهبت تاركة الأخرى خلفها التي فقدت توازنها واتكأت على الجدار. عندما لمحت جودي سيدتها ركضت نحوها وأخذتها إلى الغرفة.
قفزت آسيا على السرير، وضعت الوسادة على وجهها، صرخت وأخرجت ما كانت تكتمه، ثم رفعتها عن وجهها وقالت بعبوس:
- ماذا عليّ أن أفعل لأفسد هذا الزواج؟
كانت جودي تحيك أحد أثوابها وقالت باقتراح دون تركيز:
- ربما تدعين الجنون.
رفعت آسيا جزءًا من جسمها العلوي حتى انتبهت إلى ما قالته، ثم نهضت وتقدمت نحو جودي وهي تقول بحماس وسعادة، مما جعل جودي تنظر إليها بعدم ارتياح:
- أحسنتِ التفكير يا جودي!
لم تكن رغد تفكر في الرد، ولكن شيئًا ما داخلها يدفعها إلى فتح المكالمة، فرُبما أحدهم يحتاج للمساعدة وهذا ليس رقمها الشخصي، فطبيعي أن تستخدمه لإجراء المكالمات لمن يطلبها لتحقيق هدف. أخذت نفسًا عميقًا استعدادًا لما ستواجهه من طلب جديد، ردت رغد على المتصل المجهول بنبرة هادئة قائلة:
"مرحبًا! "
ردت مرة أخرى بدهشة، ربما كان صوتها منخفضًا ولم يسمعه المتصل، ولكن لم يرد أحد. قررت أن تعيد التحية، عسى أن يرد أحدهم، لكنها لم تتلقَ ردًا، فأغلقت الهاتف وتوجهت نحوهم. ورد كانت تنظر إليها بفضول، فقامت رغد بإشارة بسيطة برأسها ثم قالت بصوتها الهادئ:
-لا شيء.
تنهدت ورد براحة، إذ لم تكن ترغب في المغادرة في تلك اللحظة، بل تريد فقط القليل من الراحة، قطعت حبل أفكارها اتكاء أكينا بكتفها وهمست قائلة بانزعاج:
-ألم تتعبوا من الوقوف؟ أشعر بالجوع!
انهت حديثها بتنهيدة منزعجة ونظرت ورد إليها بدهشة للحظة، ثم اندلعت ضحكاتها الخفيفة وهي تقول بصدمة:
-يا إلهي! أتعلمين، أشعر أحيانًا بأنكِ لا تعيشين في عالمنا يا فتاة.
عبَّست أكينا بانزعاج، ثم نقرت بإصبعها على جبين ورد مما أحدث لها ألمًا قائلة:
-مُزْعِجة!
وضعت ورد يدها على جبينها بألم، ثم ظهر عبوسًا على وجهها، فلا تحب هذا السلوك، في حين كانت ساكورا تراقب الوضع، فاهتزَّت كتفيها من أثر الضحك ثم استسلمت للصمت بعد أن التفت نظرات ورد الحادة إليها.
كان ليو يتحاور مع مايكل في عدة مواضيع، وانضمت ساكورا إليهم بعد توقفهما عن الحديث، حيث شعرت بالملل وأرادت معرفة الخطوة التالية. وبينما كانوا ينتظرون توجيهات، بدأ ليو في التفكير ببعض الأحداث، وتحدث مجددًا بنظرات جادة:
-مايكل، هل تعتقد أن هذا هو أحد الأشخاص الذين أخبرتني عنهم؟
انهى حديثه ونظر الجميع نحوه بعدم الفهم، إلا ساكورا التي أعربت عن انزعاجها وفقدان اهتمامها بالحديث، إذ كانت تشعر بالملل من هذه الدائرة. لم يتلقوا أي رد. وفي هذا الوقت أجاب مايكل بينما كان يرسل بعض الصور المتعلقة بقضية أخرى لزميله في العمل:
-نعم، سمعت عن مجموعة من العصابات التي تقتحم بعض المنازل وتستهدف منتسبي الشرطة وعائلاتهم. هذا ما تم تداوله بشأن هذه القضية.
شعر فادي بأن الأمر مألوفًا حتى تذكر إحدى القضايا ورفع نظره وقال بهدوء وهو يحدق بهم:
-بمجرد ذكر هذا الأمر، تذكرتُ أننا زرنا موقعًا مشابهًا، وكانت القضية متشابهة، حيث استهدفوا رجال الشرطة.
لاحظت ورد حالة الصمت التي سادت بعد كلام فادي، فقررت مواصلة الحديث:
-وعندما زرنا الموقع، لم نجد أي دليل على وجود العصابة، كما نفوا وجود القضية، معتبرين إياها مجرد شائعات. ولكن كان هناك شخص كنا نقيم عنده، ربما كان يُضمر الكراهية لأحد أفراد الشرطة، إذ أقدم على قتل ابن ذلك الشرطي، وكاد أن يقتله هو أيضًا، إلا أننا تمكنا، بمحض الصدفة، من منع الجريمة.
يمكن القول إن هذه القضية نشأت بسبب الضغينة، ولا نعرف شيئًا عن الشاب المسمى جيمي أو الدوافع التي جعلته يرتكب فعلته.
أبصر مايكل بدهشة وقطع حديثها وهو يقول معبرًا عن صدمته بينما بدأ الحديث يجذب انتباه ساكورا من جديد:
-لحظة! كيف وصلتم إلى القاتل؟ وفوق كل هذا تمكثون عند الجاني، فما سبب ذلك؟
وجّه مايكل حديثه إلى ليو وطلب منه توضيحًا، إذ ادّعى ليو أنه مشغول:
-ليو، لم تخبرني بهذا الأمر عندما تحدثت عن هذه القضية؟
همست وردت بعدم تصديق:
-تجاهل الحديث كله وتوقف عند هذه النقطة!
نظر الجميع إلى ليو بنظرة تعبيرية تدل على الاستفسار، لينتبه ليو للتحديق فيهم ويرد ببعض الارتباك:
-م... ما الذي تقصدون؟ لقد تعرفت عليه منذ ثلاثة أيام قبل أن نزوره.
ضحك مايكل وساكورا على تصرفه، وأدركوا أنه لا يتحدث بجدية، فقال مايكل بمزاح خلال ضحكته:
-لم تتغير أبدًا.
حدق به ليو بالنظرات الجادة وقال:
-هل يمكنك التحقيق في هذه القضية ومعرفة المزيد عنها؟
توقف مايكل عن اللهو، ثم نظر إليه بينما يفكر بتركيز. أدرك من نظرة صديقه أن تلك المسألة جادة وخطيرة، فتحدث بعد تردد أثناء تحديقه نحو ساكورا التي فهمت مقصده:
-حسنًا، ساكورا، هل تستطيعين أن تعملي على تلك المسألة؟ بينما أنا سأذهب إلى المسألة الأخرى.
انتظر ردها وهو يحدق بها، وأومأت هي برأسها بإيماءة بسيطة، ابتسم ثم تابع حديثه:
-أعتقد بأننا سننقسم إلى فرقتين: أحد سيذهب مع موغامي سان والآخر سيذهب معي، فما رأيكم؟
في تلك اللحظة تردد فادي ثم تحدث:
-هل يجب أن نفعل ذلك؟
تعجب مايكل من السؤال، ليدرك ليو مخزيًا سؤاله، فيجيب بهدوء:
-لا تقلق، ستذهب مع مايكل برفقتهما، بينما أكينا ستذهب معنا.
ابتسم له فادي بامتنان، بينما ورد التي تستمع إليهم منغمسة في أفكارها، مخاطبة نفسها:
[أتمنى أن نفك هذه الألغاز وننتهي من تلك المسألة على خير. ]
تنهدت بتعب ولاحظتها ساكورا التي اتجهت نحوها، هامسة من خلفها بنبرة غامضة:
-ربما سيُقتل أحدنا.
ذعرت ورد واستدارت ونظرت خلفها بسرعة، قائلة باستغراب:
-ماذا؟ ما الذي قلته للتو؟
نظرت ساكورا لوهلة، ثم انفجرت ضاحكة وهي تقول بسخرية، وتمسح دموعها، ثم أكملت عند آخر الكلمة، متقطعة الأحرف:
-وجدتك شاردة، فقلت فرصة لأفزعك قليلًا.
قطبت ورد حاجبيها بانزعاج وهي تفكر في نفسها:
[فكيف لأحدهم أن يمزح كتلك المزحة الثقيلة، كاد أن يتوقف قلبي.]
ثم تنفست مهدئة، أعصابها من بعض هذا الهواء النقي. بعد ذلك، تحدثت بجمود:
-من يراك هكذا يظنك مجرد طفلة!
أجابتها ساكورا باستهزاء، أثناء اقتراب وجهها منها:
-تتحدثين وكأنك امرأة في السبعينيات.
أصبح الجو متوترًا بينهما، وانتبهت رغد التي تنهدت بتعب وهي تفكر:
[رائع! يوجد شخصًا آخر يستطيع استفزاز صديقتي. ]
حاولت تهدئة الوضع، بينما في تلك اللحظة، أجاب مايكل بهدوء، وهو يضع يده في جيبه:
-حسنًا كما تريد يا ليو، لا أعلم ما يدور في ذهنك، لكنني متأكد أنك تخطط لشيء.
ثم ابتسم وتوجه نحو سيارته، مكملًا كلامه:
-هيا بنا، من سيأتي معي لنذهب؟
قبل تقدم فادي، استدار للخلف، ثم تحدث بامتنان، موجهًا للآخر:
-شكرًا لك، أنقذتني من قلقي.
تفاجأ ليو قليلًا، ثم ابتسم، وقال بلطف:
-لا بأس، أعلم بأنك تحمل مسؤولية كبيرة، لذلك في هذا الوضع تكون مشتت الذهن. فقط ما استطيع قوله، كن حذرًا ولا تجعل بأن يحدث لكم مكروه.
أومأ فادي برأسه، ثم توجه نحو السيارة، وركب في المقعد الأمامي، في حين كانت تتحدث ورد، وهي تمد يدها التي تحمل أكياسًا بداخلها طعامًا:
-خذي، أخشى بأن تأكليهما قبل وصولكم.
مدت أكينا يدها، بينما تتصنع الانزعاج أثناء ردها:
-أنتِ تتحدثين عن نفسك!
ابتسمت ورد، التي أوشكت على الذهاب، لتوقفها الأخرى، أثناء ابتسامتها بامتنان:
-شكرًا لكِ.
ثم ركضت، تاركة الأخرى، التي استدارت ونظرت بدهشة، ثم ابتسمت وتقدمت نحو الآخرين.
بالنسبة لـ ساكورا، ركبت سيارتها التي يقودها ليو، بينما انطلقت أكينا بسيارته واستعدت لمتابعتهما، بهدف العودة إلى البلدة التي كانا فيها منذ أيام للتحقيق في قضية جيمي.
بعد لحظات، فتحت ساكورا الحاسوب لتتصفح وتكتشف بعض الأمور، ثم التفتت نحوه، وهي تتحدث عبر الهاتف مع أكينا لمشاركتهم الأفكار:
-هل قلت أن اسم الشاب هو جيمي وعمره ثمانية عشر عامًا؟
سأل ليو بينما كان يستمع لحديثها ويقود السيارة، وكانت أكينا تستمع بانتباه:
-نعم، لكن لماذا؟
أجابت بعد أن عادت نظرتها إلى الحاسوب، مستمرة في التصفح أثناء تأملها:
-أظن بأن هذه ليست معلومات مؤكدة.
استغرب ليو، واستفسرت أكينا بينما كانت تركز على القيادة:
"ماذا تقصدين؟"
نظرت ساكورا إلى الهاتف للحظة، ثم عادت نظرها إلى الحاسوب وواصلت التصفح بينما كانت تتحدث:
-أعني أن اسمه وعمره قد تم تزويرهما، ربما من قبل شخص ما... إما لصالح آخر أو ربما كما ذكرت تلك الفتاة، يمكن كان يكره الشرطي ولذلك قام بقتل ابنه ليعاني الأب بفقدان ابنه ثم يقتله ببطء.
انغمس ليو في أفكاره، بينما أجابتها أكينا التي شعرت بالتعب من هذه القضية الغامضة:
"من رأيي، سأختار قول ورد، فنحن من ذهبنا إلى منزل المقتول وقد كان أهله مريبين."
لحظات من الصمت تبعت، في انتظار ردودهما، حتى تكلم ليو الذي فكر بجدية:
-كما قالت أكينا، ربما يكون يعمل بمفرده، لا أعتقد أنه كان يتعاون مع أحد، ربما كانت مجرد عداوة.
وفيما كانت تدور أفكاره، سأل بجدية:
-ولكن بخصوص ذلك، لماذا لا تحبين ورد؟
ساكورا نظرت إليه بدهشة من سؤاله المفاجئ، بينما رفعت أكينا حاجبيها بدهشة وردت ساكورا بنكران:
-ماذا تقصد؟ لمَ لا أحبها؟!
كرر ليو سؤاله بجدية:
-ألا تحبينها؟ ولماذا؟
أبدت ساكورا صدمتها للحظات، وكادت أكينا ترد بعدما شعرت بتحول الحديث نحو اتجاه آخر، لترد ساكورا بنبرة غامضة متذكرة حادثة مؤلمة:
-لا أعلم، عندما رأيتها شعرت بأنها فتاة لا تحب الهزيمة... فتاة تورط نفسها في المشاكل دون اكتراث... لا أدري لماذا أشعر بالازعاج منها على أي حال.
ثم حاولت تغيير الموضوع بخبث:
-لمَ تهمك الأمور؟ إلا إذا كانت لديك مشاعر تجاهها؟
تنهد ليو، وأخرج علبة السجائر من صندوق السيارة، أخذ واحدة، ثم أعادها إلى مكانها... بدأ يدخن أثناء حديثه:
-أظن أنك تشعرين بالازعاج منها لأنكِ تتذكرين صديقتك يوريان تشان، كلما نظرتِ إليها تتذكرين أفعالها.
أغلقت ساكورا الحاسوب، وعلى وجهها ملامح الحزن الواضحة، ويديها ترتعش أثناء إجابتها بصدق هذه المرة دون إنكار:
-نعم، ربما هذا هو السبب وراء انزعاجي منها. كلما نظرتُ إليها، تذكرت يونا التي كانت سببًا في تعاسة قلبي. لا زلت أتألم عندما أتذكر ذلك الحادث المؤلم.
شعرت أكينا بالتعاطف والحزن، وكادت تتحدث لتخفف من ألمها، لكن ساكورا ضربت السيارة برفق لتغيير الموضوع وإنهاء هذا الحديث، قائلة بتنصع المرح:
-حسنًا، دعونا نتجاهل الماضي الأليم.
ثم قالت بابتسامة جانبية وبخبث:
-لقد غيرت اتجاه الحديث، دعونا نعود إلى الموضوع الحالي، هل...
فجأة، اندفعت إلى الأمام وتجهمت بدهشة لانقطاع ليو للحديث بسبب قيادته المتهورة، فضغط على الفرامل لجعل السيارة تتوقف وأوقف حديث الآخرين، وأدرك الجميع أنه لا يريد مناقشة هذا الموضوع، فأكملت بانزعاج:
-حسنًا حسنًا، سأصمت، يا لك من ممل، لست مثل مايكل، لقد تغيرت كثيرًا!
ضحك ليو قليلًا، ثم ابتسم لنفسه:
[نعم، لقد تغيرت منذ معرفتهم. ]
________________
في تلك الأثناء، داخل السيارة، كان مايكل وفادي يتحدثان، بينما همست رغد حين شعرت بالجوع:
-ورد، أعطني شيئًا مما اشتريناه لأكله.
أعطتها ورد فورًا دون أن تنبس بحرف واحد، وكانت تفكر في ما حدث معهم منذ وصولهم إلى تلك البلدة. أخذت رغد الطعام وفتحت فمها هامسة أثناء تناولها:
-ألا تلاحظين بأن فادي والسيد مايكل منسجمان في الحديث بينهما؟
استيقظت ورد من شرودها ثم نظرت إليهما وابتسمت لتحدق بصديقتها أثناء إجابتها:
-أجل، على عكس الآخر.
قهقهت رغد بخفة، مدركة بأنها تقصد ليو وفادي معًا، ثم استكملت تناول وجبتها، بينما غوصت ورد في أفكارها بين نفسها:
[ينتابني شعور سيء من ناحية قضية جيمي. أتساءل هل كان تابعًا للعصابة، أم كان مجرد انتقام لتلك العائلة التي قتل ولدها؟ ومن تلك العصابة، هل هي مجرد ذريعة للجرائم فقط، أم أن الأمر أكبر مما نعتقد؟ أوف عقلي سينفجر كلما حاولنا حل القضية ندخل في دائرة لا تنتهي يا لها من متاهات! ]
وضعت يدها على جبينها ثم أغمضت عينيها وهي تتكئ برأسها للخلف، لكن دون جدوى، تفرط بالتفكير دائمًا، فهزت برأسها نافية ما تفكر به لتطرد تلك الأفكار. بعد ذلك، تساءلت بملل:
-متى سنصل؟
أجاب مايكل أثناء قيادته السيارة بهدوء:
-ربما بعد نصف ساعة أو أكثر.
توقفت رغد عن التناول ما بيدها تنظر بصدمة، ثم همست بتذمر:
-هذا كثير!
ونظرت إلى ورد ووجدتها مخبئة وجهها بغطاء الرأس لتنام قليلًا، ابتسمت ثم اعتدلتها جاعلة رأس صديقتها على كتفها، لكي لا تصطدم في أعمدة السيارة وزجاجها بسبب سيرها في الطريق.
غفت رغد من شدة التعب هي الأخرى. كاد فادي أن يسألهما عن شيء، استدار برأسه للنظر وجدهما نائمتان. ابتسم ثم أخرج الهاتف من جيبه وفتح تطبيقًا لقراءة كتاب، بينما خفّف مايكل من سرعة السيارة وهي تسير بهدوء. لاحظ فادي الأمر وابتسم تقديرًا، ثم عاد إلى القراءة ووقعت عينه على جملة: " لم يكن الأمر مجرد حدث عابر، بل زلزال ضرب كياني، جعلني أشعر أن الواقع نفسه بدأ بالتصدّع. "
بقي فادي صامتًا ولم يكمل القراءة، متذكرًا جزءًا من الماضي...
˝فتى ذو شعر بني غامق، في الرابعة عشر من عمره، يتحدث بقلق وهو يلقي نظراته نحو ذلك الشاب البالغ واحد وعشرين عامًا، يحدق به بعينيه البندقية ببرودة غير مبالية لحديث الصبي الصغير، الذي لا يزال لا يفهم هذا العالم القاسي.
-هل ما زلت تريد الذهاب؟
رفع الشاب بصره عن الصبي بلا اهتمام، إذ شعر بالضجر من هذا الحوار المتكرر. فالجميع يتساءل نفس السؤال وهو قد أجاب بإصرار فلمَ لا يفهمون؟ عندما سمع تنهيدة الآخر تحدث بهدوء:
-أجل، سأذهب.
رفع فادي رأسه عن الكتاب واتكئ برأسه على مقعد السيارة يحدق بسقفه وهو يتذكر جزء آخر ميؤوس منه...
˝-كيف أن تتركها وحيدة بهذا المكان؟˝
صرخ ذلك الفتى في الثانية عشرة من عمره يقبض يديه ويشعر بالغضب فور معرفته ما فعله الشخص الذي يقف أمامه ينظر إليه بلا اهتمام، إذ شعر بالضجر من هذا الحوار السائد.
بينما أصرّ الصبي، لم يجد الجواب المرجو. تقدم بخطوات سريعة وأمسك الشاب من ياقة قميصه بيأس، صاحبًا بصوت مهتز:
-لماذا دائمًا تعاملها وكأنها السبب فيما حدث لنا؟ لماذا تجعلها تعيش حياة جحيمية؟
نظرات الصبي المرتجفة كانت كافية لتؤكد للآخر أنه لا يريد خسارة أي فرد من عائلته، لكنه كان دائمًا يبدو ضعيفًا في نظره. عندها، رفع الشاب يده وأمسك بيد الصبي بقوة، ضاغطًا عليها بشدة، فشعر بالألم بينما سمعه يقول بنبرة باردة:
-بكل بساطة، لأنها ابنته!
أبعد الصبي يده ثم تقدم إلى الأمام متجاهلًا الآخر، متخذًا موقفًا مترقبًا، قبل أن يقول بهدوء:
-إنها ليست بعيدة، سأخبرك بالعنوان، فاذهب إن أردت.
عندما ذكر العنوان، ركض الصبي دون قول شيء. نظر الشاب إليه بطرف عينيه، ثم تحدث ببرودة:
-ضعيف!
سمعه الصبي ولكنه تجاهل ذلك، إذ لم يكن هذا وقته.˝
تنهد فادي بتعب، وهمس وهو يحدق للأمام بنظرات حزينة:
-أتمنى أن تكون بخير وأن تتغير للأفضل... يتبع
《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما