《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》
《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》
نبدأ بسم الله...
___________
تمنيتُ أن أزيل عنكِ كل ما يرهقكِ، وكل ما تخافينه.
لكن كل ما أستطيعه الآن...
أن أكون بجانبكِ،
وأن لا أترككِ وحدكِ في معاركك.
......
حينها، نظرت ورد إلى عينيه بعينين مليئتين بالشك، تتأملهما بتركيز شديد، كأنها تحاول استخلاص الحقيقة المدفونة خلفهما. ثمة شيء لم يكن صحيحًا... لم يكن صادقًا تمامًا.
أبعدت نظرها عنه بصمت، زفرت بهدوء وكأنها تطلق هواءً محبوسًا منذ زمن، ثم انصرفت محاولة التظاهر بأن الأمر لا يعنيها. لكن في داخلها، كانت أفكارها تشتعل كالبارود المنفجر.
تحدثت بداخلها بلهجة حازمة:
[لم أصدّق كلماته... عيناه تقولان العكس. سأكتشف الحقيقة الليلة.]
في مكانٍ آخر، داخل قصر فخم يعج بالحركة، كان الجميع في حالة تأهب. العاملون والعاملات يهرولون في الأروقة، تائهًا بين الأوامر والمهام، كلٌّ منهم يؤدي دوره بدقة وإتقان، تحت ضغط الاستعداد لاستقبال ضيفٍ مهم.
الأجواء كانت مشبّعة بالتوتر، كأن الصمت بين الكلمات قد اكتسب وزنًا، وكل خطوة تُسمع تحمل معنىً خفيًّا.
وسط هذا الجو المشحون، ظهرت فتاة ذات شعر برتقالي متوهج، كأن لهيب الشمس قد استقر في خصلاتها. ارتدت كنزة بيضاء بسيطة تحت سترة سوداء طويلة تنسدل بخفة مع كل حركة. تنورة مخططة بالألوان الداكنة تلامس الأرض عند كل خطوة، وحذاء أسود أنيق.
كانت خطواتها سريعة، لكنها ليست عشوائية؛ بل حاسمة، تنبض بثقة تخبر الجميع أنها تعرف تمامًا ما تريد.
وصلت إلى باب غرفة فخمة، مزيّنة بأطراف ذهبية، فحركت المقبض ببطء، ثم طرقت ثلاث طرقات خفيفة، منتظرة الإذن.
ما إن فُتح الباب العريض، حتى وقع بصرها على شابين يجلسان داخل الغرفة. أحدهما مسترخٍ على الأريكة، يتبادل الحديث الهادئ مع رفيقه، بينما الآخر، وهو يبتسم بابتسامة مرحة، قال لها:
ـ مرحبًا، مارية.
رفعت مارية يدها بتحية مقتضبة، ثم وجهت نظرها نحو الشاب الجالس أمامها وسألته مباشرة:
-مرحبًا، زيد. أخي... من هو الضيف القادم؟ هل أخبرك أحد بشيء؟
هزّ شقيقها رأسه نفيًا، لكنه لم يلبث أن انتشل هاتفه من جيبه فور أن صدح رنينه، وردّ على الاتصال، ليجد صوتًا ساخرًا على الطرف الآخر يقول:
-لا، لم يخبرني أحد.
"وأخيرًا أجبت... لا أفهم لماذا تمتلك هاتفًا إن كنت لا ترد أصلًا!"
تحولت نظرات الشاب إلى ضيق واضح، فردّ بنبرة مماثلة:
"أين التحية أولًا؟ أم أنك اتصلت فقط لتشتكي كالعجائز؟"
ضحك المتصل ضحكة مصطنعة، ثم قال:
"(ضحكة غير حقيقية)، أضحكتني! على أي حال، سأصل قريبًا."
رفع الشاب حاجبه باستياء، مستعدًا لإطلاق تعليقٍ قاسٍ، لكن الآخر أنهى المكالمة دون انتظار. زفر بضيق، متأففًا من عادته القديمة التي لم تتغير.
أدرك كل من زيد ومارية أنهما بحاجة إلى إنهاء جلستهما والفرار. فتحدثت مارية بابتسامة بسيطة:
-إذن، سأذهب الآن إلى المطبخ لأرى ما الطعام الذي يتم إعداده اليوم.
انهت حديثها بابتسامة أوشكت على المغادرة، لكنه أوقفها وهو يميل برأسه إلى الخلف، مستندًا على الأريكة، وقال بتعب:
-عمنا قادم... ومعه مجموعة من المزعجين.
التفتت نحوه للحظة، ثم ابتسمت بخفة، وقد بدا الفهم في عينيها:
ـ أعلم... لقد قال ذلك.
ثم غادرت مباشرة، بمزاج رائق، بينما كان زيد يرمق صديقه بنظرة متسائلة:
-هل أكد جاد أنه قادم؟
اكتفى صديقه بالهمهمة الخافتة، قبل أن يغلق عينيه باسترخاء.
أما مارية، فقد شقّت طريقها عبر الممرات الواسعة بسرعة، مما دفع إحدى العاملات تنبيهها بحذر:
-آنستي، تمهلي قليلًا، قد تتعثرين!
لكن مارية لم تتوقف، بل اكتفت برفع يدها ملوحةً بمرح:
-شكراً لكِ، لا تقلقي!
ما إن وصلت إلى المطبخ، حتى وجدت الجميع مشغولًا بالتحضيرات، بعضهم يعمل بهدوء، بينما بدا التوتر واضحًا على وجوه الآخرين. أدركت أن الجو يحتاج إلى بعض التخفيف، رغبت في تخفيف الأجواء، فابتسمت بخبث ثم رفعت صوتها قائلة:
-مرحبًا جميعًا! لقد جئتُ للمساعدة... أعلم، أعلم، لا داعي لإخفاء اشتياقكم إليّ!
أنهت جملتها بضحكة خفيفة، سرعان ما انتقلت إلى من حولها، ليعم الضحك أرجاء المطبخ، ويتلاشى التوتر الذي كان يخيم على المكان.
تقدمت كبيرة الخدم نحو مارية، وهي تبتسم بحنان، ثم وضعت يديها على كتفيها بلطف، قائلةً بصوت دافئ:
-بالطبع، فمن منا لا يشتاق إلى ألطف فتاة عرفناها؟
ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتي مارية، وشعرت بحرارة العاطفة تغمرها. لم تتردد في احتضان السيدة العجوز، فهي أكثر من مجرد كبيرة خدم بالنسبة لها؛ كانت الملجأ الذي دعمها وساندها بعد مرض والدتها، واليد التي امتدت إليها عندما احتاجت إلى العطف والرعاية.
بادلتها السيدة العناق، وهي تبتسم برضا، بينما كان الجميع يراقبون المشهد بسعادة صامتة، قبل أن يعودوا سريعًا إلى أعمالهم، إذ لم يكن هناك وقت ليضيعوه في يوم حافل كهذا.
ما إن انفصلت مارية عن العناق، حتى توجهت بخطوات واثقة نحو الطاهي الرئيسي، وضربت كفها على الطاولة بخفة قائلةً بحماس:
-حسنًا، أيها الأبطال، أنا هنا لأساعدكم! أخبروني فورًا بما يجب عليّ فعله!
لكن قبل أن يُتاح لأحدهم الرد، قاطعتها إحدى العاملات التي كانت تغسل الصحون بجد، ونظرت إليها بعينين ملؤهما الود قائلةً:
-يا آنستي، أنتِ دائمًا تساعديننا، ألا يمكنكِ أن ترتاحي اليوم ولو قليلًا؟
أيد الجميع كلامها بإيماءات متفقّة وابتسامات مشجعة، مما جعل مارية تتنهد باستسلام، مدركة أن إصرارها هذه المرة لن يؤدي إلا إلى إزعاجهم.
في النهاية، ابتسمت وقالت بلطف:
-حسنًا، هذه المرة سأنسحب، ولن أتدخل.
ساد جوّ من البهجة والارتياح بين الطاقم، ولكن فجأة، تبدد ذلك عندما لاحظوا جميعًا شخصًا يتسلل إلى المطبخ بجرأة، يرتدي نِعالًا ورديًّا على شكل أرنب، هو الشيء الوحيد الذي يظهر من تحت غطاءٍ سميكٍ كاد يبتلعه.
كان يمدُّ يده بلا مبالاة نحو أحد أطباق الطعام، يلتقط منه لُقمةً بعد أخرى، متلذّذًا بالنكهة، دون أن يكترث بنظرات الاستغراب التي تحيط به.
بعضهم ضحك بخفة، بينما زفر آخرون بيأس، لكن مارية لم تمنحه فرصة أخرى للاستمتاع بوجبة مجانية. تقدمت نحوه بسرعة، وأمسكت بطرف غطائه، ثم سحبته معها بحزم قائلة:
-تعالي معي إلى غرفتكِ فورًا، قبل أن يصل الضيف ويكتشف أمرك. نورا!
ارتفع صوت احتجاجها الخافت، لكنها لم تكن في موقف يسمح لها بالمقاومة، بينما اختفت في الممر خلف مارية، وسط ضحكات مكتومة من العاملين في المطبخ.
أما زيد، فقد خرج إلى الحديقة بخطوات هادئة، مستمتعًا بالهواء المنعش بعد أن ترك خلفه صديقه، الذي كان يستغل الوقت لأخذ قيلولة قبل أن يبدأ ”الإزعاج“ - من وجهة نظره - عند وصول الضيوف.
تمدد زيد تحت إحدى الأشجار، مسترخيًا تمامًا، مغمضًا عينيه، وكأن هذا الركن من الحديقة هو عالمه الخاص حيث لا مكان للضوضاء ولا للقلق.
ظلّ على حاله لفترة، حتى سمع صوت خطواتٍ تقترب منه بانتظام. فتَمَتْمَ دون أن يفتح عينيه:
-دعني أخمّن... إنه أنت، إياس.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي القادم، قبل أن يجلس بجواره ويرد بنبرة هادئة:
-تخمينك صحيح.
ساد الصمت للحظات بينهما، لم يكن صمتًا ثقيلًا، بل كان أشبه بهدنة قصيرة قبل أن يسأل إياس بجدية:
-أخبرني، هل وسام بخير؟
رفع زيد حاجبه قليلًا، مستغربًا من توقيت السؤال، ثم أطلق نظرة متأملة نحو السماء قبل أن يجيب بعد تفكير:
-لا، ليس بخير.
تنهد ببطء، وكأن كلماته تحمل ثقلًا لا يراه سواه، ثم أكمل بنبرة متعبة:
-عاد اللقاء مع ذلك الشخص.
اتسعت عينا إياس بصدمة، وكاد أن يسأل عن التفاصيل، لكن محادثتهما قُطعت فجأة بصوت صياح جاد، الذي دخل المنزل مسرعًا، متجهًا مباشرة للتحقق من وسام.
عندما وصل جاد إلى الغرفة، وجد وسام مستلقيًا على الأريكة، يبدو وكأنه نائم، فجلس بهدوء على الكرسي المجاور، متجنبًا إصدار أي صوت حتى لا يزعجه.
لكن، على عكس توقعه، تحدث وسام فجأة، دون أن يفتح عينيه، بصوت خافت لكنه يحمل وضوحًا قاطعًا:
-لماذا أتيت؟
التفت جاد إليه بدهشة، غير متوقع استيقاظه، ثم رمش للحظة وكأنه يحاول استيعاب الموقف، قبل أن يرد بهدوء:
-هل كنت مستيقظًا طوال هذا الوقت؟
مرر وسام يده على وجهه، ضاغطًا على جبينه بتعب، ثم أجاب بصوت منخفض:
-نعم... أنت تعلم جيدًا أنني أصبحت حساسًا تجاه أي حركة حولي.
ثم أضاف بسخرية:
-وبالطبع سأستيقظ من ضجيجك المزعج.
عبس جاد للحظات، ثم نظر إلى هاتفه، يتصفح سجل المكالمات حتى وصل إلى رقم مألوف، ثم قال بنبرة هادئة تحمل في طياتها معنى أعمق:
-أصبحتَ حساسًا منذ أن دخلت إلى وكر الثعابين ذاك...
توقف للحظات، منتظرًا رد وسام، لكنه لم يتلقَّ أي إجابة. زفر جاد بهدوء، ثم تابع، مشيرًا إلى شاشة هاتفه:
-انظر... والدك قد اتصل بي مجددًا.
عند سماع تلك الكلمات، التفت وسام نحوه أخيرًا، لكن ملامحه ظلت جامدة، لا تعكس أي مشاعر واضحة. واصل جاد حديثه، متسائلًا بصوت منخفض لكنه حازم:
-هل ستظل تتجاهله حتى يشيب شعره؟
ضحك وسام بسخرية خفيفة، ثم أعاد قدميه إلى الطاولة التي أمامه، وقال بنبرة لا تخلو من لامبالاة:
-لديه ابن آخر، فلماذا عليه أن يرهق نفسه بي؟
تنهد جاد، وكأنه توقع هذا الرد، لكنه لم يمهله الوقت للمتابعة، إذ قاطعه دخول عمه برفقة إياس وزيد، اللذين كانا في الحديقة قبل قليل. جلس العم على أقرب مقعد، ثم وجه حديثه مباشرة إلى وسام بنبرة جادة:
-هل ستستمر في تجاهل والدك؟
رمقه وسام بنظرة ممتعضة، لكن عمه لم يعر ذلك اهتمامًا وأكمل بصوت صارم:
-لا أطرح هذا السؤال كي تحدق بي بهذه الطريقة، بل أريد إجابة واضحة وصريحة.
ساد الصمت للحظات، وبدت التوترات تتصاعد في الأجواء، لكن وسام لم ينطق بكلمة واحدة. فتح عمه فمه ليواصل الحديث، إلا أنه توقف فور سماع طرق على الباب. أذن للطارق بالدخول، فدخلت مارية برفقة فتاة ذات شعر أشقر لولبي وعينين زرقاوين واسعتين.
وما إن رأت الفتاة عمها حتى اندفعت نحوه بحماس، واحتضنته قائلة بفرح طفولي:
-عمي! أين كنت؟ لقد اشتقت إليك كثيرًا!
ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه العم، وربت على رأسها بحنان، قائلًا بنبرة ودودة:
-كنت أبحث عن شخص مهم.
ساد الصمت للحظات، كما لو أن الجميع استشعر شيئًا ما في كلماته. لكن إياس قرر كسر الأجواء فجأة بجملة غير متوقعة:
-بالمناسبة، لقد فكرت في الزواج.
التفتت جميع الأنظار إليه بدهشة، باستثناء وسام ووالده اللذين ظلا على حالهما، كما لو أن الأمر لم يكن يعنيهما. أما نورا، فقد فتحت فمها بدهشة مصطنعة قبل أن تتحدث بسخرية واضحة:
-ومن هي صاحبة الحظ هذه؟ أخبرني باسمها كي أدعو لها بالصبر والتحمل!
تفلتت ضحكة مكتومة من زيد، بينما رمقها إياس بنظرة متوعدة، ثم قلد تعبيرها مستهزئًا. في هذه الأثناء، نظرت مارية إلى نورا للحظة، ثم زفرت بنفاد صبر، فيما تابعت الأخيرة سخريتها:
-هيا، أخبرني! أريد أن أرسل لها رسالة تعزية مسبقة!
نظرت إليه نظرة مشاكسة، مستمتعة بإغاظته، لكن العم قاطع ضحكاتهم بنبرة عتاب، وهو يوجه حديثه إلى -صاحبة الخدود المتوردة- كما كان يناديها دائمًا بسبب احمرار خديها عندما تتحمس أو تنزعج:
-بالمناسبة، نورا... أنتِ تكبرين الآن.
تجمدت في مكانها فور أن فهمت مغزى كلماته، مشيرة إلى ضرورة أن تصبح أكثر اتزانًا في حضور الآخرين. احمر وجهها خجلًا، بينما أمسكت مارية بمعصمها بلطف، مجبرة إياها على الجلوس بجوارها حتى تكف عن المشاكسة.
في هذه اللحظات، كان وسام يرمق عمه بنظرة غاضبة، لكن العم لم يتأثر، بل اكتفى بابتسامة هادئة. لاحظ إياس هذا التواصل البصري المشحون، فازداد فضوله، فسأل مباشرة:
-أبي، أخبرنا... عن ماذا كنت تبحث؟
أما جاد وزيد، فقد كانا يتبادلان حديثًا جانبيًا، غير مدركين لما يحدث، لكنهما توقفا فور سماعهما السؤال.
تنهد والده بعمق، وقد بدا الحزن يتسلل إلى صوته وهو يجيب:
-ليس الآن، يا بني.
ثم نهض متجهًا نحو الباب، وقبل أن يغادر، التفت إلى مارية ونورا، اللتين استقامتا استعدادًا لمغادرتهما معه، وقال بنبرة جادة:
-تعالا، أيتها المشاكستان... لدينا حديث مهم.
تبادل الجميع النظرات بينما غادر الثلاثة معًا. وما إن أُغلق الباب خلفهم، حتى استلقى جاد بتعب على الأريكة، واضعًا ذراعه على وجهه، ثم تمتم بتفكير:
-يا شباب... أتظنون أنه يحيك أمرًا ما؟
نظر إياس وزيد إلى بعضهما البعض للحظة، ثم انفجرا ضاحكين. تحدث إياس مازحًا:
-والدي لا يجيد الحيل، طيبته تغلب على شره.
-لكنه ليس أحمقًا كما يظنون.
جاء صوت وسام ساخرًا وهو يمد يده ليأخذ هاتف جاد. همّ الأخير بالكلام، لكنه توقف عندما التقت عيناه بنظرة وسام الحادة، فآثر الصمت، متراجعًا عن أي محاولة دفاع. لاحظ زيد ذلك، فضحك بخفوت، ما أثار فضول إياس، الذي استدار نحوه متسائلًا عن سبب ضحكه.
أما وسام، فقد فتح إحدى الرسائل في الهاتف وقرأها بصوت عميق:
"أخبر ويلي بأن يتجهز، فربما سيبدأون شيئًا ما."
رفع حاجبه متسائلًا:
-هل هذا كل ما أرسلته؟
ثم ألقى الهاتف بلا مبالاة على معدة جاد، الذي تأوه متألمًا، معتدلًا في جلسته، قبل أن يرمقه بنظرة غاضبة وهو يرد باستياء:
-كن لطيفًا مع الهاتف، فهو تذكار من شخص عزيز عليّ.
حدّق وسام به للحظات، وكأن نظراته تحاول استكشاف ما يخفيه، مما جعل جاد يهدأ قليلًا، ثم أجاب بصوت خافت متردد:
-نعم... هذا كل ما أرسلته.
وقف وسام باستقامة، ثم تقدم نحو الباب واضعًا يده على المقبض، وقال تزامنًا مع فتحه:
-إذن، تجهزوا... فنحن لا نعلم ما الذي يخططون له.
أوشك على المغادرة، لكنه توقف عندما ناداه جاد فجأة:
-آه، تذكرت شيئًا.
التفت الجميع نحوه بانتباه، حتى وسام استدار بجسده، فتابع جاد بإيجاز:
-والدك طلب مني ألا تقحم نفسك مع تلك العصابة.
حدّق وسام به للحظات، ثم أجاب بهدوء:
-كما قلت، تجهزوا.
وغادر، تاركًا خلفه جوًا مشحونًا بالتوتر. تنهد إياس بتعب وهو يتمتم:
-ألن ينتهي هذا الأمر يومًا؟
تبادل زيد وجاد النظرات، قبل أن يرد الأخير بسخرية وهو ينهض من مكانه:
-نحن نتحدث عن ابن عمك...
قاطعه زيد، وهو يرفع الوسادة عن حجره وينهض هو الآخر:
-إن سمعك، لن يمرر هذا الأمر مرور الكرام.
ابتسم جاد بثقة، وأجاب بلهجة هادئة مستهترة:
-هذا إن وصل الحديث إلى مسامعه.
اقترب إياس منهما قائلًا بقلق:
-لا تنسَ أن الجدران لها آذان.
رمقه زيد للحظة قبل أن يرد بنبرة ساخرة:
-أحيانًا أشعر أنني فقدت عقلي في مكان ما عندما أجلس معكما.
رفع جاد حاجبه مستنكرًا، مستعدًا للرد، لكن زيد لم يمنحه الفرصة، إذ استدار مبتعدًا متجهًا نحو وجهته، تاركًا جاد وإياس يتبادلان النظرات قبل أن يقررا الانصراف بدورهما.
---
أَقْبَلَ الليل سريعًا، تمامًا كما تمنّت ورد، هادئةً في نفسها كأن الظلام كان حليفها الوحيد. كانت قد خططت لكل شيء بعناية، والآن... حان الوقت لتنفيذ ما عزمت عليه.
انتظرت بصبرٍ حتى تأكدت من خروج ليو من المنزل، ثم استغلت لحظة نوم فادي لتسلل إلى الغرفة على أطراف أصابعها، تخطو بحذر كأن الأرض زجاجٌ قد ينكسر بأقل صوت.
دخلت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها دون أن تنفث كلمة واحدة.
تقدّمت نحو المنضدة الليلية، حيث كان هاتفه مستلقٍ فوقها ككنزٍ غير محروس. مدّت يدها ببطء، التقطته بيدٍ مرتعشة، ثم بدأت تحاول فتح الهاتف، وهي تهمس لنفسها بخفوت:
-سامحني على التطفّل... لكنك أجبرتني على ذلك.
لكن ما إن فتحت الهاتف حتى تجمدت في مكانها، أصابها الذهول وخيبة الأمل، وسرعان ما غمرها شعور بالخجل مما فعلته. وقفت متيبّسةً، مذهولة، إلى أن باغتها صوت فادي، الذي أضاء المصباح الجانبي فجأة وهو يقول بلهجة ساخرة:
-ما زال أمامك الكثير لِتُجَارِيني فيه.
اهتز جسدها من المفاجأة، لكنها سرعان ما استدارت نحوه، وهو ينظر إليها بنظرة خليطة بين السخرية والحزن.
تنفست ورد عميقًا، وأعادت الهاتف إلى مكانه ببطء، ثم التفت إليه بنبرةٍ لا تخلو من آثار الاستنزاف:
-إذن... أخبرني، فادي. ماذا تخفي عني؟
رفع فادي نفسه ببطء، اعتدل في جلسته، وأخذ نفسًا عميقًا، بينما دارت الكلمات في ذهنه بصمت:
[إذا أخبرتها الآن، ستصرخ، ويستيقظ الجميع، وسنمضي الليل في شجار لا نهاية له...]
ثم نظر إليها، مُظهرًا على وجهه إرهاقًا مصطنعًا، وتثاءب محاولًا الهروب:
-ورد، هل يمكننا تأجيل هذا الحديث للصباح؟ أشعر بنعاس شديد... من فضلك.
حدّقت فيه طويلًا، بنظرة ثابتة كأنها تحاول اختراق الجدار الذي بناه بينهما. أخيرًا، استسلمت للواقع، وقالت ببرود لا يحمل سوى الضيق:
-حسنًا.
دون أن تضيف كلمة أخرى، استدارت وخرجت من الغرفة بهدوء، تاركةً خلفها جوًا باردًا كنسمة شتوية مفاجئة، تسلّلت إلى جسد فادي كقشعريرة عابرة، لم يرافقها سوى وخزة ندم لم يتمكن من تجاهلها.
تمتم لنفسه بعد لحظة من التفكير العميق:
-سأخبرها غدًا... وليحدث ما يحدث.
في تلك الأثناء، وصلت ورد إلى غرفتها. انزلقت تحت الغطاء الدافيء، وارتدت طاقيةً صوفية أحاطت رأسها بها، كأنها تبحث عن ملاذٍ من البرد أو من العالم.
تمدّدت على سريرها، لكن النومَ كان بعيدًا عنها.
عيناها التفتتا إلى رغد، التي كانت مستلقية على ظهرها، تحدّق بالسقف في صمت، بينما تسابقت دمعة متمردة على وجنتها.
مرّ صمت قصير، قبل أن تهمس الأخيرة، ودمعة تنساب بهدوء على وجنتها:
-البعد والغياب أشد قسوة من الموت... أتمنى أن يكون بخير.
نظرت ورد إلى الساعة، ثم همّت بالنهوض، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت وقع أقدام خفيفة تقترب من الباب. أغمضت عينيها بسرعة، متظاهرة بالنوم، بينما فُتح الباب بلطف، لتطل منه ساكورا، تتفقد الغرفة بنظراتٍ حانية.
وقفت عند المدخل للحظات، تتأمل وجهيهما في ضوء الخافت، ثم ابتسمت بحنان رقيق، وكأنها ترسم لوحةً من الذاكرة.
بعد ذلك، سحبت نفسها بصمت، وانسحبت إلى المطبخ لتحضر لنفسها فنجان قهوة، عازمةً على العمل لبقية الليل.
أما رغد، فقد نهضت بعد مغادرتها، وتوجهت بصمت إلى المرحاض المجاور لغرفة ساكورا. توضأت بخشوع، ثم افترشت سجادتها، باحثةً عن سكينةٍ في صلاتها، وسط عاصفة من الشكوك والألم.
في الصالة المُضاءة بنور المصباح الخافت، كانت ساكورا منشغلة بعملها، تتصفح الأوراق بعينين متعبتين، بينما تتسرب إلى وجهها آثار السهر. خلفها، انكسر صمت الليل بصوت خطوات مايكل الذي كان يحمل زجاجة ماء، وكأنه لم يمضِ سوى ثوانٍ على وجوده في المطبخ.
اقترب منها بهدوء، نظر إليها بنظرة مزيج بين الاهتمام والود، ثم قال بنبرة خفيفة، كعادته حين يحاول رسم ابتسامة على وجهها:
-لا ينبغي للجميلات أن يسهرن... اذهبي للراحة، وأكملي عملكِ صباحًا.
رفعت عينيها إليه مبتسمة بامتنان، لكنها لم تترك مكانها. بعد لحظات، حملت فنجان القهوة بين يديها، ونهضت نحو النافذة. حدقت في السائل الداكن داخل الفنجان، وكأنه يحمل إجابات لا تجد لها حلًّا، ثم همست بصوت خافت وكأنها تحدث نفسها:
- لا أستطيع النوم... أريد إنهاء هذا العمل بأسرع وقت.
مرَّر مايكل يده على وجهه، وقد بدا عليه التعب، ثم قال وهو يتجه إلى غرفته:
ـ حسنًا، سننهي كل شيء معًا... لكن الآن، اخلدي إلى النوم.
راقبته ساكورا وهو يبتعد، حتى اختفى في ممر الغرفة، ثم رفعت نظرها إلى السماء الملبدة بالغيوم، حيث تلألأت النجوم خلف ستارة الليل الكثيفة. في تلك اللحظة، عادت إلى ذهنها الرسالة التي قرأتها على هاتف لورا:
"اقتلي الفتاة المدعوة ورد... لتنقذي شقيقكِ."
شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها، لكنها تمتمت بحزم، كأنها تتحدى تهديدًا غير مرئي:
- لن أفعل ذلك... بل سأحميها، مهما كلفني الأمر، حتى لو كان الثمن حياتي.
أطلقت تنهيدة طويلة، كأنها تحمل كل ثقل المشاعر المتأججة داخلها، ثم غسلت فنجانها، وغادرت إلى غرفتها، متمنية أن يكون الغد أكثر وضوحًا من هذه الليلة الحالكة، المليئة بالشكوك والعتمة.
في ذلك الوقت، أنهى الجميع صلاتهم، وعاد كل منهم إلى روتينه الصباحي. توجه فادي إلى المطبخ ليعدّ القهوة، بينما عادت ورد ورغد إلى النوم قليلًا.
*****
كان الجو باردًا، والأمطار تهطل بغزارة، تترافق مع رياح عاتية تضرب النوافذ بعنف، كأنها تحاول اقتلاع الأمان من جذوره. وفي عمق الليل، شقّ صمت الأجواء نداءٌ مرير، يصدح باسم شخص مجهول، كأنه يبحث عن روح تائهة في دائرة لا نهاية لها.
بعد عدة صرخات يائسة، انهارت فتاة على ركبتيها، تلهث بخوف، ثم صاحت بصوت مرتجف، ممزوج بالقلق:
- ليست هنا! إنها ليست هنا!
لكن قبل أن تستوعب الموقف، تلاشى العالم من حولها فجأة، وتغير المشهد بسرعة مذهلة. وجدت نفسها وسط بحر من الدماء، تحيط بها جثث مشوهة، قُتل أصحابها بوحشية لا توصف. كان الهواء ملوثًا برائحة الحديد، والمكان يعج بالهمسات المريبة، تتردد في المكان، كأن الأرواح الهائمة تلاحقها، فانهارت باكية، جاثية على ركبتيها، وضعت يديها على أذنيها، محاولة حجب تلك الأصوات التي تتسلل إلى عقلها، ممزقة كيانها.
- كان يجب أن تموتي... أنتِ السبب...
- فلتموتي يا ورد...
- وجودكِ مصيبة لمن حولك... أنتِ سبب موتنا جميعًا... أنتِ سبب موت والدتكِ...
تسارعت أنفاسها، واشتد الألم داخلها، وكأن الكلمات تتحول إلى سكاكين مسمومة تنهش قلبها. شهقت، ثم صرخت بكل ما أوتيت من قوة، محاولة تمزيق الحصار الذي فرضه عليها ذلك الصوت القاسي:
- يكفي! أرجوكِ!
*****
استيقظت ورد بفزع، جسدها يتصبب عرقًا، وعيناها غارقتان بالدموع. كانت أنفاسها لاهثة، وكأنها لا تزال تركض في ذلك الكابوس المريع. همست بصوت مرتجف:
- أين هي؟
ثم أدركت ما حدث، فتمتمت بارتياح مشوب بالخوف:
- كان كابوسًا...
ضمّت قدميها إلى صدرها، وأخفضت رأسها بين ركبتيها، محاولة كتم بكائها. بقيت على هذا الحال لبعض الوقت، حتى بدأت أنفاسها تهدأ. أخيرًا، رفعت رأسها، وألقت نظرة على النافذة، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل إلى الغرفة، تلقي دفئها على الأثاث البارد. التفتت إلى جانبها، فوجدت صديقتها رغد غارقة في النوم، أنفاسها هادئة ومسترسلة.
عادت إليها مشاهد الكابوس مجددًا، فغمرها شعور غريب بالحاجة إلى الاطمئنان. نهضت بهدوء من سريرها، واتجهت نحو صديقتها، ثم جلست على الأرض بجوارها، تحدّق في ملامحها الهادئة. دون وعي، مدّت يدها ومسحت على شعرها برفق، كأنها تتشبث بهذه اللحظة التي تشعرها بالأمان.
استسلمت للنوم من جديد، يدها ممسكة بيدها، كأنها تؤكد لنفسها أنها ليست وحيدة.
بعد وقت طويل، شعرت رغد بشيء يقيّد حركتها، ففتحت عينيها بتثاقل، ثم نظرت إلى الأسفل بدهشة. وجدت ورد نائمة، ممسكة بيدها بإحكام، وكأنها تخشى أن تتركها.
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها، بينما استعاد عقلها جزءًا من ذكريات الماضي... ذكريات حملت معها مشاعر لم تُمحَ بمرور الزمن.
Flach back || الاسترجاع الماضي
في غرفة غارقة في الظلام، جلست فتاة تحتضن قدميها إلى صدرها، وقد دفنت وجهها بين ركبتيها، بينما كانت أنفاسها المتقطعة تملأ السكون المطبق حولها.
كان المكان موحشًا، لا يُسمع فيه سوى صدى تنفسها المرتعش، وكأن العالم كله قد اختفى خلف جدران هذه العتمة القاسية.
فجأة، فُتِحَ بابُ الغرفة، فتَدفَّقتْ منه إضاءةٌ قوية، أَلْقَتْ بظِلِّ شخصٍ يقف عند المدخل.
التقط أنفاسه بهدوء، ثم همس لأحدهم بكلماتٍ لم تسمعها.
أغمضت عينيها للحظات، تحاول التأقلم مع الضوء المباغت، ثم رفعت رأسها ببطء، منتبهةً إلى الشخص الذي بدأ يتقدم نحوها.
ارتجف جسدها، وحاولت الابتعاد إلى الخلف، لكنها توقّفت حين سمعت صوتًا دافئًا لطيفًا، كحبل نجاةٍ يمتدّ إليها وسط بحرٍ من الخوف.
كان الصوتُ من ذلك الشخص، وهو يمدُّ يده نحوها، فبدت ملامحه في الضوء، مصحوبةً بابتسامةٍ مطمئنة:
- لا تخافي، لقد أتيتُ لإنقاذك.
نظرت إلى يده الممدودة أمامها بتردُّد، بين الشكّ والأمل.
للحظة، بدا الأمر كأنه فخٌّ آخر، لكن شيئًا ما في عينيه جعلها تشعر بطمأنينة غريبة.
وبعد تردُّد دام ثوانٍ طويلة، مدّت يدها ببطء، فالتقت بكفِّه الدافئ.
بمجرد أن تشبَّثت به، شدَّها برفق، ثم بدأ يركض، يجرُّها خلفه بعيدًا عن القبو الموحش، حيث احتبست كوابيسها طويلًا.
بينما كانا يركضان تحت السماء الرمادية، رأت فتاةً تشير إليهما أن يركضا ناحيتها، فانفلتت ضحكةٌ خفيفة من الفتاة التي أنقذتها.
لم تكن ضحكة سخريةٍ ولا تهكُّم، بل كانت ضحكةً خالصة، بريئة، مليئةً بسعادةٍ لا سبب لها.
توقَّفت الفتاة الأخرى فجأة، محدِّقةً بها باستغراب.
كيف تضحك الآن؟ في هذا الوضع؟
لم تستطع كبح فضولها، ففتحت فمها تسأل بتطفل:
- من أنتِ؟
ابتسمت الفتاة الضاحكة بحيوية، كأن في قلبها ربيعًا دائمًا، ثم أجابت بين ابتسامتها الظريفة:
- صديقة.
كرّرت الفتاة الأخرى الكلمة بصوتٍ متلعثِم، كأنها غريبةٌ على مسامعها:
- ما معنى... صديقة؟
توقَّفت ورد للحظة، ثم جلست على الأرض، ووضعت سبابتَها على جبهتها، تحاول التفكير في إجابة مناسبة.
أثار ذلك استغراب الفتاة الأخرى، التي كانت تسير نحْوَهما، فتقَدَّمت إليهما.
بعد لحظات، رفعت ورد رأسها بحماس وقالت:
- آه! الصديق هو من يكون معك في الأوقات المخيفة، من يرسم الابتسامة على وجهك، ومن يجعلك تضحكين في لحظات حزنك. أتعلمين؟ لديَّ صديقٌ يفعل كل هذا... إنه أخي!
ثم تابعت، وقد ارتسمت على ملامحها ابتسامةٌ دافئة، وهي تنظر إلى من جلست بجانبها، وكأنها تستعيد ذكرى عزيزة على قلبها:
-ولديَّ أيضًا أختي، وابتسام التي تلعب معي، وسارة وأميرة... والفتاة المغرورة التي تسكن بجانبنا! إنها تلعب معي، لكن... سأخبرك بسر.
خفضت صوتها، وهمست بجديةٍ طفولية:
- لا أعتبرها صديقة.
ثم عادت إلى وضعها السابق، وقد علا وجهها نظرة استياء، كأنها تفكّر بعمق، فضحكت الفتاتان: إحداهما من براءة أختها، والأخرى ببراءةٍ نقية، كأنها تذوق طعم الفرح لأول مرة منذ زمن بعيد.
عادت ورد لتُكمِل حديثها:
- لكن في النهاية، ربما تُعدُّ صديقةً أيضًا، لأنها تلعب معي!
كان تفسيرها بسيطًا، مستمدًّا من تجربتها اليومية البريئة.
تأمّلت الفتاة الأخرى كلامها قليلًا، كأنها تحاول فهمه، ثم تمتمت ببطء، كأنها تكتشف أمرًا لم تفكّر فيه من قبل:
- إذن... أخي صديقي؟
- بالطبع!
أجابتها ورد بحماس.
وأومأت ثالثتهم، ففكّرت الفتاة الأخرى قليلًا، مستعرضةً ما يفعله شقيقها من أجلها، وهمست وكأنها تكتشف شيئًا جديدًا:
- أخي... هو عائلتي الجميلة، لأنه يحبني.
أومأت ورد مؤيِّدة، ثم نهضت فجأة، ومدّت يدها بابتسامةٍ مشاغبةٍ:
- إذن، بما أنني أنقذتك، فأنا الآن صديقتك رسميًّا! اسمي ورد.
ثم أشارت إلى من بجانبها، التي نهضت بهدوء:
- وهذه حور.
تردَّدت رغد للحظة، لكنها شعرت بسعادةٍ غامرةٍ لم تختبرها من قبل.
فمدّت يدها بخجل، وهمست بابتسامةٍ صغيرة:
- وأنا رغد.
فجأة، هطل المطر بغزارة، يقرع الأسطح والنوافذ كمعزوفةٍ خفية.
التفتت ورد نحو رغد، قائلةً بحماسٍ وهي تقفز بخفة:
- علينا أن نذهب إلى مكانٍ سرّيّ لا يعرفه أحدٌ من عائلتي سوانا وأخي! سنبقى هناك حتى يتوقّف المطر.
لم يُمهِلاها فرصة للاعتراض. أمسكتا بيدها وجرّتاها معهما، متجهتين نحو مخبأٍ صغيرٍ كان مخفيًّا بين الأشجار خلف المنزل.
عندما وصلن، أخرجت حور مصباحًا صغيرًا، وأضاءت المكان، فانكشف عن فراشٍ بسيطٍ، وبعض الأغطية التي وضعتها هي وأخوها عندما كانا يختبئان فيه أثناء مغامراتهما الصغيرة.
قالت بجدية:
- لا تقلقي، هذا المكان آمنٌ تمامًا! اكتشفناه منذ زمن. اجلسي هنا، لا تخافي... لا يوجد مصاصو دماء!
رفعت رغد حاجبيها بتعجُّب:
- مصاصو دماء؟
أجابت ورد بجديةٍ طفولية، وأومأت حور وهي تجلس:
- أجل! الأشرار الذين حبَسوكِ... إنهم مصاصو دماء.
عندما سمعت رغد تلك الكلمات، ضغطت على يديها من الخوف.
لكن ورد أمسكت يدها بدفء، وتحدّثت بلطف:
- لا تخافي، سنحميكِ دائمًا منهم.
نظرت إليهما رغد بعينين واسعتين، ثم ابتسمت. للمرة الأولى منذ وقتٍ طويل، وهي تشعر أن هذا الوعد البسيط يحمل في طيّاته أمانًا لم تعهده من قبل.
End flach back || الإنتهاء من الماضي
حدّقت رغد بصديقتها للحظات، بينما عادت بها الذكريات إلى الماضي. خفق قلبها بشدة وهي تتذكر كم كانت ورد دائمًا إلى جانبها، تواسيها وتخفف عنها. ببطء، رفعت يدها السليمة ومسحت على شعرها برفق، قبل أن تهمس بكلمات صادقة، محملة بكل المشاعر التي تعتمل في صدرها:
-سأفديكِ بدمائي، ما دمتُ بجانبكِ.
استيقظت ورد ببطء، فرفعت يدها لتفرك عينيها بتعبٍ شديد، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى رغد بابتسامة مشاغبة، وكأنها تحاول طمأنتها رغم التعب الذي يثقل ملامحها. ثم ردّت مازحة، محاولة كسر الجدية التي خيّمت على الجو:
-لن أسمح لكِ بأن تنزفي من أجلي!
رغد لم تضحك، بل حدّقت بها بقلق وسألتها مباشرة، وكأنها تشعر بأن وراء هذه المزحة شيئًا أعمق:
-هل راودكِ ذلك الحلم مجددًا؟
لم تجب ورد مباشرة، بل تجنّبت نظرتها للحظة، ثم أومأت برأسها ببطء. كانت تتذكر تفاصيل الكابوس جيدًا: ذلك الظلام الذي كان يطاردها، وتلك المشاعر التي استيقظت معها وهي تلهث من الخوف. شعرت بيد رغد تقترب، فشدّت عليها بقوة، كأنها تبحث عن طمأنينة في وجودها بجانبها.
رغد، التي شعرت بمدى تأثير الحلم على صديقتها، أوشكت على التحدث لطمأنتها، لكن فجأة، فُتح الباب بقوة، ليُقطَع حديثهما بصوت ساكورا التي دخلت قائلة بحزم:
-هيا، استيقظا أيتها الكسولتان!
رغد، التي شعرت بمدى تأثير الحلم على صديقتها، أوشكت أن تتحدث لطمأنتها، لكن فجأة، فُتح الباب بقوة، فانقطع حديثهما بصوت ساكورا التي دخلت قائلة بحزم:
-هيا، استيقظا أيتها الكسولتان!
فاجأهما دخولها المفاجئ، فاندستا تحت الغطاء بسرعة، وكأنهما تحاولان التهرب من الواقع ولو للحظات. ضحكت ساكورا بخفة وهي تخرج من الغرفة متجهة إلى المطبخ، بينما تبادلت ورد ورغد نظرات مليئة بالمرح، قبل أن تنفجرا ضحكًا وتنهضا أخيرًا من السرير لتساعداها.
كان الصباح نشيطًا، تملأه أصوات الأطباق المتقاربة، ورائحة القهوة الساخنة والخبز المحمص. نهض مايكل من كرسيه بحركة بطيئة، واتجه نحو الثلاجة. أخرج قارورة ماء، وشرب رشفة طويلة قبل أن يلتفت إلى ورد ورغد، وجهه يحمل بعض الفضول:
-هل أخبركما...؟
لكنه لم يكمل جملته، إذ أن فادي، الذي كان يجلس في زاوية الطاولة بصمت، قاطعه بحركة مفاجئة. تقدم نحوه، والعينان تحملان نظرة حادة، ليست مجرد نظرة إنذار، بل سلطة. صوته انخفض إلى حدٍ يكاد يُسمع فقط للمقربين، لكنه كان قاطعًا:
-اصمت.
ارتفع صدر مايكل بنَفَس مختنق، لم يكتمل. لم يرتفع صوته، ولم يرفع حاجبيه، فقط أبقاهما مفتوحتين، ناظرًا إلى فادي كما ينظر ضابط الشرطة إلى موقف غير متوقع. لم يكن خائفًا، ولا متوترًا، لكنه شعر بالدهشة.
فابتلع ما تبقى في فمه بصمت، ووضع القارورة ببطء على الطاولة، كأنه يُعيد تنظيم أفكاره قطعة قطعة.
لكن قبل أن يعود الهدوء إلى المكان، تعالت ضحكة ليو من خلفه ساخرة، لكنها ممزوجة بلمسة من المرح:
-رأيت وجهك، مايكل... هل خنقت بالماء؟
تقلصت ملامح مايكل للحظة، لكنه لم يرد. لم يكن ليُعطي فادي سببًا للمزيد من التوبيخ، ولا ليُظهر ضعفًا أمام من يعرفونه جيدًا. فتظاهر بالهدوء، ورسم ابتسامة خفيفة، مائلة إلى المكر. ثم، بحركة سريعة غير متوقعة، مد يده وسكب قطراتٍ من الماء على كتف ليو، كرد بسيط على استفزازه:
-ابتلع ضحكك، أيها المُضحك.
الجو تغير مجددًا، لكن هذه المرة بانفراجة خفيفة، كأن الرياح استنشقت زفيرًا طويلًا بعد توقفٍ مُجهد.
وانفجر الجميع ضاحكين، حتى فادي لم يُخفِ ابتسامته التي تسللت إلى زاوية فمه. لكن أكينا، التي لم تشاركهم في ذلك، أطلقت تنهيدة طويلة، كأنها تُفرغ كل التوتر الذي جمعته داخلها. ثم، دون أن تنتظر رد فعل، قامت من مكانها قائلة بنبرة متضجرة:
-أشعر بأنني أعيش مع مجموعة من الأطفال.
رفعت ورد حاجبيها بدهشة، قبل أن تميل برأسها قليلًا نحو رغد، ثم علّقت بنبرة ساخرة، متعمدة أن تُسمعها:
-انظروا من يتحدث عن التصرفات الطفولية!
ضحك الجميع مدركين تلميحها، بينما اكتفت أكينا بإطلاق تنهيدة أخرى، وكأنها فضّلت تجاهل الرد.
بعد لحظات، هدأ الجو قليلًا. رفع مايكل القارورة من جديد، وشرب رشفة طويلة من الماء البارد بلا اكتراث، كأنه في يوم صيفي مشمس، وليس في قلب فصل الشتاء.
راقبته أكينا من الطرف الآخر للطاولة عندما انتقلت من مكانها، عيناها تنتقلان بين وجهه والقارورة التي تلامس شفتيه. لم تُخفِ دهشتها، فانكمشت قليلاً داخل سترتها الدافئة، كأنها تشعر بالبرد نيابة عنه.
-كيف...؟
بدأت بصوت هادئ، لكنها توقفت للحظة، ثم أكملت بنبرة لا تخلو من انفعال:
-كيف تستطيع شرب ذلك الآن؟ في هذا الجو؟
قهقهت ساكورا للحظة، كأنها تتذكر ردة فعلها نفسها في الماضي حين رأته يفعل الشيء ذاته. أما مايكل، فابتلع الماء أولًا، ثم ابتسم بخفة، وهو يضع القارورة جانبًا:
-الماء لا يعرف فصولًا، أكينا. هو فقط يروي العطش.
لم تجب، لكن نظرتها ظلت تحمل سؤالًا صامتًا، كأنها ترى فيه شيئًا لا تفهمه، شيئًا بين الغرابة والثقة، كأنه يختار أن يسير عكس التيار.
أما فادي، فكان يجلس أمام ورد ورغد، وقد بدا أكثر جدية من ذي قبل. أطلق تنهيدة طويلة، كأنه يزن كلماته بعناية، ثم قال بنبرة حازمة لا تحتمل النقاش:
-ورد، رغد... لقد سجلتكما في مدرسة جديدة. ستبدآن الدراسة فيها ابتداءً من بعد الأسبوعين المقبلين.
ساد الصمت لثوانٍ معدودة. ثم تبادلت الفتاتان نظراتٍ مختلطة بين الدهشة والارتباك، قبل أن تصدح معًا بصوت واحد، كأنهما نغمة واحدة خرجت عن الإيقاع:
-ماذا؟!...يتبع
《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما