حدث كارثي

حدث كارثي

14 0

《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》

《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》

نبدأ بسم الله...

___________

تحت سقفٍ واحد، ضحكةٌ عابثة تداري رداءً ملطخًا، وصمتٌ ينوحُ فوق مرآة محطمة. هناك مَن كسر الزجاج ذعرًا من صرصور، ومَن انكسر قلبه فجيعةً من رحيل.

الجميع يرتدي الطحين هنا؛ بعضهم يغطي ثيابه بجهل، وآخرون يطلون به ملامحهم ليواروا وجعًا لا يرحم. والليل في هذا البيت ليس للنوم، بل ممرٌ لرسائل غامضة وأرواحٍ تلملم شتاتها قبل بزوغ الضوء.

في الوقت الذي كانت فيه ساكورا تغوص في تفاصيل قضية المخدرات الشائكة، أعلن جرس انتهاء الاستراحة افتراق الصديقتين؛ لتمضي كلٌ منهما إلى حصتها التالية. سارت ورد نحو قاعة التاريخ(305) وهي غارقة في صمتها، تشق طريقها وسط صخب الممرات بآلية، بجسدٍ يحضر بينما يغيب الذهن في دوامةٍ من الأفكار البعيدة. لم تسمع هالة الصخب المحيطة بها، ولم تلحظ نظراتهم حتى اخترق سكونها الداخلي صريرٌ حاد ومفاجئ لعجلاتٍ معدنية انحرفت من زاوية الممر بسرعةٍ جنونية.

لم تملك ورد رفاهية الوقت لتدرك ما يحدث؛ ففي جزءٍ من الثانية، اندفعت عربة محملة بأكياس الطحين، ربما أفلتتها يدُ عاملٍ مرتبك أو دفعها أحد الطلاب بتهورٍ مقصود. انقلب كيس ضخم منها ليرتطم بالأرض بقوة تحت قدميها، فتمزق وانفجر منه سحابٌ أبيض كثيف غلّف المكان في لحظة. تجمدت أنفاس ورد وهي تشعر بذرات الغبار الباردة تغزو رئتيها، محولةً رداءها الأسود إلى كسوةٍ غبارية بيضاء، وكأنها تمثالٌ من مرمرٍ وُضع فجأة في منتصف الزحام!

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تنفجر ضحكات الطلاب كشرارة في حقل قش، بينما وقف أمامها فتى يضحك بسخرية قائلًا بنبرة متعجرفة:

- هذا ما تستحقه بعدما تجرأت ووقفت أمامي.

لم تتحرك ورد، لم تصرخ، ولم تُظهر أي ردة فعل.. فقط خفضت رأسها، مخفيةً نظراتها المشتعلة تحت ذرات الطحين العالقة بأهدابها. لكن وسط ضجيج الضحك اخترق مسامعها صوته بوضوح... كان مألوفًا لدرجة مزعجة. خاطبتْ نفسها وهي تحاول مطابقة النبرة مع تفاصيل لقائهما الخاطف في بداية اليوم:

[لقد سمعتُ هذا الصوت من قبل!]

إلى أن انكشف لها الوجه المختبئ خلف الكلمات؛ رفعت رأسها ببطء، فتساقطت ذرات الطحين عن وجهها كالغبار الناعم، والتقت عيناها بعينيه مباشرة. للحظة.. بدا وكأن الفتى هو من ارتبك؛ إذ لمس بوضوح غضبًا دفينًا يتفجر من خلف ذلك القناع الأبيض الصامت. ابتلع ريقه بتوتر، ثم سألها متظاهرًا بالثقة:

- مَن أنت؟ ما اسمك؟

لم تُجبه بل مرّت بجانبه بهدوء وتجاهلٍ تام، وبينما تجاوزته همست ببضع كلماتٍ خافتة جعلت ابتسامة جانبية غامضة ترتسم على ثغرها، وتابعت سيرها تاركةً إياه متصنمًا في مكانه.

وفجأة، اخترق الرواق صوتٌ جوهري حازم:

- ما الذي يحدث هنا؟! تفرقوا فورًا إلى فصولكم!

كان أحد الأساتذة قد ظهر عند نهاية الممر، يرمق التجمع بنظرات صارمة. تجمدت الضحكات في الحناجر، وبدأ الطلاب بالانسحاب السريع خشية التعرض للعقوبة، بينما تظاهر الفتى بالانشغال بكتبه محاولًا إخفاء ارتباكه وهو يبتعد بخطواتٍ متعثرة. وفي غضون ثوانٍ فرغ الممر من الجميع، ولم يتبقَّ سوى بقايا الطحين المتناثرة على الرخام، وشبحُ فتاةٍ غادرت المكان تاركةً خلفها سؤالًا معلقًا في الهواء.

لم تكن وجهة ورد قاعة الدروس، بل كانت تبحث بعينين قلقين عن أي مخرج يقودها بعيدًا عن نظرات الفضول. انعطفت في ممرٍ فرعي، ثم سلكت طريقًا شبه مهجور وهي تسأل نفسها عن ذلك الدرج الذي سمعت الطلاب يهمسون بشأنه. وبعد عدة محاولات فاشلة وجدت بابًا خشبيًا قديمًا يواربُ خلفه درجاتٍ حجرية متآكلة. صعدت ورد الدرجات الحجرية وأنفاسها المتلاحقة تسبقها في ذلك الممر الضيق، حتى دفعته لتجد نفسها أمام أفقٍ رماديّ واسع.

ما إن وصلت ورد إلى السطح، حتى ألقت بجسدها تحت مظلةٍ خشبية قديمة كانت قد حمت تلك البقعة من مياه الأمطار؛ فاستلقت على الأرض الصلبة التي نجت من بلل الساعات الماضية.. ورغم أن الصعود إلى هنا يعد مخالفة صريحة للوائح، إلا أن القفل المكسور منذ أعوام كان بمثابة دعوة صامتة لكل من ينشد العزلة.

زفرت بضيق وهي تنظر للسماء، ثم رفعت يدها لتتلمس ذرات الطحين التي تسللت تحت حواف قلنسوتها لتستقر فوق خصلاتها الأمامية، وهمست بتهكمٍ ذاتي:

- يا إلهي! لقد اتسختُ بالكامل.. ماذا سأفعل الآن؟ حقًا إنني مغناطيسٌ للمشاكل، أو ربما مجرد هدف سهل لهواة الاستعراض.

لكن صدى ضحكة خافتة خلف إحدى خزانات المياه قاطع حبل أفكارها، فاعتدلت في جلستها بلمح البصر، واتجهت نظراتها فورًا نحو مصدر الصوت بحذر.

كانت هناك فتاة بملامح يابانية هادئة، وشعر أسود قصير يحيط بوجهها بصرامة، وعينين تضيقان بحدة توحي بأنها لا تكتفي بالرؤية بل تزن كل ما تقع عليه نظراتها بميزانٍ دقيق. كانت تتكئ على السور وتراقبها ببرود يخفي خلفه فضولًا مكتومًا، وذلك قبل أن تقول بنبرة جافة:

- بالطبع سيحدث ذلك؛ فالبطولة المجانية في ساحة المدرسة لها ثمن، وأنتِ دفعتِ ثمنها طحينًا هذه المرة.

لم ترتبك ورد بل رمقتها بنظرة فاحصة، وحللت وقفتها الهادئة قبل أن ترد بنبرة هادئة ولكن قاطعة:

- البطولة ليست في قاموسي، لكنّ الصمت عمّن يظنّ أنّ هذه الممرات ملكيةٌ خاصة هو غباء لا أحتمله. لذا، أرجو منكِ الكفّ عن تمثيل دور الحكيمة التي تراقب المشهد من علياء؛ فالموقف لا يتطلب توزيع الدروس بقدر ما يتطلب بعض الواقعية.

نظرت إليها الفتاة لبرهة وكأنها تُعيد تقييم ورد، ثم تنهدت بهدوء وهي تبتعد عن السور:

- أحيانًا تكون مراقبة الحريق من بعيد ذكاء، والقفز في وسطه لإنقاذ من لا يطلب العون سذاجة. لا تستهلكي نفسكِ في معارك لا تخصكِ.. أيتها الغريبة.

ثم استدارت ورحلت بخطوات موزونة، وقد ترك كلامها في الهواء رائحة تحذير لم يستنشقها أحد سواها.

بقيت ورد مكانها، لم تمر الكلمات مرور الكرام؛ فذكاؤها جعلها تدرك أن هذه الفتاة لم تكن تراقب الحادثة صدفة، بل ربما كانت تلمح لشيءٍ أكبر يتعلق بذلك الفتى.

نزلت الفتاة الدرج، مخترقة زحام الطلاب ببرود يثير الريبة. كانت تسير بحذر غريزي كأنها محاطة بحاجزٍ غير مرئي، تاركةً خلفها تساؤلًا وحيدًا في عقل ورد: [من تكون تلك الفتاة؟ ولماذا تبدو وكأنها تعرف قواعد هذه اللعبة أكثر مني؟]

ما إن وصلت الفتاة إلى قاعة الطعام، حتى تقدمت بخطواتها الهادئة وجلست على الكرسي المقابل لصديقتها. رفعت الأخيرة عينيها فورًا وسألتها بنبرة مستفسرة وهي تتفحص ملامحها الجامدة:

- أين كنتِ؟ لقد بحثتُ عنكِ في كل مكان.

أجابت الفتاة ببساطة كأن الأمر لا يستحق عناء الحديث، ومدّت يدها لتلتقط علبة الطعام الموضوعة أمامها:

- على السطح، كنتُ أستنشق بعض الهواء بعيدًا عن ضجيج الممرات.

أنهت جملتها قبل أن تأخذ لقمة وتمضغها ببطء، كأنها غير معنية بالتوتر الذي بدا على ملامح صديقتها التي كانت تدرك أن السطح ليس مجرد مكان للهواء بالنسبة لها.

أما الأخرى، فاكتفت بالنظر إليها بيأس، وهي تفكر بمرارة:

[هذه الفتاة... دائمًا ما تجد طريقها إلى حيث توجد المتاعب، حتى لو اكتفت بالمراقبة من بعيد.]

قبل قليل، افترقت رغد عن ورد عند مفترق الطرق المؤدي إلى الجناح (A)، وبينما كانت ورد تنسحب بذهولها نحو ممر مغاير لاتجاه فصلها، اتجهت رغد بخطوات واثقة نحو المبنى (B).. كان عليها أن تعبر الممر الزجاجي المعلّق، ذلك البرزخ الشفاف الذي يربط بين عالم المواد الأدبية وعالم العلوم الصارم.

​سارت رغد، وحذاؤها يقرع الأرض الرخامية بانتظام يتردد صداه في الممر الهادئ. من خلف الزجاج، لمحت طلابًا يضحكون في الفناء، وآخرين يسارعون للحاق بحصصهم، لكن شيئًا ما في زاوية عينها جعلها تتوقف فجأة!

على بُعد مسافة، وفي ممرٍ سفليّ يؤدي إلى الدرج الخلفي للمبنى (A)، لمحت هيئة مألوفة.. لكنها كانت غريبة. رأت ورد، أو ما يشبه ورد، وهي تمضي بخطوات متسرعة، يكسوها بياض غريب كأنها شُبحت في وضح النهار.

عبست رغد قليلًا وهي تتساءل في سرها: [إلى أين تذهب الآن؟ وما هذا الذي يغطي ثيابها؟]

انتبهت إلى إحدى الزميلات التي كانت تسير بجانبها، فسألتها بفضول وقلق مكتوم:

- عذرًا، إلى أين يؤدي ذلك الممر الذي سلكته تلك الفتاة؟

نظرت الفتاة إلى حيث تشير رغد، ثم أجابت بهدوء يمتزج بالسخرية:

- إنه يؤدي إلى السطح.. يذهب بعض الطلاب إلى هناك للنوم، أو للهروب من الحصص الرتيبة.

وقبل أن تُنهي كلامها، أطلقت ضحكة خفيفة متهكمة وأكملت طريقها.

تسمرت رغد مكانها لثوان.. ابتسمت لكنها كانت ابتسامة يائسة؛ فها هي ترى صديقتها تفعل ما يفعله المستهترون حقًّا، لكن الشك كان ينهش قلبها؛ ورد ليست من هذا النوع! هل بلغت بها الجرأة حد التهرب؟ وماذا لو عَلِمَ فادي بالأمر؟ ماذا سيحدث حينها؟

هزّت رأسها بقوة كأنها تطرد هذه الأفكار المزعجة من ذهنها:

- ليس الآن.

حدّثت نفسها، فلا يزال الوقت مبكرًا وتابعت سيرها دون أن تلحق بها؛ يجب أن ينقضي اليوم الدراسي أولًا، وحينها فقط.. ستعرف الحقيقة وتواجهها.

دخلت قاعة الرياضيات، ليستقبلها سكونٌ مطبق يشبه صمت المختبرات المعقمة قبل بدء التجارب الكبرى. كان البروفيسور رجلاً يفيض وقارًا يرتدي نظارة مستديرة تعكس الضوء بحدة، ويحمل صوتًا منخفضًا يمتلك بحة رخيمة يقف خلف مكتبه بجمود، يراقب الوجوه الجديدة التي انضمت لهذا الفصل بعد اجتيازها امتحان القبول الصارم قبل فترة.

بدأ بتوزيع جداول الحصص بآلية دقيقة، وهو يتحدث بنبرة هادئة لكنها تخترق الصمت:

- مرحبًا بكم في مطلع الفصل الدراسي الثاني، وأهلًا بالوجوه الجديدة التي استطاعت انتزاع مقاعدها في هذه المرحلة العليا.

ثم استدار نحو اللوحة الكبيرة، وأكمل وهو يفتح قلم الماركر الأسود:

- لن نبدد وقتنا اليوم في المعادلات التفاضلية أو تكاملات المساحات المنحنية؛ فتلك أدواتٌ ستمتلكونها لاحقًا إذا ما أثبتم جدارتكم بالبقاء هنا. لكننا سنبدأ بالبحث عن المنطق الذي يسيّر هذه الآلة الكونية.

خطّ على بياض اللوحة الكبيرة سؤالًا واحدًا اخترق هدوء القاعة:

«ما هي الرياضيات في العالم الحقيقي؟»

ثم استدار قائلًا بنبرة هادئة:

- أريد من كلٍّ منكم أن يكتب تعريفًا في دفتره. لا أبحث عن نصوصٍ محفوظة، بل عن رؤيةٍ تحليلية لما وراء الأرقام.

غرق الصف في صمتٍ عميق، ولم يُسمع إلا صرير الأقلام الرشيقة على الورق.. بعض الطلاب يكتبون بسرعة، وآخرون يحدّقون في الفراغ كأنهم يبحثون عن إجابة في الهواء.

فتحت رغد دفترها، وبدأت تكتب بتركيز حاد وكأنها تُشرّح قضية طبية معقدة:

«الرياضيات في العالم الحقيقي، ليست مجرد أرقام بل هي لغة الاحتمالات. هي تلك الخيوط الخفية التي تربط بين الأسباب والنتائج. نحن نستخدمها لنتوقع مسار الكواكب، لكننا أيضًا نستخدمها دون وعي لنفهم لماذا حدث أمرٌ ما في لحظةٍ معينة.. وكيف يمكن لحدثٍ صغير غير متوقع أن يغير مسار يومٍ كامل.. هي النظام الذي يخرج من قلب الفوضى؛ فمهما بدت دقات القلب عشوائية في لحظة ذعر، أو تداخلت الأعراض بشكل غير منطقي، هناك دائماً معادلة حيوية تفسرها، حتى لو لم نكن نملك المعطيات الكافية لحلها في تلك اللحظة.»

وضعت قلمها بجانب الدفتر بحركةٍ واثقة.. لم تطلب الثناء، بل اكتفت بمراقبة الحبر وهو يجف على الورق. لكن لوثر، في جولته الصامتة توقف فجأة عند مقعدها.. انحنى قليلًا، وقرأ كلمات رغد بعينين متفحصتين خلف زجاج نظارته.

خيّم صمت طويل قبل أن يهمس:

- لقد أدركتِ الجوهر يا فتاة. أنتِ لا ترين الأرقام، أنتِ ترين النظام الذي يمنع الانهيار.

عاد إلى مقدمة القاعة، ورسم معادلة وحيدة: (f(t) = Stability)

ثم وضع القلم على الطاولة وقال بلهجة حملت في طياتها صرامة علمية:

- قد لا تدركون الآن ما الذي يمثله المتغير (t)، لكنكم ستفهمون قريبًا أن حياتنا ليست سوى دالة زمنية، حيث (t) هي اللحظة التي يختل فيها التوازن.. اللحظة التي تتغير فيها المعطيات ولا يمكن العودة لما قبلها.

دقت الصافرة لتعلن نهاية الحصة، لكن أثر الكلمات ظل عالقًا في الهواء كشحنة كهربائية. جمعت رغد أدواتها، لتجد ورقة صغيرة تركها البروفيسور على حافة مقعدها مكتوبًا عليها بخطٍّ أنيق باللغة الإنجليزية: " أراكِ الأسبوع القادم. حينها... سأطلب منكِ أن تُبسطي المعادلة. "

خرجت من القاعة، والورقة مخبأة في جيبها، تسير في الممر بخطوات موزونة، بينما كان عقلها يحلل شفرة اللحظة (t) التي تحدث عنها لوثر، وعلاقتها بنهاية هذا اليوم.

وصلت رغد إلى قاعة اللغة الإنجليزية ودلفت بخطوات خفيفة، ونظرت تلقائيًا نحو الزوايا التي تفضل ورد الجلوس فيها؛ تحديدًا ذلك المقعد المحاذي للنافذة، لكنها... لم تكن هناك.

تفرست في الوجوه يمينًا وشمالًا؛ الصف يمتلئ، والمقعد الذي كانت تنشده شغله شخصٌ آخر. تنهّدت ببطء؛ لم تكن تنهيدة تعبٍ فحسب، بل تنهيدة إدراكٍ مرير. ما كانت تخشاه قد وقع فعلًا.. ورد تهرّبت من الحصة. ربما هي الآن مستلقية على السطح، تحدّق في السماء بذهنٍ شارد.

داهمها صداع خفيف، وراحت تتساءل بقلق: [أثمة من أزعجها؟ أم أن مكروهًا قد وقع؟] تذكرت فجأة مظهر ورد الغريب وهي مغطاةٌ بالطحين الأبيض، وكأن ذلك البياض كان يخبئ خلفه كارثة؛ فعقدت العزم على تقصي الأمر خلال الاستراحة.

أشارت إليها إحدى زميلاتها بالجلوس بجانبها، وبينما كانت تهم بوضع حقيبتها، سمعت فتاة خلفهما تهمس بلهفة:

- نورسين، هل رأيتِ ليلى؟

التفتت نورسين إليها، ثم هزت كتفيها بلا مبالاة قائلة:

- لا أعلم، كانت معنا في حصة المختبر، وبعدها اختفت كالعادة.

وضعت الفتاة الأخرى يدها على جبينها وتمتمت بإرهاق:

- أعتقد أنها فعلتها مرة أخرى.

- فعلت ماذا؟

تساءلت نورسين بفضول، فأجابت الأخرى بمرارة:

- ذهبت إلى السطح أو إلى المكتبة.

انفجرت نورسين ضاحكة، وحين لاحظت نظرات رغد المستغربة، التفتت إليها وقالت ببساطة:

- تقصد ليلى، تلك الفتاة التي كانت تجلس بجانبكِ؛ إنها من عصابة السطح الذين يتهربون من الحصص الرتيبة.

أومأت رغد ببطء، رغم أنها لم تكن تعرف تلك الفتاة أو حتى تلاحظ وجودها؛ فتركيزها دائمًا ما ينصبُّ على المادة العلمية لا على الوجوه العابرة.. بينما كانت الزميلة الأخرى (صديقة ليلى) قد حزمت أمرها سريعًا، فنهضت واستأذنت من المعلمة بكلماتٍ خافتة ثم غادرت القاعة على الأرجح لتلحق بليلى في مخبئها السري.

راقبتها رغد بنظرةٍ شاردة، ثم التفتت نحو اللوحة الكبيرة وعليها كُتب بالإنجليزية: «موضوع اليوم: الصمت كمقاومة».

غمغمت بسخرية خفيفة:

- مسببة مشاكل أخرى.. هذا ما ينقصنا!

قاطع هدوء أفكارها صوت المعلمة وهي تشير إليها:

- هل أنتِ مستعدة لتقرئي ما كتبتِ عن هذا المفهوم؟

رفعت رغد رأسها، أغمضت عينيها للحظة لاستجماع شتات فكرها وطرد صورة ورد الملطخة بالطحين من مخيلتها، ثم فتحت دفترها وقرأت بصوت هادئ متمكن:

- الصمت ليس مجرد غياب للكلام.. بل هو المساحة المتبقية حين تعجز الكلمات عن الاحتواء، أو حين تُجبر على التوقف.

ساد الصمت أرجاء الصف، كأن كلمات رغد كانت تطبيقًا حيًا للمفهوم.

نظرت المعلمة إليها بذهول ممزوج بالفخر، لكن رغد لم تبالِ بتلك النظرات؛ كان عقلها يسابق الزمن نحو لحظة الانصراف وقلبها يخفق بقلقٍ لا تُسكته بلاغة الكلمات.

مرّت الساعات ثقيلة حتى دوى جرسُ المدرسة مُعلنًا انقضاء الفترة الصباحية، فبدأت الممرات تضجُّ بالحياة من جديد مع تدفق الطلاب نحو المطعم وفناء الاستراحة. وفي تلك الأثناء، كانت ورد غارقة في نومٍ عميق على السطح، مستسلمة لأشعة الشمس الشاحبة التي نجحت أخيرًا في اختراق الغيوم الكثيفة بعد توقف المطر.

ورغم البرودة القارصة التي كانت تنهمر مع نسمات الريح، إلا أن تلك البقعة الجافة تحت المظلة الخشبية منحتها دفئًا نسبيًا وهدوءًا لم تجده في القاعات بالأسفل؛ فاستكانت في مكانها بملامح هادئة، وكأنها تحاول الاختباء من العالم داخل حلمٍ قصير.

لم تشعر بمرور الوقت، حتى جاءت رغد تتسلل بخفة حتى وقفت فوق رأسها.. رمقتها بنظرة يائسة، مشوبةٍ بحنانٍ أخفته خلف ابتسامةٍ ماكرة.

انحنت رغد قليلًا، ثم همست قرب أذنها بنبرةٍ مسرحية:

- استيقظي أيتها البطلة المناضلة! لقد أُسدل الستار وانتهى اليوم الدراسي.. أم أنكِ تنوين الاعتكاف في قلعتكِ الغبارية هذه الليلة أيضًا؟

فتحت ورد عينيها بتكاسل، مشوشة بأثر النوم المفاجئ. اصطدم بصرها بابتسامة رغد الساخرة، رمقتها ورد بنظرة شزراء وهي تحاول مسح وجهها بطرف كمها، لكنها لم تزد الأمر إلا سوءًا، مما جعل رغد تنفجر ضاحكة.

اعتدلت ورد في جلستها وهي تنفض بقايا الطحين عن ردائها بضيق.. لكن رطوبة الجو بعد المطر كانت قد جعلت ذرات الطحين تلتصق بعناد فوق وجنتيها، بينما زادت خصلات شعرها الفوضوية المظهر سوءًا.

انحنت رغد وهي تسند يديها على ركبتيها، وقد غلبتها نوبة ضحكٍ هستيرية وهي تشير إلى وجه صديقتها الملطخ الذي صار يشبه لوحةً باهتة، وقالت وهي تمسك بطنها من شدة الضحك:

- أرأيتِ نتيجة بطولاتكِ؟ أنتِ دائمًا ما تقحمين نفسكِ في العواصف التي لا تعنيكِ!

رمقتها ورد بنظرة حانقة، وردّت بتذمر وهي تحاول إعادة قلنسوتها إلى مكانها لتداري ما يمكن مداراته:

- وهل كنتِ تفضلين أن أقف متفرجة والظلم ينهش الضعفاء أمام عينيّ؟

مسحت رغد دموع الضحك عن عينيها، وقالت بنبرة واقعية لا تخلو من مكر:

- بل كنتُ أفضل أن تراقبي بهدوء كالبقية. نحن فتيات يا ورد، صباح الخير! لن ننقذ العالم باندفاعنا غير المحسوب أمام هؤلاء المتنمرين.

تجمدت ورد للحظة، صدمتها واقعية صديقتها الجارحة، ثم نظرت إليها بملامح يكسوها العتاب والصلابة، وقالت بحزم:

- ومتى كان السكوت عن الحق خيارًا لنا؟ ذلك الفتى استغل قوته ليبطش بمن هو أضعف منه! ولن أكون الجميع يا رغد. أليس هذا ما تعلمناه في ديننا؟ أن نقف في وجه الظلم مهما كان الثمن، وأن نكون يدًا للحق؟

أكملت ورد وهي تحاول بجدية يائسة نفض الطحين عن كتفيها:

- الصمت ليس حكمة، بل هو سلاح الضعفاء. إن سكتنا اليوم عن كسر إرادة طالب، فسنعتاد السكوت حتى تنكسر إرادتنا نحن إلى الأبد.

تلاشت ابتسامة رغد تدريجيًا، وحلّت محلها نظرة متفحصة؛ شعرت في قرارة نفسها بالفخر بصديقتها، لكنها سرعان ما غلّفت ذلك بابتسامة ساخرة وهي تقول:

- أعلم، لكنكِ لستِ فارسة هذا الزمان، ولا مديرة المدرسة! خاصةً بعدما اكتشفتُ أن ذلك الفتى.. ليس شخصًا عاديًا. إنه سليل عائلةٍ فاحشة الثراء، ويلقبونه هنا بالأمير.

عدّلت وضع قلنسوتها التي عبثت بها الريح، ثم أخرجت دفترها الصغير وبدأت تقرأ بجدية مصطنعة وكأنها تستعرض تقريرًا استخباراتيًا:

- اسمه جاكس، وُلد في بريطانيا وانتقل إلى هنا في السابعة من عمره. والده من أبناء هذه البلدة، ووالدته بريطانية. يحب الحيوانات، وتحديدًا الكلاب، ويخاف من الثعابين... وبالطبع، مَن منا يعشقها؟ حسنًا لننتقل للأهم: يعشق البيتزا، ولديه حساسية مفرطة من جوز الهند. هذا يكفي لليوم.

رفعت رغد حاجبها بمكر، وأغلقت الدفتر بحركة مسرحية خاطفة، ثم سحبت طرف قلنسوة ورد برفق لتغطي شعرها الذي خرج، وهي تقول متهكمة:

- باختصار.. حتى الأمير لديه ثغرات، وأنتِ يا فارسة الغبار بحاجة لخطة، لا لمجرد نوبات غضب!

حدقت ورد بها بدهشة عقدت لسانها، توقفت يدها عن نفض الطحين وهي تتأمل وجه صديقتها وكأنها تراه لأول مرة. دارت الأسئلة في رأسها كالإعصار؛ متى وكيف تسنى لرغد جمع كل هذه التفاصيل الدقيقة؟ لقد كانتا معًا قبل قليل في الممر، ثم افترقتا لتذهب رغد إلى قاعة الرياضيات.. فهل يعقل أنها استغلت تلك الدقائق المعدودة بين الحصص لتنبش في تاريخ الفتى؟ أم أنها كانت تراقب وتدون منذ زمن دون أن تشعرها بذلك؟

رفعت ورد حاجبها بسخرية ممتزجة بالذهول وقالت:

- وماذا سأفعل بهذه المعلومات الثمينة؟ أطعمه جوز الهند مثلًا؟ وكيف عرفتِ كل هذا أصلًا؟ هل تعملين مع وكالة استخبارات ونحن لا نعلم؟

ابتسمت رغد بذكاء حمل في طياته شيئًا من المكر، ثم اقتربت منها هامسة بنبرة ذات مغزى:

- إن لم تتعلّمي كيف تستغلين نقاط ضعف خصمكِ.. فلن تكسبي أي معركة. تذكري هذا جيدًا؛ العالم محكومٌ بالسنن والمُعطيات يا ورد، وفي عقيدتنا.. السعي يبدأ بفهم هذه الأسباب. وأنا ببساطة.. أعشق جَمع المعطيات.

أمام صمت ورد المطبق، تنهدت رغد وهي تهز كتفيها بقلة حيلة، ثم أعادت الدفتر إلى جيب سترتها بعناية فائقة. نظرت إلى ورد التي لا تزال غارقة في عجزها وعبوسها، وقالت بنبرة يلفها الغموض:

- العالمُ يتحدثُ يا ورد، كلُّ ما عليكِ فعله هو إعمالُ بصيرتكِ. فبينما كنتِ تغطين في نومكِ البطولي، كان الطلاب في الأسفل يفيضون بحديثهم، والمرء لا يحتاج للتجسس ليعرف الحقيقة؛ إذ يكفي أن يكون فطِنًا لِما يلقيه المغفلون في طريقه. وأنا أستخدم فراستي لأجمع المعطيات التي يبعثرها هؤلاء دون انتباه.

زفرت ورد بلامبالاة، وعادت لتستلقي على ظهرها تحدق في السماء الشاحبة؛ حيث بدأت الغيوم الرمادية تتراكم من جديد كأنها تنذر بزخات مطرٍ مسائية وشيكة. ردت بفتور:

​- لا يهمني أمره، لستُ حاكمة البلاد ولا مديرة المدرسة كما تزعمين، لكنني فقط.. لا أحتمل رؤية الأوغاد يتسيدون على الضعفاء. هذا أمرٌ يثير غثياني، وكفى!

ضحكت رغد، ثم جالت بنظراتها فوق ثياب صديقتها التي استحال لونها للأبيض، وقالت بسخرية لاذعة:

- إذن، أيتها السيدة العادلة، بعيدًا عن أحلام إنقاذ العالم.. ماذا ستفعلين بشأن ملابسكِ؟ هل ستخرجين هكذا وكأنكِ هربتِ للتو من مطحنةٍ للقمح؟

نهضت ورد بإحباط وهي تحاول يائسة نفض بقايا الطحين عن ردائها، لكن ذراته الدقيقة كانت قد تغلغلت في نسيج القماش الأسود بعناد، وكلما مسحتها زادت بياضًا ووضوحًا. التفتت إلى رغد وقالت بنبرة تملؤها قلة الحيلة:

- حقًا، ماذا سأفعل؟ كيف سأغادر المدرسة بهذا المظهر الكارثي؟ سيظن الجميع أنني فقدتُ عقلي، أو أنني كنتُ في عراكٍ حاد مع خباز!

دوت ضحكة رغد في أرجاء السطح الهادئ، ثم مدت يدها بعبث لتمسح طرف أنف ورد الذي تلوث بالبياض، وقالت بلهجة واثقة تبعث على الاطمئنان:

- لا تقلقي، السيد ليو في طريقه إلينا الآن. لقد اتصلتُ بفادي وأخبرته بكل شيء.

تجمدت ورد مكانها، وشحب وجهها للحظة قبل أن تستدير إليها بقلقٍ جارف وسألتها بنبرة لاهثة:

- هل يعني هذا أننا سنعود إلى المنزل فورًا؟

تنهدت رغد بيأسٍ مصطنع، وهزت رأسها ببطء:

- ​نعم، بالطبع.. هذا هو الحل المنطقي الوحيد حاليًا.

​لم تطمئن ورد تمامًا؛ فحدقت بصديقتها بعينين ضيقتين يشوبهما الشك، وسألت بجديةٍ حذرة:

- ​رغد.. أخبريني بصدق، ماذا قلتِ لفادي تحديدًا؟

أمالت رغد رأسها وأغمضت إحدى عينيها متظاهرة بالتفكير العميق، بينما كانت تراقب ورد التي بدأت تعض إبهامها بتوترٍ ملحوظ، قبل أن تنفجر ضاحكة وهي تقول:

- اطمئني يا بطلة المغامرات، فقد طويتُ ذكرَ طردكِ من اليوم الأول عن مسامعه.. وآثرتُ الحفاظ على ما تبقى من هيبتكِ المهدورة.

تنفست ورد الصعداء، وشعرت بجبلٍ من الهم ينزاح عن صدرها، ولم تلاحظ تلك الابتسامة الماكرة التي ارتسمت على شفتي رغد، وهي تهمس لنفسها بمكرٍ لا يسمعه أحد:

- وكأنه لن يكتشف تلك الكارثة لاحقًا بنفسه..

مرّت الدقائق المتبقية في حديثٍ لم يخلُ من المشاكسات والمواقف الطريفة، حتى قاطع سكونهما اهتزاز هاتف رغد في يدها. ألقت نظرة سريعة على الشاشة، ثم رفعتها أمام وجه ورد قائلة بابتسامة ظافرة:

- ​لقد وصل السيد ليو، إنه ينتظرنا عند البوابة الجانبية بعيدًا عن أعين الطلاب.

نهضت ورد بإحباطٍ شديد، وهي تنظر إلى حالها؛ فقد كان انفجار كيس الطحين كفيلًا بجعلها تبدو كتمثالٍ من الرخام. في كل مرة كانت تمسح فيها طرف ردائها، كانت تزيد الأمر سوءًا؛ إذ تفرك ذرات الطحين الدقيقة داخل مسام القماش الأسود، فيتحول السواد القاتم إلى بقعٍ رمادية باهتة وملطخة، وكأن الرداء قد فَقَد لونه للأبد.

وقبل أن تتحرك، استوقفتها رغد بنظرة فاحصة وسألتها:

- لحظة يا بطلة.. أين حقيبتكِ؟ لا يعقل أن تذهبي للمنزل دونها!

أجابت ورد بنبرة فاترة وهي تنظر نحو الأسفل:

- لقد تركتها في خزانتي بالممر السفلي.. لم يكن لدي وقتٌ لجمع أشيائي حين قررتُ المجيء إلى هنا.

تنهدت رغد، ثم رمقتها بنظرة فاحصة، أدركت أن كل محاولة للمسح هي معركة خاسرة ستزيد من اتساع الدائرة البيضاء. اقتربت بسرعة وأحكمت تعديل القلنسوة فوق رأس ورد، ثم حثتها على ضم أطراف الرداء الواسع حول جسدها بقوة، لتخفي الأجزاء الأكثر تضررًا وتدفنها في ثنايا القماش الداخلية. قالت رغد بنبرة هادئة:

- ​كفي عن مسحه يا ورد! كلما فعلتِ ذلك، غرستِ الطحين في أعماق النسيج أكثر. التفي بداخل ردائكِ جيدًا واجعليه يستر هذه الفوضى؛ فالأسود لا يرحم في مواجهة هذا البياض. سأذهب أنا للسيارة أولًا لأستطلع الطريق، وأنتِ انزلي بهدوء واجلبي حقيبتكِ.

لم تهتز ورد من احتمال نظرات الطلاب رغم مظهرها الغريب، بل قالت بجمود وهي تنظر إلى كفيها اللتين صبغتا بالأبيض:

- لا يهمني إن رآني كل من في المدرسة هكذا.. كل ما يشغل بالي هو فادي. كيف سأواجهه وأنا أبدو كمن خرجت من مطحنة قديمة؟ وكيف سأشرح له ما حدث؟

ربتت رغد على كتفها قائلة:

- استغلي هدوء الممرات الآن فالجميع في المطعم.. انطلقي ولا تتأخري.

أومأت ورد برأسها في صمت، ثم تحركت بخطواتٍ واثقة وثابتة نحو الدرج. كانت تسير برأسٍ مرفوع تحت ظلال قلنسوتها، غير آبهةٍ بمن قد يصادفها في الممرات؛ فكل ضجيج العالم لم يكن يعادل الصمت الثقيل الذي تخيلته في عينيّ فادي حين يراها، أو نظرات السخرية التي ستلاحقها من بقية أفراد المنزل.

كانت تخشى تلك اللحظة التي سيكتشف فيها أمر طردها منذ اليوم الأول، وتخيلت التساؤل المرير الذي سيقبع خلف صمته: أما كان بإمكانكِ تفادي المشاكل لليوم فقط؟ ألا توجد هدنة قصيرة منها؟

​ضحكت على نفسها بسخرية مريرة؛ فقد أدركت أنها كلما حاولت جاهدة الهروب من المشاكل، هرعت الأخيرة إليها وكأنها قدرٌ لا مفر منه، وكأنها مغناطيسٌ بشري يجذب المتاعب أينما حلت.

نزلت ورد الدرج بخطواتٍ موزونة، يتردد صدى وقع حذائها في الممرات الرخامية الطويلة التي استعمرها سكونٌ مريب. كان الهواء في الممرات أبرد من السطح، محملاً برائحة المعقمات الممزوجة برائحة طعام الغداء المنبعثة من البعيد.

ضمت رداءها حولها بقوة أكبر حين لمحت انعكاس خيالها على زجاج إحدى النوافذ؛ بدت وكأنها شبحٌ أسود يخرج من بين الضباب، لولا تلك البقع الرمادية التي كانت تلمع تحت أضواء الفلورسنت البيضاء.

وصلت إلى ممر الخزانات.. كان المكان خاليًا تمامًا، مما منحها شعورًا مؤقتًا بالانتصار. وقفت أمام خزانتها التي تحمل رقمها، ومدت يدها المصبوغة ببقايا الطحين لتفتح القفل. كانت أصابعها ترتجف قليلًا، ليس خوفًا من الطلاب، بل من برد المكان.

انفتح باب الخزانة المعدني بصريرٍ خفيف، فسحبت حقيبتها بسرعة وحملتها على كتفها. وبينما كانت تستدير للمغادرة، تجمدت مكانها.

على طرف الممر، لمحت ورد ظلًا يتحرك، وتبعه صوت ضحكة خافتة مستفزة كفيلة بجعل أعصابها تغلي. لم يكن أحد الطلاب العاديين، بل كانت إحدى فتيات مجموعة الأمير جاكس، تقف هناك وتحدق في هاتفها، قبل أن ترفع رأسها ببطء، لتصطدم عيناها بمنظر ورد الغريب القادم من عتمة الممر.

فتحت الفتاة فمها بذهول، وبدأت ملامح السخرية ترتسم على وجهها تمهيدًا لإطلاق تعليق لاذع، لكن ورد قررت ألا تمنحها لذة الكلمة الأولى.

رفعت ورد رأسها بكبرياء ملكي لا يتناسب إطلاقًا مع وضعها، ومرت من جانبها بخطواتٍ سريعة وواثقة، عاقدة العزم على أن تبدو كبطلة تخرج من ساحة المعركة.. لكن الفيزياء كان لها رأي آخر!

مع كل خطوة واثقة كانت تطأ بها ورد الأرض كأنها عارضة أزياء، كان ينبعث من ردائها الأسود سحابة صغيرة من الغبار الأبيض، وكأنها محرك ديزل قديم قرر الانفجار في وجه المارة. والأسوأ من ذلك، أنه مع أول نَشْقةِ هواء استنشقتها الفتاة، لم تستطع المقاومة، فانفجرت بعطسة مدوية نتيجة رذاذ الطحين المتطاير.

لم تلتفت ورد، بل زادت من سرعة خطواتها، بينما خلفها كانت الفتاة تصارع العطاس المتتالي وهي تصيح بصوت مخنوق وغاضب:

- أيها الأحمق! .. هل أنت .. هل أنت مخبز متحرك؟! لقد أفسدت ثيابي!

تجاهلت ورد النداء، وهي تشعر بغبار النجوم كما سمتْه رغد، يملأ المكان، وهمست لنفسها بحنق:

- تبًا.. حتى كبريائي يحتاج إلى مكنسة كهربائية الآن!

وصلت إلى البوابة حيث كانت رغد تراقب المشهد من بعيد بملامح جامدة، لكن عينيها كانتا تلمعان بضحكة مكتومة وهي ترى الانفجارات الغبارية تلاحق ورد في كل خطوة.

خرجت من البوابة الجانبية، حيث كانت سيارة السيد ليو السوداء تقف في الظل محركها يزمجر بهدوء.. فتحت رغد الباب الخلفي ودلفت أولًا ثم أشارت لورد بالدخول بسرعة.

ارتمت ورد في المقعد الخلفي بجوارها، وأوصدت الباب بقوة، ثم زفرت نفسًا طويلًا ثقيلًا كأنها كانت محبوسة تحت الماء لدهر. نظرت إليها رغد بطرف عينها، ولاحظت كيف تلوث المقعد الجلدي بمسحة بيضاء باهتة من أثر الطحين، فقالت بنبرة مرحة حاولت بها كسر حدة التوتر:

- أهلًا بكِ في عربة الهروب يا آنسة ورد.

ثم التفتت رغد سريعًا نحو ليو بعد أن لمحت نظراته المتفحصة والمستغربة عبر المرآة الأمامية، وقالت بهدوءٍ بارد يتناقض تمامًا مع مزاحها قبل قليل:

- سيد ليو، من فضلك انطلق بنا الآن... قبل أن يقرر أحدهم إعلان حالة الطوارئ بسبب التلوث الأبيض الذي خلفناه في الممرات.

تحركت السيارة بسلاسة فوق الطريق المبلل، وساد صمتٌ رزين داخل المقصورة. كان ليو يمسك المقود بيدين ثابتتين وعيناه لا تفارقان الطريق، لكن حسه القيادي جعله يرقب حالة ورد غير الطبيعية عبر المرآة الأمامية بين الحين والآخر.

بدت ورد غارقة في تفكيرٍ عميق، وارتسم على وجهها عبوسٌ قلق، بينما كان اللون الرمادي الذي غزا رداءها الأسود يشي بحجم الكارثة؛ حيث بدأت ذرات الطحين تتسلل لتلوث المقعد الجلدي مع كل حركة منها.

تنحنح ليو، ثم قال بنبرة هادئة ورزينة تحمل سلطة القائد وحرص الأخ الأكبر:

- ورد، ما الذي أصاب رداءكِ؟ تبدين وكأنكِ خرجتِ من قلب انفجار.. هل أنتِ بخير؟

لم تجب ورد، بل غاصت في صمتٍ عميق وهي تحاول جاهدة استجماع أفكارها وابتكار أعذارٍ مقنعة، بينما كانت عيناها تترقبان ملامح ليو في المرآة بحذر. لاحظت رغد هذا الصمت الذي طال أكثر من اللازم، فتدخلت بهدوئها المعتاد؛ وضعت هاتفها جانبًا، واعتدلت في جلستها لتتحدث بنبرةٍ وقورة تجمع ما بين الاحترام والرزانة:

- ​الحقيقة يا سيد ليو، لقد كان يومًا حافلًا بالتحديات غير المتوقعة لورد، وانتهى بهذا الحادث الفوضوي الذي تراه. نحن بصدد احتواء الموقف بأنفسنا، لذا أرجو ألا يشغل هذا الأمر بالك.

​كان ردها دقيقًا وذكيًا؛ فهي وصفت ما جرى بكونه تحديات غير متوقعة وحادثًا فوضويًا، وهي كلماتٌ منتقاة بعناية تليق بمقام ليو وتغلق باب النقاش دون مساسٍ بتقديره.

​أومأ ليو برأسه بوقارٍ مماثل، مقدرًا أسلوب رغد المهذب في الرد، وقرر عدم التمادي في الأسئلة تقديرًا لخصوصيتهما. في تلك الأثناء، شعرت ورد بامتنانٍ عميق لصديقتها التي استطاعت بكلماتٍ رصينة أن تغلق باب التحقيق، دون أن تضطر لإطلاق كذبة واحدة أمام قائد فريقهما.

كانت السيارة تقترب من الحي الذي يقطنونه، وكلما زاد ليو من سرعته، شعرت ورد بمزيجٍ متناقض من الضيق والراحة؛ فالضيق ينهشها لأن فادي، الشخص الذي يغدق عليها الدلال ويجعلها تشعر بأنها أميرة مدللة، هو ذاته من تخشى غضبه وكأنه نهاية العالم. هي تعلم جيدًا أن فادي إذا غضب، انطفأ الحنان في عينيه ليحل محله برودٌ يقتلها. أما بقية أفراد المنزل، فكانت تخشى ردود أفعالهم؛ فإذا كان ليو قد تجاوز الأمر بوقاره، فالبقية قد لا يمررون الموقف بسلام.

لاحظ ليو توترها الواضح، فابتسم للحظة وهو يوقف السيارة أمام الباب، وقال بنبرة هادئة مطمئنة:

- لقد وصلنا. حاولي تنظيف ثيابكِ قليلًا قبل أن يراكِ فادي.. ولا تقلقي، فهو ليس بالمنزل الآن.

نظرت إليه ورد بذهولٍ سرعان ما تحول إلى ابتسامة امتنان شاحبة. أما رغد، التي كانت تراقب صمت ورد الطويل، فقد أدركت تمامًا حجم الأفكار التي تعصف برأسها، فمالت نحوها وقالت بصوتٍ خفيض:

- لن يحدث ما يستدعي القلق.. هيا بنا، لندخل الآن.

أومأت ورد ونزلت من السيارة، ثم وقفت أمام الباب الخشبي الكبير ومدت يدها المترددة نحو المقبض. ما إن فتحت الباب ببطء حتى استقبلتها رائحة المنزل الدافئة، الممزوجة بصوت خطواتٍ تقترب من الصالة.. إنها أكينا، وهذا هو بالضبط ما كان ينقصها الآن.

كانت أكينا أول من استقبلهم، إذ كانت الوحيدة الموجودة في المنزل حينها. سرعان ما عقدت حاجبيها بدهشة وهي تتفحص مظهر ورد المزري، ثم قالت بنبرة لا تخلو من السخرية:

- أكنتِ تبيعين الطحين في أروقة المدرسة يا فتاة؟ ما الذي أصابكِ بصدق؟

تنهدت ورد بمرارة؛ فها قد بدأ ما كانت تخشاه، سخريةٌ لا تنتهي. اكتفت بتجاهلها ومرت بجانبها بملامح متجهمة، ثم قالت بملل وهي تتجه نحو الداخل:

- سأذهب للاستحمام.

هتفت أكينا من خلفها بمرحٍ مستفز:

- لا، بل قولي: سأغسل آثار الجريمة من رأسي حتى قدمي!

أطلقت ورد تنهيدة مرهقة، وعقّبت دون أن تلتفت إليها:

- كنتُ أعني ذلك تمامًا.. لكن، لا يهم.

دلفت ورد إلى غرفتها بخطواتٍ مثقلة، والتقطت ملابس نظيفة على عجل قبل أن تتوجه إلى المرحاض الواقع في الممر بين غرفتها وغرفة ساكورا، وأوصدت الباب خلفها بإحكام. وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها الملطخ بالطحين للحظات، وزفرت بضيق وهي تستعيد شريط أحداث يومها العاصف. وبينما كان الغضب يتصاعد في صدرها، انقطعت أنفاسها وشهقت برعب حين لمحت شيئًا مقززًا يتحرك بجوارها على الحائط.. صرصور!

دون تفكير، وبغريزة دفاعية بحتة، نزعت نعلها وقذفته بكل قوتها.. لكن الضربة أخطأت الهدف تمامًا، ليرتطم النعل بقلب المرآة، محطمًا إياها إلى شظايا تناثرت في أرجاء المكان بصوتٍ مدوٍ!

حدّقت ورد في حطام المرآة بصدمةٍ لجمت لسانها، قبل أن تتمتم بحسرة وسخرية من ذاتها:

- يا لي من عبقرية.. وكأن النعال كان سيصل إليه أصلًا من هذه المسافة!

في تلك اللحظة، كانت رغد تمر بالممر، فاستوقفها صوت التحطم وكلمات ورد المبعثرة خلف الباب. وضعت يدها على جبينها بتنهدٍ طويل وهمست لنفسها:

[يا إلهي، هذه الفتاة ستصيبني بالجنون حتمًا].

طرقت الباب بخفة، وقالت بنبرة هادئة لا تخلو من تهكمٍ مبطن:

- ورد، توقفي عن إلقاء الخطابات ومخاطبة نفسكِ في الحمام، واخرجي بسلام!

ابتعدت رغد وهي تكتُم ضحكة تسللت إلى ثغرها، وواصلت سيرها حتى بلغت المطبخ. بدأت بتفحص المكونات لتحضير الغداء، وحين رأت أكينا هناك، تقدمت لتساعدها في صمتٍ مريح. تبادلا ابتسامة امتنانٍ خافتة، وشرعتا في العمل معًا، بينما كانت رغد تبتسم بخفوت وهي تتمتم:

- حسنًا، يبدو أن يومي كان أقل فوضوية من يوم ورد.. على الأقل حتى الآن.

بعد عدة دقائق، دلف مايكل وخلفه ساكورا إلى داخل المنزل، وقد ارتسمت على وجهيهما ملامح حزن وكآبة لم تخطئهما عين ليو. حدق ليو فيهما باستغراب، وكان يهمُّ بسؤالهما عما جرى، لكنه آثر الصمت احترامًا لخصوصيتهما، فجلس يكمل عمله والشكوك تساوره.

لم تكن ساكورا تقوى على احتمال ضجيج العالم من حولها؛ فصوت صرير الكراسي ووجوه المارة الشاحبة في ممرات العمل كانت تزيد من وطأة ألمها، لذا طلبت المغادرة مبكرًا بنبرة خافتة يملؤها الانكسار، نبرة لم يجرؤ أحدٌ على مناقشتها. سمح لها المسؤولون بالانصراف، وحث برين مايكل بمرافقتها؛ فبرين لم يكن ليرتاح لذهاب ساكورا ولينا بمفردهما في مثل هذه الظروف، خاصة وهو يدرك أن ما حدث قد هزَّ كيان مايكل أيضًا؛ فكيف لا، ومن كانت سبب الحادث هي نائبته وتحت قيادته المباشرة؟

فور دخولها غرفتها، لم تخلع ساكورا معطفها، ولم تضع حقيبتها على الطاولة كعادتها؛ بل تركتها تهوي على الأرض بإهمال، وجثت على أقرب كرسيٍّ خشبيّ قابله وجهها في العتمة.

في تلك اللحظة، انهار السدّ الذي حاولت صموده طويلًا. سقط رأسها بين كفيها، وانفجر نحيبٌ مكتوم مزق صمت الغرفة الباردة. ومع كل شهقةٍ حارقة، كان شريط الذكريات يتدفق كسيلٍ لا يمكن إيقافه.

تذكرت اللقاء الأول؛ حين كانت مجرد متدربة متعثرة في أروقة القانون، وكانت أليس هي المنارة التي تهتدي بها. تذكرت كيف كانت أليس تمسك بيدها لتعلمها فن قراءة ما بين السطور في المحاضر، وكيف كانت تمازحها بابتسامتها الواثقة قائلة:

- ساكورا، أنتِ ستكونين السيف الذي يقطع حبال الكذب.

تذكرت ضحكات لينا التي كانت تملأ المكان صخبًا وحياة حين يجتمعن ثلاثتهن فوق أكوام الملفات المتكدسة، وكيف كانت لينا بمثابة الأنيس لروحهما، والمرح الذي يكسر حدة القضايا الجافة.

ثم قفزت إلى مخيلتها تلك الليلة الممطرة؛ حين لجأت لينا إلى منزل أليس وهي محطمة بفعل مشكلة غامضة لم تكشف عن كنهها حتى تلك اللحظة. استعادت صدى صوت أليس في اتصالها الهاتفي تلك الليلة وهي تقول:

"ساكورا، لينا بحاجة إلينا.. تعالي لنحول هذا الحزن إلى شيء آخر."

قضين الليلة معًا، وبين أكواب الشوكولاتة الساخنة والأحاديث التي لا تنتهي، استطاعت أليس ببراعتها المعهودة أن تحول دموع لينا إلى ضحكاتٍ مجلجلة. كانت أليس هي الغراء الخفي الذي يربط قلوبهن ببعضها البعض.

تذكرت أيضًا كم كانت أليس تثق برجاحة عقلها، حين كانت تستشيرها في أعقد الثغرات القانونية قائلة باعتزاز:

- أريد رأي المحامية الفذة التي لا تخطئ.

لكن الواقع عاد ليصفعها ببرودته القارسة، مخرسًا أصوات الماضي الدافئة. رفعت ساكورا رأسها، وعيناها محمرتان من شدة القهر والألم، ونظرت إلى الفراغ بذهولٍ يشبه الهذيان وهي تهمس:

- كيف فعلتِ ذلك يا أليس؟ متى تسلل هذا السم إلى قلبكِ؟ متى انحدرتِ إلى هذا المستنقع المظلم ونحن نضحك ونلهو بجانبكِ دون أن نلحظ ذلك؟

بكت بمرارة وقهر، ليس على خسارة صديقة فحسب، بل على صورة النور التي انطفأت للأبد في مخيلتها، وعلى تلك الذكريات الدافئة التي تلوثت فجأة برائحة المخدرات ومرارة الموت.

حين حلّ المساء واجتمع الجميع حول مائدة العشاء، لم يخفَ على ورد ورغد وأكينا ذلك التبدل المفاجئ في الأجواء؛ فهدوء ساكورا لم يكن طبيعيًا، بل كان ذبولًا مطفأً يشي بحزنٍ عميق. تبادلت أكينا وورد نظراتٍ قلقة، وكانت كل واحدة منهما تحث الأخرى بصمتٍ على كسر هذا الجمود، حتى تنهدت رغد بيأس من ترددهما، وبادرت بهدوئها المعهود قائلة:

- مَن مِنكما سترافقني إلى الطبيبة غدًا؟

توقفت ورد وأكينا عن الأكل والالتفات لبعضهما، وكان ليو على وشك الإجابة، لكن أكينا قاطعته بحماسٍ مريب، وكأنها تحاول الهروب من التوتر:

- أنا! سآتي أنا معكِ.

أومأت رغد بهدوء، ثم مالت قليلًا وهمست بنبرة غريبة لم تصل إلا لمسامع أكينا وورد؛ نبرة كانت تشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة:

- حسنًا.. هذا جيد، فلدينا حديثٌ مؤجل سأفتحه معكِ غدًا.

ابتلعت أكينا ريقها بصعوبة، وشعرت برعشةٍ من المجهول، فهي لا تدري ما الذي تخطط له رغد لكن الأمر أرعبها حقًا. أما ورد، فقد نظرت لصديقتها باستغراب، شعرت بأن خيوطًا كثيرة قد فاتت أطراف أصابعها، قبل أن ينتشلها صوت فادي المفاجئ من شرودها:

- وكيف كان يومكما في المدرسة؟

شحب وجه ورد في توِّه، وابتلعت غصتها محاولة اصطناع ابتسامة باهتة تحت نظرات الجميع المتفحصة. في تلك اللحظة، كانت رغد تكتم ضحكتها بأعجوبة، معجبة بقدرتها الخاصة على ضبط النفس وسط هذه الفوضى. أما أكينا، التي لم تكن تجيد فن الصمت، فقد قالت بنبرة ساخرة:

- لقد كانت مشغولة ببيع الطحين في أروقة المدرسة!

رمقتها ورد بنظرةٍ نارية، بينما وضعت رغد يدها على وجهها تمسحه بإرهاق من صراحة أكينا المندفعة، وألقى ليو نحوها نظرة عتابٍ واضحة، لكن أكينا لم تأبه لكل ذلك. وقبل أن ينطق فادي بكلمة، لمعت في عيني ورد نظرة ماكرة، ورسمت على وجهها تعبيرًا بريئًا مصطنعًا، وقالت بنبرة حزينة ومكسورة تحاول استمالته والتأثير عليه ليوافق على طلبها:

- ما حدث اليوم كان يفوق طاقتي.. لقد أدركتُ أخيرًا أن مكان الفتاة الرقيقة هو المنزل، بعيدًا عن هذه المتاعب. انظر إليّ يا فادي.. أنا لا أحتمل الشجار والضجيج، أنا في النهاية مجرد فتاة رقيقة.. ألا توافقني الرأي؟

لم ينخدع فادي بتمثيلها، بل رفع حاجبه بسخرية وظل يرمقها بصمتٍ نافذ، مما جعلها تتخلى عن قناع البراءة وتكتفي بابتسامة متكلفة، ثم عقّبت بتذمر:

- ماذا؟ لماذا تنظر إليّ بهذه الطريقة؟

أجابها ببرودٍ لم تخلُ منه نبرة السخرية:

- كفاكِ دراما يا ورد.. فالمدرسة ليست ساحة للتعذيب، وأنتِ أبعد ما تكونين عن الرقة حين تغضبين.

قطبت ورد حاجبيها بانزعاج، ونفخت وجنتيها بضيقٍ طفولي وهي تعود لصحنها، ثم تمتمت بمرارة:

- تبًا.. من اليوم، أنت رسميًا عدو العشاق والدراما!

نهضت من مكانها معلنةً شبعها بعد فشلها الذريع في استمالة قلبه، وغادرت المكان بخطوات غاضبة. بقي فادي في مكانه يردد كلماتها في ذهنه محاولًا استيعاب الرابط العجيب في حديثها، وما إن أدرك مغزاها حتى انفجر ضاحكًا، وهي ضحكة نادرة جعلت مايكل يستفسر باستغراب:

- ماذا قصدت بحديثها ذاك؟

نهض فادي وهو يجيب بهدوء لا يخلو من المرح:

- تقصد أنها تفضل النوم والراحة على المثابرة ومواجهة التحديات.

انتهى اليوم بسلام، وحلّ الليل ليجد كل فردٍ في المنزل غارقًا في مهامه. كان ليو يحث مايكل وساكورا على نيل قسطٍ من الراحة، لكنهما أصرا على مواصلة العمل، وكأنهما يهربان من أفكارهما بالانشغال المفرط.

في تلك الأثناء، خرجت ورد من غرفتها باحثة عن هدنة لعقلها بعد دراسة اللغة المحلية التي باتت تمقتها. لمحتهم مجتمعين على طاولة العمل، وقبل أن تتوجه لغرفة فادي، تذكرت أمرًا مهمًا؛ فاستدارت نحوهم ووضعت يديها في جيوب فستانها، ثم قالت ببرودٍ مصطنع:

- ​بالمناسبة.. يوجد صرصور في المرحاض، وقد حطمتُ المرآة أثناء التعامل معه صباحًا.. أخبركم فقط كي لا تُصدمَ الآنسة ساكورا بمنظر المكان لاحقًا.

قالت ذلك ثم استدارت ببرود، وهي تحاول جاهدة ألا تلتفت لترى ملامح وجوههم المذهولة.. متجهة نحو فادي، تاركةً خلفها ذهولًا خيّم على المكان. كانت أكينا تغط في نومٍ عميق، ورغد مستغرقة في كتابها، أما ساكورا فقد تجمدت مكانها تحدق في أثر ورد، قبل أن تلتفت نحو مايكل الذي كان يساعدها في إنهاء بعض التقارير، وسألته بذهول:

- هـ.. هل قالت للتو إنها حطمت المرآة؟

انهار ثبات مايكل أخيرًا، فخرجت منه ضحكة مجلجلة لم يُسمع له مثيل منذ ساعات؛ لتكسر حدة ذلك الصمت الثقيل. تنفس ليو الصعداء سرًا وهو يراقب رفيقه يخرج من عزلته، لكن مايكل سرعان ما تنحنح مستعيدًا وقاره حين لمحت عيناه نظرات ساكورا المتجهمة، وقال مبررًا:

- تعلمين أن هذه الكائنات الصغيرة.. مرعبة لبعض الفتيات.

ضيقت ساكورا عينيها بغيظ وردت بانزعاج:

- وأنا؟ ألسْتُ فتاة في نظرك؟

تلعثم مايكل ولم يجد ردًا مناسبًا، فاكتفى بابتسامةٍ مرتبكة وهو يشيح بنظره، قبل أن ينقذه صوت ليو الرصين وهو يعيدهم إلى أرض الواقع:

- ليس هذا وقت المزاح، لنعد إلى صلب الموضوع. هل أنتما واثقان من دقة هذه المعلومات؟

أومأت ساكورا بجدية، وكانت على وشك الإدلاء بتفاصيل إضافية، لكن رنين هاتفها المفاجئ قطع حبل أفكارها. استأذنت منهما بسرعة، وخرجت إلى الشرفة حيث الهواء البارد، ثم ردت على المكالمة بنبرة متحفظة:

- ما الأمر؟... يتبع

《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهات الحلم

المؤلف نارة لوما
2024/06/08 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة