بداية الطريق

بداية الطريق

74 1

《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》

《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》

نبدأ بسم الله...

___________

كان في زمنٍ قديم، في الأزمان الماضية..

-فادي، أتعتقد بأنها شخص موثوق؟ .. يا إلهي! يا كاتبة، لا تطيلي الأمور.

حسنًا، حسنًا، في يومٍ غير متوقع، صوت القذائف...

-أيتها الروائية، هل تمزحين؟ دعيني أخبرهم، إحم إحم، في بلدٍ أجنبي تجوَّلتُ..

-ورد، كفى! اجعليها تروي لهم القصة.

-حسنًا، ولكن أخبريني أولًا، لماذا تثقين بها يا رغد؟

-باختصار، لأنها الكاتبة!

-حسنًا، هيا أكملي يا كاتبة.

في أرجاء البلاد...

-نعم، هكذا أصبح الأمر أفضل.

هل سأكمل أم أدعكِ تُكمِّلين؟

(ضحكة متوترة)- أكملي فأنتِ في النهاية كاتبة.

(تنهيدة) حسنًا، ما باليدِ حِيلة.

في إحدى الشوارع الرئيسية، وسط أرجاء البلاد، كانت فتاة ترتدي رداءً أسود اللون، تغطي رأسها بقلنسوة، تسير بخطى هادئة خلف جارها، بينما تشبك ذراعها بذراع صديقتها. فجأة، أفلتت يدها من يد صديقتها، وتسارعت خطواتها متجاوزة جارها، ثم توقفت لالتقاط أنفاسها العميقة، وكأنها تستمتع بنسيم الليل البارد. أثار تصرفها استغراب كلٍّ منهما، فتبادلا النظرات قبل أن يتطلعا نحوها.

ما إن استجمعت أنفاسها، حتى واصلت السير مجددًا، لكن هذه المرة بحيوية وسعادة، قائلة بصوت مرتفع، حيث لم يكن أحد غيرهم يسير في هذه المنطقة خلال الليل:

-يا له من شعور رائع حقًا عندما تُكشَف خُدَع المجرمين!

ثم تابعت بحماس، وعيناها تلمعان تحت ضوء المصابيح:

-لقد حسمتُ أمري! سأحقق العدالة وألقي بهم في غياهب العقاب!

نظر إليها جارها وظهرت على شفتيه ابتسامة ساخرة، محاولًا استفزازها، بينما تشاهد صديقتها الاثنين في صمت:

-صوتكِ مرتفع كالمعتاد، ألا يمكنكِ التحدث مع نفسكِ فحسب؟

نظرت إليه بامتعاض، وعبَّرت عن استياءها، ثم أجابت ببرود مُدّعى:

-أوه، أعتذر، ربما أنا تحمستُ قليلًا.

لم يُجب، بل اكتفى بالنظر إلى الأمام حيث لمح مكانًا مناسبًا للاستراحة تحت شجرة ضخمة. حين وصلوا إليها، جلسوا على العشب، تاركين التعب يستقر في أجسادهم. رفع بصره نحو السماء المظلمة، يراقب النجوم المتناثرة وكأنه يغرق في أفكاره. بعد لحظات من الصمت، قطع هدوء الليل بصوت هادئ، كأنه يفكر بصوت مسموع:

-ورد... رغد... يجب عليَّ أن أجد عملًا جزئيًا، ولكن...

قاطعته ورد بسرعة قبل أن يكمل جملته، وقد ارتسمت على وجهها دهشة واضحة، تاركةً قارورتها التي لم تتمكن من شربها بعد، دون أن تمنحه حتى فرصة:

-لكن ماذا؟!

تنهدت رغد، التي كانت تدرك جيدًا أن عادة صديقتها في مقاطعة الآخرين لن تتغير أبدًا، بينما تابع الشاب كلامه بنبرة يغمرها القلق:

-أحيانًا، تراودني أفكار مثل... 'ماذا لو حدث لكما مكروه' بسبب عدم وجودي معكما؟

وقفت ورد بحماس، ووضعت يديها على خصرها، ثم أجابته بثقة مطلقة، وعيناها تلمعان بحماس:

-لا تقلق عليَّ! أنت تعلم جيدًا أن من يحاول الاقتراب مني... ستكون نهايته على يدي!

أنهت جملتها الأخيرة بنبرة شريرة، جعلته يتوتر للحظات قبل أن يضحك بخفّة، متذكرًا ما حدث لهم عند وصولهم إلى هذه البلدة لأول مرة:

-أ... أجل.

Flach back || استرجاع الماضي

في طقس بارد، كان الثلاثة يسيرون بخطوات هادئة عبر الشوارع المزدحمة بالتجار، يراقبونهم وهم يتنافسون بحماسة لعرض بضائعهم. كانت الأضواء تعكس لمعة السلع المعروضة، وأصوات الباعة تتداخل مع وقع خطوات المارة.

توقّفت ورد فجأة، متعبة، ثم تنهدت وهي ترفع يدها بإرهاق، قائلةً بنبرة مرهقة ومترجّية، مع قليل من ادعاء البراءة:

-لحظة... رفاق، أشعر بعطش شديد! هل يمكننا أن نتوقف قليلًا عند أحد المتاجر؟

نظر إليها فادي بنظرة يعرفها جيدًا، تلك النظرة التي تعني أنه قد خسر المعركة بالفعل. أطلق تنهيدة مستسلمة، ثم تقدّم نحو أحد المتاجر دون أن ينبس بكلمة.

في تلك اللحظة، التفتت رغد نحو ورد، وابتسامة ساخرة تعلو شفتيها، قبل أن تقول بمكر:

-هل أعجبتكِ الأرض كثيرًا؟

حدّقت بها ورد ببلاهة، غير مستوعبة لما تقصده، حتى تداركت الأمر أخيرًا. ارتفع حاجباها قليلًا ثم ردّت بسخرية، وهي تتجاوزها في السير:

-رأيتُ حشرة تمر أمامي... فتذكّرتُ أحدهم.

واصلت سيرها بخطوات هادئة، تاركةً رغد في حالة من الذهول، قبل أن تستوعب الإهانة فجأة، فهتفت بصوت مرتفع وكأنها تحاول اللحاق بردٍّ مناسب:

-ماذا تقصدين يا ورد؟!

في تلك الأثناء، حرّك فادي رأسه بيأس، وكأنه يوقن أن هذه المناوشات بينهما لن تنتهي أبدًا. حين دخلوا المتجر، التفت إليهما بجدية قائلًا:

-رجاءً، لا تتسببا في أي مشاكل، ولو لمرة واحدة.

ثم توجّه ليطلب مشروبًا لهم.

رفضت ورد الجلوس في مكان مزدحم، فانتظرت مع رغد بالقرب من المخرج. لكن لم يمر وقت طويل حتى لاحظهما شابٌ في مقتبل العشرينات من عمره، كان مشغولًا بأمر ما، لكنه تركه وتقدّم نحوهما مباشرة.

توقفت نظراته عند ورد، ثم ابتسم بمكر وقال بنبرة متغازلة:

-مرحبًا، أيتها الجميلة... ما رأيكِ أن تأتي معي ونتسلى قليلًا؟

غمز لها وأكمل كلامه بكلمات متلاعبة، متوقعًا أن تذوب خجلًا أو تبتسم له على الأقل.

لكن ورد لم تفعل أيًّا من ذلك، بل تنهدت بضيق وحدّقت به باشمئزاز للحظات، قبل أن تتجاهله تمامًا. لكنّه لم يصمت، بل واصل ثرثرته المزعجة، وكأنه لا يفهم التلميحات الصامتة.

بدأ الأمر يشبه إزعاج ذبابة لن تتوقف حتى تُصفع، وشعرت أنها إن لم تردعه، فلن يتركها وشأنها. ضاقت ذرعًا به، فرفعت عينيها إليه بنظرة حادة ونبرة حاسمة تحمل تهديدًا واضحًا:

-كلمة واحدة إضافية، وسأُريك معنى الالتزام بحدودك.

توقف الشاب للحظة وحدّق بها بدهشة، لكن سرعان ما تدارك نفسه، مدركًا أنها ليست من أهل هذه المدينة. ضحك بسخرية، متجاهلًا تهديدها، وواصل كلامه مرفقًا ببعض العبارات الساخرة.

لم يُدرك مدى خطئه حتى وجد نفسه فجأة محاصرًا بحركة سريعة!

في لحظة، أصبحت ورد خلفه، ممسكةً بذراعه، وقد لوّتها للخلف بقوة، مما جعله يصرخ متألمًا، ليلفت أنظار الجميع داخل المتجر. بدأ همس المتسوقين يملأ المكان، بينما هو يتلوى محاولًا التخلص من قبضتها، لكنه لم يستطع.

-ماذا تفعلين أيتها المجنونة؟!

صرخ غاضبًا، لكن صوته كان مختلطًا بالألم.

ضغطت على ذراعه أكثر، مما جعله يئن ويكتم صرخته. في تلك اللحظة، حاولت رغد التدخل وتهدئة الموقف، لكن... عن من نتحدث هنا؟ ورد لم تكن في مزاج يسمح لها بالتراجع.

ابتسمت بسخرية، وهمست بصوت مسموع:

-نسيتُ أن أخبرك... أجيد القتال، ولا أترك الحثالة أمثالك يفرّون بأفعالهم دون عقاب.

ثم أطلقت سراحه فجأة، ليتراجع خطوتين للخلف وهو يمسك بذراعه المتألمة، بينما كانت نظراته ممتلئة بالصدمة والخزي.

تقدّمت ورد بخطوات واثقة نحو الخارج، وألقت عليه نظرة أخيرة قبل أن تضيف ببرود:

-هذا كان درسًا بسيطًا، فقط لأنك تلاعبت بالكلام. وإن سمعتُ أنك تزعج أي فتاة أخرى... سأكسرها لك هذه المرة.

ثم استدارت نحو رغد، قائلة بنبرة عادية وكأن شيئًا لم يكن:

-لننتظر بالخارج.

تنهدت رغد بإحباط، مدركةً أن محاولة ضبط تصرفات ورد هي مهمة مستحيلة، ثم لحقت بها إلى خارج المتجر

End flach back ||الانتهاء من الماضي

وضع فادي يده على وجهه فور تذكّره تلك الحادثة، ثم همس بصوت مسموع، وكأنه يحدّث نفسه:

-يا إلهي... لقد أخطأت، سيحدث لهم مكروه، وليس لكِ.

نظرت إليه ورد ببلادة وهي تجلس على العشب، ثم سألته مستغربة:

-هل قلت شيئًا؟

أسند ظهره إلى الشجرة وأغمض عينيه، قبل أن يجيب بصوت هادئ:

-لا، لا شيء... أكملِي طعامكِ.

ابتسمت له، ثم قامت بتقسيم ما بيدها وأعطت لكلٍّ منهما جزءًا، قائلةً بحماس:

-فلنتشارك!

بادلها كلٌّ منهما الابتسامة، وأخذا منها ليأكلا. وبينما كانت رغد تتناول طعامها في صمت، تساءلت ورد عمّا كان يشغل بالها:

-فادي، ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟

توقّف للحظة وهو يحدّق في اللقمة التي بيده، وقد استرجع جزءًا من ماضيه. في تلك الأثناء، كانت ورد تتابع حديثها، لكنه كان شارد الذهن تمامًا، حتى اضطرت إلى تكرار نداء اسمه عدة مرات. وحين انتبه أخيرًا، نظرت إليه باستغراب وسألته:

-بماذا كنتَ تفكر؟

ابتسم بخفوت وهو يجيب بصوت هادئ:

-بالحنين.

رمقته ورد بنظرة ماكرة، ثم تظاهرت بالدهشة، ورفعت صوتها متعمدة إغاظته:

-ماذا؟! أكنتَ تفكر في فتاة؟!

حدّقت به في ترقّب، مستمتعة بردة فعله المتوقعة، لكنه اكتفى بإطلاق تنهيدة طويلة، متجاهلًا استفزازها، ثم قال بنبرة حاسمة:

-ورد، أكملي طعامكِ رجاءً، لكي نذهب.

حدّقت في طعامها، ثم رفعت عينيها إليه، قائلةً بتذمّر:

-لكنّك لئيم! لم تخبرني بعد عن حلمك!

عاد ليُسند ظهره إلى الشجرة، ثم ردّ بنفس الجملة التي ملّت من سماعها منذ طفولتها:

-ستعلمين عندما أحقّقه.

كانت تتوقع إجابته مسبقًا، فاكتفت بالردّ بهدوء، بينما تتابع تناول طعامها:

-وأنا كذلك.

رمقها فادي باستغراب، ثم اعتدل في جلسته وسألها:

-وأنتِ كذلك؟ ماذا تقصدين؟

أجابته بثقة يملؤها التفاؤل:

-سأحقق حلمي.

رفع حاجبًا بسخرية، ثم قال بنبرة مستفزّة:

-حقًا؟ وما هو هذا الحلم؟

شعرت بالانزعاج من رده، فأخرجت لسانها في تصرف طفولي قبل أن تحاول تقليده، وهي ترمقه بطرف عينها:

-لن أخبرك، عندما أحققه ستعلم.

ضحك قليلًا، ثم التقط غصنًا من الأرض وبدأ يرسم دائرة في التراب.

راقبته ورد باستغراب قبل أن تسأله بفضول:

-ماذا تفعل؟!

ابتسم وهو يرد بسخرية:

-أرسم ما يحدث الآن، أنتِ تقلدينني، ونحن عالقان في دائرة لا تنتهي من هذا النقاش.

وقفت فجأة، رفعت رأسها نحو السماء، وارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها قبل أن تقول بصوت حالم:

-فكرتُ بأن أصبح محققة مثل والدي، وسأحقق هذا الأمر بلا شك.

نظر إليها مبتسمًا، لكنه أخفى خلف تلك الابتسامة شيئًا من الحزن، وكأن هناك كلمات تحاول أن تجد طريقها للخروج، لكن صوته خرج دون وعي منه:

-لكن ربما...

التفتت نحوه بفضول وقلق، وعيناها تبحثان عن تتمة جملته:

-لكن، ماذا؟

أشاح بنظره بعيدًا، متجنبًا مواجهتها، ثم زفر بخفة قبل أن يغير الموضوع قائلًا:

-لا شيء.

رمقته بانزعاج، والفضول يقتلها، فتحدثت بامتعاض:

-أكمل كلامك، لا تتوقف في منتصفه!

حدق بها بدهشة من ردة فعلها المفاجئة، ثم انفجر ضاحكًا، مما زاد من انزعاجها. زفرت الهواء بضيق قبل أن تكرر بإصرار:

-لا تضحك! هيا، أخبرني.

حاول كتم ضحكته، ثم قال بين ضحكاته:

-حسنًا، حسنًا.

لكن بدلًا من إكمال حديثه، غيّر الموضوع متعمدًا، وأجابها بنبرة هادئة:

-كيف ستحققين هذا الحلم وأنتِ ما زلتِ صغيرة؟ بالإضافة إلى أن لا أحد سيأخذكِ على محمل الجد الآن.

رفعت رأسها نحو السماء، وابتسامة مطمئنة ارتسمت على شفتيها، قبل أن تجيب بثقة:

-أثق بالله، وسيجعل هذا الحلم حقيقة لا محالة. لا أحتاج إلى اعتراف الآخرين، فالأهم من ذلك أن أحقق العدالة وأجعل كل مجرم ينال عقابه.

نظر إليها مبتسمًا، ثم تحدث بنبرة داعمة:

-ونحن سنقف إلى جانبك حتى تحققي هذا الحلم.

التفتت إليهما، وعيناها تلمعان بالامتنان، ثم ابتسمت قائلة:

-شكرًا لكما. دعونا نثبت للجميع أننا قادرون على تحقيق أحلامنا.

ثم واصلت الحديث بمرح، وابتسامة مشرقة تزين ملامحها:

-أرجو من الله أن يوفقنا جميعًا في تحقيق أحلامنا.

بعد أن تذكرت آخر قضية قاموا بحلها، رجعت ورد للجلوس مجددًا، وقالت بحماس:

-وكما فعلنا منذ قليل بحل تلك القضية، سنتمكن في المستقبل من حل الكثير، وسنحقق ما نسعى إليه.

لكن رغد شعرت بالملل من حديثها المتكرر عن التحقيق والعدالة، فاقتربت منها وأغمضت عينيها متظاهرة بالنعاس، قبل أن تقول بمزاح:

-لقد تعبت من حديثكما الممل! ألا يوجد لديكِ أي سؤال مسلٍّ تسأليني عنه؟

نظرت إليها ورد بمكر، وأمسكت بيديها قائلة بنبرة مزاحية:

-رغد، هل لا تزالين تلعبين تلك اللعبة القديمة؟

رفعت رغد حاجبًا، ثم ابتسمت ابتسامة جانبية، وجلست بجوارها بهدوء قبل أن تجيب:

-يا فتاة، لا تحاولي تغيير الموضوع.

ضحكت ورد، ثم رمقتها بمكر وهي تقول بثقة:

-أعلم أن حلمكِ أن تصبحي طبيبة.

رمشت رغد عدة مرات بذهول، فقد كانت تعتقد أنها لم تخبر أحدًا بحلمها سوى شقيقها. نظرت إليها متفاجئة وسألتها:

-كـ... كيف علمتِ بذلك؟

قبل أن تجيبها ورد، انطلق فادي في الضحك وهو يتذكر شيئًا من الماضي، ثم قال بين ضحكاته:

-دائمًا في صغرك كنتِ تتحدثين عن هذا الأمر أثناء نومك.

اتسعت عينا رغد بصدمة، وسرعان ما احمرّ وجهها، فشدت القلنسوة على عينيها بخجل وهي تهتف منكرة:

-أتمزح معي؟! أنا لا أتحدث أثناء نومي!

قهقهت ورد، ثم وقفت ومدت ذراعيها بكسل قبل أن تقول:

-حسنًا، هيا بنا لنكمل طريقنا.

نظر كلاهما إليها بابتسامة، ثم نهضا ليكملا الطريق معها. كانت عينا ورد تلمعان بحماس، والإصرار يشتعل داخلها. خطت خطوات ثابتة نحو مستقبلها، تحمل في قلبها عزيمة لا تكسر، مدركة أن طريق التحقيق ليس سهلًا، لكن إرادتها أقوى من أي إحباط قد يعترض طريقها.

أما صديقتها وجارها، فقد كانا يراقبانها بابتسامة فخورة، مدركين قوتها وإصرارها. كان كلٌّ منهما يدعمها بطريقته الخاصة، مؤمنين بحلمها وسعيها المستمر لتحقيقه. وعلى الرغم من أنهم لا يعلمون ما تخبئه لهم الأقدار، إلا أنهم ظلوا يسيرون بثبات نحو أحلامهم، عاقدين العزم على مواجهتها بكل قوة.

ومضت الأيام سريعًا، حتى مرّ أسبوعان على ذلك اليوم، لتبدأ فصول جديدة من رحلتهم نحو المستقبل المجهول.

........

في ظلمة الليل، كان فادي يركض بسرعة خلف رجل مجهول، يمسك بهاتفه بإحكام بينما يتحدث بصوت متلهف:

"أنا خلفه الآن، أين أنتِ؟"

لكن كل ما سمعه كان صوت إغلاق الخط. كاد أن يعاود الاتصال، لكنه تفاجأ بها تقف أمامهما بثقة، تبتسم بفخر، واضعةً يديها على خصرها وهي تقول بنبرة واثقة:

-لقد أوقعتك في فخي.

لم تمنح المجرم فرصة للهرب، فانطلقت نحوه بسرعة، قائلة بحزم أثناء ركضها:

-هذه المرة لن تفلت! عليك أن تنال عقابك.

بضربة دقيقة إلى ركبته، تلتها أخرى إلى عنقه، تمكنت من إسقاطه أرضًا. ثم أمسكت بتلابيب قميصه بقوة، تستعد لتوجيه ضربة أخرى، لكن فادي تدخل سريعًا، وأبعدها عنه بحذر. نظر إلى المجرم الملقى على الأرض يتلوى من الألم، ثم رفع بصره إليها بعتاب قائلًا بنبرة جادة:

-الهدف من الضرب هو شل حركة العدو، وليس القضاء عليه!

جلست على الأرض متذمرة، وهي تخفض رأسها بخجل، ثم تمتمت بصوت منخفض:

-لن أفعلها مرة أخرى، لكن أسرع في تقييده، سأتصل بالشرطة... أنا أموت جوعًا.

رمقها بنظرة حادة قبل أن يرد بحزم:

-ومن قال لكِ أنه ستكون هناك مرة أخرى؟ تذكري دائمًا، الهدف من القتال هو الدفاع عن النفس أو تحييد الخطر، وليس العنف بلا داعٍ.

تنهد فادي وهو يربط المجرم بإحكام، بينما كان عقله منشغلًا بأمر آخر: كيف وصلت ورد إلى المقدمة رغم أنها كانت خلفه منذ لحظات؟ حدّق بها بدهشة، ثم سألها باستغراب، في حين كانت هي بالفعل قد أنهت مكالمتها مع الشرطة:

-بالمناسبة، كيف وصلتِ إلى هنا بينما كنتِ في الخلف؟

وضعت ورد هاتفها في جيب فستانها الذي يختبئ تحت عباءتها، ثم ابتسمت بفخر وقالت بثقة:

-اختصرت الطريق.

ثم أتبعت حديثها بضحكة بريئة، مما زاد من إحباط فادي، إذ شعر أن جهوده ذهبت هباءً منثورًا، فتمتم بيأس:

-ضاع كل ما أفعله سُدى!

قبل أن يكمل تذمره، سمع صوتًا مألوفًا خلفه، لقد كانت رغد، التي تظهر دومًا في اللحظات غير المتوقعة كالشبح –كما يحب أن يصفها– فأجابت بسخرية:

-لا تكترث، غدًا ستسبقها... إن استطعت.

كتمت ضحكاتها، بينما ارتسمت على وجه فادي علامات الذهول، فاستدار نحوها بسرعة متسائلًا بصدمة:

-متى وكيف وصلتِ إلى هنا؟! هل أنتِ شبح؟ هل تمزحان معي؟!

ضحكت ورد على ردة فعله المبالغ فيها، بينما حاولت رغد بصعوبة كبت ضحكاتها. لكن قبل أن يحتد النقاش بينهما، قاطعت ورد الحديث بعد أن رصدت أضواء سيارة الشرطة تقترب:

-عذرًا على المقاطعة... هيا بنا، لقد وصلت الشرطة. علينا الإسراع إلى المنزل، فأنا أتضور جوعًا، ثم سنذهب إلى منزل السيد ليو لمعرفة آخر الأخبار.

تنهد فادي بتململ وهو يمشي بجوارهما، متحدثًا بنبرة ساخرة:

-آه، نعم، حجّة جيدة... كل ما في الأمر أنكِ جائعة ولا تفكرين سوى في الطعام!

ضحكت رغد ضحكة خفيفة، واضعة يدها على فمها لمنع نفسها من الانفجار ضحكًا، لكن ورد التقطت كلماته رغم محاولته التظاهر بأنه يتحدث بصوت خافت، فاكتفت بوضع يديها في جيوب فستانها وهي ترد ببرود:

-لقد سمعتك، فلا تحاول.

واستمروا في طريقهم، بينما الليل يغطي المدينة بسحره، ونسيمه البارد يرافق خطواتهم نحو مغامرة أخرى.

.......

فور وصولهم إلى المنزل، لاحظت ورد أن اللاصق الذي تضعه على باب منزلها بعد إغلاقه قد أُزيل. توقفت فجأة دون سابق إنذار، مما أثار استغراب مرافقيها.

تنهّد فادي بملل، ثم سألها وهو يرفع حاجبه:

-لماذا توقفتِ الآن؟

ردّت عليه بصوت خافت وملامح متوجّسة، خافضةً صوتها حتى لا يسمعها أحد من داخل المنزل:

-اصمتا، لا تصدرا أي صوت.

ثم بحركة سريعة، فتحت الباب قليلًا بحذر، وأخرجت مسدسًا من خلف ظهرها، قبل أن تصرخ بحزم:

-انبطح! أنتَ محاصر!

اتّسعت عينا الشاب الذي كان في الداخل، وهو يحمل قطعة دجاج بين أسنانه. توقّف عن المضغ وحدّق بها بدهشة، محاولًا التحدث بصعوبة بسبب الطعام في فمه:

-ماذا... هـ.. هـنا.. كـ.. ورد؟

لمعت عيناها بغضب، ثم أعادت المسدس إلى مكانه بعد أن أدركت الخطأ، وسألته بانفعال:

-لقد ظننتُك لصًا! لماذا لم تُشعل الكهرباء بدلًا من الجلوس هكذا؟ وكيف دخلت إلى المنزل أصلًا؟

قبل أن يُجيبها، خرجت فتاة ذات شعر مموج من إحدى الغرف، تحمل قطعة بيتزا في يدها، وتحدثت ببرود وهي تشير نحو الباب:

-كان باب منزلكِ مفتوحًا.

نظر فادي إليهما بابتسامة ساخرة، بينما استند على إحدى الكراسي مستمتعًا بالموقف، في حين كانت رغد تهز رأسها بيأس. من وجهة نظرهما، كانت ورد المخطئة تمامًا، رغم كل هذا الحذر الذي تدّعيه!

جلس فادي على الكرسي الذي كان يستند عليه، قبل أن يتحدث بسخرية وهو يلوّح بيده:

-تتركين منزلكِ مفتوحًا للغرباء، فيأكلون طعامكِ بسلام... الآن عرفتُ لماذا ينتهي مخزون الطعام لديكِ بهذه السرعة. الأمر واضح تمامًا... لا أصدق هذا!

رمقته ورد بنظرة نارية، مما جعله ينهض على الفور ويتراجع بضع خطوات إلى الخلف، رافعًا يديه بتحذير:

-هدّئي من روعكِ، لا تفعلي شيئًا متهورًا!

لكنها لم تُعره اهتمامًا، بل اندفعت نحو الشاب الجالس وأمسكت مقلاة من المطبخ، ملوّحةً بها أمامه بحدة، بينما تقول بغضب:

-كيف تجرؤ على إنهاء الدجاج؟!

ثم استدارت إلى الفتاة الأخرى، محدّقةً بها بنظرة مُتفحّصة قبل أن تسألها بحدة:

-وأنتِ... من أين حصلتِ على هذه البيتزا التي تمسكينها؟!

حدّق فادي ورغد بها بصدمة، متبادلين النظرات بينهما، قبل أن يتحدثا معًا بدهشة:

-كل هذا الغضب... بسبب الطعام؟!

تنهدت ورد بغضب، ثم وضعت المقلاة جانبًا، وأخرجت محفظتها بسرعة، قبل أن تلقيها على الأرض أمامهم بعدما فتحتها ووجدتها فارغة تمامًا. تحدثت بصوت متحسّر، وكأنها قد فقدت آخر أمل لها في الحياة:

-بالطبع أغضب! لقد اشتريته بآخر ما أملك من مال، والآن... لم يتبقَ لديّ شيء حتى أتمكن من شراء غيره!

نظرا إليها بصمت، قبل أن ينفجر فادي ضاحكًا، بينما رغد اكتفت بتنهيدة طويلة، مدركةً أن ورد لن تتغير أبدًا!

أما الشاب ابتسم ابتسامة مشاكسة، ثم مدّ يده نحو ورد، مقدّمًا لها ما كان يأكله، وهو يقول بنبرة ساخرة:

-خذي، إن كنتِ ترغبين في المشاركة.

نظر إليه فادي بضيق، بينما رمقته رغد بنظرة محذرة قبل أن تقول بهدوء وهي تحدّق بصديقتها:

-فادي، هذه الفتاة ستفعل شيئًا غبيًا.

تحوّل نظره فورًا نحو ورد، فالتقط نظراتها التي تحمل فكرة متهورة تومض في ذهنها، ليضع يده على وجهه بإنهاك قبل أن يحذرها بصرامة:

-ورد، اهدئي... لا تتهوري.

لكنها نظرت نحوه بوجه عابس، ثم تجاهلته تمامًا، وتقدّمت نحو طاولة الطعام، ثم التقطت أحد الصحون بيدها، ملوّحةً به باتجاه الشاب، وهي تعلن بجرأة:

-سأبيع هذا الصحن وأحصل على المال منه!

وفي اللحظة التالية، انزلقت يدها عن غير قصد، لتفلت الصحن فجأة! حاولت الإمساك به بسرعة، لكن محاولتها باءت بالفشل، ليسقط الصحن على الأرض في مشهد بطيء، متزامنًا مع صرختي رغد والفتاة الأخرى:

-مـاذا تـفعـلين؟!

-لااا، ورد!!

ركضت رغد نحو بقايا الصحن الملقى على الأرض، وحدّقت إليه بصدمة وكأن جزءًا من روحها قد تحطّم معه، قبل أن تهتف بذعر:

-يا إلهي... لقد كسرتِ...

ثم أكملت بانفعال، مشيرة إلى القطع المبعثرة وكأنها تتحدث عن كنز ضائع:

-كسرتِ ما جلبه السيد ليو من اليابان! تعلمين أن هذا الصحن كان غالي الثمن!

أما ورد، فاكتفت بطيّ ذراعيها أمام صدرها، وهي تحدّق ببقايا الصحن ببرود قبل أن ترد بلا مبالاة:

-سنشتري غيره.

اتسعت عينا رغد بصدمة، قبل أن تتقدم نحوها بخطوات غاضبة، وصرخت بانفعال:

-أنسيتِ أننا لا نملك المال الكافي يا عبقرية؟!

في تلك اللحظة، نظر فادي إلى المشهد أمامه، وأغمض عينيه وهو يتمتم بيأس:

-ليس مجددًا...

ثم قاطعهما محاولًا تهدئة الوضع قبل أن يتفاقم، ونظر إلى ورد بجدية قائلًا:

-اهدأا، وأنتِ يا ورد... لدينا حديث طويل لاحقًا.

ابتلعت ورد ريقها بتوتر، وأدركت خطأها أخيرًا. نظرت نحو صديقتها، وشعرت بالأسف، فتنهدت قبل أن تقول باعتذار صادق:

-رغد، أعتذر على ما فعلته.

تأملتها رغد بصمت للحظات، بينما كانت ورد تشعر بالندم تحت أنظار الجميع. لكن، على غير المتوقع، ابتسمت رغد فجأة، وتقدمت نحوها لتعانقها قائلة بمحبة:

-أيتها المجنونة، هل تعتقدين أن صحنًا واحدًا سيفسد ما بيننا؟ أنتِ صديقتي!

شعرت ورد بالامتنان واحتضنتها بدورها، بينما كان الجميع يبتسم لهذه اللحظة اللطيفة. إلا أن الفتاة ذات الشعر المموج قطعت الأجواء بدعابة ساخرة:

-معذرةً على مقاطعة هذه اللحظة العاطفية، لكن ألن تخبرهم يا ليو بالأمر؟

توجهت الأنظار إلى ليو، الذي استقام في جلسته، ووضع بعض الملفات على الطاولة أمامه، ثم تحدث بنبرة جادة:

-جئتُ لأخبركم بشأن المدينة المجاورة، حيث وقعت فيها جريمةُ قتل. اعتقدتُ أن هذا قد يثير اهتمامكم.

ما إن أنهى كلماته، حتى اندفعت ورد نحوه، وأمسكت أحد الملفات بسرعة، بينما قالت بحدة:

-كيف يمكنك أن تخبرنا بهذا الآن؟ أرني جميع الملفات فورًا!

ناولها ليو باقي الملفات بهدوء، لكنه رمقها بنظرة تحذيرية تسببت في توتر رغد والفتاة الأخرى، قبل أن يقول بجدية:

-ورد، لا تتهوري. المعلومات التي وصلتنا تشير إلى أن هؤلاء مجرمون خطيرون، وحتى الآن لا أحد يعلم عنهم الكثير. هذا الملف سري، وإذا قمتِ بأي تصرف طائش... فأنتِ تعرفين العواقب جيدًا.

لكنها لم تستمع إليه، وأدرك ذلك فورًا، فتنهد بضيق، بينما كان فادي منشغلًا بتقليب الصفحات بتركيز. وبعد لحظات من الصمت، تساءلت رغد وهي تراقبهما باهتمام:

-هل وجدتما شيئًا؟

رفعت ورد عينيها عن الملف، ثم نظرت إلى فادي وليو قبل أن تقول بنبرة جادة:

-فادي، السيد ليو، هل لاحظتما هذا؟

أخذ ليو الملف منها، ودقق النظر في المعلومات، حتى أدرك ما كانت تشير إليه، فرفع حاجبه بدهشة وقال:

-إنهم يستهدفون الشرطة...؟

ثم زفر بضيق، قبل أن يضيف بنبرة معاتبة:

-وبالمناسبة، ألم أقل لكم من قبل ألا تضيفوا ”سيد“ ما زلتُ شابًا!

قلبت ورد عينيها بملل، متجاهلةً تعليقه، ثم تطرقت إلى صلب الموضوع مباشرة:

-نعم، إنهم يقتلون أي شخص يعمل في الشرطة، وحتى أبناء الضباط والمحققين، حتى لا يحذوا حذو آبائهم.

ساد الصمت للحظات مشحونة بالتوتر، قبل أن تشير ورد إلى أحد الملفات الأخرى، وهي تضيف بقلق:

-وفي هذه القضية... استهدفوا أحد المحققين.

ضيق ليو عينيه، ثم قال بنبرة تحذيرية واضحة:

-معنى ذلك أنه يجب عليكم أن تكونوا أكثر حذرًا. أنتم في خطر الآن، وإذا واصلتِ تصرفاتك المتهورة، فقد تلقي بنا جميعًا إلى الهاوية، ورد.

عبست ورد وشعرت بثقل الموقف، ثم حدقت في الملفات بصمت قبل أن تلتفت نحو رغد وفادي، مترددة وهي تقول:

-لا أعلم ما يجب علينا فعله، لكن...

ابتسم فادي مدركًا دوافعها الداخلية، ثم أغلق الملف الذي كان يحمله، وألقاه جانبًا، قبل أن يقول بثقة:

-فهمتُ قصدكِ... ليس لدينا خيار آخر.

ثم تابع بنبرة حاسمة، وهو ينظر إليهم:

-سنذهب في فجر الغد...يتبع

《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهات الحلم

المؤلف نارة لوما
2024/06/08 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة