《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》 《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》 نبدأ بسم الله... ______________ خرجت رغد من المرحاض، منشفتها على شعرها، تجففه برفق. ألقت نظرة سريعة على الغرفة، فلم تجد سوى أكينا غارقة في نوم عميق، لا تشعر بشيء. أطلقت تنهيدة خفيفة وجلست على فراشها، تغمرها أفكار مختلطة. كانت تعرف أن ورد لن تهدأ بسهولة، وتمنت في أعماقها ألا تتسبب صديقتها في مشكلة جديدة. توقفت عن تجفيف شعرها وهمست بيأس، وهي تحدق في الفراغ: -من المؤكد أنها ستجد طريقة للصعود إلى السطح، حتى لو تطلب الأمر المستحيل. ابتسمت بخفة عندما تخيلت ورد وهي تقحم نفسها في موقف جديد. هزت رأسها بأسف، ثم وضعت المنشفة جانبًا وأخذت تمشط شعرها ببطء، أفكارها تتقافز بين التساؤلات. كانت تلاحظ تصرفات ورد في الآونة الأخيرة، تشعر أن هناك شيئًا تخبئه. تذكرت كيف تغيرت ملامحها عندما أمسكت بذراعها، وكيف كانت ورد دائمًا تخرج من المواقف بحجج واهية كلما حاولت رغد مواجهتها. بعد أن انتهت من تمشيط شعرها، ألقت نظرة على ملابسها، تتساءل عما ستفعله بعد ذلك. استقر قرارها أخيرًا على ارتداء الرداء الأسود. وقفت أمام المرآة للحظة، ثم غادرت الغرفة، تسير في الممرات بخطوات هادئة. توقفت فجأة عندما رأت فادي جالسًا، يضع رأسه للخلف وعيناه مغمضتان، ملامحه مرهقة بشكل واضح. وقفت في مكانها تراقبه بصمت. لو كانت ورد هنا، لذهبت إليه وحاولت التخفيف عنه بطريقة ما، أما هي، فاكتفت بأن تلهج بالدعاء له في قلبها. تنهدت وهي تعود أدراجها، تشعر بغصة في حلقها، ألم يعتصرها وهي ترى من تهتم لأمرهم يعانون بصمت. توقفت للحظة، رفعت رأسها محاوِلة تهدئة نفسها. نظرت أمامها، فرأت بعض الأشخاص جالسين وآخرين يسيرون باتجاهات مختلفة. استجمعت شتات أفكارها وأكملت سيرها بخطوات متزنة حتى وصلت إلى الغرفة. بينما كانت ورد تقف مكانها على السطح، سمعت ضحكة خافتة خلفها، تبعها صوت ساخر يقول: -بالطبع، فأنتِ مررتِ بعدة مشاكل. تجمدت ملامحها، واستدارت باندهاش لترى من خلفها، وهمست بدهشة: -أنت! ابتسم لها بهدوء، ثم أشار خلفها محاولًا تحذيرها، لكن تحذيره جاء متأخرًا. انزلقت قدمها فجأة وكادت تسقط، لولا أنه أمسك بها بسرعة، رافعًا إياها بثبات. زفر بخفة وهو يقول بنبرة ساخرة: -ألم أخبركِ أنكِ تجذبين المشاكل؟ احمرت وجنتاها خجلًا، فالتفتت إلى الجهة الأخرى، محاولة إخفاء ارتباكها. وبينما تعاتب نفسها في صمت، تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها: [ ليتني لم أصعد هنا! ] مرّت لحظات من الصمت المحرج، ثم تنفست بعمق محاولة استعادة كبريائها. عقدت ذراعيها أمام صدرها وتحدثت بثقة مصطنعة: -حسنًا، ربما أنت محق في هذه النقطة، لكن... لم تكمل جملتها، إذ قاطعها بنبرة هادئة بينما كان مستلقيًا على ظهره، يحدق في السماء بلا مبالاة: -أنتِ! كيف صعدتِ إلى السطح على الرغم من أن الوصول إليه ممنوع؟ نظرت إليه بامتعاض بسبب أسلوبه اللامبالي، ثم ردت بابتسامة ماكرة، وعيناها تشعان بنبرة انتصار: -مثلما صعدت أنت! نهض الشاب بجزء من جسده وهو يحدق بها بدهشة طفيفة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة تبعتها ضحكة خافتة. لم يكن معتادًا على هذا الأسلوب في الحديث معه، خاصة من أحد يُظهر الجرأة والتلقائية. كان صمته مربكًا لها؛ لم يجب على كلماتها بل عاد للتحديق في السماء، مما أثار حيرتها. لقد لاحظت أنه لم يتصرف معها كما يفعل الآخرون؛ لم يُظهر نظرات فضولية أو يحاول التقرب منها. بدا وكأنه يلتزم بأخلاقية صارمة، أو ربما يغض بصره عمدًا. حاولت أن تنفض هذه الأفكار عن رأسها، لكنها لم تستطع مقاومة فضولها. بعد لحظة من التردد، فتحت فمها لتسأله، لكن هذه المرة بسؤال فضولي لم تستطع كبحه: -ما هي ديانتك؟ تغيرت ملامحه فجأة، واختفت الابتسامة الساخرة عن وجهه لتحل محلها واحدة هادئة وصادقة، وكأن السؤال أيقظ في داخله ذكرى بعيدة أو شعورًا خاصًا. نهض من مكانه ببطء، متجهًا نحو باب السطح وكأنه ينوي المغادرة، لكنه توقف فجأة، والتفت نحوها جزئيًا، متسائلًا بنبرة غامضة ومبهمة: -ولماذا يهمكِ الأمر؟ كانت نبرته تحمل شيئًا لم تفهمه، ربما حذرًا أو شيئًا آخر لا تستطيع تحديده. شعرت بالحرج من فضولها المفاجئ وغير المبرر، فتلعثمت وهي تخفض عينيها: -عذرًا... كان ذلك تطفلًا مني! حاولت أن تخفف من حدة الموقف بكلماتها، لكنها شعرت بعدم الارتياح. نظر إليها بطرف عينه للحظات، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وقال بنبرة تحذيرية، ولكنها غير قاسية: -الفضول ليس جيدًا دائمًا، يا صغيرة. ثم أكمل طريقه مغادرًا السطح بهدوء، دون أن يضيف كلمة أخرى. بدا وكأن ما حدث لم يترك أثرًا عليه، لكنه تركها غارقة في أفكارها المتضاربة. شعرت بندم عميق على تطفلها، وأخذت تعاتب نفسها بصمت. أثناء نزوله، مر بجانب ليو الذي حدق به بنظرة مشحونة بالتجهم. اختار أن يتجاهله تمامًا لتجنب أي مواجهة، بينما رمقه ليو بامتعاض قبل أن يصعد هو الآخر إلى السطح. عندما وصل، وجد ورد جالسة بمفردها تحدق في السماء بعمق. تقدم نحوها وبدأ الحديث بنبرة هادئة: -توقعت أن أجدكِ هنا. التفتت ورد نحوه بابتسامة هادئة وقالت: -هذا مؤكد، فهو مكاني المفضل. كانت كلماتها هادئة ونابعة من صدق. لطالما شعرت بالاحترام تجاه ليو، لأنه لم يكن من النوع المتعجرف الذي يتصرف دون تفكير أو يتلاعب بمن حوله. على العكس، كان دائمًا حريصًا على سلامتهم، وقلبه الصادق كان يظهر في أفعاله. صمتت للحظة، ثم أعادت نظرها إلى السماء، متابعة: -أتذكر أن أول لقاء بيننا كان هنا... على السطح. ابتسم ليو بخفة، وضحك بهدوء كما لو أن الذكرى عادت إليه. كان أول لقاء بينهما يحمل ذكرى مميزة، لعلها كانت البداية الحقيقية لتغيره. Flach back || الإسترجاع الماضي في إحدى الليالي الهادئة، على سطح أحد النزل، كانت فتاة تستلقي على الأرض بارتداء رداء أسود، تحاول الاسترخاء بعد يوم طويل. فتحت عينيها ببطء لتجد شابًا يحدق بها بابتسامة عفوية، قائلًا بمرح: -مرحبًا. اعتدلت في جلوسها بخجل واضح من الموقف، وقالت بتلعثم، وقد تسرب الخجل إلى نبرتها: -مـ... منذ متى وأنت هنا؟ ضحك الشاب بخفة وهو ينظر إليها، لم يكن يتوقع أن الفتاة القوية التي رآها تواجه المجرم بثقة تتحول إلى هذا القدر من الارتباك. ثم أجابها بلباقة: -لأكون صريحًا، منذ لحظة نومك. كنت أراقبكِ بسبب القضية الأخيرة التي حليتها. على الرغم من صغر سنك، إلا أنكِ أثرتِ إعجابي. نهضت الفتاة بانزعاج، فقد شعرت بأن كلامه قد يكون مشابهًا لتصرفات الشباب الطائشين. استعدت بوضعية قتالية، لكنها توقفت فجأة عندما رأته ينحني ويمسك بطنه من شدة الضحك. بدا واضحًا أنه لم يستطع التحكم في نفسه، مما زاد من غضبها. اعتقدت أنه يسخر منها، فتحدثت بنبرة حادة: -أنت! على ماذا تضحك؟ توقف الشاب عن الضحك بعد أن لاحظ انزعاجها، وقبل أن يجيبها، قُطع حديثه بصوت آخر قادم من خلفهم: -وأخيرًا وجدتك... بسببك فقدتُ كل ما أكلته اليوم! بعد أن أنهت الفتاة حديثها، رفعت رأسها لتجد شخصًا آخر معهم، صديقها يحدق بها مبتسمًا بخفة، بينما ورد ترمش بعينيها عدة مرات، غير مستوعبة ما يحدث. شعرت بالخجل، وحمحمت بهدوء قبل أن تتحدث بصخب وهي تشير إلى ورد التي كانت تقف في صمت: -مهلًا، أليست هذه هي الفتاة البارعة التي حلت القضية؟ قالت ذلك بحماس، ثم وجهت نظرها نحو الشاب الذي رد بابتسامة مشجعة: -نعم، وهي السبب في نجاح المهمة الأخيرة. ثم التفت إلى ورد مجددًا، متحدثًا بنبرة مطمئنة: -انظري، أنا لستُ من النوع الذي تعتقدين. ابتسم برفق واستطرد: -أنتِ موهوبة جدًا، وهذا واضح. القضية الأخيرة أثبتت قدراتكِ، وأريد أن أعرض عليكِ فرصة جديدة. هناك قضية أخرى تحتاج إلى شخص ذكي ومثابر مثلكِ. ورد، رغم دهشتها وسعادتها بما سمعت، ظلت متحفظة. لم تكن تثق بالغرباء بسهولة، لذا حدقت في الشاب بتردد، تحاول تقييم صدق نواياه. تنهد الشاب عند ملاحظته لنظراتها المشكوكة، ثم تحدث بهدوء وثقة: -انظري، لست مخادعًا، ولا أفكر في أي شيء مما قد يخطر ببالك الآن. فقط أردتُ أن أقول إنني أبحث عن مجموعة من المحققين الموهوبين لتشكيل فريق خاص. هل ترغبين في الانضمام إلينا؟ ظلت ورد تحدق فيه بعدم ارتياح، أفكارها تتزاحم حول غرابة عرضه وسرعته في اقتراح شيء بهذا الحجم. بعد لحظات من الصمت، تحدثت بنبرة مشوبة بالشك: -ولماذا عليّ أن أثق بك؟ ابتسم الشاب، ثم انفجر في ضحكة قصيرة مكتومة، قبل أن يرد بثقة: -لأنكِ بحاجة إلى هذه الفرصة، حتى وإن لم تري ذلك الآن. مدّ يده وأخرج بطاقة تعريفية من جيبه، قائلًا مطمئنًا: -على أي حال، اسمي تسوروجا ليو، شرطي ياباني. أنا مسؤول عن فريق خاص، وأبحث عن أفراد موهوبين. هذا هو رقم هاتفي، فكري في الأمر جيدًا. ناولها البطاقة التي تحمل اسمه ورقمه، بينما كانت تحدق فيها بذهول، تردد كلامه في ذهنها: تسوروجا ليو، شرطي ياباني؟ غرقت ورد في التفكير، تحاول تحليل العرض الذي يبدو مغريًا، لكنها كانت تعلم أنه يحمل معه مخاطر. ماذا لو رفضت؟ هل ستحصل على فرصة مماثلة؟ وإن وافقت، هل ستكون مستعدة للمشاكل التي قد تواجهها؟ أخيرًا، رفعت عينيها نحوه وأجابت بهدوء، تحاول إخفاء حيرتها: -حسنًا، دعني أفكر في عرضك في الوقت الحالي، سيد ليو. كانت مصممة على عدم إظهار حاجتها، فكبرياؤها منعها من الموافقة الفورية. خططت للحديث مع رغد وفادي، فكلاهما يملك رأيًا متزنًا، وقد يساعدانها على اتخاذ القرار. بينما كانت تقلب البطاقة بين يديها، لاحظ ليو صمتها الطويل، لكنه توقف لوهلة عندما أدرك شيئًا غير معتاد. ابتسم بخفة وقال بنبرة هادئة: -عادةً، في مثل هذه المواقف، نستخدم الألقاب عند المخاطبة. رمقته ورد باستغراب، ثم أجابت بارتباك: -لكنني قلتُ "سيد ليو"، أليس هذا لقبًا؟ من الخلف، كانت أكينا تراقب المشهد وهي تحاول كتمان ضحكتها، مدركة أن ورد لا تعلم ما فعلته. أما ليو أوضح لها بصبر: -صحيح، لكن في ثقافتنا، من المعتاد استخدام اللقب مع اسم العائلة، وليس الاسم الأول. مثلًا، "السيد تسوروجا" وليس "السيد ليو". أومأت ورد باستيعاب، بينما شعرت بحرج طفيف، لكنها سرعان ما تماسكت وقالت معتذرة: -فهمتُ الآن، لم أكن أعلم ذلك. ابتسم ليو مطمئنًا وقال: -لا بأس، مجرد تفصيل ثقافي. ثم استدار نحو الباب، بينما سبقتهم أكينا بالنزول وهي تضحك، مدركة أنه كان يمازحها لا أكثر. فمن المستحيل أن يتحدث ليو في مثل هذه الأمور خلال أول لقاء، وربما كان يختبر ورد، هكذا فكرت أكينا. وقبل أن يغادر، توقف والتفت قائلًا: -حسنًا، نلتقي غدًا... وأخبري رفاقك عن العرض. أنهى حديثه بلطف، ثم غادر المكان بهدوء. بقيت ورد في مكانها، تشد على البطاقة بيدها، تأخذ نفسًا عميقًا لاستعادة هدوئها. وقفت للحظات قبل أن تغادر السطح بدورها، عازمة على إخبار رغد وفادي بكل ما حدث. End flach back || الانتهاء من الماضي استيقظ من شروده ونظر إليها، ليجدها ما تزال تحدق في نجوم السماء بصمت وسكون. ابتسم وهو يتأمل شخصيتها الفريدة. كم كانت ورد دائمًا متهورة، تجذب المشاكل نحوها كالمغناطيس. قهقه بخفة على هذا التشبيه الذي بدا دقيقًا بالنسبة إليه. لقد أدرك كم غيّر وجودهم في حياته للأفضل. كان يراقب أفعالهم كثيرًا، ويرى كيف تميز كل فرد بشخصيته المختلفة. ورد، بجرأتها واندفاعها، تخوض المغامرات دون خوف، بينما رغد كانت نقيضها تمامًا. قليلة الكلام، تختصر ردودها في عبارات مقتضبة، ليس معه فقط، بل حتى مع فادي، الذي جاء برفقتهم ويقيم معهم في نفس المكان. لكن المثير للاهتمام كان تعامل ورد مع فادي. كانت علاقتهم غامضة، مليئة بالراحة والانسجام الذي لم يستطع تفسيره. وميض فكرة التساؤل عن سر علاقتهما مر في ذهنه للحظة، لكنه قرر كبح فضوله عندما رأى ورد مستغرقة في هدوء لحظتها. قرر أن يتركها لتستمتع بذلك الهدوء، فذهب متجهًا نحو باب السطح. قبل أن يغادر، التفت إليها وقال بنبرة تحذير مليئة بالاهتمام: -لا تبقي هنا بمفردك في الليل، وابتعدي عن المشاكل قليلًا. ثم غادر دون أن ينتظر ردها. بعد رحيله، نظرت ورد نحو الباب لبضع لحظات، وكأنها تفكر في كلماته. تنفست بعمق محاولة استعادة راحتها، ثم استلقت على أرض السطح. حاولت أن تفرغ ذهنها من الأفكار، لكنها فشلت، إذ كانت أفكارها تتزاحم دون توقف. شعرت بالانزعاج من عجزها عن العثور على السلام الداخلي، فنهضت بعد دقائق من المحاولة، وغادرت المكان بصمت، تبحث عن شيء آخر يهدئ أفكارها. أثناء سيرها نحو غرفتها، سمعت أصواتًا مألوفة تتسلل إلى أذنيها. توقفت، ثم اقتربت بحذر من السور ونظرت أسفله. صُدمت مما رأته: ليو يقف أمام ويليام، وجهه غاضب ومليء بالسخط، وكأنه على وشك الانتقام. ويليام بدا غير مكترث، يتأهب للرحيل. لكن ليو، الذي غلبه الغضب، وجه لكمة مباشرة إلى وجهه، مما أجبر ويليام على التوقف. حاول ماكس، صديق ويليام، التدخل، لكن الأخير رفع يده بإشارة حاسمة، قائلًا بنبرة هادئة مليئة بالسيطرة: -لا تتدخل، ماكس. تراجع ماكس على مضض، بينما أخرج ويليام مسدسًا بهدوء قاتل. أدار السلاح بحيث كان يواجه نفسه، ثم قدمه إلى ليو قائلًا ببرود: -خذ... إن كنت ترغب في الانتقام، اقتلني الآن دون تردد. هذه فرصتك، ولن يتدخل أحد هذه المرة. كانت كلماته تبدو وكأنه يختبر ليو، إذ كان يعلم جيدًا أنه لن يجرؤ على ذلك. لكن ليو، على غير المتوقع، أمسك السلاح بعد لحظات من التردد، وكأنه جاد في الأمر. رفع السلاح، مشددًا قبضته، وكاد أن يطلق النار. فجأة، صرخت ورد من الأعلى، صوتها مليء بالدهشة والخوف: -لا تطلق! حاولت أن تتحرك بسرعة، حتى كادت أن تقفز من السور في تهور. ولكن قبل أن تصل، ظهر مايكل فجأة، واتجه نحو ليو، ممسكًا بلطف بمعصمه الذي يحمل المسدس، محاولًا تهدئته بنبرة مرحة تتناقض مع نظراته الجادة: -اهدأ، يا رجل، الأمر لا يستحق. حدق ليو في مايكل بغضب، مشددًا على كلماته بصوت مختنق بالحقد: -لا تتدخل! فتح مايكل فمه وكأنه على وشك الرد، لكنه توقف فجأة عندما لمح ورد تركض نحوهم بسرعة. أطلق تنهيدة مزجت بين السخرية والجدية، وقال بلهجة هزلية: -من التالي؟ يبدو أنني أعيش حلقة درامية اليوم! وصلت ورد وهي تلهث من الركض، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الغضب والقلق. نظر إليها مايكل بابتسامة مستفزة وقال ممازحًا: -يا فتاة، لا تعبسي هكذا، التجاعيد ستغزو وجهك! لكن ورد رمقته بنظرة مظلمة جعلته يبتعد بخفة، متجنبًا الدخول في صدام معها. في تلك اللحظة، كان ليو يرفع السلاح مجددًا نحو ويليام، وصرخ بغضب: -ابتعدا! هذا ليس شأنكما! لم تستطع ورد تحمل المشهد أكثر، فجزت على أسنانها من شدة الانزعاج. قفزت بخفة، وركلت يد ليو ليسقط السلاح منها على الأرض، ثم صرخت بصوت عالٍ مغلف بالعتاب: -أتنوي قتله من أجل الانتقام حقًا؟ أخذت نفسًا عميقًا لتلتقط أنفاسها ثم تابعت، صوتها مليء بالاستياء: -لا أعلم ما الذي حدث بينكما في الماضي، لكن ألا يمكن أنه ندم وتاب؟ ألا يمكنك التفكير بطريقة مختلفة؟ لكن كلماتها لم تصل إلى ليو، فقد بدا غارقًا في غضبه. نظر إليها بنظرة شرسة لم ترها من قبل، وصرخ بصوت كاد يزلزل المكان: -لا! هذا الشخص لم ولن يندم على ما فعله. أنتِ لا تعرفين شيئًا عنه! لا تنخدعي بوجهه الهادئ. تراجعت ورد خطوة إلى الخلف، ولأول مرة شعرت بالخوف من ليو. لم يكن خوفًا نابعًا من ضعفها، بل من صدمتها برؤية شخص تعرفه يغمره هذا الغضب الأعمى. فادي لم يكن معها الآن، وهذا زاد من شعورها بالوحدة والارتباك. غصة مؤلمة خنقت حلقها، لكنها أغمضت عينيها بإحكام محاولةً استعادة تماسكها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم فتحتهما ببطء، وقالت بصوت مهتز، لكنه لم يخلُ من الثبات: -لماذا تسمح لحقدك بأن يسيطر عليك؟ لماذا تستسلم لهذا الغضب؟ كدت أن تقتل شخصًا الآن! ألم تكن دائمًا تخبرنا أننا لا نلجأ للعنف إلا في حالات الضرورة القصوى؟ كدت أن تتحول إلى قاتل، سيد ليو! هذا ليس أنت. أنهت حديثها بنبرة عتاب، وعينيها تعكسان خيبة أمل عميقة. تجمد ليو في مكانه، وكأن كلماتها اخترقت جدار غضبه. تراجع بضع خطوات للخلف، وألقى نظرة سريعة على السلاح الذي سقط، ثم نظر إلى ورد. رأى في عينيها شيئًا هزه من أعماقه، شيئًا جعله يدرك فداحة ما كان على وشك القيام به. أخفض رأسه قليلًا وتحدث بصوت مليء بالأسف: -شكراً لكِ... وأعتذر عن كل ما بدر مني. ثم استدار بسرعة، وغادر المكان بخطوات ثقيلة متجهًا إلى مكانٍ يختلي فيه بنفسه. شعر بثقل كبير في صدره، وكأن ما حدث أعاد له مشاعر ظن أنه قد دفنها منذ زمن. بعد مغادرة ليو، استدار مايكل وهو يهم بالمغادرة، وقال بنبرة هادئة تحمل تقديرًا: -أحسنتِ يا فتاة... ولا تقلقي، سيهدأ قريبًا. تركها بعد تلك الكلمات وغادر المكان، بينما ظلت ورد واقفة تحدق بالأرض، وقد غمرها حزن عميق. لطالما كرهت الخلافات والمشاحنات. لاحظ ماكس حالتها، فاقترب منها بخطوات هادئة وقال بامتنان: -شكرًا لكِ على ما فعلتِ، وأعتذر عن الإزعاج. رفعت ورد رأسها ببطء، نظرت إليه بنظرة خالية من التعبير للحظة، ثم هزت رأسها نفيًا وقالت بارتباك: -لم أفعل شيئًا يذكر... فقط تصرفت كما سيفعل أي شخص آخر في مثل هذا الموقف. ثم التفتت إلى ويليام ونظرت إليه بنظرة حادة، وقالت بنبرة صارمة: -لا أعلم ما الذي يحدث بينكما، أيها المتعجرف، لكن أتمنى من الله أن يصلح ما بينكما قريبًا. بعدها وضعت يدها على جهة صدرها الأيسر وقالت بهدوء: -عن إذنكما. غادرت بخطوات سريعة، وكأنها تهرب من المشهد بأكمله. وصلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت للحظة تلتقط أنفاسها بصعوبة، جسدها يرتعش قليلًا بسبب التوتر. لاحظتها كل من رغد وساكورا اللتان كانتا في الغرفة، وبدا عليهما القلق، لكن قبل أن تطرح أي منهما سؤالًا، رفعت ورد يدها بإشارة لوقف الحديث وقالت بإرهاق: -لا تسألني شيئًا، رجاءً. تقدمت نحو الفراش بجانب رغد التي كانت تراقبها بقلق واضح. خلعت شالها ببطء، ثم ارتدت طاقية صوفية واستلقت على جانبها الأيمن. همست بصوت منخفض، وكأنها تخاطب نفسها: -فلتنمِ يا رغد. بدت رغد وكأنها على وشك أن ترد، لكنها التزمت الصمت، مكتفية بالنظر إليها. ابتسمت رغد قليلًا، ثم استلقت بجانبها، لكنها لم تنم. كانت تشعر أن شيئًا ما يثقل كاهل ورد. بعد لحظات، وضعت ورد يدها على صدرها، وكأنها تحاول تهدئة نبضات قلبها المتسارعة، ثم همست بصوت بالكاد مسموع: -رباه! كدت أن أموت بتهوري. انتبهت رغد لهمسها، فالتفتت نحوها وسألت برفق: -لماذا لم تنامي بعد؟ نظرت ورد إليها، محاوِلة التظاهر بالتماسك، لكن ارتعاش جسدها الطفيف فضح مشاعرها. عندها، اعتدلت رغد في جلستها وفتحت ذراعيها بحنان، في إشارة واضحة لاحتضانها. لم تتردد ورد، فنهضت بسرعة وعانقتها بشدة، وكأنها تستمد القوة من هذا العناق. بدأت رغد تمسد على ظهرها برفق، تُطمئنها بأنها ليست بمفردها، وأنها لن تواجه مخاوفها أو أوجاعها وحدها. دفء رغد وهدوؤها أعادا لورد شعور الأمان، وسرعان ما هدأت واستغرقت في النوم بين ذراعيها. كانت ساكورا تراقب المشهد بصمت وابتسامة دافئة ترتسم على شفتيها. أدركت من تلك اللحظة أن علاقة ورد ورغد ليست مجرد صداقة عادية، بل كانت أعمق بكثير، كأنهما شقيقتان تتشاركان كل شيء. بعد مغادرة ورد، دخل ماكس إلى الغرفة متثاقلًا، وألقى بجسده على إحدى الأرائك، ووضع يديه خلف رأسه، ثم قال بنبرة ساخرة: -مع كل هذه المشاكل، لماذا كان علينا مواجهة ليو اليوم؟ نهض من مكانه واتجه نحو ويليام بخطوات متسارعة، متحدثًا بنبرة عتاب مشوبة بالغضب: -وفوق كل هذا، هل جننت؟ تعطيه السلاح ليقتلك؟ رفع ويليام نظره نحو ماكس، وكان الحزن واضحًا على ملامحه. ثم أعاد بصره إلى النافذة، متحدثًا بنبرة منكسرة: -حتى لو قتلني، لن ألومه. تجهم وجه ماكس، وازداد ضيقه من رد ويليام، فاندفع بالكلام، محاولًا كبح شعور الإحباط: -لا، ليس كذلك! هو لم يعرف القصة من البداية، ولم يمنحك حتى فرصة لتوضيح الأمر يومها. بدأ ماكس يجول في الغرفة بانفعال واضح، متحدثًا بصوت مرتفع: -لا أدري ما الذي كنت سأفعله لو حدث لك مكروه! ربما كنت سأفقد عقلي وأهاجمه أنا أيضًا... لولا تدخل تلك الفتاة، لكانت الأمور قد خرجت عن السيطرة تمامًا. توقف ماكس فجأة، كأن ذكريات معينة طافت في ذهنه. رسم ابتسامة جانبية على وجهه وقال بنبرة مشاكسة: -على ذكرها، من المثير أنك لم تغضب عندما نعتتك بالمتعجرف. تجاهل ويليام تعليق ماكس، واكتفى بإخراج هاتفه من جيبه ليتفقد الوقت. لم يُثنِ ذلك ماكس عن متابعة كلامه بمكر وابتسامة عريضة: -أتساءل ما ستكون ردة فعل أسيل عندما تعلم بالأمر؟ نظر ويليام إليه للحظة بنظرة جامدة، لكنه لم يعلق، ما دفع ماكس إلى المضي قدمًا في استفزازاته: -وماذا عن أختك؟ هل ستخبرها أيضًا بما جرى؟ جلس ويليام بصمت على الأريكة وحدق في الفراغ، قبل أن يتحدث بشرود: -ليت الأيام تعود... فقط لأتمكن من إصلاح ما فات. تبدل تعبير ماكس إلى الحزن، واقترب منه بخطوات هادئة، قائلًا بصوت خافت ومواسي: -لا تقل ذلك، لا يزال لدينا فرصة للمحاولة. في تلك اللحظة، انتفض ويليام بغضب مكبوت، وضرب زجاج الطاولة بيده دون وعي، فكسره. صرخ بصوت غاضب، ناظرًا إلى ماكس: -هذا غير صحيح! ربما نملك فرصًا لأنفسنا، لكن بالنسبة للبشر... لا! وقف للحظات يلتقط أنفاسه المتسارعة، ثم استدار متجهًا نحو المرحاض. وقبل أن يدخل، قال بنبرة هادئة رغم اضطرابه: -سأذهب للاستحمام... آسف بشأن الزجاج. ابتسم ماكس بلطف وقال محاولًا تهدئته: -لا بأس، سأهتم بالأمر لاحقًا. رد ويليام بابتسامة باهتة قبل أن يدخل المرحاض ويغلق الباب خلفه. وقف أمام المرآة، يحدق في انعكاسه بينما تتردد في ذهنه صورة امرأة ذات شعر برتقالي طويل، وعينين خضراوين لامعتين، وبشرة صافية دائمة الابتسام. ارتسمت على وجهه ملامح الحزن وهو يهمس لنفسه: [أنا تائه... ليتكِ كنتِ هنا الآن لترشديني!] بعد دقائق من انتهاء تلك الحادثة، كان فادي جالسًا على الدرج، يداعب إحدى القطط التي مرّت بالقرب منه. كانت نظراته هادئة، لكن يقظته لم تخنه، إذ انتبه فور قدوم ليو. رفع رأسه وحدّق فيه ليلاحظ ملامح الانزعاج البادية على وجهه. فبادره بالسؤال بنبرة هادئة: -هل حدث شيء؟ لم يرد ليو، وتجاهل السؤال تمامًا، مكتفيًا بالدخول إلى الغرفة بصمت، وكأن الكلمات ثقيلة عليه. تنهد فادي بخفة، ثم ابتسم بسخرية وهو ينظر إلى القطة بين يديه، وهمس لنفسه: -إذن... رده، نعم. في صباح اليوم التالي، وقبل أن تشرق الشمس تمامًا، استيقظت رغد فجأة من نومها. كانت ترتجف، وكأن كابوسًا مزعجًا قد طاردها في حلمها. نظرت حولها بقلق ثم استدارت نحو ورد النائمة بجوارها. بدأت تهز كتفها برفق، لكنها لم تنتظر طويلًا قبل أن تهمس بخوف ملحوظ: -ورد، استيقظي!...يتبع 《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما