《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》
《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》
نبدأ بسم الله...
_____________
ليس الجميع يعيش حياة هادئة أو يسعى إلى هدف محدد. فيوجد أشخاص يتمنون الأمان والخروج من القسوة التي يعانون منها في الحياة. إذ تظهر لهم الحياة غير عادلة. يعانون من القسوة والأذى والجروح التي تترك أثارًا عميقة.
في مكانٍ ما، داخل قصر فخم واسع، كانت هناك فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، تعيش تحت وطأة العذاب المستمر. على الرغم من كونها ابنة أصحاب القصر، إلا أنها لم تلقَ منهم سوى القسوة والكراهية. لم تكن وحدها في هذا المصير؛ فقد كانت شقيقتها الصغيرة، ذات العشر سنوات، تتقاسم معها هذا الألم، تعاني من الإهمال وسوء المعاملة. على مدى سنوات، تحمّلت الفتاتان الألم الجسدي والنفسي، لكن العبء الأكبر وقع على الأخت الكبرى، التي كانت تحاول حماية شقيقتها الصغيرة بأي ثمن. ومع مرور الوقت، أصبحت الأمور أشد قسوة، حتى بدأ الأمل يتلاشى من عينيها. لم يكن هناك أي منفذ أمامها، شعرت بأنها محاصرة في ظلام لا نهاية له.
وفي لحظة يأس مطلق، قررت أن تضع حدًا لمعاناتها. في غرفتها الصغيرة، حيث لم يعرف الفرح طريقًا إليها، قامت بالتخلص من جميع الأفكار السلبية والألم الذي كان يحيط بها. وقفت تنظر حولها للمرة الأخيرة. كانت تعرف أنها على وشك اتخاذ القرار الذي لا رجعة فيه.
ببطء، أخذت حبلًا وربطته في السقف، ثم قامت بتشكيله إلى حلقة ووضعته حول عنقها. للحظة، أغمضت عينيها، متمنية أن ينتهي الألم هنا... ولكن لم تكن وحدها.
وفي اللحظة الحاسمة، اندفعت شقيقتها الصغرى إلى الغرفة، وعيناها تلمعان ببراءة لا تدرك المصير القاتم أمامها. لكن ما رأته كان كابوسًا يتجسد أمامها، أختها الكبرى معلقة في الهواء، عيناها مفتوحتان بلا حياة. صرخت الطفلة مزقت سكون القصر، ركضت نحوها، حاولت بكل قوتها إزالة الحبل وإنقاذ شقيقتها، لكن... كان الأوان قد فات.
كان القصر يعج بالناس، لكن أحدًا لم يأتِ لإنقاذها. كم هو قاسٍ أن يمتلئ المكان بالصراخ، ولا يتحرك أحد.
لم تجد الطفلة سوى أن تعانق جسد أختها البارد، تبكي بحرقة، غير قادرة على استيعاب ما حدث. تفكر داخلها: لماذا فعلتِ ذلك؟ لماذا تخلّيتِ عني كما فعل الجميع؟
في النهاية، لم تستطع سوى أن تستسلم للنوم بجانبها، متشبثة بها، على أمل أن تستيقظ من هذا الكابوس، على أمل أن تجد شقيقتها إلى جوارها، كما كانت دائمًا، تبتسم لها، تطمئنها، وتخبرها أن كل شيء سيكون بخير، ستستمع إليها ولن تعارضها، ستفعل أي شيء تحبه شقيقتها. ولكن فقط تستيقظ ولا تتركها وحيدة...
في مكان آخر...
داخل الفندق، قفزت ورد بفرح، شعرت بالسعادة تغمرها، ولكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا. فجأة، شقّ صوت صراخ أجواء المكان. تجمدت للحظة، ثم نهضت على الفور، وركضت نحو مصدر الصوت.
عند وصولها، رأت فادي واقفًا مع بعض الحاضرين أمام باب إحدى الغرف، حيث انبعثت الصرخات. لم يكن وحده، اقتربت رغد كذلك، وعلامات القلق تغطي وجهها، في حين كانت ورد تستمع إلى حديث فادي بفضول:
-ألا تستطيع فتحه، أيها السيد؟
نظر العامل إليه بعد أن حاول فتح الباب دون جدوى، ثم أجاب بصوت متوتر:
-ليس لدي مفتاح لهذه الغرفة.
قبل أن يرد أحد، وصل ليو بخطى سريعة وهو ينزع المنشفة عن رأسه، ثم سأل بنبرة جادة:
-ماذا يحدث؟
أوضح له فادي الأمر بسرعة، عندها أخرج ليو بطاقة هويته المهنية، ورفعها أمام الحاضرين، متحدثًا بحزم:
-نحن من الشرطة، يرجى إخلاء المكان فورًا.
ثم وجه حديثه نحو العامل بنبرة جادة:
-يرجى الاتصال بالخدمات الطبية الطارئة فورًا.
ارتبك العامل للحظة، ثم سارع بتنفيذ الأوامر. وسط هذا التوتر، ظهرت أكينا وهي تتثاءب، بعيون نصف مغلقة، وقالت بصوت نعس:
-حقًا، لا راحة لنا اليوم!
التفت الجميع نحوها، فابتلعت ريقها بتوتر، وتمتمت لنفسها بصوت بالكاد يُسمع:
-حسنًا... ربما لم يكن الوقت مناسبًا لإلقاء النكات.
بعد بضع دقائق من الترقب المشحون بالتوتر، وصل عامل مدرب على فتح الأبواب المغلقة. بيد ثابتة، أدخل المفتاح، وبحركة دقيقة، فتح الباب. وما إن انفتح، حتى انكشفت أمامهم مشهدٌ تقشعر له الأبدان، امرأة تقف عند حافة النافذة، جسدها مائل قليلًا إلى الأمام، وعيناها تحدقان في الفراغ الممتد أمامها.
في تلك اللحظة، خيم الصمت على الجميع، وكأن الزمن توقف. ولكن، قبل أن تخطو المرأة خطوتها الأخيرة، اندفعت رغد دون تردد، وكأن قوة غير مرئية دفعتها نحوها. أمسكتها بقوة، سحبتها بعيدًا عن حافة الخطر، لكنها فقدت توازنها فسقطت إلى الخلف، جاذبة المرأة معها.
ارتطمتا بالأرض، أنفاسهما متلاحقة، وعيون رغد تتسع بصدمة من هول ما حدث. ركضت ورد نحوهما، والقلق جلي في ملامحها، وسألت بصوت مرتجف:
-هل أنتما بخير؟
رفعت رغد نظرها إليها، ابتسامة باهتة مرسومة على شفتيها، بينما شحوب وجهها يفضح إرهاقها. أجابت بصوت هادئ لكنه متعب:
-نعم... لكن أعتقد أنني أصبت في مرفقي.
اقتربت أكينا، ثم ركعت على الأرض بجانبها، عيناها تفحصان مرفقها بتركيز. وضعت يدها عليه برفق، ضغطت قليلًا وهي تسأل بنبرة هادئة، لكن عيناها تعكسان قلقًا خفيًا:
-هل يؤلمك هنا؟
أجابت رغد بين أنفاس متقطعة، تحاول تحمل الألم:
-أ... أجل.
حدّقت بها ورد، عيناها مليئتان بالقلق، صوتها يخرج حذرًا:
-هل الأمر خطير؟
هزّت أكينا رأسها نافية، محاولة طمأنتها:
-لا، ليس خطيرًا، لكنه بحاجة إلى بعض العناية.
في هذه الأثناء، استدار فادي نحو العامل، الذي كان لا يزال واقفًا بصدمة، وسأله بجدية:
-هل يوجد طبيب في الفندق؟
تردد العامل للحظة، ثم أومأ برأسه سريعًا، وكأنه استعاد تركيزه أخيرًا:
-نعم، هناك طبيب في الطابق السفلي! سأحضره على الفور.
كاد أن يذهب، لكن العاملة الأخرى أوقفته بكلماتها:
-دعني أرى، لدي معرفة بالإسعافات الأولية.
تبادل الجميع النظرات لوهلة، ثم وافقوا. تقدمت العاملة بثبات، وجلست بجانب رغد، تفحصت ذراعها المصابة بعناية، ثم ثبّتتها في وضع مستقر ولفّتها بضمادة محكمة. بعد أن انتهت، رفعت عينيها إلى رغد وابتسمت بلطف، قبل أن تقول بهدوء:
-لقد انتهيت. لكن من الأفضل مراجعة الطبيب للاحتياط.
أوشك ليو على الرد، لكن ورد سبقته بالكلام، عيناها مثبتتان على المرأة التي حاولت الانتحار، وكأن فكرة ما خطرت ببالها فجأة:
-إذن، سيذهب كل من السيد ليو وأكينا برفقة صديقتي إلى الطبيب.
اتسعت عينا رغد بدهشة، ثم لوّحت بيدها فورًا وهي تهز رأسها بالنفي:
-لا داعي لذلك، حقًا، أنا بخير.
لكن ورد لم تقتنع، كان القلق واضحًا على ملامحها، وشعرت أن الوضع قد يكون أخطر مما يبدو. أخذت نفسًا عميقًا، ثم ابتسمت بلطف قبل أن تقول بإصرار:
-يجب أن نكون حذرين. هيا، اذهبي.
ثم التفتت إلى ليو وأكينا، تنقل بصرها بينهما، قبل أن تكمل بصوت جاد:
-من فضلكما اعتنيا بها، فأنا لا أثق بأحد في هذا المكان...
توقفت للحظة، وكأنها تتردد، ثم أردفت بصوت أخفض ولكن حاسم:
-غيركما.
نظرت إليها أكينا لوهلة، ثم تقدمت نحو رغد، تربت على كتفها برفق قبل أن تقول بابتسامة مطمئنة:
-لا تقلقي، وشكرًا على ثقتك بنا.
أما ليو، فكان ينظر إلى رغد، التي بدا الإرهاق جليًا على وجهها، ثم زفر بعجز وهو يخرج بطاقة تعريفه ويمدها نحو فادي، قبل أن يهمس له بجدية:
-سأترك هذه القضية في رعايتك... فلا تخذلني.
ثم وضع المنشفة على السرير، قبل أن يقول بنبرة هادئة وهو يتجه نحو الباب:
-حسنًا، لنذهب.
بعد لحظات من مغادرتهم، أعادت ورد تركيز نظراتها على المرأة التي كانت تراقبهم بملل، ثم تقدمت نحوها بخطوات هادئة، وسألت بصوت رصين:
-لماذا كنتِ تحاولين الانتحار؟
لم تُجب المرأة، واكتفت بالصمت، وكأنها ترفض الاعتراف بأي شيء.
في تلك اللحظة، نظر فادي إلى الأرض، عاقدًا ذراعيه أمام صدره، غارقًا في أفكاره. ثم تحدث بنبرة جادة:
-من الغريب أننا سمعنا صوت صراخ... ثم وجدنا هذه المرأة على وشك الانتحار!
رفع رأسه ليُكمل حديثه، لكنه توقف فجأة، إذ لفت انتباهه المشهد أمامه؛ ورد كانت قد ركضت نحو النافذة، تتفحص المكان بعناية، عيناها تجولان بين اليمين واليسار، وكأنها تبحث عن شيء ما، ثم همست لنفسها بتأمل:
[أو ربما... لم يكن انتحارًا، بل محاولة هروب!]
عادت بنظرها إلى المرأة، ثم تقدمت نحوها مجددًا، هذه المرة بنبرة أكثر جدية:
-إذن، ما اسمك؟ ومن أين أتيتِ؟ من الواضح أنكِ لستِ من هذه البلدة. أتحدث إليكِ بالإنجليزية، ولا أعتقد أنكِ تجهلينها، ربما هي لغتك الأم.
ما إن أنهت كلماتها، حتى انفجرت المرأة ضاحكة بسخرية، مما أثار غضب ورد التي كادت ترد عليها، لكن المرأة سبقتها بالكلام، قائلة ببرود:
-يالكِ من ذكية! لكن اعلمي، يا صغيرة، أنكِ مهما حاولتِ... فلن تنجحي.
بدلًا من الانفعال، رسمت ورد ابتسامة جانبية، عقدت ذراعيها أمام صدرها، وردّت بسخرية:
-يبدو أننا سنلجأ إلى حديث امرأة لامرأة، إذًا.
ثم التفتت نحو فادي بابتسامة ذات مغزى، وقالت له بنبرة طلب واضحة:
-أريدك أن تتركنا بمفردنا وتأخذ هذين معك... من فضلك.
نظر فادي إليها، مدركًا أن الأمور قد لا تسير على ما يرام، لكنه لم يجادل. وبينما كان يهم بالمغادرة، ألقى عليها نظرة أخيرة وحذّرها بصوت منخفض:
-لا تطيلي الأمر.
كاد العامل أن يتحدث، لكن فادي قاطعه، رافعًا بطاقة الهوية المهنية الخاصة بليو، وقال بنبرة حازمة:
-نحن هنا للتحقق من الأمر.
عندما شاهد العاملان البطاقة، صمتا على الفور. في تلك اللحظة، التفتت ورد نحو فادي بنظرة هادئة، محاولة تنبيهه قبل أن تقول بصوت منخفض ولكن حازم:
-هيا، اخرج من فضلك... اه، بالمناسبة، إذا سمعت ضجة أو رأيت شيئًا غير مريح، فلا تتدخل حتى أعطيك الإشارة.
راقبها فادي للحظة، الشعور بالقلق يساوره، متأكدًا من أن ورد على وشك فعل شيء متهور، فقال بتحذير واضح:
-ورد، لا تتسرعي، من فضلك.
لكنه لم يجد خيارًا سوى المغادرة، فخرج مع العاملين، وهو يفكر في كلماتها، يحدث نفسه بامتعاض:
[هل كان ذلك طردًا أم إجبارًا؟]
ثم ابتسم بخفّة وهمس بصوت غير مسموع:
-أظن أنهما معًا.
بعد ذلك، رفع رأسه نحو العاملين، ثم تحدث بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة غير قابلة للنقاش:
-انظرا، لم تشاهدا شيئًا. اتفقنا؟
أوشكت العاملة على فتح فمها للاعتراض، لكن زميلها ضربها بمرفقه بخفة، مما جعلها تصمت فورًا.
بعد خروجهم، حدّقت ورد في المرأة مليًا، ثم بدأت تتجول حولها بخطوات هادئة، محاولةً زعزعة هدوئها. رفعت حاجبها قليلًا قبل أن تتحدث بنبرة واثقة ولكن هادئة:
-لقد أخرجتُهم كي تأخذي راحتك في الحديث، فهل نبدأ من افتراض أنكِ كنتِ تحاولين الهروب، أم أنكِ كنتِ تحاولين إخفاء شيء؟
نظرت المرأة إليها باستغراب، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة وهي ترد بمكر:
-حقًا؟ يا لكِ من ذكية، لكن دعني أضيف شيئًا... المجرم الذكي دائمًا لديه مخرج. ربما يقتل نفسه، أو عدوه، ويهرب. الحياة مليئة بالمفاجآت، أليس كذلك؟
ابتسمت ورد بسخرية، وهي تواصل التجول حولها، متعمدة إزعاجها أكثر، ثم قالت بنبرة تتسم بالدهاء:
-قلتِ للتو ”المجرم!“ إذًا تعترفين بأن كلامي في محله؟ وربما... تكونين جزءًا من هذه العصابة أيضًا؟
انطلقت ضحكة المرأة بصوت عالٍ، لكنها سرعان ما هدأت، ثم نظرت إليها ببرود وقالت بثقة:
-أخبرتُكِ أنكِ لن تستطيعي استخراج أي معلومة مفيدة مني.
أحست ورد بالانزعاج، لكنها أخفت ذلك سريعًا، وغيّرت أسلوبها إلى الجدية، متعمدة أن تبدو واثقة، مما جعل المرأة تراقبها بحذر، وكأنها بدأت تصدّق تمثيلها. اقتربت منها قليلًا، ثم قالت بهدوء:
-لقد حصلتُ منكِ على ما أريده بالفعل، والباقي سأحلّه بنفسي.
في تلك اللحظة، أخرجت المرأة سكينًا ببطء، ونهضت من مكانها بينما يكسو صوتها الغضب، واتجهت نحو ورد قائلة بحدة:
-سأقتلكِ الآن، أيتها الحثالة.
تسارعت دقات قلب ورد، واتسعت عيناها بصدمة، وهي تخاطب نفسها بفزع:
[يا إلهي! لم أتخذ احتياطاتي لهذا الأمر، ولم يخطر ببالي أبدًا أنها تحمل سلاحًا!]
بلا تفكير، أحاطت وجهها بذراعيها لتحمي نفسها من الأذى، لكن في غمرة حركتها أصابت المرأة بذراعها عن غير قصد. أصيبت المرأة بالذهول، إذ لم تكن تنوي إيذاءها فعليًا، بل كانت تسعى فقط لإخافتها. رأى فادي ذلك وهو يراقب المشهد بترقب، وكاد أن يتدخل، لكنه تراجع حينما لاحظ كيف استغلت ورد الموقف لصالحها.
في لحظة خاطفة، أمسكت ورد بمعصم المرأة بقوة، ودفعتها نحو الحائط بكل ما أوتيت من قوة. ارتطم رسغ المرأة بالحائط بعنف، فسقط السكين من يدها على الفور. لم تمنحها ورد أي فرصة لاستجماع أنفاسها، بل استغلت ارتباكها وسددت ضربة قوية بركبتها نحو معدتها، مما جعل المرأة تسقط أرضًا، تتلوى من الألم.
وضعت المرأة يدها على معدتها، وأخذت تلهث بصعوبة، ثم رفعت رأسها وحدّقت في ورد بذهول، وكأنها لم تتوقع منها هذه القوة. ابتسمت ابتسامة واهنة، مزيج من الإعجاب والاستسلام يكسو ملامحها.
لكن ورد لم تكن تراقبها، بل أبعدت نظرها والتقطت السكين باستخدام منديل ورقي، حتى لا تترك بصماتها عليه. ثم رفعت يدها، مشيرةً إلى فادي، الذي هرع نحوها على الفور، وهو يتفحصها بقلق بعد أن لاحظ الجرح النازف على ذراعها:
-هل أنتِ بخير؟
سألها بجدية، وهو يتأمل وجهها بحثًا عن أي علامة ألم. لكن ورد لم تجبه مباشرة، بل انتبهت لشيء آخر، فاقتربت من طاولة جانبية قرب السرير، وفتحت أحد أدراجها. حدقت في الداخل باستغراب، ثم همست لنفسها بدهشة:
[ما هذا؟... حبل؟! لماذا يوجد حبل هنا؟]
بعد ذلك، مدّت ورد يدها وربطت المرأة بإحكام، متجاهلة الألم الذي شعرت به. ورغم شحوب وجهها، ردّت بلا مبالاة، محاولة إخفاء تعبها:
-نعم، أنا بخير.
ثم نهضت متوجهة نحو الخزانة، تبحث عن حقيبة الإسعافات الأولية، بينما كانت تهمس لنفسها بصوت بالكاد يُسمع. في تلك الأثناء، تابعها فادي بنظرات متفحصة، قبل أن يتنهد بضيق، مدركًا أنها لا تقول الحقيقة:
-يا إلهي! يجب أن تحتوي كل غرفة على إسعافات أولية... أين هي؟
توقفت للحظة، ثم أضاءت عيناها بارتياح عندما عثرت عليها، فتمتمت بارتياح:
-الحمد لله، وجدتها أخيرًا.
جلست على السرير وبدأت بمعالجة جرحها، بينما اقترب منها فادي ببطء، وقد بدا غارقًا في التفكير، قبل أن يسأل بنبرة جادة:
-هل تثقين بهما حقًا لدرجة أن تتركي صديقتك معهما؟
لم ترفع ورد بصرها عن الضمادات وهي تربط ذراعها الأيمن، فأجابته بهدوء:
-ربما أثق بهما، وربما لا... هذا يعتمد على ما سيقومان به.
لكن فادي لم يقتنع بردها، فواصل الحديث بجدية أكبر:
-وماذا لو خانا ثقتك وتأذت رغد بسببهما؟
توقفت ورد عن لف الضمادة، رفعت رأسها نحوه وحدّقت به بغضب مكبوت:
-فادي، لماذا تسأل وأنت تعرف ما يدور في خاطري؟ هل تختبرني؟
ثم عادت لتكمل عملها بهدوء، وأضافت بصوت أخفض، وكأنها تحدّث نفسها:
-أثق برغد، وأعلم جيدًا أنها قادرة على إيجاد الحلول. لقد رأت الكثير في حياتها، لكنها ستتغلب على هذا الأمر... ولن تحتاجني إلى جانبها.
أنهت حديثها بنظرة غامضة، جعلت فادي يبتسم بثقة قبل أن يرد بنبرة واثقة:
-صدقيني، حتى لو تغلبت على مخاوفها، فهي لن تترك جانبك أبدًا. وعندما تحتاجين أحدًا في وقت الشدة، ستكون هي الشخص الثاني الذي تجدينه بجانبك.
ثم غمز لها وأشار إلى نفسه بابتسامة ماكرة، قبل أن يضيف:
-بالطبع، الشخص الأول سيكون أنا.
ابتسمت ورد بامتنان، فردّ هو الابتسامة بدفء، قبل أن يحوّل نظره إلى المرأة، ثم سألها بنبرة جادة:
-إذن، كيف عرفتِ أن ما حدث كان محاولة هروب وليس انتحارًا؟
صمتت ورد للحظات، مسترجعة التفاصيل في ذهنها، قبل أن تستدير نحو النافذة مجددًا، متأملة المشهد، ثم بدأت تشرح تحليلاتها بصوت هادئ وواثق:
-عندما قلتَ: ”من الغريب أننا سمعنا صوت صراخ ووجدنا تلك المرأة على وشك الانتحار!“، بدأت أشعر أن هناك أمرًا مريبًا. لذا، عندما نظرتُ عبر النافذة، لاحظت وجود حبال مخصصة للهروب!
توقفت للحظة، ثم التفتت إليه وأكملت بثقة:
-دعنا نفكر قليلًا... لو كانت تنوي الانتحار حقًا، لكانت قفزت منذ وقت طويل، قبل أن نصل إليها. أما إذا كانت هي من أطلقت الصرخة، فهذا أمر غير منطقي؛ لأن المنتحر لا يصرخ، فهو ليس أحمقًا ليكشف خطته ويفشل بنفسه.
نظر إليها وهو يتأمل تحليلها بتمعن، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وبدأ يمشي ببطء في منتصف الغرفة، محاولًا تجميع أفكاره:
-أنتِ محقة... هذا يعني أن هناك احتمالًا آخر، ربما قُتلت صاحبة الصرخة، وكان معها شخص آخر أخذ جثتها لإخفاء الجريمة.
زفرت ورد بضيق، وقد شعرت بالإحباط، ثم وجهت نظرها نحو المرأة المقيّدة، التي ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. شعرت ورد بالتوتر للحظة، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها وقالت بنبرة حازمة:
-سنعرف الحقيقة منها، لكن بعد أن تستجوبها الشرطة.
تنهد فادي وهو يمرر يده في شعره، شعر بأنهما لم يحققا تقدمًا يذكر، فتمتم بصوت مسموع يعكس تعبه:
-يوم طويل وشاق.
ابتسمت ورد ثم نهضت محاولة رفع معنوياته، فربّتت على كتفه قائلة بحماس:
-هيا، هيا، ابتهج! ألا تحب المغامرات؟
نظر إليها باستياء بعدما زفر مجددًا، ثم أجاب وهو يفكر في خطورة الوضع الذي يعيشان فيه:
-بلى... لكن ليست هذه هي المغامرات التي تخيلتها!
ضحكت ورد، ثم أخرجت هاتفها وأبلغت الشرطة. وبينما كانت تنتظر الرد، لاحظت غياب العاملين، فعبست قليلًا وسألت بفضول:
-بالمناسبة، أين ذهبا العاملان؟
أجابها فادي وهو يجلس بجوارها، واضعًا ذراعيه على ركبتيه بتأمل:
-طلبت منهما أن يتركانا بمفردنا، لكنني أشك في أنهما سيقفان مكتوفي الأيدي.
أمام غرفة الطبيب، وقفت امرأة في الخمسينات من عمرها تنظر إلى رغد والآخرين بانزعاج، مما كان بمثابة حسن حظ لرغد، التي شعرت بالامتنان لتيسير الأمور. في تلك اللحظة، تقدمت الطبيبة نحوهم وسألت بفضول:
-من المريض بينكم؟
أشارت أكينا نحو رغد، التي كانت تتمنى إنهاء الفحص سريعًا للعودة إلى صديقتها. نظرت إليها الطبيبة وأشارت إلى أحد المقاعد قائلة:
-حسنًا، اجلسي هناك وانزعي هذا الرداء.
تبادلت رغد وأكينا النظرات، إذ لم تكن رغد مرتاحة لخلع القلنسوة عن رأسها. أدركت أكينا ترددها، فابتسمت بمرح وقالت:
-إنها مصابة في مرفقها، وليس في رأسها. انظري!
رفعت يدها أمام وجه رغد وسألت بمزاح:
-كم عدد الأصابع التي ترينها؟
لم تستطع رغد الرد، فقد كان الألم يطغى على مزاجها ولا يسمح لها بتحمل النكات. قاطعت الطبيبة حديثهما، وهي تقترب من رغد بنبرة هادئة بعد أن حدقت بأكينا بملل:
-لا داعي لذلك، إذا كنتِ تشعرين بالراحة فهذا هو الأهم. أردت فقط التأكد من راحتك، لا أكثر.
ابتسمت رغد للطبيبة بامتنان وقالت بهدوء:
-شكرًا لكِ على اهتمامك.
بادلتها الطبيبة الابتسامة، ثم بدأت في فحص موضع الإصابة بعناية. وفي تلك الأثناء، كان ليو يقف خارج الغرفة، يتحدث هاتفيًا مع صديقه مايكل، بينما ينظر بين الحين والآخر إلى الباب، متابعًا ما يجري في الداخل بقلق صامت.
في تلك اللحظات، كان فادي وورد ينتظران بهدوء، وصلت الشرطة، حيث تم تسليم المرأة إليهم رسميًا. بعدها، بدأ الضباط بجمع الشهادات وتدوين الإفادات من الشهود الحاضرين. وبعد إنهاء الإجراءات الأولية، أبلغ فادي الضباط بأنه سيذهب إلى قسم الشرطة لاحقًا برفقة زملائه لاستكمال كتابة إفاداتهم.
جلست ورد خارج الغرفة التي كانت بها المرأة، تراقب الشرطيين وهما يفتشان المكان بحثًا عن أي أدلة إضافية. رفعت يدها إلى معصمها، تنظر إلى الساعة بقلق قبل أن تلتفت نحو فادي قائلة بقلق:
-فادي، لقد تأخروا... هل تعتقد أنهم بخير؟
كان على وشك الرد، لكن صوت رغد قاطعهما وهي تتقدم نحوهما قائلة بنبرة هادئة:
-لقد عُدنا.
ما إن رأتها ورد حتى اندفعت نحوها وعانقتها بقوة، تشعر أخيرًا بالراحة بعد التوتر الذي عاشته، وهمست لها بصدق:
-الحمد لله أنكِ بخير، لقد كنت قلقة عليكِ كثيرًا.
نظرت رغد إلى فادي باستغراب، تلاحظ تعابيره الهادئة على غير العادة، فسألته بريبة:
-ماذا حدث هنا؟
رفع فادي كتفيه مدعيًا الجهل، ورد بلا مبالاة:
-لا أعلم شيئًا.
تأملته رغد بنظرة متشككة، بينما ابتعدت ورد قليلًا وسألتها بقلق:
-ما حال مرفقك الآن؟
انتبهت رغد إلى ذراعها، ونظرت إلى مرفقها قبل أن تجيب بنبرة مطمئنة:
- قالت الطبيبة إنه مجرد كسر طفيف في زند يدي، لم يكن خطيرًا، لكنها طلبت مني الحذر. كما تعلمين، حين سحبتها باتجاهي، تعثرتُ ووقعتُ على يدي الممدودة.
ابتسمت ورد للحظة، لكن أفكارها سرعان ما أخذتها إلى منحى آخر، عبست وهي تفكر بصوت عالٍ:
-أو ربما... كانت تقصد ذلك، حتى ننشغل بكِ ونتشتت عن شيء آخر... من يعلم؟ كل الاحتمالات واردة.
نظرت رغد إليها بدهشة، متسائلة إن كانت صديقتها تبالغ أم أن حدسها قد أصاب. لكنها اختارت أن تطمئنها، فابتسمت وربّتت على كتفها بلطف، قائلة:
-لا تقلقي، كل شيء على ما يُرام.
بادلتها ورد الابتسامة بحنان، ثم همست بصوت مسموع:
-أجل.
قاطعتهما أكينا بنبرة متذمرة، وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
-لقد أخذت رغد كل الأضواء نحوها.
التقطت ورد تعليقها بسخرية، ومدّت لها منديلًا ورقيًا وهي تقول بابتسامة ماكرة:
-لا بأس، في المرة القادمة حاولي أن تسبقينا، وخذي هذا المنديل لمسح دموعك.
رمقتها أكينا بامتعاض، بينما وقفت رغد بينهما في محاولة لتهدئة الموقف، في حين تبادل فادي وليو الابتسامات. ثم استعاد ليو تركيزه وسأل بجدية، متذكرًا القضية:
-بالمناسبة، ماذا حدث لتلك المرأة؟
مدّ فادي يده ليعطيه البطاقة المهنية، وأخبره بتفاصيل ما حدث، فأومأ ليو برأسه متفهمًا، ثم قال بحزم:
-فهمت، إذن علينا الذهاب إلى المخفر لكتابة إفادتنا.
نظر فادي إلى ساعته قبل أن يتحدث سريعًا:
-قبل ذلك...
ثم التفت نحو الفتيات وتابع بجدية:
-علينا أن نؤدي فريضتنا أولًا.
أومأت كلٌّ من رغد وورد موافقتين، بينما ظهرت ابتسامة على وجه ليو كتعبير عن الإعجاب وتفهم، تاركًا لهم مساحتهم الخاصة. وقبل أن يبتعد، قال:
-حينما تنتهون، اتصلوا بي.
ابتسم فادي لأسلوبه المتزن، في حين تابعت أكينا نظراتها ظهر ليو وهو يبتعد، ثم التفتت إلى رغد قائلة:
-سأذهب معكما، ليس لدي شيء لأفعله.
في الغرفة، كانت رغد وورد تؤديان صلاة الفجر جماعة، بعد مناوشات طويلة حول من ستكون الإمام، انتهت بموافقة ورد على أن تؤمّها رغد.
أما أكينا، فقد جلست تستمع إلى تلاوة رغد بتركيز، غير قادرة على تفسير شعورها. هل هو راحة لهذه الكلمات رغم أنها لا تفهم معانيها، أم أن الصوت العذب هو ما أسرها؟
بعد انتهائهم، اجتمعوا جميعًا في المكان المتفق عليه، مستعدين للخطوة التالية.
طوال الطريق، كانت ورد تزعج أكينا بمزاحها المستمر، لكن رغد أوقفت حديثهما عندما سألت بنبرة مترددة:
-هل يمكنني البقاء في السيارة حتى تنتهوا؟
رفع ليو بصره نحوها متحدثًا بنبرة مطمئنة، بينما حدّقت ورد بها بقلق واضح:
-أجل، لا داعي لأن تتعبي نفسك، ارتاحي هنا.
لم تكتفِ ورد بالإجابة، بل مدّت يدها إلى جبين رغد، مما جعل الأخيرة تنظر إليها بدهشة قبل أن تسأل باستغراب:
-ماذا تفعلين يا ورد؟
أجابتها ورد بعدما أنزلت يدها:
-كنتُ أقيسُ حرارتك. سمعتُ أن الإنسان عندما يُصاب، ترتفع حرارته.
ابتسمت رغد بلطف، بينما علق فادي الذي كان يضع سماعات هاتفه دون أن يرفع رأسه:
-ليس في كلِّ الحالات يحدث هذا يا ورد.
ثم انتقل الحديث سريعًا عندما تساءل وهو غارق في التفكير بشأن المرأة المحتجزة:
-ليو، متى سينتهي استجواب تلك المرأة؟
أجابه ليو بهدوء، وهو يركز على الطريق أثناء القيادة:
-لا أعلم، لكن إن أردتم معرفة ذلك، لدي أصدقاء يمكنهم مساعدتنا.
ارتسمت على وجه ورد ابتسامة متحمسة، وطلبت منه الاتصال بهم على الفور، بينما تنهد فادي وقد بدا على ملامحه عدم الارتياح. أخرج ليو هاتفه وبدأ بالاتصال، في حين أعاد فادي وضع السماعات في أذنيه وأغمض عينيه، محاولًا الاسترخاء.
أما ورد، التي بدأ الجوع يتسلل إليها، فتحت حقيبتها وأدخلت يدها تبحث عن الشطيرة التي وضعتها رغد سابقًا، لكنها لم تجدها، فتساءلت وهي تواصل بحثها:
-رغد، ألم تضعي لي شطيرة داخل حقيبتي؟
في تلك اللحظة، كانت أكينا تشرب الماء، لكنها فجأة بدأت بالسعال وكادت تختنق، مما جعلها تبصق القليل من الماء. لاحظت رغد ذلك على الفور، فاقتربت منها وربّتت على ظهرها بقلق قائلة:
-على مهلكِ يا فتاة!
نظرت ورد إلى أكينا للحظات، محاولة استيعاب الأمر، قبل أن تعبس وتتحدث بانزعاج:
-إذًا، أنتِ من أخذتها؟ هيا، أعيديها لي!
التفتت أكينا برأسها نحوها، وعيناها تدمعان بسبب السعال الشديد، ثم أجابتها بصوت مبحوح:
-وكيف يمكنني إعادتها لكِ بعدما أكلتها؟ لقد هضمتها معدتي بالفعل!
اشتعلت ورد غضبًا وردّت بانفعال:
-إذًا، انزلي من السيارة واشتري لي واحدة أخرى تعويضًا عن فعلتكِ!
حاولت رغد التدخل وتهدئتهما، وقد بدا عليها الإرهاق واليأس، ردت أكينا بانتفاضة مستعارة الحزن:
-ألا يوجد في قلبكِ ذرة من الرحمة؟ ألا تدركين أنني كنتُ أحتضر قبل لحظات؟
وضعت أكينا رأسها على كتف رغد متظاهرة بالحزن، وتابعت بنبرة درامية مستعارة:
-يا لكِ من قاسية، ورد!
استفز الوضع ورد أكثر، فردّت بضيق:
-لا تتظاهري! عوضيني الآن!
شعرت رغد بصداع بسبب الجدال الدائر بينهما، فصاحت بانزعاج:
-كفى! إن لم تصمتا، سأطلب من السيد ليو أن يخرجكما من السيارة!
ساد الصمت فجأة عندما أدركتا أنهما بالغتا في الأمر. لاحظ ليو حديث رغد بعد أن أنهى مكالمته، ثم علّق مازحًا:
-صدقًا، ما زلتُ شابًا!
أزال فادي إحدى سماعتي هاتفه، ثم نظر إليه بعدم تصديق وقال ساخرًا:
-بجدية؟ تركت كل الحديث وركزتَ على هذه الكلمة؟
رد ليو بنبرة جادة وهو يوقف السيارة أمام مركز الشرطة:
-بالطبع! كما تنعتُ الطفل بـ”طفل“ والعجوز بـ”عجوز“، هذا مزعج! أليس لديهم أسماء؟
فتح فادي باب السيارة بهدوء، ثم نظر إلى ليو ممازحًا:
-لقد أقنعتني.
ترجّل الجميع من السيارة، باستثناء رغد التي فضّلت البقاء، وأكينا التي تطوعت بالبقاء معها متذرعة بحجة ما.
بينما كانوا يسيرون نحو الداخل، تساءل فادي بهدوء وهو يراقب ورد بنظرة متفحصة، وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه خلف ابتسامتها الهادئة:
-هل علمتَ شيئًا جديدًا؟
كان صوته هادئًا، لكنه حمل لمسة من القلق المكبوت، وكأنه يخشى أن تكون الإجابات أكثر تعقيدًا مما يبدو. نظر إليه ليو، ثم أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يجيب بنبرة هادئة، وكأنه يختار كلماته بعناية:
-غدًا سنعرف كل شيء.
كانت إجابته غامضة، لكنها حملت وعدًا بأن الأمور ستتضح قريبًا. ومع ذلك، كان هناك شيء في نظراته، كأنه يحاول إخفاء شكوكه الخاصة.
بعد انتهاء الجميع من كتابة إفاداتهم، حاول ليو كسر أجواء التوتر أثناء سيرهم، فسأل بابتسامة خفيفة، وكأنه يسعى لإعادة الحياة إلى المجموعة:
-هل تشعران بالجوع؟
بادرت ورد بالإجابة بسرعة، وكأنها تريد التخلص من الأجواء الثقيلة التي لا تزال تضغط على صدرها. ابتسم فادي وأومأ برأسه، وكأنه يوافقها الرأي، لكنه لم يستطع إخفاء اللمعة الخفيفة في عينيه التي تشير إلى أنه كان يفكر في الطعام منذ فترة.
-بالطبع، خصوصًا أن أحدهم قد استولى على وجبتي.
ردت ورد بهدوء، لكنها كانت تحمل لمسة من التذمر الحقيقي. أطلقت ورد تنهيدة مطولة، مما أثار استغرابهما، ثم تابعت حديثها وهي تنظر أمامها، وكأنها تبحث عن إجابة داخلية لأفكارها المتداخلة:
-أشعر وكأنني الأكبر هنا، وليس العكس.
كانت كلماتها مليئة بالسخرية الذاتية، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مدى الضغط الذي كانت تشعر به. قهقه ليو، بينما ظل فادي غارقًا في أفكاره، وكأنه يدرك أن ورد كانت تحمل عبءً أكبر مما تظهر. فقال ليو مازحًا، بصوت يحمل لمسة من الدفء:
-لا فرق، فأنتم دائمًا في حالة شجار.
تقدمت ورد عنهم بخطوات، وكأنها تحاول الهروب من الحديث، وهمست بصوت مسموع دون أن تدرك أنهما قد سمعاها، وكأنها تتحدث لنفسها أكثر من غيرها:
-هذا ليس ذنبي، هي من تزعجني دائمًا.
نظر كلٌّ من ليو وفادي إلى بعضهما وابتسما، وكأنهما يعرفان السر الكامن خلف هذه الكلمات. ثم تبعاها حتى وصلوا إلى السيارة. فتحدثت ورد وهي تفتح الباب وتوجه نظراتها نحو رغد، وكأنها تحاول تجاهل التوتر الذي لا يزال يسيطر عليها:
-من سيتطوع للذهاب معي؟
ثم أضافت بابتسامة جانبية وهي تنظر إلى أكينا، بصوت يحمل لمسة من السخرية اللطيفة:
-بالطبع، سأختار الفتاة الهادئة، التي لا تسرق طعام الآخرين.
ردت أكينا بنبرة متكاسلة، وهي تضع الغطاء مجددًا فوق عينيها مسندة رأسها إلى الخلف، وكأنها تحاول إظهار عدم اكتراثها، لكن نبرتها كانت تخفي لمسة من التحدّي:
-وكأنني كنت سأموت شوقًا للذهاب معكِ.
تنهدت رغد، وكأنها تحاول التوفيق بين الجميع، ثم خرجت من السيارة، ممسكة بهاتفها وهي تفتح الخريطة لتحديد وجهتها. كانت حركاتها هادئة، لكنها كانت تنضح بشيء من الإرهاق، وكأنها تفكر فيما يمكن أن يحدث إذا لم يتمكنوا من الاتفاق. لكنها توقفت فجأة عند سماع ليو يقول بدهشة، وكأنه يدرك أن الانقسام ليس خيارًا:
-إلى أين؟! سنذهب جميعًا!
عند سماع تلك الكلمات، رفعت أكينا الغطاء عن عينيها فورًا، وكأنها استيقظت من سبات عميق، وأخرجت رأسها من نافذة السيارة، ثم نظرت نحو ورد بمكر، وبنبرة ساخرة، قالت قبل أن تخرج لسانها قاصدة استفزازها:
-سمعتُ قصة مثيرة سأرويها لكم! كان هناك شخص متحمّس جدًا لشراء الطعام، وكاد أن ينتقم، لكن الواقع صفعه بقوة! هل سمعتم بهذه القصة من قبل، يا رفاق؟
كانت أكينا تشير إلى ورد، حيث حاولت الأخيرة الدفاع عن نفسها بطريقة مضحكة ولكن غير فعالة. كانت كلماتها تحمل لمسة من السخرية، لكنها في الوقت نفسه كانت تكشف عن مدى تعلقها بهذا النوع من المزاح الخفيف. قهقهت رغد، بينما حدّقت بها ورد بانزعاج، وكأنها تحاول إخفاء ضحكتها الداخلية، مما جعل رغد ترفع يدها محاولة كتم ضحكتها وهي تبرر:
-لم أقصد الضحك، صدقيني!
زفرت ورد بضيق، متجاهلة الأمر، ثم استدارت ودخلت السيارة. في تلك اللحظة، فتح ليو باب السيارة وتحدث بنبرة هادئة ولكن ذات مغزى، وكأنه يحاول إعادة التوازن إلى الأجواء:
-احتفظي بضحكتكِ في مثل هذه الأوقات.
تنهدت رغد، مدركةً أن حديثه موجّه إليها تحديدًا، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع أثناء دخولها، وكأنها تحاول إخفاء خجلها:
-شكرًا على سخريتك اللطيفة!
أثناء عودتهم، كانت أكينا غارقة في النوم، وكأنها تستسلم للأحداث المرهقة التي مرت بها. كانت رأسها مائلة إلى الجانب، وتنفسها العميق يدل على أنها فقدت كل طاقة لديها. بينما تهمس ورد لرغد بتذمّر، وكأنها تحاول إخفاء إرهاقها الحقيقي:
-أريد النوم... ألا يمكننا إلغاء فكرة الطعام؟
كانت كلماتها تحمل لمسة من الإلحاح، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن حاجتها للراحة. ابتسم فادي بخفّة، وكأنه يفهم تمامًا ما تشعر به، في حين أجابها ليو ضاحكًا بصوت منخفض، وكأنه يحاول إبقاء الأجواء خفيفة:
-صوتك مسموع على أي حال! لنتناول الطعام أولًا، ثم يذهب كلٌّ منّا إلى غرفته لينعم بنومٍ عميق.
أنهى حديثه بنبرة عادية، لكنه كان يحمل لمسة من الحزم. ثم أعاد تركيزه إلى الطريق وهو يقود السيارة بحذر، وكأنه يحاول التأكد من أن الجميع يصلون بسلام. كانت المدينة تبدو وكأنها تستيقظ بهدوء تحت ضوء الشمس الأول، الذي بدأ يتسلل بين المباني العالية، ممزوجًا بلمعان خفيف من المصابيح الصفراء التي لم تُطفأ بعد. الشوارع كانت لا تزال شبه خالية، لكن أصوات خطوات بعض المارة بدأت تتخلل الصمت، وكأن الحياة تعود تدريجيًا إلى طبيعتها بعد ليلة طويلة.
الهواء الصباحي كان باردًا ومنعشًا، يحمل معه رائحة القهوة الطازجة من مقهى قريب، وكأنه يحاول إزالة آثار التوتر الذي عاشوه خلال الساعات الماضية. هنا وهناك، بدأت السيارات تظهر بشكل متفرق، وصوت محركاتها الخافت كان يتردد في الأجواء، لكنه لم يكن كافيًا لكسر الهدوء السائد. حتى طائر الحمامة كان يمشي بهدوء على الرصيف، وكأنه يستمتع بهذه اللحظات الأخيرة من السلام قبل أن يبدأ اليوم الحقيقي.
وبينما كانوا يتحركون ببطء عبر الشوارع، شعروا بأن الوقت قد توقف للحظات. الضوء الصباحي انعكس على وجوههم، وكأنه يحاول دفعهم بلطف إلى الأمام، لإعادة بناء أنفسهم بعد كل ما حدث. كان هناك وعد خفي في هذا الفجر الجديد – وعد بأن الأمور ستتحسن، وأن هذا الصباح سيكون بداية صفحة مختلفة.
بعد ذلك، توجه الجميع إلى مطعم الفندق، حيث كان مزدحمًا بالزبائن، لكنهم تمكنوا من العثور على طاولة شاغرة بعد قليل من البحث. جلسوا وسط أجواء من الحماس والترقب، وكلٌّ منهم يتصفح قائمة الطعام الطويلة والمتنوعة.
بعد إصرار ليو، بدأوا في طلب الأطباق والمشروبات، واندمجوا في الحديث عن مواضيع مختلفة. وبينما كانت ورد تستمع إليهم بنعاس، شردت للحظات، وغرقت في أفكارها:
[لقد تركت سلاح الجريمة في ملابسي الأخرى، ولكن...]
اتسعت عيناها فجأة ونهضت بسرعة، مما جعل الجميع ينظر إليها بدهشة. تساءل فادي وهو يرمقها باستغراب:
-ماذا هناك...؟
لكنها لم تمنحه فرصة لإكمال سؤاله، إذ اندفعت راكضة خارج المطعم، تاركة الجميع في حالة من الذهول. هتفت رغد بقلق وهي تتابعها بنظرها:
-إلى أين أنتِ ذاهبة؟
لكن ورد لم تسمعها، كان كل تفكيرها منصبًّا على السلاح، شعرت بقلق متزايد وهي تركض نحو غرفتها.
عندما وصلت، فتحت الباب بسرعة واندفعت إلى الداخل، وبدأت تبحث بجنون في أنحاء الغرفة، تقلب الأغراض وتتحدث إلى نفسها بلهجة قلقة وهمس متوتر:
-أين وضعته؟ أين هو يا إلهي؟ يجب أن يكون هنا!
لكنها لم تجده، مما زاد من توترها. وقفت للحظة، ثم أخرجت سلاحها من مكانه وأخفته خلف ظهرها، وعزمت على الخروج والبحث عن إجابة.
بينما كانت تمشي في الممر، لاحظت إحدى العاملات تحمل سلة مليئة بالملابس، فتقدمت نحوها بخطوات ثابتة وقالت بلطف مصطنع:
-مرحبًا، آسفة على إضاعة وقتكِ، لكن لدي سؤال مهم... هل أخذتِ ملابسي من غرفتي قبل قليل؟
رفعت المرأة بصرها نحوها، وبدا عليها التوتر وهي ترد بتلعثم:
-أ...أنا؟ لا... لم أفعل!
شعرت ورد بريبة تجاه ردّها، فتصلبت نظرتها، وبهدوء وضعت يدها خلف ظهرها، ممسكة بسلاحها بحذر. ثم مالت قليلًا نحوها، وصوّبت السلاح باتجاهها، وهمست بنبرة باردة وحادة:
-هل أنتِ متأكدة من ذلك؟ ...يتبع
《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما