《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》 《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》 نبدأ بسم الله... ___________ لا مبررات للجرائم، فالمأساة لا تبرر الوحشية، والظروف الصعبة ليست عذرًا لتجاوز حدود الإنسانية. مهما كانت الضغوط قاسية، يظل اختيار الطريق الصحيح متاحًا. لكل مشكلة حل، ولكل مأزق مخرج، لكن الجريمة ليست سوى طريق مسدود، نهايته السقوط في هاوية لا نجاة منها. العدالة قد تتأخر، لكنها لا تضيع، وكل أثر صغير يقود إلى الحقيقة، لأن الظلام لا يستطيع إخفاء الحقيقة إلى الأبد. داخل سيارته، كان السيد شهاب يراقب الشوارع الهادئة التي بدأت تستفيق تحت ضوء الصباح الباهت. امتدت الظلال الطويلة فوق الأرصفة الرطبة بندى الفجر، بينما تراقصت انعكاسات الأشعة الأولى للشمس على زجاج المباني، مرسلة وهجًا دافئًا خافتًا. كان الهواء يملأ رئتيه بنعومة، لكن ذهنه كان بعيدًا، يركز على فكرة واحدة تسيطر عليه بلا هوادة: [كيف سأجد طريقة لإقناعه بالمساعدة؟] أصابعه انزلقت ببطء فوق المقود، وعيناه تراقبان الفراغ أمامه. [الأمر يتعلق بها...] تكررت هذه الكلمات في ذهنه وكأنها تشد من حبال أعصابه. تنهد بصمت وأراح رأسه على مسند المقعد للحظة، عينيه تحدقان في الأفق، حيث كانت بداية المدينة تتنفس الحياة، لكن قلبه كان غارقًا في الأسئلة. لم يكن يعرف كيف سيتلقى أخيه الأمر، لكنه كان يعلم أن الوقت يضيق، ولا مجال للمزيد من التأخير. أفاق من شروده عندما توقفت السيارة بسلاسة أمام المبنى. للحظة، تردد قبل أن يمد يده إلى مقبض الباب، كأنه كان يمنح نفسه بضع ثوانٍ إضافية ليجمع أفكاره. ثم، بحركة حاسمة، فتح الباب وترجل بخطوات هادئة. استقبله الهواء البارد وهو يلامس وجهه، يحمل معه رائحة الصباح النقي الممزوجة بقهوة طازجة تنبعث من مقهى قريب. الشوارع بدأت تدب فيها الحياة ببطء، والمباني الزجاجية تعكس مشهدًا لمدينة تستيقظ تدريجيًا. مرر يده عبر طرف سترته، ونظر إلى السماء للحظة، ثم زفر بعمق. [سأتحدث معه اليوم، لا مجال للتردد أكثر.] ولكن رغم قراره الحاسم، لم يستطع التخلص من ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في صدره منذ أن بدأت هذه الفكرة تراوده. كان الهواء نقيًا يحمل نسمات باردة تُوقظ الحواس، فيما كانت الشوارع لا تزال هادئة إلا من أصوات خطوات الموظفين الأوائل الذين بدأوا يومهم للتو. ومع كل خطوة كان يخطوها نحو المبنى، كانت تساؤلاته تكبر وتتعاظم. ألقى نظرة سريعة على المبنى الشاهق لشركته، ثم تنهد بصمت، وكأن هذا المكان يحمل بين جدرانه أكثر مما يظهر للعيان. أعاد ضبط أزرار سترته الداكنة، وسار بخطوات واثقة نحو المدخل الرئيسي. كان يبدو وكأنه عاد من رحلة طويلة، رغم أن الطريق لم يكن بعيدًا، لكن هذه الوجوه والأصوات كانت تبدو غير مألوفة الآن. بمجرد دخوله إلى البهو، ترددت أصوات حذائه الجلدي على الأرضية الرخامية، ليقطع بصداها سكون المكان. التفت بعض الموظفين نحوه بذهول، وكأنهم يشككون في حقيقة ما يرونه. كان غيابه الطويل قد ترك أثره، لكنه لم يتوقف عند نظراتهم، بل أكمل سيره نحو المصعد، منتظرًا بصبر حتى وصل إلى طابق مكتبه. فتح الباب بخفة، ثم دخل بخطوات ثابتة، وكأنما عاد شغفه المفقود معه، لكن الجو كان ثقيلًا في المكان. المكان لم يتغير، لكن داخله كان يشعر بشيء مختلف. كان مثل زائر عائد إلى مكان كان يعرفه جيدًا، لكنه لا يزال غريبًا فيه. جلس على كرسيه في المكتب، وأرخى جسده المنهك عليه، ثم وجه نظره نحو السكرتيرة التي اقتربت منه بتجهم ظاهر، تحمل في عينيها تساؤلات لم تجرؤ على البوح بها. قالت بصوت هادئ لكنه يحمل مزيجًا من الحذر والاهتمام: -سيدي شهاب، هل أعدّ لك شيئًا؟ أجابها بنبرة هادئة: -فقط احضري لي بعض القهوة، من فضلك. وضعت أمامه مجموعة من الأوراق، ثم تابعت بنبرة رسمية: -هذه آخر الطلبات التي وصلتنا. أومأ برأسه بتفهم، مشيرًا لها بالعودة إلى عملها، ثم أسند رأسه إلى مسند الكرسي، غارقًا في أفكاره المتشابكة. كان التعب ينهش روحه، والأسى يتسلل إلى أعماقه، إذ لم يجد بعد ما كان يبحث عنه طوال هذه المدة. وفجأة، لمعت في ذهنه صورة لشخص يعرفه جيدًا. التقط هاتفه بسرعة وأجرى اتصالًا بذلك الشخص الوحيد الذي ربما كان يحتمل وجوده في تلك العائلة المزعجة. رن الهاتف لثوانٍ قبل أن يأتيه صوت مستاء من الطرف الآخر: "ماذا تريد؟" كان الصوت خافتًا، لكنه حمل نبرة جافة، كما لو أنه كان يقاوم خيوط الصمت الثقيل الذي يربطه بماضيه. شعر شهاب بالتوتر الذي يتسرب عبر الكلمات. هذه ليست مجرد مكالمة، بل كانت نقطة تحول، وكل كلمة ستكون لها آثار عميقة. تنهد شهاب، ثم قال بنبرة مزاح خفيف يخفي وراءها عتابًا عميقًا: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كل الخير." على الطرف الآخر، عبس الرجل، لكنه تحدث بهدوء يتناقض مع تعابيره المتجهمة: "إذا كان اتصالك لمحاولة إقناعي، فلا تضيّع وقتك، فلن آتي." شعر شهاب بقلق حقيقي تجاهه. كانت نبرة ليث كما لو كانت مرسلة من أعماق بحيرة ساكنة، لكن هذا السكون كان يخفي تحت سطحه أمواجًا من الغضب والمشاعر المكبوتة. بدا أن كل كلمة وكأنها تضيف وزنًا جديدًا على كاهله، وكل محاولة لتوجيهه كانت تشبه القاء مزيد من الحجارة في بركة مظلمة. تحدث شهاب بنبرة أكثر جدية، محاولًا أن يصل إلى أخيه: "أكمل علاجك... لو كانت هنا، لن تسعد برؤيتك على هذا الحال." ساد الصمت لحظات، وكأن ليث يستجمع أفكاره ويقاوم العاصفة الداخلية التي تجتاحه. شعر شهاب بأن ليث ربما كان يضغط على جبينه بيديه، وكأن تلك اللحظات القليلة كانت تحفر في أعماقه جروحًا قديمة. بعدها جاء الرد بجفاف، وكأن ليث قد قرر أن يضع حاجزًا بينه وبين الماضي: "لا تقحمها في حديثنا ككل مرة... لقد رحلت." نطقت كلماته بألم دفين، كأنها أعادت فتح جروحه التي بالكاد بدأت تلتئم. شعر شهاب بذلك، لكنه لم يتراجع، بل قال بعد وهلة من التردد: "أبحث عن ابنتها... وأحتاج مساعدتك. إن وجدتها، ستكون تحت رعايتك. رجاءً، يا ليث، هل تتخيل كيف سيكون شعورها إذا رأتك على هذا الحال؟ ألن تكون خيبة أمل بالنسبة لها؟" كلمات شهاب كانت كالسهم الذي اخترق تلك الحواجز. شعر ليث بشيء ارتجّ داخله. لا شيء يستطيع أن يحبس العواطف المتأججة الآن. كان يتخيل وجه تلك الفتاة الصغيرة، عيونها التي تتطلع إليه، براءة لا يعرف كيف سيجيب عليها. اهتزت الكلمات في أعماقه، وأصبح التنفس أكثر ثقلاً، كما لو أن هناك قيدًا يضغط على صدره. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا ولكنها مليئة بالتردد: "أحتاج بعض الوقت، شهاب. لا أعدك بشيء الآن... ولكن سأفكر في الأمر." لم يكن هناك وعد، لكنه كان بصيصًا من الأمل. شعر شهاب بتلك اللمسة الخفيفة من التردد في صوت ليث، وكأن الكلمات التي ألقاها كانت بمثابة معركة داخل نفسه، معركة لم يكن يريدها أن تنتهي بهذه الطريقة. لكنه كان يعلم أنه لا يمكنه فرض شيء على ليث، خاصة عندما يتعلق الأمر بشيء عميق مثل هذا. صمت للحظة، ينظر إلى الهاتف في يده وكأن الكلمات التي قالها لا تزال تدور في أذنه. كان يشعر ليث بضغط الصمت الثقيل بينهما، كما لو أن الهواء أصبح أكثر لزوجة، وثقل المشاعر يغمره بشدة. قلبه كان يثقل عليه بشعور مختلط بين القلق والندم، والألم الذي يرافق ذكرى تلك الأيام التي لا يستطيع الهروب منها. أضاف شهاب، وقد لاحظ الشك في نبرة أخيه، محاولًا أن يخفف من وطأة التوتر وأن يكون مصدر دعم أكثر منه مصدر إلحاح: "لن أضغط عليك، ليث. لكن إذا كنت تحتاج إلى وقت، فهذا قرارك. المهم أن لا تهمل الأمر أكثر. الطفلة بحاجة إليك." كانت تلك الجملة الأخيرة كالحجر الذي يسقط في الماء، يترك دوائر صغيرة على سطح العلاقة بينهما، لكنه كان يعلم أن ليث سيحتاج وقتًا لفهم الصورة كاملة. لكن ليث لم يكن مجرد متردد في مسألة الفتاة الصغيرة، بل كان يعاني من صراع داخلي أكبر. المرض، الذي لا يستطيع الهروب منه، كان يؤثر على تفكيره وقدرته على اتخاذ قرارات حاسمة. كانت فكرة أن يواجه مسؤولية أخرى في ظل معاناته الصحية أمرًا مرهقًا بشكل يفوق قدرته على التحمل الآن. في تلك اللحظة، شعر شهاب أن الأفق قد أصبح أوسع قليلاً، لكن التوتر في صدره لم يختفِ. أنهى المكالمة كما اعتاد، بنغمة مزاح خفيفة ليخفف من وطأة الحديث الجاد، ولكن في أعماقه كان يعلم أن العلاقة بينهما قد تغيرت، وأنهما كانا على حافة مواجهة مع الماضي الذي لا يمكن تجاهله. في مكان آخر، فوق سطح الفندق... كانت أشعة الشمس الباهتة تتسلل عبر الأفق، محاربة طبقات الضباب الخفيف الذي لفّ المدينة. بدأت الحركة تدب تدريجيًا في الشوارع، حيث سمعت أصوات السيارات البعيدة وهمسات الحياة اليومية. أما سطح الفندق، فكان هادئًا وباردًا، وكأنه يقف بعيدًا عن الزمان والمكان، مكتفيًا بسكونه الغامض. وقفت ساكورا عند حافة السطح، ظهرها مستقيمًا، وذراعيها متقاطعتين بإحكام. كانت تراقب المدينة بعينين لا تعبِّران عن أي شعور، وكأنها تنظر إلى لوحة رسمت خصيصًا لها. ابتسمت بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة بريئة؛ بل كانت مليئة بنوع من اللذة الخفية، كأنها تستمتع بمعرفة سر لا يعرفه الآخرون. ضحكت بخفة، وكأنها تستمتع بلعبة يعرف قواعدها طرف واحد فقط. ثم، دون أن تلتفت، قالت بصوت هادئ لكنه واثق: -يمكنكِ الخروج الآن. بعد لحظة صمت، سُمع صوت خطوات خفيفة تقترب من الخلف. لم تلتفت ساكورا، لكنها ابتسمت مرة أخرى، وكأنها تعلم أن اللعبة بدأت للتو. أخيرًا استدارت ببطء، عيناها تعكسان برودًا يشبه صقيع الصباح، قبل أن تنطق الاسم بلهجة خالية من أي مشاعر: -لورا. قهقهت لورا بخفة، تسلّت ببرود ساكورا الظاهر، ثم خطت خطوة أقرب، متفحصة ملامحها قبل أن تعقب بمكر، محاولة استفزازها: -كان تمثيلك رائعًا حقًا! ادّعيتِ الغضب فقط لإبعادهما من هنا، أليس كذلك؟ ارتسمت على شفتي ساكورا ابتسامة ساخرة، وهي تستعيد في ذاكرتها المشهد الذي جرى قبل لحظات، ثم ردت بنبرة تنضح بالسخرية: -بالطبع، وكنتِ أنتِ تختبئين في الخلف كما لو أنكِ فأر مذعور. حدّقت بها لورا بنظرة حادة، كأنها تحاول كبح مشاعر لم ترد لها أن تظهر، قبل أن تهمس بصوت خافت بالكاد يُسمع، وكأنها تحدث نفسها: -تمردها هذا... بسببي. تنهدت قليلًا، ثم أخرجت هاتفها من جيبها، وأدارته نحو وجه ساكورا، حيث ظهرت رسالة على الشاشة. حدّقت الأخيرة فيها بعينين متجهمتين، قبل أن تبعد الهاتف عنها بنفور، وكأنها ترفض حتى التفكير في الأمر، ثم قالت بتحدٍّ واضح: -أيأمرني هذا الفاجر؟ بدأت تتجول ذهابًا وإيابًا في المكان، خطواتها متوترة رغم تعابيرها الصلبة. كان القرار الذي أمامها صعبًا، لكنها لم تسمح للشك بأن يستمر طويلًا. توقفت فجأة، قبضت يديها بحزم، ثم أعلنت بثقة: -لن أفعل ذلك! ارتسمت على شفتي لورا ابتسامة خبيثة، فقد رأت في عيني ساكورا ذلك الثبات العنيد، الذي يجعلها متأكدة من أنها لن تتراجع. عقّبت بهدوء: -قرار سليم. وضعت هاتفها في جيب بنطالها، ثم أكملت بنبرة أكثر جدية، ناظرة إليها مباشرة: -لكن دعيني أنبّهك... هذا قد يجلب لك الكثير من المشاكل، وفي النهاية، قد يؤدي إلى قتل شقيقتك. توقفت ساكورا لوهلة، تأملت ملامح لورا التي وقفت بثبات، ويدها على خصرها، وكأنها تتحداها أن تتراجع. لكن، بدلًا من أن تظهر القلق، ارتسمت على شفتيها ابتسامة ثقة، قبل أن ترد بنبرة واثقة: -حسنًا.. أعلم أنه بدون صفقة ”شيء مقابل شيء“، ستنقذينها من ذلك الفاجر. وإن لم تفعلي، فلا خيار لدي، سيكشف أمرك. أغمضت إحدى عينيها كما لو كانت تحاول إظهار الحزن، بينما العين الأخرى راقبت تعابير لورا بتركيز. ضحكت الأخيرة بصوت مرتفع، وكأن التحدي زادها متعة، ثم عقبت بنبرة لعوبة: -يا لكِ من ناكرة للجميل، يا ساكورا. ثم تابعت، والبسمة لا تفارق وجهها: -لكِ ذلك... فلنبدأ اللعبة. ابتسمت ساكورا وهي تتجه نحو الباب، لكنها توقفت في اللحظة الأخيرة وكأن شيئًا ما خطر ببالها. استدارت فجأة، وألقت بحقيبة صغيرة أمام لورا، ثم سألتها بنبرة تحمل مزيجًا من الفضول والشك: -بالمناسبة، جيمي... هل هو مع تلك العصابة، أم أنه يعمل بمفرده؟ مع ذلك، لا أظنه بذلك الذكاء! انحنت لورا والتقطت الحقيبة، فتحتها بابتسامة ماكرة، ثم أخرجت منها بعض الأغراض. ربطت شعرها للخلف، ووضعت عدسات لاصقة ومساحيق خفيفة، محاولةً تغيير ملامحها. نظرت إلى انعكاسها في شاشة الهاتف، ثم أجابت بصوت هادئ: -لا، جيمي انضم للعصابة منذ أيام، على حد علمي. كان يعمل بمفرده في السابق، لكن بعد عروض من فابينهو، وافق على الانضمام للهروب وأصبح معهم الآن. باختصار، احذروا من الأمر، وحاولي الابتعاد عن هذه المشاكل قدر الإمكان. لم ترد ساكورا، فقط أدارَت ظهرها وتوجهت نحو الباب، خطواتها واثقة كعادتها، مغادرةً المكان دون أن تنظر خلفها. أما لورا، فاكتفت بمتابعتها بصمت، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة خالية من الحيلة، ثم تبعتها بخطوات هادئة، وكأنها تعرف أن هذه المواجهة لن تكون الأخيرة. بعد لحظات من مغادرة ساكورا، خرجت لورا من الفندق أيضًا. أطلقت نظرة خاطفة نحو الشارع قبل أن تلمح ورد ورغد تتحدثان معًا. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة، ثم سارت بجانبهما بصمت، مستمتعة بمراقبتهما دون أن تشعران بوجودها. في تلك اللحظة، كانت ورد واقفة في شرود، غارقة في أفكارها، غير واعية لما يدور حولها. قاطعتها رغد عندما فتحت حقيبتها، ثم سألت بحماس: -ما رأيكِ أن نشتري همبرجر مع البطاطا المقلية؟ أومأت ورد برأسها في تفاعل خفيف، لكن عقلها كان مشغولًا تمامًا بشيء آخر. لم تستطع التوقف عن التفكير في تلك الفتاة المريبة التي هربت فور انطلاق الإنذار. همست لنفسها بصوت مسموع دون أن تدرك: -هل كانت لِصّة؟ سمعتها رغد، فتوقفت عن البحث في حقيبتها ورفعت رأسها لتنظر إليها باستغراب قبل أن تسأل: -ماذا قلتِ؟ أفاقت ورد من شرودها، ثم هزّت رأسها نافية وكأنها تحاول صرف الفكرة جانبًا. تقدمت نحو السيارة وفتحت الباب، ثم جلست في المقعد الخلفي دون أن تنبس بكلمة. ما إن استقر الجميع في أماكنهم وانطلقت السيارة حتى غلبها النعاس دون أن تشعر. أغمضت عينيها ببطء، وسرعان ما بدأت أحلام غريبة تتسلل إلى عالمها، أحلام لم تكن تعلم إن كانت مجرد أوهام عابرة... أم رسالة تحذير خفية. **** كان الليل حالكًا، والظلام يلفّ الغابة كستار كثيف، لا يُسمع سوى صوت الرياح بين الأشجار وصدى خطواتها المتسارعة على الأرض المبللة. كانت تركض بجنون، تتخبط بين الأغصان المتشابكة، فيما كان شخص ما يلاحقها، يحمل سلاحًا، ولا يبدو أنه سيتوقف حتى يمسك بها. لهاثها المتقطع كان يختلط مع أصوات الليل، وقلبها ينبض بعنف داخل صدرها. التفتت برعب، بحثت بعينيها القلقتين عن أي مخرج، ثم دفعت جسدها للأمام بقوة، مسرعةً نحو أقرب شجرة، متأملة أن تخفيها عن أنظاره. لكن المحاولة كانت عبثية... خطواته لا تزال تقترب، وكأنه يتبع أثرها بدقة مقلقة. استدارت بسرعة، استندت بظهرها إلى جذع الشجرة، تحاول استجماع أنفاسها المتسارعة، بينما كان جسدها كله يرتجف. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم همست بصوت مرتعش بالكاد خرج من بين شفتيها: -لا تفعل... لكن صدى صوتها اختفى في الهواء، ليقطعه فجأة دويّ إطلاق نار مدوّ! **** استيقظت ورد بفزع، شهقت وهي تصرخ: -لا تفعل! كانت أنفاسها متسارعة، وقطرات العرق تنساب على جبينها. رفعت يديها المرتجفتين إلى صدرها، تحاول تهدئة خفقان قلبها العنيف. نظرت حولها بذعر، فوجدت رغد تحدق بها بقلق، بينما جلس فادي في المقعد الأمامي، يرمقها بنظرة متوجسة، يتمتم بشيء لم تستطع استيعابه في تلك اللحظة. لم تشعر إلا بيد رغد تهزها بلطف، وصوتها القلق يصلها: -ماذا حدث؟ هل أنتِ بخير؟ حاولت ورد السيطرة على نفسها، أخذت نفسًا عميقًا، ثم أومأت برأسها، متظاهرة بأنها بخير رغم شحوب وجهها الواضح: -أجل... لا تقلقي، مجرد كابوس لا أكثر. لكنها، في أعماقها، لم تكن بخير أبدًا. ما زالت ملامح ذلك الحلم تلاحقها، خاصة ذلك الوجه... رفعت رأسها نحو فادي، فتداخلت صورته للحظة مع صورة الشخص الذي رأته في حلمها، مما جعلها تهمس لنفسها بقلق مكتوم: [رباه! لا تجعلني أرى تلك الأيام.] حاولت التخلص من أفكارها، فأشاحت بوجهها نحو النافذة وسألت بصوت خافت: -إلى أين نحن ذاهبون؟ كان ليو على وشك إخراج سجارته ليدخن، لكنه تذكر أنهم لا يحتملون رائحتها، فتراجع عن ذلك. حدق في المرآة الأمامية، ثم أجاب وهو يحافظ على هدوئه المعتاد: -سنذهب إلى منزل ساكورا لإنهاء عملنا. نظرت إليه ورد بعدم فهم، ثم حوّلت بصرها نحو فادي، علّه يوضح لها ما يحدث. لكنه، بدلًا من ذلك، اكتفى بابتسامة هادئة، ومدّ إليها بعض الطعام، محاولًا صرف انتباهها عن الأمر. قال بنبرة دافئة: -تفضلي، تناولي الطعام قبل أن يبرد. أخذت منه الطعام بتذمّر، وعيناها ما زالتا تحملان تساؤلات لم تجد إجاباتها بعد. وبينما كانت تستعد لأخذ لقمة، دوّى صوت اصطدام عنيف! اهتزت السيارة بعنف تحت تأثير الضربة، وسقط الطعام من يديها، متناثرًا على الأرض. للحظة، بدا وكأن الزمن توقّف داخل السيارة، قبل أن يخترق السكون صوت ليو الحازم، وهو يصيح بجديّة: -تشبثوا جيدًا! كانت الساعة تقترب من الثانية ظهرًا، والشمس منخفضة في السماء، ترسل أشعتها الباهتة والمائلة على الإسفلت الخشن للجسر المهجور نسبيًا. لم يكن هناك سيارات أجرة، فقط بضع سيارات تمر بين الحين والآخر، وكأن الطريق معزول عن صخب المدينة. الهواء كان باردًا، والسماء تحمل بعض الغيوم الرقيقة التي تعكس أجواء الشتاء الهادئة. رغم شبابه، إلا أن ليو اكتسب خبرة تفوق عمره بفضل نشأته في كنف والده الشرطي. لم يكن من النوع الذي يفقد السيطرة في المواقف الطارئة. عيناه ظلّتا معلّقتين بالمرآة الجانبية، حيث التقط لمحة خاطفة للسيارة التي اصطدمت بهم. كانت تتمايل على الطريق، وكأنها تسير بلا توجيه. لا حركة من السائق، لا محاولات للكبح... فقط صمت ثقيل، مما أثار قلقه على الفور. همس ليو بقلق: -هذا ليس حادثًا عاديًا... السائق لا يتحرك! بدلاً من اللجوء إلى الفرامل المفاجئة أو المناورة المتهورة، اختار أسلوبًا أكثر احترافية... ضغط برفق على دواسة الوقود، متقدّمًا بمحاذاة السيارة الأخرى، دافعًا إياها بلطف نحو الحافة. أصدر الاحتكاك صريرًا حادًا، لكن سرعان ما بدأت السيارة تفقد زخمها تدريجيًا، حتى توقفت تمامًا عند طرف الجسر. ما إن استقرت، حتى اندفع فادي خارج سيارة ليو، مقتربًا منها بسرعة. طرق نافذتها بقوة، صوته يحمل نبرة قلق واضحة: -أيها السائق، هل تسمعني؟! لا إجابة. لا حركة. لا حتى ارتعاشة خفيفة تدل على الوعي. عبس فادي، وشعور غامض بدأ يزحف إلى صدره. دفع الباب لكنه كان مغلقًا من الداخل. نظر إلى ليو، فهزّ الأخير رأسه بإيماءة تحذيرية. رفع فادي ذراعه وضرب الزجاج بكوعه، لكن دون جدوى. حاول مرة أخرى، الألم ارتد إلى مفصله، لكنه تجاهله. وقع بصره على حجر متوسط الحجم على جانب الطريق، فالتقطه وسدد ضربة قوية إلى الزجاج الجانبي. تشققات رفيعة انتشرت كشبكة عنكبوتية، ومع الضربة الثالثة، انهار الزجاج أخيرًا، متناثرًا إلى شظايا صغيرة. مدّ يده إلى المقبض، فتح الباب، وعندما لمس جسد السائق... مال الرجل ببطء إلى الجهة الأخرى، رأسه تدلى على صدره بلا حياة. -يا إلهي... همس فادي، بينما كان جسده يرتجف لا إراديًا. وجه الرجل كان جامدًا، وعيناه مفتوحتان على وسعهما، تحدّقان إلى اللاشيء، وكأنهما حبستا آخر لحظة رعب عاشها. شفتاه كانتا نصف مفتوحتين، كأن صرخة أخيرة تجمدت بداخله. لكن... شيئًا آخر لفت انتباهه. في البداية، لم يلحظ أي أثر غريب. لم يكن هناك جروح ظاهرة أو كدمات بارزة. لكن حين اقترب أكثر، وانحدر الضوء بزاوية مائلة بسبب الغيوم الكثيفة، لاحظ شيئًا خفيًّا جدًّا... خطوطًا حمراء دقيقة تلتف حول عنقه، لا تُرى إلا عند الفحص الدقيق وفي الإضاءة المناسبة. مدّ أصابعه المرتجفة نحو العنق، باحثًا عن نبض... لا شيء. لكن عندما لمس الجلد، شعر بنتوء طفيف، كأن شيئًا ما كان مغروسًا فيه للحظات طويلة. أثر بالكاد يُلاحظ، لكن بالنسبة لفادي، كان كافيًا ليبعث إنذارًا داخليًا. اقترب ليو ببطء، وجهه متجمد كالصخر، لكنه سأل بصوت منخفض، كأنه يخشى سماع الجواب: -هل... هل هو بخير؟ هزّ فادي رأسه ببطء، ثم همس وكأن الكلمات تخنقه: -لقد مات. ظلّ ليو صامتًا للحظة، لكن عقله كان يصرخ. المشهد كان مألوفًا... مألوفًا أكثر مما يريد الاعتراف به. تمامًا كما حدث في أول قضية تعامل معها. قبل أن يغرق في دوامة أفكاره، انطلق صوت محركات سيارة قادمة. التفت بسرعة. سيارة سوداء تقترب، زجاجها مظلل. ومن خلفه، كانوا أربعة أشخاص بداخلها... ولم يبدُ أنهم مجرد مارة عاديين. الموقف لم ينتهِ بعد... بل كان على وشك أن يبدأ. توقفت السيارة التي وصلت إلى موقع الحادث، حيث كانت الشمس الشتوية الباهتة تلقي بظلالها على المشهد. أشعة الشمس المتقطعة تخترق الغيوم الرقيقة، ملقية وهجًا خافتًا على المياه الهادئة أسفل الجسر. رغم برودة الجو، كان الموقع مكشوفًا تمامًا، والضوء الطبيعي كافٍ لإظهار كل التفاصيل. في المقعد الأمامي، جلست امرأة ممتلئة الجسد، بشعر أشقر مصفف بعناية وعينين زرقاوين نافذتين، وقد غطت ملامحها بطبقة ثقيلة من مساحيق التجميل. بدت في أواخر العشرينيات من عمرها، وكانت ترتدي فستانًا قصيرًا مخططًا بالرمادي والبنفسجي، يبرز تفاصيل جسدها. إلى جانبها، جلس رجل قوي البنية، ذو عضلات بارزة، وشعر بني مهندم، عيناه الزرقاوان تحملان نظرة حادة. كان يرتدي رداءً رياضيًا، ويبدو في العمر ذاته تقريبًا. أما في المقعد الخلفي، فقد جلس رجل قصير ممتلئ الجسد، في أوائل الثلاثينيات، مرتديًا بدلة عمل سوداء أنيقة، بشعر أسود مرتب وعينين بنيتين تحملان توترًا مكتومًا. بجواره، جلست شابة تبدو في منتصف العشرينيات، بشعر برتقالي ناري وعينين خضراوين، ترتدي بنطالًا أسود وقميصًا مخططًا بالوردي والأسود، نظراتها متوترة، وكأنها تخشى مما ستراه أمامها. ما إن توقفت السيارة تمامًا، حتى دفعت المرأة ذات الشعر البرتقالي الباب بقوة وخرجت بسرعة، ملامح وجهها تشي بالقلق المتزايد. تقدمت بخطوات متوترة نحو السيارة حيث الجثة، وهي تهتف بصوت مرتجف: -فيرمينو! فيرمينو! لكن قبل أن تصل، قاطعها ليو، قافزًا أمامها ليمنعها من التقدم. مدّ ذراعه ليوقفها، وصوته كان حازمًا لكنه غير قاسٍ: — توقفي، لا يمكنك الاقتراب. ثم التفت إلى فادي، الذي كان لا يزال متوترًا من المشهد السابق، وقال بصرامة: — اتصل بالشرطة. لم يتردد فادي لحظة، أخرج هاتفه بسرعة وأجرى الاتصال، بينما بقي يراقب المرأة التي تحاول التملص من قبضة ليو، عيناها مليئتان بالقلق والخوف. عندما أنهى فادي المكالمة، تنفس ليو بعمق، ثم نظر إليه وتحدث بنبرة أكثر هدوءًا، لكنها لا تزال تحمل الجدية: -اذهب واعتنِ بجروحك. قالها وهو يلقي إليه بمفاتيح السيارة، ثم أضاف بإيجاز وهو يشيح برأسه نحو الصندوق الخلفي: -هناك أدوات الإسعافات الأولية، ستجدها في الداخل. كان كل شيء يحدث بسرعة، لكن شعورًا خفيًا تسلل إلى أجواء المكان... لم يكن الأمر مجرد حادث عابر. بعد دقائق معدودة، وصلت سيارة الشرطة برفقة سيارة الإسعاف. كان الموقع بعيدًا عن المدينة، لكن مركز الشرطة القريب كان لا يزال يستخدم بشكل متقطع بسبب وجود بعض الأنشطة الزراعية في المنطقة. لذلك، استغرق الوصول وقتًا قصيرًا نسبيًا. ترجل المفتش من السيارة وتوجه نحو المجموعة التي بدت عليها الصدمة والحزن، ثم سأل بنبرة رسمية: -ما علاقتكم بالمتوفى؟ تقدم أحد الرجال بخطوات متثاقلة، وعيناه محمرتان من أثر الدموع، ثم أجاب بصوت متهدج: -نحن أصدقاء منذ أيام المدرسة. كنا نتسابق في الركض اليوم، وقد تركت سيارتي في الصيانة، فطلبتُ منه أن يسبقني لأنه كان لديه موعد مهم. لم أرد أن أكون ثقيلًا عليه أو أعوقه عن موعده. أومأ المفتش ببطء وهو يستوعب ما قيل، ثم عاد ليسأل الرجل ذاته: -هل كنتَ آخر من التقاه؟ تردد الرجل للحظة، وكأنه يحاول استرجاع التفاصيل بدقة، ثم قال بصوت متردد: -ن... نعم، سيدي. التفت المفتش إلى كلوي، التي كانت تمسح دموعها بأنامل مرتجفة، وسألها: -وأنتِ؟ أين كنتِ قبل الحادث؟ وما علاقتكِ بالضحية؟ رفعت كلوي رأسها ببطء، ونظرت إليه بتوتر قبل أن تجيب بصوت متهدج: -بعد أن أوصلت طفلي إلى المنزل، قررت التسوق قليلًا، وعند عودتي صادفت السيد جيفن أثناء الطريق، فعرضت عليه الركوب معي لأننا كنا نسير في نفس الاتجاه. كنت أتحدث معه بشكل عادي... ثم تلقيتُ اتصالًا هاتفيًا من كيرلس. بعد ذلك، صادفنا كلوفر. توقفت للحظة، ثم أضافت بصوت مرتجف: -نحن الثلاثة... نحن أصدقاء منذ أيام المدرسة. لم أكن أتخيل أن يحدث شيء كهذا. رفع المفتش حاجبيه باستغراب، ثم نظر نحوهم وسأل: -إذًا، أنتم الثلاثة تعرفون بعضكم البعض؟ أومأت كلوي برأسها، مؤكدة كلامه. بينما كان المفتش يسجل المعلومات، لاحظ ليو وجود سيارتين متوقفتين بطريقة تسمح لهما بمراقبة الموقع، دون الاقتراب كثيرًا. اقترب من السيارتين بهدوء، ثم بدأ يتحدث مع السائقين بلطف ولكن بجدية: -هل شاهدتم شيئًا؟ أي تفصيل قد يكون مفيدًا. أجاب أحد السائقين، وهو رجل في منتصف العمر يبدو عليه القلق ولكنه يحاول التصرف بلباقة: -لا، سيدي، نحن فقط مررنا بالصدفة. رأينا مجموعة من السيارات متوقفة هنا على جانب الطريق، فتوقفنا لنرى ما يحدث. كنا قلقين من أن يكون هناك حادث خطير يحتاج إلى مساعدة. أومأ السائق الآخر، وهو شاب يبدو في أوائل العشرينيات، وأضاف بصوت يحمل مزيجًا من الفضول والتوتر: -نعم، لم نرَ شيئًا. فقط... حسنًا، بدا الأمر وكأنه موقع غير عادي، فأردنا أن نتأكد مما يحدث. عندما رأينا الشرطة والإسعاف، فهمتُ أن الأمر يتعلق بحادث، لذلك ابتعدنا حتى لا نتسبب في إزعاج. شعر ليو بأن كلامهما يبدو منطقيًا. لم يجد أي مؤشر في حديثهما أو سلوكهما يوحى بمعرفتهما بأمر ذي أهمية. ومع ذلك، لاحظ أن السيارتين كانتا متوقفتين بحيث يمكنهما مراقبة الموقع من بعيد. ربما كان ذلك لأنهما أدركا أن الحادث قد يكون خطيرًا ولم يرغبا في التدخل المباشر. عاد ليو إلى المجموعة، لكنه ظل يراقب السيارتين من بعيد، غير مقتنع تمامًا بأن كل شيء طبيعي. رغم أن السائقين بدوا مجرد فضوليين، إلا أن الأجواء الغامضة المحيطة بالحادث جعلته يتحسس وجود تفاصيل غير واضحة. وبعد لحظات من الصمت، التفت المفتش إلى جيفن وسأله: -لماذا طلبتَ منها أن توصلك؟ وما علاقتك بالضحية؟ ابتلع جيفن ريقه، وكأن حلقه جف فجأة، ثم أجاب بصوت متوتر وهو يفك رابطة عنقه: -سيارتي في ورشة الصيانة منذ يومين، ولم يكن لدي وسيلة نقل. أما فيرمينو، فهو زميلي في شركة إنتاج الأفلام. نظر المفتش إليه متفحصًا، ثم حول انتباهه إلى كلوفر وسألها بلهجة أكثر صرامة: -وأنتِ؟ أين كنتِ قبل الحادث؟ وما علاقتكِ بالضحية؟ تنهدت كلوفر بحزن، بينما كانت عيناها تحملان مزيجًا من التوتر والأسى، ثم قالت: -نحن أصدقاء منذ المدرسة، وكنتُ في السوق أشتري هدية لحبيبي، فاليوم عيد ميلاده. وعندما رأيتهم، انضممت إليهم بالصدفة، إذ تركتُ سيارتي قرب منحدر غير آمن للسير. في تلك اللحظة، اتخذ المفتش خطوة إلى الأمام، لكن فجأة، اتسعت عيناه بدهشة عندما لمح وجهًا مألوفًا بين الحضور. توقف للحظة قبل أن يتحدث بصوت يغلبه الذهول: -ليو؟! ماذا تفعل هنا؟ نصف ابتسامة ارتسمت على وجه ليو، ثم رد بصوت هادئ لكنه يحمل بعض الغموض: -الأمور تعقدت... سأخبرك بكل شيء. بدأ بسرد تفاصيل الحادثة، موضحًا كيف وجدوا الرجل ميتًا داخل سيارته. وبينما كان يتحدث، تذكر أمرًا مهمًا، فالتفت إلى فادي الذي كان قد انتهى للتو من تضميد جروحه، ثم قال بابتسامة ماكرة: -بالمناسبة، أود أن أقدم لك أصدقائي، أيها المفتش هاري. أشار بيده نحو فادي، الذي عقد حاجبيه في حيرة، بينما تابع ليو حديثه: -هذا فادي، محقق بارع، وداخل السيارة فتاتان؛ ورد، وهي محققة أيضًا، ورغد، طبيبة. نظر المفتش إلى فادي نظرة فاحصة، ثم سأله بشيء من الشك: -كم عمرك؟ لكن قبل أن يتمكن فادي من الرد، قاطعه ليو بضحكة خفيفة، ثم وضع يده على كتف المفتش وقال بمزاح: -دعك من هذه الأسئلة الآن، المهم أن نركز على القضية. ثم تحولت نبرته إلى الجدية وهو يضيف: -هل عثرتم على أي أدلة حتى الآن؟ أخذ المفتش نفسًا عميقًا، ثم هز رأسه نافيًا: -ليس بعد، لكننا نراجع جميع التفاصيل. لقد طلبت من فريقي فحص السيارة والبحث عن أي بصمات أو أثر قد يساعدنا. ثم توجه إلى أحد رجال الشرطة لمراجعة ما تم تدوينه. بينما استمر فريق التحقيق في جمع الأدلة، آملين العثور على شيء يكشف حقيقة ما حدث في هذه الحادثة الغامضة. في تلك الأثناء، داخل السيارة، كانت ورد تشعر بالملل، بينما ظلت رغد تحدق بصمت عبر النافذة، غارقة في أفكارها. كل هذا بعد أن نظفت رغد ما أسقطته صديقتها أثناء اصطدام السيارتين. حاولت ورد كسر الصمت، لكنها عطست فجأة بقوة، مما جعل رغد تلتفت إليها بسرعة. أزالت ورد يدها عن فمها بسرعة، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة متكلفة، محاولةً التهرب من نظرات العتاب التي توقعتها، لكنها لم تكن محظوظة. حدقت بها رغد بحدة، وكأنها تعاتبها بعينيها قبل أن تقول بنبرة مستاءة: -أرأيتِ؟ لقد نبهتكِ! شعرت ورد بالإحراج، لكنها سرعان ما ضحكت بخفة لتلطيف الأجواء، ثم قالت بتسرع وكأنها تبحث عن مخرج سريع من الموقف: -سأذهب لأرى ما يجري في هذه القضية. لم تنتظر رد رغد، بل فتحت باب السيارة بسرعة وترجلت منها قبل أن تسمح لأي تعقيب بالوصول إليها. سارت بخطوات حثيثة نحو سيارة القتيل، حيث كانت الشمس تميل نحو الغروب، وإضاءتها الضعيفة بدأت تضيف ظلالًا طويلة على السيارة. كل شيء بدا غامضًا وغير واضح، وكأن الحقيقة تخفي نفسها بين أشعة الشمس الأخيرة. وقفت ورد أمام الجثة، تتأملها بعناية. كانت تتذكر دروس والدها دائمًا، خاصة عندما كان يقول لها: في كل تحقيق، تذكري أن الجثة تتحدث بصمت. عليكِ فقط أن تستمعي. الآن، بينما كانت تقف أمام الجثة، شعرت بأن كلماته تتردد في ذهنها. مع تزايد الظلام، أخرجت ورد مصباحًا صغيرًا من حقيبتها، وبدأت تفحص الجثة عن كثب. لاحظت شيئًا غريبًا في مظهر الرجل. شفاهه كانت زرقاء وباهتة، وكأن الحياة قد انسحبت منه ببطء. ثم لفت انتباهها شيء آخر... شيء غير واضح تمامًا. ربما كان انطباعًا غريبًا على الرقبة؟ لكنها لم تستطع تحديد ما إذا كان نتيجة ضغط خارجي أم مجرد ظل خلقه الضوء؟ لم تكن متأكدة. شعرت بشيء غريب يتسلل إلى عقلها. لماذا يبدو كل شيء هنا غير طبيعي؟ هل كان هناك شيء يمنعه من التنفس؟ أم أن الأمر مختلف تمامًا؟ بدأت تربط بين ما ترى وما علمها إياه والدها. الشفاه الزرقاء... العلامات الطفيفة على الرقبة... وضعية الجسم الهادئة جدًا. كل هذا بدا لها وكأنه يشير إلى شيء واحد: هذه ليست حادثة عادية. لكنها لم تكن متأكدة تمامًا. التفتت نحو الموجودين حولها، وقالت بصوت هادئ ولكن حازم، رغم تردد داخلي واضح: -أعتقد... أن هذه ليست حادثة. أعتقد أنها جريمة قتل...يتبع 《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما