《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》 《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》 نبدأ بسم الله... _____________ البعض يعتقد أن حياته بائسة ولا يشعر به أحد. وهو ينغمس في أوهامٍ لا مفرَّ منها، إذ إنها مجرد سرابٍ لا يمكن الخروج منه. فالجميع يختبر محنًا في حياته، فمنهم من وُلِدَ بلا عائلةٍ وعاش دائمًا في دار الأيتام، ومنهم من يمتلك عائلةً دافئةً ولكنه يعاني من مشاكل صحية، ومنهم من يعيش مع عائلةٍ قاسية، ومنهم من يجتمع فيه الاثنان، ومع ذلك، من المؤكد أن لديهم مشاكل أخرى، ومنهم من يعيش في أسرة مشتتة. وسوف تظل الحياة على هذا النحو، فلا أحد كامل سوى خالق هذا الكون. بعد مرور الوقت بسرعة، ومع بزوغ الفجر، استفاقت الطفلة على قشعريرة تسري في جسدها، لتجد شقيقتها ما زالت راقدة بلا حراك، وجسدها البارد لم يكتسب دفئًا منذ الليلة الماضية. ارتجفت أصابعها وهي تلامسها مجددًا، لكن لا حياة فيها. قبل أن تستوعب الأمر تمامًا، انتفضت من مكانها على وقع صوت الباب يُفتح بعنف، لتقتحم الغرفة فتاة لم تتجاوز السادسة والعشرين، تتثاءب بكسل وكأنها غير مكترثة بما يحدث، وكأنها لم تلحظ المأساة التي خيمت على المكان. نظرت إليهما بملل، ثم قالت بسخرية، دون أدنى احترام، وهي ترتدي ملابس العاملات في القصر، بشعرها القصير الذي يصل إلى عنقها، وعينيها الحادة ذات اللون البني، بينما تتوسط وجهها شامة صغيرة، وبشرتها الخمرية القمحية تعكس ملامحها الجامدة: -لماذا تنظرين إليها كجروٍ تائه؟ ثم صاحت بانزعاج وهي تشير إلى الفتاة الملقاة على الأرض: -وأنتِ! لماذا لا تزالين نائمة؟ انهضي فورًا! دفعتها بقدمها بخشونة، لكنها لم تتحرك. كررت الأمر بحدة، لكن صوت الطفلة المبحوح قاطعها وهي تشدّ ثيابها بقوة، تكبت دموعها التي غلبها الألم والمرارة: -لن تنهض. توقفت العاملة عن الحركة، ونظرت إليها بدهشة قبل أن ترد بصوت متردد: -ماذا؟ تمتمت الطفلة بصوت خافت، بالكاد يُسمع: -لقد ماتت. كانت تعلم ذلك، كما أخبرتها شقيقتها ذات يوم: عندما يبرد الجسد، فهذا يعني أن الروح قد غادرته، وأن صاحبه... مات. حدّقت بجسد شقيقتها بعيون فارغة، لم تستوعب بعد أنها أصبحت وحيدة في هذا المنزل المظلم، لا تعرف ما الذي عليها فعله، ولا ما الذي ينتظرها. بينما كانت غارقة في أفكارها المتشائمة، رأت العاملة تبتسم فجأة، وكأنها كانت تتمنى حدوث هذا الأمر منذ زمن. -إذن، ماتت أخيرًا! قالتها ببرود، وكأن الأمر لا يعنيها، بل ربما كان خبرًا سارًا لها، فهي لم تكن تهتم بخدمتهن يومًا. ثم ابتسمت، فهي كانت تتمنى موتهم منذ عملها في خدمتهم، إذ هي بالأساس لا تعمل واجبها على أكمل وجه. استدارت دون اكتراث، وخرجت متوجهة إلى سيدتها لتبلغها بما حدث، بينما بقيت الطفلة تحدّق في الباب الذي أغلقته خلفها. ثم عادت لتجلس بجوار شقيقتها، تمسك يدها المرتخية بيدين مرتجفتين، وتضع رأسها على قدميها، تحاول كتم شهقاتها عبثًا. لكن الدموع التي كانت تكبحها انهمرت أخيرًا، وصوت بكائها بدأ يعلو في تلك الغرفة التي زادها ضوء الفجر الخافت وحشةً وبرودة. بينما في نفس المكان، في الصباح وفي الجناح الفاخر داخل ذلك القصر المترف، حيث الأثاث الفخم والثريات المتلألئة تعكس بريق الذهب والحرير، كانت إحدى العاملات تمشط شعر سيدتها البرتقالي، الذي ينسدل بسلاسة فوق كتفيها، بينما كانت الأخرى تساعدها في ارتداء مجوهراتها. وسط هذا المشهد الهادئ، تقدمت عاملة أخرى بانحناءة خفيفة، وقالت بصوت هادئ مفعم بالاحترام: -سيدتي، لينا... لقد تُوفيت. سادت لحظة من الصمت، وكأن الكلمات لم تترك أثرًا في الأجواء. كانت السيدة منشغلة بتفحص مجموعة من القلائد الموضوعة أمامها، تتنقل بنظرها بين الألوان، قبل أن تلتقط واحدة بلون وردي ناعم، ينسجم مع فستانها الفاخر. بلا اكتراث، ارتدتها وأجابت بلهجة باردة، دون أن ترفع عينيها: -أوه... كم هو مؤسف. ثم، وكأن الأمر لم يكن يستحق لحظة إضافية من انتباهها، وجهت نظراتها الحادة إلى العاملة الواقفة أمامها، وقالت بنبرة جامدة، تخلو من أي عاطفة: -إذن، ادفنوها. أومأت العاملة بانصياع، وانسحبت بهدوء من الغرفة، بينما استمرت سيدتها في التأمل في المرآة، تتحقق من انعكاسها، وكأن شيئًا لم يحدث. حتى هذه اللحظة، لم يأتِ أحد ليرى ما يحدث، لم يأتوا لإنقاذها. كانت الطفلة تفكر بألم: كيف يمكنهم فعل هذا؟ لماذا يعاملونهم بهذه القسوة؟ لم تكن تعلم أن هناك من يحاول، بكل ما أوتي من عزيمة، أن يمنح شقيقتها جنازة تليق بها قبل دفنها، رغم كل ما تمر به وما ستواجهه لاحقًا. لن تبرح تلك المرأة مكانها حتى توافق سيدة القصر على دفن ابنتها بكرامة. أما الطفلة، فقد هدأ نحيبها شيئًا فشيئًا، بعدما أيقنت أن البكاء لن يعيد شقيقتها إليها. أغمضت عينيها، وغرقت في ذكرياتها، حيث كانت أختها جزءًا لا يتجزأ من حياتها: المعلمة التي وجهتها، الحامية التي احتضنتها، والأمل الذي كانت تتمسك به، متمنية لها حياة أفضل من تلك التي عاشتاها معًا. في أحد الأيام، كانت الطفلة ذات الشعر الأشقر الحريري والعينين الزرقاوين تجلس على الأرض، وقد نفخت وجنتيها الورديتين باستياء. أسندت ظهرها إلى الحائط، ثم وضعت الكتاب بتعب على قدميها الصغيرتين الممددتين. أمامها، كانت شقيقتها الكبرى تجلس فوق النافذة، تقرأ كتابًا بتركيز أثناء دراستهما. بملل، قاطعت الطفلة أختها قائلة: -أختي! كفانا دراسة، لقد مللت. ألا يمكنني أن ألعب؟ قالتها بحماس وهي تتشبث بقدم شقيقتها، تنظر إليها بعينين بريئتين متوسلتين. رمقتها شقيقتها بحنق، حاجباها معقودان، ثم أجابت بحزم: -لا، عليكِ إنهاء دراستك أولًا! حاولت تجنب نظرات الطفلة اللطيفة التي كانت دائمًا تضعف أمامها. زمت الصغيرة شفتيها باستياء للحظات، قبل أن تسمع شقيقتها تقول، وهي تغمز بعين واحدة وتترقب ردة فعلها بالأخرى: -إن أنهيتِ دراستك، سنلعب، وسأصنع لكِ الحلوى التي تحبينها. قفزت الطفلة بحماس، وصفقت بفرح وهي تهتف: -مرحى! حسنًا، هيا لنكمل دراستنا! عادت إلى الكتاب، وبدأت تقرأ بصوت مرتفع، تنطق الكلمات بصعوبة، مما جعل شقيقتها تبتسم بخفة: -الصعاب هي فرصة للنمو والتطور... توقفت فجأة، رفعت رأسها، وحدقت بأختها بحزن، ثم قالت بنبرة مستاءة: -لا تضحكي! إنه صعب. تنهدت شقيقتها، ثم نزلت من النافذة وجلست بجانبها، واحتضنتها بحنان وهي تشير إلى السطور مجددًا: -الصعاب هي فرصة للنمو والتطور، فلا تخشاها، بل تحداها وتعلم منها. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي الطفلة، وواصلت القراءة بصوت أكثر ثقة، غير مدركة أن تلك اللحظة، وذلك الدرس، سيبقيان محفورين في قلبها للأبد. عندما أنهت الطفلة دراستها، قررت شقيقتها الكبرى مفاجأتها بصنع الحلوى المفضلة لها، متخفية عن أنظار أهل القصر والعاملات. كانت تعلم تمامًا أن هذه اللفتة الصغيرة ستغمر قلب شقيقتها بالسعادة. بعدما التهمت الطفلة الحلوى بشهية، استلقت على ظهرها، ورفعت قدميها لتضغط بهما على الحائط، تحركهما بمرح طفولي. ثم، فجأة، سألت بصوت هادئ: -ما معنى الموت؟ تجمدت شقيقتها للحظة، واتسعت عيناها بدهشة، ليسقط القلم من يدها. استدارت إليها بسرعة، وحدقت بها بقلق قبل أن تسألها بانفعال: -من أين سمعتِ هذه الكلمة؟ ارتبكت الطفلة وأشاحت بنظرها، مما زاد من توتر شقيقتها، التي أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تعاود السؤال، هذه المرة بنبرة هادئة لكنها جادة: -أخبريني، من أين سمعتِ ذلك؟ ترددت الطفلة قليلًا، ثم جلست تلعب بأصابعها بتوتر قبل أن تجيب بصوت خافت: -سمعت العاملات يتحدثن عن ذلك. اشتعل الغضب في عيني شقيقتها، كيف يمكن لهن التحدث عن مثل هذه الأمور أمام الأطفال؟ لم تكن تحب هذه الكلمة، لم تحب حتى التفكير فيها، فمنذ وفاة مربيتها، كانت بالكاد تحاول التعايش مع فقدانها. لم تكن تريد لشقيقتها أن تواجه ذات الألم، لم تكن تريدها أن تفهم معنى الموت بهذه السرعة. نظرت إلى شقيقتها الصغيرة، التي كانت تحدق بها ببراءة، غير مدركة للثقل الذي تحمله هذه الكلمة. شعرت بوخزة في قلبها، لكنها أخفت اضطرابها، ثم اقتربت منها ومدت يدها وأمسكت بيد الطفلة بحنان، محاولة البحث عن كلمات تليق ببراءة طفولتها، كلمات تخفف وطأة الحقيقة التي كانت تحاول حمايتها منها. ابتعدت بضع إنشات، ثم قالت بصوت هادئ: -الموت هو عندما يتوقف الشخص عن التنفس أو الحركة، ويفقد الحياة. رفعت الطفلة بصرها إليها، وعيناها تلمعان بفضول، ثم سألت ببراءة: -وكيف نعرف أن الجسد بلا حياة؟ تفاجأت من سؤالها، لم تتوقع أن تطرح طفلة مثل هذا السؤال بهذه العفوية. نظرت إليها للحظات، ثم وضعت يدها على وجهها وأطلقت ضحكة خفيفة، قبل أن تهمس لنفسها: -بالطبع، نحن نولد بعقل، حتى الأطفال قادرون على التفكير. ثم عادت بصرها إلى الطفلة، وابتسمت لها برفق قبل أن تجيب بنبرة دافئة وعميقة: -عندما يبرد الجسد، فهذا يعني أن الروح قد غادرته، وأن صاحبه... مات. وضعت يدها فوق رأس شقيقتها الصغيرة، تداعب شعرها الحريري بحنان، ثم غيرت نبرتها فجأة إلى لهجة مرحة وهي تقول بمزاح: -أيتها المشاغبة، هيا بنا نلعب! عبست الطفلة قليلًا ورفعت يدها لتبعد يد شقيقتها عنها، لكنها ما إن سمعت كلمة "اللعب" حتى أشرقت عيناها، ورفعت يديها بفرح، تقفز هنا وهناك، تعبّر عن سعادتها بضحكات صافية. راقبتها شقيقتها وهي تضحك بدورها، شاعرة بالارتياح، فقد نجحت في صرف تفكيرها عن هذا الأمر الثقيل، ولو قليلًا. بعيدًا عن أروقة ذلك القصر المظلم، وفي مكان آخر على أطراف المدينة، حيث الشمس الشتوية بالكاد تبعث دفئها وسط الهواء البارد، وقف شاب في منتصف العشرينيات، طويل القامة، ذو ملامح حادة وهيئة صارمة. كان فكه القوي وعيناه الثاقبتان تضفيان عليه هيبة لا يمكن تجاهلها، بينما استقرت نظراته الباردة على الرجل المقيد أمامه. بخطوات ثابتة، اقترب منه، ومال قليلًا إلى الأمام، ليقول بصوت جهوري، نبرته تأمر أكثر مما تسأل: -أخبرني الآن... من أنتم؟ وما الذي تبحثون عنه؟ لم يكن في صوته أثر للرحمة، فقط صرامة جافة تنذر بأن أي إجابة خاطئة قد تكلف الرجل أكثر مما يتوقع. على غير المتوقع، رفع الرجل رأسه ببطء، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، قبل أن يجيب بنبرة مستهزئة: -ابحث بنفسك... وستعرف. ثم، وبحركة مفاجئة، أخرج شيئًا من فمه "كان قد اختبأه في لسانه" ولحظة واحدة كانت كافية لتفقد وعيه. الدماء بدأت تتدفق بغزارة، بينما بدأ جسده بالارتجاف قبل أن ينهار على الأرض. اتسعت عينا الشاب الآخر الذي كان واقفًا إلى جانب ويليام، وصاح بصدمة وهو يتراجع خطوة إلى الخلف: -يا إلهي! لقد... لقد تسمم، يا ويليام! أما ويليام، فظل ثابتًا في مكانه، عينيه مثبتتان على الرجل الذي انهار أمامه، وكأن جسده لم يعد يحمل روحًا. على الرغم من الجمود الظاهر في ملامحه، إلا أن نارًا من الغضب كانت تشتعل داخله. يتساءل داخله: كيف يمكن لشخص أن يستهين بحياته إلى هذا الحد؟ كيف يمكنه إنهاءها ببرود وكأنه لم يكن يومًا موجودًا؟ زفر ببطء، ثم مرر يده على وجهه، محاولًا ترتيب أفكاره. كان يعلم جيدًا أن هؤلاء الرجال قد ظلموا الكثير من الأبرياء، وربما في نظرهم، لا فرق بين ظلم أنفسهم وظلم الآخرين. بينما كان ويليام غارقًا في صراعه الداخلي، انحنى الشاب الآخر بهدوء، وأغلق عيني الرهينة المتوفي بنظرة مشفقة، ثم نهض، وعيناه تضجان بالقلق وهو يقول بصوت مضطرب: -ماذا سنفعل الآن؟ زفر بضيق بعد حديثه، غارقًا في أفكاره. لطالما رأى في مهنته الكثيرين يفقدون حياتهم، لكن ليس بإرادتهم. كان منهم من يتشبث بالحياة بكل قوته، ومنهم من يمتلك العزيمة، فيلتزم بإرشادات الأطباء حتى يتعافى. أما هذا الرجل، الذي استهان بحياته وأهدرها بتهور، فقد جعله يدرك أن هناك أشخاصًا حمقى لا يدركون قيمة الحياة. أما ويليام، فلم يحرك عينيه عن الجثة، لكنه أجاب بصوت هادئ وحاسم: -سنذهب إلى منزل العائلة... لا بد أن العم يريد رؤيتنا. أشار الآخر بالتأكيد، ثم بدا وكأنه تذكر أمرًا مهمًا، فتردد للحظة قبل أن يقول بتردد: -اه، بالمناسبة... هل يمكنني أخذ إجازة؟ رفع ويليام عينيه ببطء وحدق به بصمت، مما جعله يزداد توترًا، فأضاف بسرعة، محاولًا تبرير طلبه: -أعني... والدي بحاجة إليّ، عمله متعثر وهو مريض هذه الأيام... ارتسمت على وجهه ابتسامة متكلفة، محاولًا أن يبدو مقنعًا، لكن نظرات ويليام الثاقبة اخترقت دفاعاته بسهولة. لم يقل شيئًا، فقط أدار ظهره وبدأ بالسير مبتعدًا، تاركًا الشاب يتخبط في ارتباكه. صرَّ الأخير على أسنانه وهو يغمغم في نفسه بانزعاج، ثم ركض خلفه بسرعة، وهو يصيح: -ويليام! انتظر! لم تقل شيئًا بعد! بينما كانوا يسيرون في طريقهم نحو قصر العائلة، صادفوا رجلًا يعرفانه جيدًا. كان ذا شعر بني ممشطٍ بعناية إلى الخلف، عينين عسليتين تشع منهما ملامح المكر، وبشرة حنطية زادتها ملامحه الحادة صرامة. لكن ما لفت انتباههما حقًا كان الغضب الذي ارتسم على وجهه، مطفئًا ابتسامته الماكرة في مشهد نادر الحدوث. بابتسامة ساخرة، علق ويليام بنبرة مستفزة: -نادرًا ما أرى غضبك! رفع الرجل رأسه بسرعة وكأنه لم يكن منتبهًا، ثم ما لبث أن بدّل ملامحه إلى ابتسامة مرحة، وكأنه شخص آخر تمامًا، وقال بنبرة خفيفة: -ما رأيكما أن تأتيا معي؟ تبادل ويليام نظرات خاطفة مع الشاب الآخر، الذي ظل يراقب الرجل بصمت، غير مرتاحٍ لوجوده. لم يكن هذا الشعور جديدًا، فذلك الرجل دائمًا ما يبعث في نفسه إحساسًا غامضًا بعدم الطمأنينة. تنهد ويليام وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يرد بصوت خالٍ من العاطفة: -نحن مشغولان الآن. يمكننا اللقاء في وقت آخر. تحرك مبتعدًا، لكن الشاب الآخر لم يستطع منع نفسه من الهمس له بحذر، وعيناه لا تزالان مثبتتان على الرجل الذي ظل يبتسم ابتسامة واسعة متكلفة، مما جعله يشعر بقشعريرة في جسده: -هل ستتجاهله حقًا؟ ألا ترى أن هناك شيئًا مريبًا في طريقة حديثه؟ أجابه ويليام دون أن يلتفت، وهو ينظر إلى ساعته: -لدينا مهمة أكثر أهمية منه. لكن قبل أن يتمكن من المضي قدمًا، قاطعه الرجل بصوت هادئ، يحمل في طياته تهديدًا خفيًا: -لقد سمعتك... وربما عليك أن تستمع جيدًا لما سأقوله الآن. رفع ويليام حاجبه ساخرًا، غير مكترث، بينما تابع الرجل الحديث بنبرة أكثر جدية هذه المرة: -لنتحدث عن المهمة القادمة. لديك معلومات تحتاجها، ووقتك ينفد. توقف ويليام، ثم التفت إليه ببطء، متفحصًا نظراته الثابتة. كانت الجدية في عينيه مختلفة هذه المرة، لم يكن يمزح. بعد لحظة صمت قصيرة، قال ويليام بهدوء: -دعنا نذهب خلفه، يا ماكس. أومأ ماكس بالموافقة على مضض، ثم تبعا الرجل، متجهين معًا نحو وجهتهم، بينما تسلل إحساس ثقيل بالريبة في الأجواء. في مكان آخر، داخل منزل هادئ تنبعث منه أجواء الدفء والبساطة، كانت أشعة الشمس الخافتة تتسرب بصعوبة عبر النوافذ الواسعة رغم الغيوم الكثيفة التي غطّت السماء. لم تكن الشمس مشرقة، لكنها تركت خلفها ضوءًا باهتًا ناعمًا ينعكس ببطء على الأرضيات الخشبية المصقولة. في الصالة المتواضعة، ارتفعت ستائر خفيفة قليلًا مع نسيم الظهيرة البارد الذي تسرب من فتحة صغيرة، بينما استقرت الأريكة البسيطة في زاوية هادئة، محاطة بوسائد دافئة تحمل نقشات ريفية خفيفة. كانت الطاولة الزجاجية في المنتصف تحمل أكوابًا فارغة، وانعكس عليها الضوء بشكل خافت، كأنه يحاول أن يكون هناك. على الجدران، علقت لوحاتٌ فنية بسيطة، لمناظر طبيعية، ووسط هذا الجو الهادئ، كان المنزل يعيش هدوءًا قبل العاصفة. وسط هذه الأجواء الهادئة، كان هناك مشهد مشتعل بالتوتر. وقفت شابة في منتصف العشرينات، ذات شعر أسود أملس وعينين سوداويتين ضيقتين، تتجادل مع فتاة في السادسة عشرة من عمرها، ذات شعر بني ناعم وعينين زرقاوين، وبشرة فاتحة تميل إلى الحنطي. كانت نظراتها غاضبة، وصوتها يحمل نبرة تأنيب وهي ترفع فستانًا حريريًا بين يديها قائلة: -صوفيا! كما أخبرتني والدتك، يجب أن ترتدي هذا! على الجانب الآخر من الصالة، حيث جلس شخص آخر في عمر صوفيا، كانت فتاة ذات شعر أسود قصير يصل إلى عنقها وعينين سوداويتين، تتكئ براحة على الأريكة، قدميها مسندتان على حافة الطاولة، بينما كانت تمضغ قطعة خبز ببطء وبملل. رمقت الجدال بنظرة متهكمة، ثم تمتمت بسخرية: -لا أصدق... يتجادلان منذ عشرين دقيقة على فستان! رفعت الكبرى رأسها نحوها بنفاد صبر، ثم قالت بحدة: -ليلى! تعالي وأقنعي صديقتك. تنهدت ليلى، وأبعدت قدميها عن الطاولة، ثم تقدمت ببطء، وكأنها تفكر في الأمر بجدية. أمسكت بالفستان بين أصابعها وتأملته بتمعن شديد، مما جعل الكبرى تعقد حاجبيها قبل أن تتساءل بريبة: -إلى ماذا تنظرين؟ أجابت ليلى بنبرة واثقة وهي تمرر يدها على القماش: -ألا ترين أن الفستان به عيب؟ ثم أشارت إلى أحد الأكمام قائلة بثقة: -انظري، هنا يوجد تجعد صغير... إذن، انسوا أمر الفستان وهيا نخرج! غمزت لصوفيا التي لم تستطع منع نفسها من الابتسام، ورفعت إبهامها للأعلى بامتنان، لكن الكبرى أدركت الحيلة، فتغيرت ملامحها إلى الغضب وقالت بلهجة صارمة: -صوفيا، سترتدين الفستان! اتسعت عينا صوفيا بصدمة، وانتفضت من مكانها، بينما وجهت الكبرى نظرة حازمة نحو ليلى وأضافت بتحذير: -أما أنتِ، فلن أشتري لكِ ما أردته! تنهدت ليلى بملل، ثم عادت إلى الأريكة وجلست بطريقة مسترخية، واضعةً قدمًا فوق الأخرى، ومددت ذراعيها على مسندي الأريكة، ثم التقطت جهاز التحكم وبدأت بتقليب القنوات بلا اكتراث، قائلة بنبرة ساخرة: -لقد فعلت ما بوسعي يا صوفي، الباقي عليكِ. رمقتها شقيقتها الكبرى بنظرة ضيق، هذه الفتاة لا تكف عن تصرفاتها المستفزة! لكنها شعرت بالإرهاق، فلم تعد تملك الطاقة للسيطرة على هاتين المشاغبتين عندما تجتمعان معًا. وبينما كانت تفكر في حل، اهتز هاتفها بين يديها، فتحت الخط وأجابت بنبرة مرهقة وكأنها تفرغ آخر ذرة من صبرها: "نعم يا لورا... تعالي وخذي هاتين المشاكستين من أمامي، لم أعد أحتمل!" تعالت ضحكة خفيفة من الطرف الآخر، ثم جاءها صوت لورا المرح: "وكيف وجدتِ تجربة الأمومة؟ ممتعة، أليس كذلك؟" أغلقت الكبرى عينيها بإنهاك، ثم تمتمت بضيق: "أرجوكِ، لورا... ليس أنتِ أيضًا!" تابعت لورا بنبرة هادئة، وكأنها تتجاهل شكواها: "لا تقلقي، فلديكِ مهمة الآن. استعدي!" أنهت المكالمة وهي تزفر بتعب، ثم استدارت بحذر نحو باب المنزل عندما سمعت صوت المفتاح يدور في القفل. نهضت بسرعة، وسحبت شقيقتها الصغيرة من يدها، وقالت للأخرى بصوت بارد يحمل تحذيرًا: -سأدعكِ تفكرين في أفعالك... وسترتدين الفستان. وأشارت نحو الباب بإيماءة خفيفة، في إشارة إلى الضيف القادم. حدّقت صوفيا في الباب بتوتر، ثم أومأت بخنوع، مدركة أنها لا تملك خيارًا آخر. في تلك اللحظة، انفتح الباب بعنف، ودخل رجل وهو يلهث قليلًا، وكأنه كان يهرول قبل أن يصل. مرر يده على جبينه ليزيل أثر العرق، ثم قال بابتسامة وهو يرفع حاجبيه: -لقد عدت! بادلته الفتاة الابتسامة، لكن تعبيرها سرعان ما تحول إلى الجدية عندما لاحظت الشابين اللذين كانا خلفه. تبادلت نظرة خاطفة معهما قبل أن تتحرك بهدوء نحو المطبخ، وكأنها تود إعداد شيء يهيئ الأجواء لما هو قادم. أما الرجل، فقد ألقى بجسده على الأريكة براحة، ثم أشار بيده إلى الضيفين وهو يقول بنبرة ترحيب: -اجلسا... البيت بيتكما. جلس الشابان بصمت، ومرت بضع دقائق قبل أن تأتي الفتاة حاملة صينية أنيقة عليها أكواب من الشاي وصحن مليء بالفواكه، ثم وضعتها برفق على الطاولة أمامهم. ألقى ماكس نظرة سريعة نحوها، وابتسم لها بامتنان، مما جعل وجنتيها تحمران خجلًا. حاولت تجنب التقاء نظراته، ثم التقطت موزة وجلست بعيدًا عنهم، منشغلة بتقشيرها. في تلك اللحظة، التفت ماكس نحو الرجل الجالس أمامه عندما سمعه يقول بنبرة هادئة لكنها تحمل نبرة جدية واضحة: -هذه المرة، ستذهبان في مهمة جديدة، لكن علينا التأكد أولًا من مدى استعدادكما لها. تبادل الشابان نظرات سريعة قبل أن يصغيا بانتباه إلى تفاصيل المهمة. تابع الرجل حديثه بوجه متجهم ونبرة أكثر حزمًا: -احذرا، فهذه المهمة ليست كغيرها... هذه المرة، ستكونان تحت مراقبة مباشرة، لأنكما ستتوليان مراقبة الزعيم نفسه. تجمدت ملامح ماكس للحظة، بينما انعقد حاجبا ويليام بانزعاج واضح قبل أن يعلق بصوت منخفض يحمل بعض التهكم: -ما هذه المهزلة؟ تنهد الرجل ببطء، وكأنه كان يتوقع رد الفعل هذا، ثم قال بصوت هادئ لكن حازم، محاولًا توضيح الأمر: -أعلم أن المهمة تبدو غير مألوفة، لكن يجب أن تدركا أن داخل هذه المنظمة تنقسم الولاءات. هناك من يريد بقاء الزعيم في منصبه، وهناك من يفضل أن يحل محله ابنه نيكولاس. مهمتنا الآن هي أن نراقب الوضع عن كثب ونحدد موقفنا بحذر قبل أن يتحرك أي طرف. ساد الصمت لوهلة، قبل أن يتبادل الشابان نظرات تحمل الكثير من التساؤلات، مدركين أن هذه المهمة قد تكون أخطر مما توقعا. بدأت الأمور تتعقد، وأدرك ويليام أنهم في موقف صعب. ورغم ذلك، فإن روحه المغامرة لم تسمح له بالتراجع أو التردد. رفع عينيه بثبات ليقاطع الصمت بسؤال بدا وكأنه اخترق أجواء الغرفة كالسهم: -وماذا عن آدم؟ ساد الصمت للحظات، وكان السؤال كفيلًا بإرباك الجميع، حتى الفتاة التي كانت منشغلة بتناول الفاكهة أسقطت ما كانت تمسكه من شدة الدهشة. اتجهت أنظار الجميع نحوها، بينما تلعثمت قائلة بصوت متردد وقلق واضح: -هـ.. هل فقدتم عقولكم؟ كانت كلماتها تحمل مزيجًا من الذهول والخوف. بالطبع، لم تكن لتسمح بأن يضع والداها نفسيهما في خطر كهذا، كما أنها لا تستطيع تقبل فكرة أن يتورط هذا الشاب الذي تعتز به والدتها في شيء قد تكون نهايته كارثية. نظر إليها ويليام بتفهم، وأومأ برأسه، معبرًا عن إدراكه لمخاوفها. ابتسم لها ابتسامة بسيطة، كمن يطمئنها بصمت، ثم عاد بنظره نحو الرجل، ناظرًا إليه بثقة واضحة ونبرة لا تحمل ترددًا: -ما أفكر به هو جذب آدم لهذا المنصب. فهو بالفعل يمتلك الذكاء واللباقة اللازمة، ويملك القدرة على التأثير في الآخرين. كل ما يحتاجه هو بعض الدعم والتوجيه الصحيح. كانت كلماته تنبض بالثقة، وكأن قراره قد حُسم بالفعل. أما والد الفتاة، فقد نظر إليها بابتسامة فخورة، يدرك تمامًا أن قلقها عليه نابع من حب حقيقي. شعور دافئ تسلل إلى قلبه، ذلك النوع من المشاعر التي لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم، يكفي أن تُرى في نظراتها المرتبكة وحركاتها المترددة. وبطريقته المعتادة، لم يستطع مقاومة رغبته في إغاظة زوجته قليلًا، مستمتعًا بهذا المشهد النادر. كان يعلم أنها، رغم محبتها العميقة، نادرًا ما تعبر عن مشاعرها بشكل مباشر، وهذا ما جعل هذه اللحظة أكثر قيمة بالنسبة له، كأنها كنز صغير وسط زحام الحياة. أما هو شرد للحظات، غارقًا في دوامة من التساؤلات التي تتصارع في ذهنه: هل سيوافق آدم حقًا؟ هل سيدرك خطورة هذه المهمة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب؟ لم يكن الجواب واضحًا بعد، لكن إحساسًا غامضًا أخبره أن الأيام القادمة لن تمر دون أن تتغير موازين كثيرة، وربما بشكل لم يكن يتوقعه أحد. ثم اعتدل في جلسته، وعيناه تشعان بثقة، وتابع بصوت ثابت: -وبما أنك وزوجتك تحظيان بالاحترام والتقدير، فإن اختياركما سيؤثر على الجميع، وبالرغم من خطورة الأمر، إلا أنه ليس مستحيلًا. ساد الصمت للحظات، قبل أن يومئ الرجل الآخر بإعجاب واقتناع، فقد بدت كلماته منطقية. أما صوفيا، فكانت نظراتها القلقة تفضح التردد الذي يعتريها، حاجباها معقودان وهي تحاول إخفاء شعورها بالاضطراب. لم تكن مقتنعة تمامًا، ولم ترغب في أن يتورط والداها في صراع قد يكون خاسرًا، لكنها قررت أن تضع ثقتها فيهما، حتى وإن كان قلبها يخبرها بالعكس. في المقابل، بدا ماكس مترددًا للحظة، يتفحص الموقف بتمعن. كان القلق جليًا في عينيه، لكنه في النهاية قرر أن يسير مع ويليام مهما حدث، فقد وثق به دائمًا ولن يتغير ذلك الآن. أما المهمة التي تنتظرهم، فلم تكن عادية على الإطلاق. كانت تتطلب الاندماج في مجتمع سري، مراقبة الزعيم وأتباعه عن كثب، ورصد أي نشاط مشبوه. مهمة محفوفة بالمخاطر، لكنها قد تكون الفرصة الوحيدة لقلب الطاولة قبل فوات الأوان. ها هو الموت يطرق كل الأبواب، لا يميز بين طفلٍ أو شابٍ أو عجوز، يخطف الأرواح العزيزة، ويترك خلفه قلوبًا مثقلة بالحزن، تتخبط في ألم الفقد ومرارة الغياب. -أتمنى لكِ حياةً أفضل، أختي. نطقت الطفلة بهذه الكلمات بصوت مرتجف، وهي تضع باقة من الزهور الذابلة على نعش أختها المتوفاة. كان فستانها الأسود المتهالك ينسدل على جسدها النحيل، وكأن الحداد قد التهم كل شيء فيها، حتى بريق عينيها. ابتعدت ببطء، متوارية بين العاملات، تحاول أن تخفي ألمها في صمت. تتذكر كيف كانوا ينتزعون شقيقتها من بين ذراعيها، وكيف شعرت حينها وكأنهم اقتلعوا قلبها معها. لا تزال عاجزة عن استيعاب ما حدث، وكأن عقلها يرفض تصديق الحقيقة. أي عذاب هذا الذي تعيشه الآن؟ فقدان أعز ما تملك ليس سوى جرح لا يندمل، ووحدة تبتلعها شيئًا فشيئًا. حرموها من احتضان شقيقتها، من وداعها كما يليق، من لمس وجهها للمرة الأخيرة. يا ليتهم منحوها لحظات أخرى، لحظات تختزن فيها ملامحها، علّها تخفف من ألم الفقد الذي ينهش روحها بلا رحمة. في الجهة الأخرى، وقفت امرأة ترتدي فستانًا أسود أنيقًا، تمسح دموعها الزائفة بمنديل ورقي سميك يشبه ملمس القماش، وهي تنتحب بصوت مسموع: -يا إلهي! لقد رحلت وهي لا تزال صغيرة... خذني بدلًا منها! اقتربت منها امرأة ذات شعر بني محمر وعينين خضراوين يزينهما بعض النمش، وضعت يدها برفق على كتفها وقالت بصوت مشفق: -لا تقولي هذا، إنه القدر. وتوالت الهمسات حولها: -نعم، سيدتي بيرلا، لا تقولي ذلك... -إن قلبها عطوف جدًا... -يا لها من أم رائعة، كم هو شديد بلاؤها... تعالت أصوات المواساة، وكأن الجميع قد وقعوا في فخ تصديق دموعها الكاذبة. كانت تبتسم بخفاء، واثقة بأن لا أحد يراها، لكن هناك عينان صغيرتان كانتا تراقبانها بجمود، نظرات منكسرة تحمل سؤالًا واحدًا: كيف لأمٍ أن تفعل هذا بابنتها؟ كانت الطفلة تعلم الحقيقة جيدًا، تعرف أن هذه المرأة التي تذرف الدموع أمام الجميع لم تكن سوى جلادتها، المرأة التي سلبت منهما طفولتهما، منعتهما من الطعام والماء، وحين لا تجد رجلًا تخدعه بلطفها الزائف، تصب غضبها على طفلتاها المسكينتان. رفعت وجهها نحو السماء الملبدة بالغيوم، وكأنها تبحث عن بصيص أمل في عالم أعمته القسوة، ثم تمتمت بصوت متهدج: -إلهي... أريد والدي. لكن بدلًا من أن يأتيها صوت رحيم يخفف من وجعها، سمعت نحيبًا مصطنعًا. التفتت ببطء، فوجدت والدتها جاثية على ركبتيها، تضرب صدرها وتبكي بحرقة زائفة: -آهٍ، ابنتي المسكينة... كيف تحملتِ كل هذا؟ تقدمت الطفلة نحوها بوجل، همست بحزن: -أمي... لكن المرأة رفعت وجهها ببطء، لتنظر إليها باشمئزاز وغضب، وكأن مجرد نطقها بهذه الكلمة كان إهانة لها. تجمدت الطفلة، شعرت أن برودة هذه النظرة أقسى من كل العذاب الذي تعرضت له، وقبل أن تدرك ما يحدث، كانت إحدى العاملات تسحبها بعيدًا، وكأن وجودها في هذا المشهد لم يكن مرغوبًا فيه. بعد انتهاء مراسم الدفن، أمسكت العاملة بيد الطفلة بقسوة، وسحبتها عبر الممرات الطويلة حتى وصلت إلى باب قديم متآكل. فتحته، ليكشف عن غرفة باردة، مغطاة بالغبار، مليئة بالظلام والصمت المخيف، ثم دفعتها للداخل بقسوة وهمست ببرود: -هذا المكان مناسب لكِ... أتمنى أن تموتي مثل أختكِ. شهقت الطفلة برعب، ركضت نحو العاملة، تشبثت بقدمها، توسلت إليها بصوت متقطع: -أرجوكِ، لا تتركيني هنا... سأفعل أي شيء، لكن لا تتركيني وحدي... لم تأبه تلك العاملة لنظرات الطفلة المتوسلة، ولم يرق قلبها لضعفها أو لصغر سنها. ففي نظرها، لم يكن هناك مكان أنسب لهذه الطفلة سوى هذه الغرفة البائسة، المليئة بالغبار والفوضى، حيث لا دفء ولا راحة. حتى الليل، حين يحل، يضيف ظلامه المخيف طبقة أخرى من الوحشة والرعب. أي قلب قاسٍ يمكنه أن يفعل هذا بطفلة ذات العشرة سنوات؟ حررت نفسها من قبضتها، دفعتها بلا تردد، وأغلقت الباب خلفها بإحكام، متجاهلة صوت بكائها المتعالي، وصراخها المتوسل. ظلت الطفلة تبكي حتى خارت قواها، وانكمشت في زاوية الغرفة، تترقب بصمت مرير، قبل أن تغلبها قسوة الواقع، وتستسلم لنوم مضطرب، وسط العتمة والبرد...يتبع 《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما