《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》 《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》 نبدأ بسم الله ----------------- لم يكن لقاؤنا بكم محض صدفة، بل كان قدرًا مكتوبًا ومصيرًا محتومًا. بعضكم كان درسًا علمني الكثير، وبعضكم الآخر كان كالعائلة التي احتضنتني في أوقات ضعفي. أشكركم حتى على الجراح التي تركتموها في قلبي، فقد كانت نافذة أطللت من خلالها على حقائق لم أكن أدركها من قبل. والآن، سأطوي تلك الصفحات وأحرقها، وأسير نحو مستقبلي بثقة لا تعرف الالتفات إلى الوراء. قصَّتْ عليهم ما حدث معها بنبرةٍ هادئةٍ ونظرةٍ شاردة، بدت وكأنها تحمل في أعماقها شعورًا بالضياع والخوف من مصيرٍ مجهول ينتظرهم... Flach back || استرجاع الماضي كادت تجلس على الكرسي لتضع الدواء على جرحها، لكن رنين الهاتف قطع لحظتها. التقطت الهاتف بيدٍ مترددة، وردّت بهدوء مصتنع. لكن ما إن سمعت الصوت في الجهة الأخرى، حتى تجمدت ملامحها. كان صوتًا ساخرًا، كأن صاحبه يستمتع بإثارة غضبها: "أنتِ حمقاء حقًا! هل تظنين أنكِ فزتِ في تلك القضية؟ غدًا ستعرفين ما ينتظركِ." رغم الغضب الذي اجتاحها من الداخل، ردّت بنبرة هادئة تتصنع البرود: "ماذا سيحدث؟" ضحك المتصل بصوت عالٍ، ثم قال باستخفاف: "لماذا العجلة؟ (قهقهة) يبدو أنكِ لا تستطيعين الانتظار..." قاطعت حديثه بلهجة حادة مملوءة بالاستياء: "فقط فضول لا أكثر، لأنني بصراحة لا أملك وقتًا أضيعه على أمثالك." فقد المتصل تماسكه للحظة، ورد بانزعاج واضح: "يا لكِ من متعجرفة!" ثم أكمل حديثه ببرود يخفي وراءه خبثًا: "آه، بالمناسبة... لورا ستنتحر. في الواقع، ربما تكون قد فعلتها الآن." شعرت وكأن الأرض انشقت تحتها. انعقد لسانها للحظة وهي في حالة صدمة مما سمعت. في تلك اللحظة، تذكرت كلمات لورا قبل أن تُسلمها للشرطة. عاد الغضب ليغلي في داخلها، لكنها أحكمت هذا الشعور. 《حقًا؟ يا لكِ من ذكية، لكن دعني أضيف شيئًا... المجرم الذكي دائمًا لديه مخرج. ربما يقتل نفسه، أو عدوه، ويهرب. الحياة مليئة بالمفاجآت، أليس كذلك؟》 تحدثت مع نفسها في سرها بغيظ: [يا لهم من مجانين!] ثم أخذت نفسًا عميقًا وواصلت حديثها بنبرة هادئة، تخفي صراعها الداخلي: "حسنًا، يا هذا، ماذا تريد مني بالضبط؟" رد المتصل بصوت تحذيري، مشوب بالتهديد: "أن تكفي عن ملاحقتنا. إن لم تفعلي، فستعلمين غدًا ما سيحدث لكِ، وما سيحدث لكل من يحاول الوقوف في طريقنا!" تسلل الغضب إلى ملامح ورد، ولم تستطع تمالك نفسها. سألت بصوت حاد: "من أنت؟ أخبرني الآن!" ضحك المتصل ضحكة باردة، ثم قال بنبرة ساخرة، مصحوبة بصوت عبثه بقداحته المعدنية: "ستعلمين عندما يحين اللقاء، أو ربما لن تعلمين... لأنكِ ستكونين في الجحيم حينها." قبل أن تتمكن من الرد، أغلق الخط. نظرت إلى الهاتف بذهول ثم رمت به بعصبية على السرير، وهي تتمتم بغضب: -كيف يجرؤ على إغلاق الهاتف بهذه الطريقة؟! End Flach back || عودة للحاضر نظرت إليهم باهتمام، تراقب تعابير وجوههم وترقب ردود أفعالهم، محاولة فك شيفرة ما يدور في أذهانهم. كسر الصمت والتوتر صوت ليو، الذي استجمع شتاته وسأل بنبرة متسائلة: -كيف وصل إليكِ؟ كانت أكينا تستند على سور النافذة، فابتعدت، ثم اقتربت نحوها بخطوات غاضبة وقالت بحدة: -أعطني رقمه! لدي الكثير مما يستحق أن يسمعه. نظرت ورد إليها ببرود وردت بنبرة هادئة، رغم الجليد الذي بات يغطي ملامحها: -إنه ليس أحمقًا ليتصل بهاتفه الشخصي. وافقت رغد على كلام ورد، ثم رفعت رأسها بنظرات قلقة وسألت: -أتفق معها، لكن... ماذا سنفعل الآن؟ ابتسمت ورد ابتسامة جانبية ملؤها الثقة، وقالت بثبات: -سأكمل ما بدأته. حدق ليو بها للحظات، ثم تحدث بنبرة تحذيرية مشوبة بالقلق: -علينا أن نكون حذرين هذه المرة، فهو بالتأكيد سيظهر ليقتلنا. كان فادي يجلس على إحدى النوافذ القريبة، مكتفًا ذراعيه ومنخفضًا برأسه، غارقًا في أفكاره. تحدث مع نفسه بصوت داخلي: [أخطأت يا ليو، فلو كان ينوي القدوم بنفسه، لفعلها منذ زمن.] رفع رأسه أخيرًا ونظر إليهم جميعًا بجدية، ثم قال بصوت حازم: -أو ربما سيستأجر أحدًا لقتلنا. لهذا، أوافقك على ضرورة الحذر. ففي كل الأحوال، نحن في خطر. نظرت ورد إليهم لوهلة، ثم تحدثت بنبرة محبطة: -لمَ كل هذا التشاؤم؟ أجابها ليو بنبرة جادة، وهو يحدق في أكينا التي كانت تحاول التسلل من خلف ورد. انتبهت رغد لما كانت تنوي فعله، فأشارت برأسها نافية بيأس: -هذا ليس تشاؤمًا، يا ورد. نحن فقط نحاول أن نكون حذرين. لا نريد أن ننزلق في المزيد من المتاعب. ثم وجه نظره نحو فادي الذي كان قد نهض واستند على الجدار، ما زال غارقًا في أفكاره، وسأله: -هل تفكر في شيء محدد؟ رفع فادي بصره، وهمّ بفتح فمه، لكنه توقف فجأة عندما لاحظ أكينا جالسة على ركبتها، تمسك بقدمها المتألّمة بينما تتحدث بانفعال: -هيه! لمَ فعلتِ هذا؟ استدارت ورد نحوها وردّت بهدوء: -لم أقصد ذلك. لقد رجعت للخلف، وأنتِ... لمَ كنتِ خلفي أساسًا؟ رفعت أكينا رأسها بملامح منزعجة، وتمتمت بينما تدير وجهها للجهة الأخرى: -كنتُ أحاول إفزاعك. راقبت رغد المشهد، وشعرت وكأنهما أشبه بالقط والفأر، فانفجرت في ضحكة مكتومة وهمست لنفسها: -كأنهما حقًا. في هذه الأثناء، أخذ فادي ينقل نظره بين الجميع، ثم قطع الأجواء بقوله الجاد: -ليو، سنحتاج إلى سلاح. لحماية الفتيات، وحماية أنفسنا أيضًا... دفاعًا عن النفس. همّ ليو بالاعتراض، لكن فادي قاطعه بنظرة حازمة وصوت مؤكد: -للدفاع عن النفس فقط! ظل ليو محدقًا به للحظات، وقد بدت على وجهه علامات التردد. كان معترضًا على الفكرة من الأساس، لكنه أدرك أيضًا أنها قد تكون ضرورية. عندما وجد إشارات فادي الجدية تنهد أخيرًا وقال: -حسنًا... لكن بشرط. رفع فادي حاجبيه باستغراب وسأل: -شرط؟! أخرج ليو هاتفه من جيبه وبدأ يتصفحه بجدية، بينما جذبت كلماته انتباه الفتيات اللواتي تجمعن حولهما بفضول. تحدث ليو بصوت حازم، محددًا شروطه: -الشرط هو أن يُستخدم السلاح فقط في حالات الطوارئ القصوى. بمعنى، إذا كنتم في خطر حقيقي ولا يمكن تجنبه. لكن الغرض ليس القتل، بل الدفاع عن النفس فقط. يجب أن تكون الضربة موجهة إلى الذراع، أو اليد، أو القدم. لا ينبغي أن تتسببوا في إصابات خطيرة أو قاتلة. لم تفهم الفتيات ما الذي يتحدث عنه فادي وليو، فرفعت ورد يدها محاولة جذب الانتباه، ونجحت في ذلك قبل أن تطرح سؤالًا: -عذرًا على المقاطعة، لكن... عمَّ تتحدثان؟ نظر ليو إليها بغضب مكتوم، بينما أجاب فادي بنبرة معاتبة: -لأنكن منشغلات باللهو! شعرت ورد بالخجل لوهلة، فخفضت بصرها نحو الأرض قبل أن ترفعه مجددًا بنظرة بريئة، محاولة فهم الحديث. لاحظ فادي ترددها، فتنهد ثم أكمل بهدوء: -كنا نتحدث عن السلاح. قاطعته أكينا التي كانت تستند على رغد برفق وقالت بفضول مشوب بالسخرية: -وما فائدة السلاح؟ لاحظت أكينا نظرات ليو الحادة، فأدركت أنها بحاجة لتبرير كلماتها بسرعة، فأضافت بابتسامة متكلفة: -لحماية أنفسنا، بالطبع! يا لكما من خبيثين. قهقهت قليلًا، في محاولة لكسر حدة الموقف، لكنها توقفت عندما أدركت أن لا أحد تفاعل معها. اجتاحها شعور بالإحراج، بينما كان ليو ينظر إليها وإلى بقية الفريق بإحباط، متسائلًا في نفسه: هل يجب عليه أن يجري اختبارًا لهم قبل كل شيء؟ شعر بأنه أخطأ في اختيار هذا الفريق، وبدأ يشكك في قراراته. أما ورد، فقد عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت باستهزاء: -حسنًا، تقولون إن الضربات يجب ألا تكون قاتلة، وكأن المصاب لن ينزف حتى الموت! رمقتها رغد بنظرة غاضبة، وكادت أن ترد عليها، لكن أكينا بادرت بالحديث بسخرية وهي تبتعد قليلًا عن رغد: -أصبتِ، إذا كان سينزف ويموت في النهاية، فلماذا لا ننهي معاناته من البداية؟ نظرت رغد إلى أكينا بارتباك وصدمة، غير مصدقة كيف يمكنها أن تقول شيئًا كهذا بهذه البساطة. استشاط ليو غضبًا من الحوار، فرد بعصبية: -أتمزحان؟ كيف يمكنكما قول ذلك؟ رفعت ورد يديها في الهواء، تعلن بوضوح أنها لا علاقة لها بما قالته أكينا، فهي لم تقصد أي إهانة، لكنها كانت صادقة في رأيها: فكرة السلاح سيئة، ولن تفيدهم في شيء، بل قد تغرقهم في مشاكل لا نهاية لها. قطع حبل أفكارها ضحكة فادي المفاجئة، التي أثارت دهشة الجميع. نظر إليه ليو بغضب، معتقدًا أنه يسخر من الموقف، موجهًا حديثه المنزعج نحوه: -هل قلت شيئًا يضحك؟ هيا، أخبرنا لنضحك معك! حمحم فادي، محاولًا تبرير نفسه، ثم قال بابتسامة خفيفة: -أعذرني، لم أضحك هكذا منذ فترة طويلة... يا صاح، أنت تأخذ الأمر بجدية مفرطة، بينما هما فقط تمزحان. ومع ذلك، أنا أوافقهما في الرأي، إذا ضربت شخصًا وأصبته بجروح، فسينزف بشدة. ثم أضاف بنبرة جادة: -إلا إذا كنتَ سريعًا بما يكفي لعلاجه قبل وصول الإسعاف. لذلك، على من يحمل السلاح أن يكون لديه معرفة جيدة بالإسعافات الأولية. ساد الصمت المكان قليلًا، بينما تبادلت أكينا نظرات الملل مع ورد. كانت أكينا على وشك إضافة تعليق ساخر، لكن ليو رفع هاتفه، وقاطعها وهو يتصل بأحد معارفه، قائلًا: -كفاكم مزاحًا. كنت أتصفح هاتفي وفكرتُ في حلٍّ أفضل من فكرة السلاح. نظر فادي إليه بريبة، وقال باستغراب: -فكرة؟! ثم تابع بوضوح وصراحة: -بصراحة، أنا لا أثق كثيرًا في أفكارك هذه. تجاهل ليو تعليق فادي، وانشغل بالمكالمة. في هذه الأثناء، جلست ورد على الأرض وهي تعبر عن رأيها: -أعتقد أنه من الأفضل أن ننتظر حتى نسمع الفكرة قبل أن نحكم عليها. ثم أضافت بنبرة متعبة: -قدمي تؤلمني... لقد تعبت. أعتقد أننا بحاجة إلى استراحة قصيرة. نظرت إليها رغد بعتاب مشوب بالمزاح وقالت: -يا لكِ من متذمرة! وصلتِ للتو، فكيف تشعرين بالتعب الآن؟ نظرت ورد إليها بدهشة، محاولة فهم ما تعنيه، لكنها سرعان ما تظاهرت بالبراءة لتستعطفها. تنهدت رغد، وقد فهمت نيتها، وقالت بلهجة مرحة: -هيا يا ورد، توقفي عن هذا. ثم جلست بجانبها، وأضافت مازحة: -في بعض الأحيان أشعر أنكما، أنتِ وفادي، مثل الأطفال. نظرت ورد إليها بدهشة أكبر، ثم تساءلت وهي تحول نظرها نحو أكينا التي جذبت انتباهها بأفعالها الغريبة: -ماذا تعنين بذلك؟ أشارت رغد بهدوء إلى فادي الذي كان يراقب ليو، ثم أوضحت: -أنتما تتذمران وتتصرفان كالأطفال، بصراحة أشعر أحيانًا بأنني جليسة أطفال. ضحكت ورد بخفة، وردت عليها بمزاح: -معكِ حق، لكن لا تنسي، مهما حدث، أنتِ صديقتي في النهاية. ابتسمت رغد، ثم همست وهي تراقب أكينا التي بدت غارقة في عالمها الخاص: -إذن، ما الذي تفعله هذه الآن؟ نظرت ورد نحو أكينا وهي تبتسم بخفة، ثم أجابت: -لا أعلم، لكنها دائمًا تبتكر طرقًا تجعلنا نضحك. كانت أكينا تجلس على الأرض، تتمتم بكلمات غير مفهومة، وتهز جسدها يمينًا ويسارًا باكتئاب مصطنع. ضحكت ورد وقالت: -إنها حقًا غريبة، لكنها تجعلنا ننسى التوتر دائمًا. سمع فادي حديثهما، وتذكر فجأة أنهما لم يأكلا بعد. همّ بالاقتراب منهما، لكنه توقف عندما لاحظ أحدهم يتقدم نحو ليو قائلًا بصوت واضح: -هل ستذهب؟ كان الشاب الذي تحدث طوله لا يتجاوز 175 سنتيمترًا، بشعر بني داكن وعينين عسليتين. ابتسم ليو فور رؤيته وقال: -مرحبًا! لم أرك منذ مدة. صافحه بحرارة ثم أضاف بمزاح: -هل ما زلت تُثير المشاكل؟ تغيرت ملامح الشاب إلى العبوس، وقد فهم المغزى وراء كلمات ليو. تنهد بانزعاج ورد قائلًا: -الفتيات هن من يلاحقنني! ثم رفع غرته بغرور وأكمل: -ليس ذنبي أنني وسيم. وصل صوته المرتفع إلى الفتيات الجالسات على بُعد، فبادرت رغد بالنظر إليه باستغراب، بينما ورد حدقت به باستهجان واضح. أما أكينا، فنهضت بخفة وتقدمت نحوهم لتسمع بقية الحديث. في تلك اللحظة، كان ليو والشاب قد اقتربا من فادي لتقديمه إليه. لم تبدِ رغد أي اكتراث للأمر، بينما ألقت ورد نظرة سريعة نحو فادي، فلاحظت أنه يحدق بها. تنهدت بيأس، ثم نهضت قائلة لرغد: -دعينا نرى ما يحدث. نهضت رغد خلفها بهدوء، وحين وصلتا، فوجئت رغد بأن ورد تختبئ خلفها. سألتها باستغراب: -ما بكِ؟ أخذت ورد نفسًا عميقًا، وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم قالت بصوت متوتر: -كنت أستمد منكِ بعض القوة... لأنني سأواجه المعركة! لم تفهم رغد مقصدها، لكنها شعرت أن صديقتها على وشك الوقوع في مشكلة. تنهدت رغد بثقل، متسائلة في نفسها: لماذا تضع ورد نفسها دائمًا في مواقف معقدة؟ كانت ورد تحدق بالشاب بعبوس واضح. لاحظ فادي الأمر، فمال قليلًا نحوها وهمس بصوت منخفض لا يسمعه أحد: -لمَ هذا العبوس؟ ارتبكت ورد عندما أدركت أن مشاعرها قد ظهرت، فقامت بالقهقهة بتوتر، محركة عينيها بعيدًا عنه، وهي تقول: -مجرد شعور داخلي... يقول إننا يجب ألا نتورط مع هذا الشخص. في تلك الأثناء، توجهت أكينا إلى الشاب، مشيرة إليه بسؤال: -إذًا، أنت شقيق جوزيف، صاحب هذا الفندق؟ ظهرت ابتسامة سمجة على ثغره، وأمسك بيدها ليضع قبلة خفيفة عليها قائلًا: -نعم، لقد أضفتِ إلى المكان سحرًا بجمالك! سحبت أكينا يدها بسرعة، ووضعتها على خديها خجلًا وسعادة، بينما شعرت للحظة أنها أميرة. أما ورد ورغد، فقد تبادلتا نظرات مختلطة، وعبست ورد مجددًا، فهي لا تحب هذا النوع المتلاعب من الأشخاص. نقر فادي على كتفها بخفة، وقال بجمود: -أظن أننا يجب أن نتبع شعورك. ثم التفت نحو الفتيات مبتسمًا وأضاف: -ألستما جائعتين؟ رفعت رغد وورد رأسيهما نحوه، ثم أجابت ورد بابتسامة مشاكسة: -بالطبع، أنا جائعة! قاطعهما الشاب الذي صاح فجأة بدهشة وهو يحدق بورد: -أنتِ! نظر فادي إليه، ثم تبع نظراته ليجد أن الشاب ينظر إلى ورد مباشرة. شعر بالانزعاج وسأل بعبوس: -هل تعرفينه؟ ارتبكت ورد، وأخذت تنظر إلى الأرض للحظة، ثم رفعت رأسها وحدقت بفادي، وأمسكت بطرف كمه قائلة بتوتر: -سأشرح لك ما حدث... ولكن لاحقًا. ظهرت ملامح الخوف على وجهها، لكنها تنفست بارتياح عندما تنهد فادي وأبعد يدها برفق قائلًا: -حسنًا. توجه نحو الشاب وخاطبه بجمود واضح: -شكرًا على الضيافة، لكن هذا لا يمنحك الحق في تجاوز حدودك مع ضيوفك! اختتم حديثه بابتسامة مكلفة، وربت على كتف الآخر وهو بصدق يكبح جماحه قبل أن يقول بصوت جاد: -ليو، سننتظر بالخارج. ثم التفت نحو الفتيات وأضاف بهدوء: -ورد، رغد، تعاليا معي. انتفضت ورد من مكانها بخوف، لتضع رغد يدها على كتفها مطمئنة: -لا تخافي. ابتسمت لها ورد بخفة، ثم تبعتها للخروج. بعد مغادرتهما، عبس الشاب بتصنع وتساءل بدهشة: -لماذا غادروا؟ هل أنا مزعج لهذه الدرجة؟ تجاهل ليو الأمر، ثم انتقل إلى موضوع آخر بنظرات جادة وسأل: - هل جوزيف هنا؟ كان الشاب يحدق في الاتجاه الذي رحل فيه الآخرون، ثم التفت إلى ليو عندما لاحظ ملامحه الجادة، فأجاب بملل: - لا، لقد ذهب مع برين في مهمة. اكتفى ليو بالهمهمة علامة على تفهمه، بينما واصلت أكينا طرح أسئلتها على الشاب، الذي أجاب عن بعضها باقتضاب. عندما وصل فادي والآخرون إلى الخارج، كان يتكئ على سيارة ليو، يعبث بأطراف قميصه بيديه الملتويتين، بينما كانت ذراعيه معقودتين على صدره كعادته في أوقات غضبه. نظر إلى ورد بنظرة باردة، وقال بنبرة خالية من المشاعر: تحدثي. كانت ورد تركز على الأرض بعينيها، شعرت بشيء ثقيل في صدرها عندما سمعت صوته، وكأن قشعريرة غريبة سرت في عمودها الفقري. كانت تعلم جيدًا كيف يكون فادي عندما يغضب، وتعلم أن بروده هذا هو المرحلة الأولى من الغضب العميق. بلعت ريقها بصعوبة، وعيناها تلتقطان نظرات رغد القلقة التي كانت تراقب الموقف، تدرك أن صديقتها تحت الضغط، وكان واضحًا من توترها أنها ترغب في التدخل، لكنها كانت تعلم أن هذا النقاش بين فادي وورد فقط. زمت ورد شفتيها، حاولت أن تستجمع شجاعتها للحديث، لكن الكلمات بدت وكأنها تتلاشى من ذهنها. بعد لحظات طويلة من الصمت، تحدثت بنبرة ضعيفة، مليئة بالارتباك: -لقد التقيت به داخل المطعم... عضت ورد شفتها، محاولة تهدئة نفسها، ثم تابعت ببطء وسردت له كل ما حدث، من البداية وحتى النهاية. عندما انتهت من حديثها، رفعت بصرها ببطء، ولكن ملامح فادي الهادئة لم تبشرها بخير. كانت تعرف أن هذا الهدوء هو أولى علاماته حين يغضب بشدة. أخيرًا، وبعد صمت ثقيل، تحدث فادي وهو يصوب عينيه نحوها: -لماذا لم تتصلي بي؟ عرفت ورد جيدًا هذا الهدوء. كان هذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. كادت أن ترد على الفور، لكنها توقفت للحظة، كما لو أن الزمن توقف ليعيدها إلى الوراء، حيث لم تكن قد فكرت بما فيه الكفاية. فجأة، تحولت نظراتها إلى غضب، فتذكرت أنها هي من كانت غاضبة منه في البداية! كيف نسيت هذا؟ رفعت صوتها بنبرة عاتبة، مما جعل رغد تنظر إليها باستغراب: -لقد اتصلت بك ولم تجب! هدأ ملامحه لوهلة، ليحل محلها الاندهاش. أخرج فادي هاتفه بسرعة، نظر إلى سجل المكالمات، ثم رفع عينيه وقال لتأكيد: -كم مرة؟ أجابته ورد بحزم، متمكنة من ردها: -مرة واحدة! أخفت رغد وجهها بين يديها، محاولةً كبح ضحكتها المزمعة. بينما فادي تنهد تنهيدة خفيفة، كأن العبء الذي يشعر به أكبر من أن يتحمله في تلك اللحظة. قال بصوت منخفض، دون أن يرفع نظره: -آسف، لم أسمع الهاتف. ومن فضلك، مثلما تحومين حولنا مثل النحل وتزعجينا عندما تشاهدين أو تأكلين ما يعجبك، اتصلي بي عدة مرات كذلك! أنهى حديثه بنبرة مشوبة بالاستياء، مما جعل ورد عاجزة عن الرد. اكتفت بالتزام الصمت، وهي تراقب ما يجري حولها. في تلك الأثناء، تدخلت رغد مبتسمة، محاولة كبح ضحكتها التي كادت أن تخرج من دون وعي: -عفوًا على المقاطعة، هل يمكننا الذهاب الآن لشراء ما نأكله؟ انتبه فادي فجأة، وعرف أنه أفسد الموقف. كان قد غضب دون أن يتأكد من التفاصيل، وأدرك أنه كان قاسيًا في رد فعله. فكيف لم يستطع السيطرة على نفسه؟ هو لم يكن يريد إحراج ورد أمام صديقتها، فهذا ليس أسلوبه. العتاب يجب أن يكون بين الطرفين، بعيدًا عن أعين الآخرين. هذا ما تربى عليه في بيته. لم يكن يرى والده أبدًا يعاتب والدته أمامهم، وكان يظن أن عائلته خالية من المشاكل، إلى أن أدرك حقيقة الأمور عندما كبر. وضع يده على جبينه، يضغط على ما بين حاجبيه، وكأنه يحاول أن يهدئ نفسه. ثم أخرج من جيبه بعض المال وأعطاه لورد، وقال بهدوء: -نعم، هيا، اذهبا واعتنيا بأنفسكما. أومأت كلتاهما ورحلتَا، بينما عاد فادي ليتكئ على السيارة، غارقًا في أفكاره، يلوم نفسه على إهماله لهذا الأمر. لكنه سرعان ما طرد تلك الأفكار، محاولًا التوقف عن جلد ذاته. قطع شروده خروج ليو وأكينا، اللذين توجها نحوه، ليتحدث ليو بنبرة واثقة: -سيصلان قريبًا. نظر فادي إليهما باستغراب، فيما انتبهت أكينا إلى غياب الفتاتين، فسألت بفضول: -إلى أين ذهبتا؟ أجابها فادي بهدوء، ثم وجه نظره إلى ليو، متابعًا بجدية: -ذهبتا لشراء الطعام للجميع. ليو، لقد قلت سيصلان قريبًا! ما الذي تفكر به؟ اكتفى ليو بالابتسام واتكأ على السيارة بجواره، قبل أن يجيب بصوت هادئ: -ستعرف حين يصلان. في هذه اللحظة، كانت ورد ورغد تسيران في طريقهما، كان وجه ورد مشتتًا، عيناها مسمّرتان على الطريق وكأن أفكارها تتشابك داخليًا، بينما كانت مضمَّة شفتيها بتوتر. لاحظت رغد التي كانت تتباطأ في خطواتها هذا التوتر، فلم تستطع كتم رغبتها في التحدث، ففتحت فمها أخيرًا بنبرة استفزازية: -لو كنتُ مكانكِ، لما فعلت ذلك. أغمضت رغد عينيها للحظة وكأنها تستعرض المشهد في ذهنها، ثم فتحت عينيها وألقت نظرة على ورد التي توقفت فجأة في منتصف الطريق. استغربت رغد من تصرفها وسألت بدهشة: -لماذا... قاطعتها ورد بنبرة هادئة، وكانت عيونها تحدق في الأرض كما لو كانت تبحث عن جواب هناك، بينما كان صوتها ينساب بصعوبة: -لم أكن أرغب في أن أسبب مشكلة. لذا، عندما لم يرد فادي، وعندما شعرت بتحديق الناس من حولي، شعرتُ بعبءٍ ثقيل. ولم أستطع الهروب. تابعت كلامها، وعيناها تركزان على قدميها كما لو أن الأرض نفسها كانت أكثر راحة من ما تشعر به: -شعرت أن قدميّ قد تجمدتا. ثم رفعت رأسها ونظرت بتركيز إلى رغد التي تحدق بصمت، على عكس ما يدور في داخلها حيث شعرت بالحزن والدهشة في الوقت نفسه. لم تُعبِّر صديقتها عن شعورها كثيرًا، لكن هذا كان مريحًا: -أنا لم أكن أرغب في أن أسبب مشكلة لفادي، وسط كل تلك المشاكل التي تراكمت في حياتي. قلتُ لنفسي أن أفعل ذلك وأنهيه، ثم أواصل طريقي. نفت رغد رأسها بتأكيد، كما لو أنها ترفض تمامًا هذه الفكرة، مما جعل ورد تشعر بتساؤل داخلي. وبتعبير جاد، ردت رغد: -لا، تفكيركِ ليس في محله. أنتِ فتاة، وفي مثل هذه الحالات، عندما يأتيكِ الشاب طالبًا المساعدة، ارفضي بكل حزم، وامضي في طريقكِ دون أن تشعري بالذنب. لا تتركي العاطفة تسيطر عليكِ، فالعالم مكان قاسٍ. أنتِ مرغوبة، ولذلك عليكِ أن تحمي نفسكِ بأقصى قدر ممكن. ثم اقتربت رغد من ورد وضربتها على ذراعها ضربة خفيفة، لتخرج ضحكة متسمة بالمزاح: -أبرحيهم ضربة قوية، وأعطيهم درسًا لن ينسوه. وضعت ورد يدها على ذراعها المتألمة، بينما كانت تتذمر بخفة: -لقد أوجعتني... لم تكمل كلامها، ورفعت عينيها نحو رغد بصدمة ودهشة، قائلة: -هل تمزحين؟ ابتسمت رغد للحظة ثم انفجرت في ضحك عفوي، وهي تمسح دموعها من كثرة الضحك: -بالطبع أمزح! لا تفعلي ذلك. فقط تجاهليهم، واركضي نحو فادي، فهو من سيتحمل المسؤولية على أي حال. عبست ورد وقالت بلهجة مليئة بالانزعاج: -أحسنتِ في خداعي! وضعت رغد يديها على كتفي ورد، مما تسبب في تفاجؤ ورد، فنظرت إليها بتساؤل، بينما تحدثت رغد بجدية: -فادي لم يقصد عتابكِ في هذه اللحظة، وأنتِ أكثر من يعرف ذلك. كان قلقًا، وربما كان يعاني من شعور آخر تخلخل داخله. ابتسمت رغد وقالت بنبرة حنونة، وكأن كلماتها تخرج من أعماقها: -عتابنا ليس لأننا نضيق عليكِ أو نقسو، بل لأننا نريد لكِ الخير. فما لا أحبّه لنفسي لا أحبّه لكِ، وما أحبه لنفسي أحبه لكِ. أتمنى أن تكوني فهمتِ ما أقصده. أنهت حديثها بهدوء، لكن ورد فاجأتها بحركة مفاجئة حين عانقتها بشدة، وصرخت بنبرة متأثرة: -أعلم، أعلم! ولكن... آه، على أي حال، شكرًا لكِ، شكرًا لوجودكِ! ابتسمت رغد وعانقتها هي الأخرى، ثم فصلت العناق برفق، ونظرت خلفها وقالت مبتسمة: -حسنًا، من ستذهب وتشتري؟ نظرت ورد إلى رغد، وفي لحظة تردد، توقفت أفكارها عن الدوران حتى فهمت أخيرًا، وقالت بحزم: -مستحيل! وضعت رغد يدها على خدها، وتحدّثت بنبرة درامية واضحة: -كيف أن تكسري بخاطري؟ يال ضميركِ يا ورد! تنهدت ورد بيأس، وكادت أن تتوجه نحو المكان، لكنها توقفت فجأة. جعلت رغد تحدق بها باستغراب، وسألت: -لماذا توقفتِ؟ التفتت ورد نحوها وقالت بسخرية، ثم ابتسمت ابتسامة جانبية: -لأننا سنلعب، والخاسر هي من ستذهب. أنهت حديثها بضحكة مشاكسة، مما جعل رغد تتنهد باستسلام ثم تبتسم وقالت وهي تمد يدها: -أعطني المال، ففي النهاية، أنا من ستخسر. نظرت ورد إليها باندهاش، لسرعة استسلامها، ثم أعطتها المال بينما لاحظت عبوس رغد، ثم ذهبت إلى مكان الشراء، فيما بقيت ورد تراقبها من بعيد. في هذه الأثناء، كانت ساكورا تقود سيارتها خلف سيارة مايكل، كان الطريق يمتد أمامها كأفق بعيد. شعرت براحة تامة وهي تتابع خطوات الرحلة، بينما كان مايكل يتبعها بثبات، قد أرسل لها الموقع المحدد من قبل ليو. قالت ساكورا وهي تبتسم بلهفة: "وأخيرًا، ها قد وصلنا!" ضحك مايكل عبر المكالمة وقال بمزاح: "تقوليها وكأنكِ كنتِ تائهة في الصحراء!" ردت ساكورا بنبرة ساخرة، وهي ترفع حاجبها بإشارة استفهام: "الطريق كان طويلًا، أيها العجوز." كانت تعرف تمامًا كيف تثيره بكلماتها، فاندفع مايكل قائلًا بانزعاج واضح: "ماذا؟ أعيدي ما قلتِ!" قهقهت ساكورا بصوت عالٍ ثم أغلقت المكالمة فجأة على وجهه، وهو ما جعلها تبتسم بمرح. أوقفت سيارتها بحركة بارعة حينما وصلت إلى المكان الموعود. بعد لحظات، خرجت من السيارة بخفة، وتوجهت نحو ليو الذي كان جالسًا على سيارته، يعبث بالمفاتيح في يديه وكأن العالم كله لا يهمه. بجانبه كان فادي، يتكئ على السيارة وهو مشتت الذهن، كأن أفكاره بعيدة عنه. أما أكينا، فقد كانت جالسة على الأرض، تتكئ على يديها، مع ملامح ملل واضحة على وجهها، وكأنها تنتظر شيئًا ما يغير رتابة اللحظة. قالت ساكورا بنبرة ساخرة، بينما كانت تمشي نحوهم: -التعازي لكم! كانت كلماتها قد جذبت انتباههم، ليلتفت ليو إليها مبتسمًا ويقول بترحاب: -أهلًا بكما! ابتسموا له أيضًا، ووقفوا ليتبادلوا بعض الحديث، لكن الأجواء بقيت هادئة ومستكينة، وكأن الوقت قد توقف لحظات. في تلك الأثناء، وصلت رغد وورد، تمشيان ببطء، وأعينهما تراقب المكان من حولهما. حدقت ورد في المجموعة الواقفة أمام السيارة، ثم قالت بصوت مليء بالاستغراب: -رغد، قبل ذهابنا ألم نتركهم ثلاثة؟ فما الذي أتى بالزائدين؟ أجابت رغد بنبرة ساخرة، وهي تدس يدها داخل جيب فستانها بحركة هادئة، عينيها تراقبان المدى أمامها وكأنها تفكر في شيء بعيد: -من يدري؟ ربما انتقلنا إلى زمن آخر، في عصر الأميرات والخيال. ثم أكملت بصوت يغلب عليه الملل، وهي تتحرك قليلًا في مكانها، وكأنها تُلقي تعليقًا غير مهم: -ألم يتصل السيد ليو بأحد؟ ربما كانت هذه هي الفكرة التي تحدث عنها. وتابعت بنبرة سخرية مرحة، بينما كانت تلمس طرف فستانها وكأنها تستعد للسير: -حالتكِ سيئة، يجب عليكِ أن تذهبي إلى الطبيب. تجاهلت ورد تعليق صديقتها، وهي مدركة تمامًا أنها تستخف بكلامها، واكتفت بإيماءة خفيفة. ثم هرعت نحو أكينا التي كانت جالسة على الأرض، وتساءلت في همس، عيونها تراقب المجموعة الواقفة على مقربة منها: -من هؤلاء؟ أجابتها أكينا بصوت منخفض، لكنها لم تستطع إخفاء اهتمامها بينما كانت عيناها تتابع المجموعة باهتمام: -هؤلاء أصدقاء ليو. التي على الجهة اليمنى تدعى موغامي ساكورا، وهي محامية من اليابان، وقد عملت هنا منذ فترة طويلة. أما الذي على الجهة اليسرى، فهو جاك سان، شرطي من هذه البلدة. ردت ورد بنبرة مليئة بالتفاؤل، وقد تركزت نظرتها على ساكورا للحظة، وكأن فكرتها قد اكتملت في ذهنها: -إذًا، كل منهما سيكون مفيدًا! عندما استدار ليو وأدرك قدومهما، بدأ بالتحدث، وكأن لحظة تقديم الأشخاص كانت قد حانت. قدم كل شخص باحترام، وعينيه تتأمل الموقف بعناية: هذه موغامي ساكورا، محامية من اليابان، وتعمل هنا منذ فترة طويلة. بالطبع، بإمكانها أن تتعاون بسهولة في التعامل مع القضايا في هذه البلدة، على عكس بعضنا. وهذا مايكل جاك، شرطي من هذه البلدة، وقد وافق على مساعدتنا. وبالمناسبة، هو صديقي الذي تحدثت إليكم عنه. ثم أضاف ليو وهو يشير إليهم جميعًا، وكأن كل واحد منهم يحمل قصة تضاف إلى القصة الكبرى: -مايكل وموغامي تشان، هذا فادي سليمان، وهذه الفتيات على الجهة اليمنى تدعى بورد يعقوب، والتي تقف أمامها سميث أكينا، والتي على الجهة اليسرى رغد فارس. وهم جميعًا من أصول عربية، عدا سميث تشان فهي من اليابان. لاحظت موغامي ساكورا ملابسهم، ثم سألتهن بهدوء، كما لو كانت تبحث عن تفسير شيء غير مألوف لها: -لماذا ترتديان هذا الرداء الأسود وتلك القلنسوة على الرأس؟ أجابتها رغد بابتسامة عفوية، بينما كانت ورد تحدق بها بصدمة، ثم وخزتها بمرفقها برفق وكأنها تخبرها ألا تتحدث: -هذا هو زيّنا. ففي هذا المكان يُمنع ارتداء الحجاب. عبرت ساكورا عن استغرابها، وعيناها تتأمل الجواب وكأنها تبحث عن معنى أعمق في هذه التفاصيل التي قد تبدو بسيطة، ثم همست لنفسها، شاردة: [حجاب! وهل هؤلاء في هذا العمر اخترعوا فكرة كهذه؟] ثم خرجت منها عبارة غير مقصودة، مليئة بالإعجاب: -رائع! نظرت رغد إليها باستغراب، فاجأتها الكلمات، وسألت بلطف: -عفوًا، هل قلتِ شيئًا؟ نفت ساكورا برأسها، ثم أجابت بنبرة مرحة، مع لمحة من التحدي في عينيها: -دعوني أعرفكن على نفسي أكثر! استمرت الفتيات في الحديث ليتعارفن على بعضهن بشكل أفضل، وجو من الود يملأ الأجواء. في تلك اللحظة، ابتعدت رغد عنهن لتأخذ من يد صديقتها بعض الأشياء، وتضعها داخل السيارة، وعندما كادت تعود إليهن، رنين هاتفها قطع الصمت فجأة. توقفت للحظة، نظرت إلى شاشة الهاتف باستغراب، ثم ردت بصوت خافت: "مرحبًا!" ...يتبع 《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما