《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》
《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》
نبدأ بسم الله...
___________
كُلٌّ منّا تَعَلَّمَ شيئًا مختلفًا..
لكنّ درسي أنا لم يكن ليُوجد لولا وجودك،
وكأنّ هذا الدرس لم يُخلق إلا ليتعلم منكِ وحدكِ.
.......
خيم الصمت على المكان بعد لحظات من الحركة والضحك.. الفطور لا يزال على الطاولة، والجو ثقيل لدرجة أن صوت ارتطام الملعقة بالطبق كان صاخبًا؛ كأن الكلمات التي قيلت لم تكن كافية بل مجرد فتيلٍ لانفجار داخلي.
فادي نظر إلى ورد ورغد، ثم أعلن بحزم كأنه يغلق بابًا على الماضي:
-ورد، رغد... لقد سجلتكما في مدرسة جديدة. ستبدآن الدراسة فيها ابتداءً من بعد الأسبوعين المقبلين.
جاء صوته واضحًا حازمًا، لكنه لم يكن مجرد إعلان بل كان قرارًا تم اتخاذه من دون استشارتهما.
ساد الصمت لثوانٍ معدودة... ثم تبادلت الفتاتان نظراتٍ مختلطة بين الدهشة والارتباك، قبل أن تصدح معًا بصوت واحد، كأنهما نغمة واحدة خرجت عن الإيقاع:
- ماذا؟!
بينما كانتا تحاولان استيعاب الأمر، علت ضحكة أكينا من زاوية الطاولة.. صفّقت بحماس وهي تضع شطيرتها جانبًا:
- رائع! ستبدآن في التعرف على الكثير من الأصدقاء!
لكن رغد لم تشاركها الحماسة.. نظرت إليها للحظة، ثم التفتت إلى ورد تراقب ملامحها بحذر غير مطمئنة تمامًا لردة فعلها. كان هناك توتر خفي يمتد في الجو، كخيط رفيع على وشك الانقطاع.
تحدثت ببطء، كأنها تزن كل كلمة:
- حسنًا، لكن... أفضّل أن نخوض امتحان القبول أولًا. إن كنا سنكون طلابًا، فلنبني ذلك على أساسٍ عادل.
لم ترد ورد مباشرة. ظلت تحدق بهما، ثم أعادت أنظارها إلى فادي الذي ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم ألقى نظرة إلى ليو، نظرة منتصرة كأنه يقول: ”ألم أقل لك؟“
عادت عيناها إلى الطعام أمامها.. لم تعد تشعر بأي رائحة للخبز أو الكاكاو الساخن.. شهيّتها اختفت فجأة.
قطع الصمت حديث مايكل وهو يرفع كوب قهوته:
- من الرائع أن تكونوا مثل أقرانكم.
ساكورا راقبت ورد التي رفعت نظرها إليه للحظة، ثم أعادت تركيزها على فادي الذي كان يراقبها بصمت كأنه ينتظر ردة فعلها.
لكنها لم ترَ في عينيه مجرد رغبة في إلحاقهما بالمدرسة. شعرت أن الأمر يحمل بُعدًا آخر كأنه يحاول إلهاءها، أو إبعادها عن شيء ما! راودها إحساس بأنه لا يريد أن تتدخل في قضايا قد تُعرّضها للخطر.
اشتعلت في داخلها مشاعر الغضب، وشعرت أن هذه لم تكن سوى محاولة أخرى للسيطرة على اختياراتها.
قبضت يديها بقوة حتى تحوّل مفصلها أبيض، ثم انفجرت بانفعال وعيناها تضيقان في تحدٍّ:
- ألهذا السبب جئنا إلى هنا؟ فقط لتُكمل عملك؟!
مرّت تنهيدة ارتياحٍ مكتومة بين الجالسين؛ كأنهم كانوا يخشون هدوء ورد المريب وينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر. في المقابل، تسمّر مايكل وساكورا في مكانيهما يرقبان المشهد بدهشة، بينما حاولت رغد استيعاب الموقف فمدّت يدها برفق تلمس كتف ورد محاولة تهدئتها.
أما فادي، فقد بقي صامتًا.. صمتًا غريبًا لم تعهده رغد من قبل، لكنها بذكائها فهمت مغزاه؛ لقد كان يترك لها الساحة تمامًا، يعلم يقينًا أن ورد لن يهدأ غليانها إلا إذا انفجرت هكذا.
لم تكن ورد في حالة تسمح لها بسماع المزيد، فقد غلبتها مشاعرها.. نهضت فجأة وهي تدفع كرسيها بعيدًا وقالت بانزعاج واضح:
- شكرًا على الطعام.. بعد هذا الحديث الذي أفسد شهيتي تمامًا.
اندفعت نحو الباب بعزم، وتجاهلت نداء فادي القلق وهو ينهض خلفها متسائلًا:
- إلى أين تذهبين؟
لم تجبه، بل أغلقت الباب خلفها بقوةٍ هزت أركان الغرفة، وانطلقت في طريقها دون التفاتة واحدة.
وقف فادي مكانه للحظات يراقب الفراغ الذي خلفته، وصدره يعلو ويهبط بنَفَسٍ ثقيل، كأنه يحاول استيعاب ثقل المسؤولية التي ألقيت على عاتقه فجأة! تنهد بضيق، وخرج يتبعها لكن الشارع كان قد ابتلع أثرها تمامًا.
عبس بقلق، وشعر بثقلٍ في صدره لم يكن خوفًا فحسب، بل كان شعورًا بالمسؤولية كأنه أدرك متأخرًا أنه أخطأ التقدير.. ثم غادر على عجل، يسابق خطواته وعيناه تفتشان في الوجوه والممرات يرجو أن يلمح طيفها في أي مكان قبل أن تبتعد أكثر.
داخل المنزل، تنهدت رغد ثم نهضت عن مقعدها بهدوء. شكرت ساكورا على الفطور وعلى دفء المكان، وعلى كل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم تجد كلمات لوصفها.
كانت على وشك الانسحاب لغرفتها، تعتزل هذا التوتر الذي بدأ به يومها، لكن أكينا استوقفتها بنبرة مندهشة:
- ألن تذهبي خلفها؟ أين قلقكِ المعهود؟
ابتسمت رغد ابتسامة خفيفة باهتة لم تصل لعينيهما، بينما كانت تشعر بموجة من الاضطراب تتصاعد بداخلها:
- بالتأكيد أنا قلقة...
توقفت للحظة، ثم أكملت بصوت هادئ كأنها تُطمئن نفسها:
- لكن ما نفع القلق الآن؟ طالما أن فادي قد ذهب خلفها فكل شيء سيكون على ما يرام.
ثم تمتمت وهي تنظر من النافذة إلى الشارع الخالي الذي اختفت فيه ورد:
- أرجو ذلك حقًا!
التفتت نحو ساكورا، التي نهضت وقالت بلطف وهي تحاول تهدئتها:
- لا بأس، ستعود مع فادي ويُحلّ الأمر.. مجرد سوء تفاهم يتكرر في كل البيوت.
تبادلتا ابتسامة هادئة، لكن بداخل رغد ظل معلقًا في القلق.. تتمنى أن يمر اليوم بسلام.
وقبل أن تستأذن، التفتت رغد إلى ليو، الذي كان يجلس صامتًا يراقب الجميع بنظرةٍ ثاقبة هادئة، كأنه يرى في ارتباكهم هذا خريطة واضحة يعرف تمامًا إلى أين ستؤدي.
تحدثت بثقة، ونبرة حملت صرامة مفاجئة:
- سيد ليو... هل تحاولون منعنا من التورط لأن القضية خطيرة؟ إذا كان الأمر كذلك.. فالموقف أصعب مما نتخيل، أليس كذلك؟
انتظرت رده، لكنه لم يقل شيئًا فقط اكتفى بنظرة طويلة، يقيّم فيها ثباتها وما إذا كانت ستحتمل الحقيقة.
تنهدت رغد، وقالت وكأنها تخاطب نفسها:
- أحيانًا ورغم السنوات التي قضاها معنا.. لا أفهم ما يدور في رأسه.
استغرب الجميع صراحتها، لكنها أضافت بابتسامة باهتة:
- لكنني أفهمه هذه المرة.. هو فقط يتحمل المسؤولية، ولا يريد لنا أي أذى.
رفعت بصرها ونظرت إلى ليو مباشرة:
- لكن ما لا أفهمه.. هو لماذا وافقت أنت على هذا؟ رغم علمك بمهارتها، وأن بإمكانك استغلالها لصالحك.
ابتسم ليو ابتسامة بسيطة ونهض ببطء، واضعًا يديه في جيوب بنطاله، ثم قال بنبرة عميقة ذات ثقلٍ وهيبة، خالية من أي انفعال:
- ببساطة.. لأنني لست الشخص الذي تظنينه.
قالها بصدق حمل عتابًا خفيًا، فشعرت رغد بالإحراج وطرفت بعينيها بسرعة وهي تحاول ترتيب أفكارها المبعثرة.
تدخلت ساكورا لترطب الأجواء بلطف:
- لا أحد منا يريد توريطكما، عزيزتي. أنتما في عمرٍ من حقكما فيه أن تعيشا ببساطة؛ تضحكا وتحلما دون أن تحملا همومنا الكبيرة.
غمزت لها بصدق، فاكتفت رغد بإيماءة صامتة، ثم شكرتهم بصوت واثق:
- على أية حال.. شكرًا لكم. من الأفضل فعلًا أن تظل ورد بعيدة عن هذه المتاعب.
رفعت أكينا عينيها عن هاتفها بدهشة:
- ألستِ مهتمة أنتِ أيضًا؟
هزت رغد رأسها بهدوء، وهي تحدق في الفراغ بنظرة شاردة:
- لا.. لا أهتم. لكنني سأبقى بجانبها حتى يتحقق حلمها.. وإن لم يتحقق، فلا بأس، ربما كان ذلك هو الأفضل.
ختمت جملتها بابتسامة خفيفة، ثم استأذنت وانصرفت نحو غرفتها. فور إغلاق الباب استندت عليه بظهرها، وأغلقت عينيها في صمت. كانت الغرفة هادئة تمامًا، لكنها في سرها كانت تدعو بلهفة:
-اللهم ارجعهما إليّ سالمين، وأصلح ما بينهما.
في الخارج، كانت ورد تسير بلا وجهة يغمرها غضبٌ تشعر بحرارته في عروقها.. خطواتها السريعة لم تكن هربًا من فادي، بل محاولة منها للهروب من نفسها، ومن تلك الأفكار التي لا تتوقف عن مطاردتها.
لم تنتبه إلا وهي تدخل زقاقًا ضيقًا محشورًا بين مبنيين شاهقين، بالكاد يصله ضوء النهار. كان الظل كثيفًا والهواء باردًا، وصدى خطواتها على الأرض جعلها تشعر بريبةٍ مفاجئة.. أدركت متأخرة أنها ابتعدت كثيرًا.
استدارت لتعود من حيث أتت، لكن حركة في العتمة أوقفتها.
شخصان يقتربان ببطء، بملامح غير متزنة وعيون ضائعة، كأن الزقاق صار فخًا.
همست لنفسها بندم:
- يا لحماقتي.. كيف وصلتُ إلى هنا؟
تراجعت بحذر محاولة تفادي المواجهة، لكن أحدهما تقدم بابتسامة سمجة. أسرعت في الابتعاد عنه، فاصطدمت بالآخر الذي أمسك ذراعها بقوة.
في تلك اللحظة، انفجر الغضب الذي كبتته فلم تفكر، بل أمسكت يده ولوتها خلف ظهره بقوة جعلته ينحني متألمًا.. وقبل أن يباغتها الثاني، استدارت وركلته بخشونة على ركبته، ثم أتبعتها بضربة سريعة في منتصف صدره.
سقط على ركبتيه يتأوه، ولم تنتظر لترى ما سيحدث.. تابعت سيرها بخطوات غاضبة، وهي تنفض كفيها بضيق وتمتمت بسخرية:
- يستحقان ذلك.. ظنا أنني فريسة سهلة.
وضعت يدها في جيبها تبحث عن المال، عن أي شيء يربطها بالواقع لكن الجيب كان فارغًا.
تنهدت بمرارة، وقالت بصوت منخفض:
- يبدو أن فادي صدمته شاحنة.. وهذا هو أثر الارتطام الذي أشعر به.
توقفت للحظة، وتكتفت بيديها وهي تحدق في الأرض.. عاد الكابوس ليداهمها؛ الظلام، الأصوات المكتومة، ورائحة الدماء.. شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها.
لكن فجأة، أخرجها ضجيج السيارات من غياهب ذاكرتها. انتبهت لنفسها، لتجد أنها تقف أمام طريق مزدحم حيث يمر الناس مسرعين دون أن يلحظ وجودها أحد.
لم تتذكر كيف وصلت إلى هنا! تمتمت وهي تحدق بذهول في زحام الشارع:
- يا إلهي... كنتُ شاردة تمامًا. لا أذكر حتى من أي طريق أتيت!
تنهدت تنهيدة عميقة، ثم اتسعت عيناها عندما تذكرت هاتفها الذي سقط عند المنحدر.
وضعت يديها على رأسها وهمست بيأس:
- يا لحماقتي... أنا لا أجلب سوى المتاعب.
وقبل أن تبحث عن مخرج لمأزقها، وصل إلى مسمعها صوت ضحكة من خلفها. التفتت بسرعة، كأنها تتوقع هجومًا جديدًا، لتجد فتاة تستند إلى الحائط وتراقبها بتسلية وكأنها تشاهد عرضًا كوميديًا.
حدقت بها ورد بضيق، وسألتها بحدة:
- هل يضحككِ الأمر إلى هذا الحد؟
حاولت الفتاة كتم ضحكتها، ومسحت طرف عينيها بأصابعها لكنها فشلت وعادت تضحك من جديد.
قالت وهي تحاول استعادة أنفاسها:
- المعذرة.. لكن منظركِ وأنتِ تعنفين نفسكِ وسط الطريق كان غريبًا حقًا!
كانت ورد على وشك الانفجار في وجهها، لكن قاطعها صوت لاهث من الجهة المقابلة يصيح بنبرة آمرة:
-أخيرًا وجدتكِ يا روز!
تجمدت ورد في مكانها، وشعرت بحركة سريعة أمامها.. كانت الفتاة التي تضحك قبل ثوانٍ قد تلاشت البسمة عن وجهها تمامًا؛ تشبثت بذراع ورد بقوة وهمست بخوف:
- أرجوكِ.. ساعديني. لا تدعيه يأخذني معه!
نظرت إليها ورد نظرة طويلة باردة، كانت عيناها تقولان بوضوح: «ولمَ عليّ ذلك؟ لا أعرفكِ، ولا أريد متاعب إضافية.»
لكنها زفرت بضيق عندما رأت شحوب الفتاة ورعبها الذي بدا وكأنها تلمح شبحًا.
أدركت ورد أنها على وشك التورط، ومع ذلك تمتمت بنبرة خافتة:
- حسنًا... لا تقلقي.
استدارت نحو الشاب الذي اقترب بخطوات واثقة، ووقفت حائلًا بينه وبين الفتاة.
سألت بصوت حازم لا يقبل التهاون:
- لماذا تضايقها؟
أجاب الشاب بصوت مرتفع محاولًا فرض سيطرته:
- إنها خطيبتي! وأنا أحاول إقناعها بالعودة معي!
تجاهلت ورد ادعاءه تمامًا، والتفتت نحو الفتاة قائلة بهدوء:
- لستِ مضطرة للذهاب معه، أنتِ حرة في قرارك.
اتسعت عينا الشاب من الذهول؛ لم يتوقع أن تُغلق الأبواب في وجهه بهذا البرود.. وبينما كانت ورد تستعد لسحب الفتاة والابتعاد، أمسك الشاب برسغ الفتاة بعنف ليمنعهما.
ضيقت ورد عينيها، ووضعت أناملها بين حاجبيها كأنها تحاول تهدئة عاصفة توشك أن تنفجر في رأسها. لم تكن تنوي التدخل أكثر من ذلك، لكن إصراره استفزها.
شدّت الفتاة نحوها، وحذرته بنبرة جادة:
- من الأفضل لكَ ألا تقترب.
تجاهل تحذيرها ظنًا منه أنها مجرد كلمات، لكنه فوجئ بقبضة ورد ترتفع بسرعة نحو وجهه. لم يكن مستعدًا، فتراجع للخلف بضعف وفقد توازنه ليسقط على الأرض مصدومًا!
لم تلمسه يدها فعليًا فقد تراجعت في اللحظة الأخيرة؛ لم تكن تنوي إيذاءه بل أرادت فقط أن تجعله يدرك أنها لا تمازحه.
جلس هناك للحظات يحدق بها بعدم تصديق، ثم نهض وهو ينفض الغبار عن ثيابه بعصبية محاولًا ترميم كبريائه الجريح.
رمقها بنظرة محتقنة وصاح:
- هل جننتِ؟! من تظنين نفسكِ؟!
تقدمت ورد خطوة واحدة، وظلت ملامحها ساكنة وهي ترد ببرود:
- أنا الشخص الذي لن يسمح لكَ بإجبارها على شيء لا تريده.
قبض الشاب يده بقوة، وبدا للحظة وكأنه سيهجم، لكن تجمع بعض المارة حولهم جعله يتراجع؛ فلا رغبة له في أن يكون بطل مشهد مخزٍ كهذا.
حاول تمالك نفسه، ثم قال بنبرة مشحونة بالاستياء:
- ستندمين على هذا...
ثم التفت نحو روز، وقال بصوت خافت لكنه مرعب:
- وهل تظنين أنكِ ستختبئين خلف كل عابر طريق يصدني عنكِ؟!
تشبثت روز بذراع ورد دون أن تنطق بكلمة، بينما زفرت ورد بضيق وقالت بهدوء حازم:
- لا أحد يصد أحدًا عن أحد. الأمر بسيط؛ هي لا تريد الذهاب معك، وانتهى الأمر.
قطب الشاب حاجبيه واقترب ببطء، محاولًا استعادة زمام الموقف، ثم همس بنبرة تهديدية:
- وأنتِ.. ما شأنكِ بكل هذا؟ لا تقحمي نفسكِ فيما لا يعنيكِ!
رفعت ورد حاجبها بسخرية، وردت بثقة:
- عندما يُجبر شخصٌ على ما لا يريد، فهذا يعنيني تمامًا.
تجمدت نظراته على وجهها بوعيدٍ صامت، لكنه أدرك أن الموقف ليس في صالحه الآن. التفت إلى روز وقال بفحيحٍ خافت:
- سنتحدث لاحقًا.. ولا تظني أن الأمر سينتهي بهذه السهولة.
ألقى نظرة أخيرة على ورد، نظرة فاحصة كأنه يحفظ ملامحها، قبل أن يستدير ويغادر بخطوات واسعة محاولًا التظاهر بالثبات رغم قبضة يده التي لم تسترخِ بعد
أما ورد، فراقبته حتى ابتلعه الزحام، ثم التفتت إلى روز التي كانت لا تزال متشبثة بذراعها. وعندما انتبهت روز لذلك أفلتتها بسرعة وأحاطت نفسها بذراعيها، وقالت بابتسامة اعتراها التوتر:
- آسفة... لم أكن أريد إقحامكِ في هذا الموقف المزعج.
ابتسمت ورد بخفة وردت بهدوء:
- لا بأس.. لكن كوني مستعدة.. فمن الواضح أنه لن يكتفي بما حدث اليوم.
أومأت روز ببطء، ثم لمعت عيناها بامتنان وهي تضيف:
- على الأقل، لم أكن وحدي هذه المرة. شكرًا لكِ.. يا؟
- ورد.. اسمي ورد.
صافحتها روز بلطف وهي تردد الاسم كأنها تحفظه:
- وأنا روز.
سارت روز مع ورد لبضع دقائق لتدلها على المنعطف المؤدي لحيّ ساكورا، وقبل أن تودعها وقفت روز تلوح بابتسامة ممتنة:
- إذن.. نلتقي مرة أخرى يا ورد.
اكتفت ورد بإيماءة هادئة، ثم استدارت لتبدأ رحلة العودة ومع كل خطوة تبتعد فيها عن روز، كان ثقل همومها يعود ليزحم رأسها من جديد؛ لم تكن تعلم أن هذا اليوم الذي تمنت أن يمر بسلام قد فتح للتو بابًا لمتاعب من نوعٍ مختلف تمامًا.
وصلت ورد أخيرًا إلى المنزل، وبعد لحظات من التردد طرقت الباب بخفة. لم تمضِ ثوانٍ حتى انفتح الباب بعنف، لتجد رغد واقفة والدموع تلمع في عينيها.
وقبل أن تنطق ورد بكلمة، اندفعت رغد نحوها وألقت بنفسها بين أحضانها وهمست بصوت مخنوق:
- ورد... لا ترعبيني هكذا مرة أخرى!
تجمدت ورد في مكانها، وشعرت بوخزة ندم عميقة وهي تستوعب حجم الخوف الذي سببته لها.
بادلتها العناق بحنان، وهمست باعتذار صادق:
- آسفة... لن يتكرر الأمر.
تراجعت رغد لتتفحص وجهها بقلق تبحث عن أي خدش، لكن ورد ابتسمت لها بودّ، ثم أنزلت يدها برفق محاولة طمأنتها:
- أنا بخير، لم يمسسني سوء.
من مائدة الطعام، جاء صوت أكينا الساخر وهي تستمتع بمثلجاتها المخبأة، لتعلق دون أن ترفع عينيها:
- بالطبع لم يُصِبها مكروه، بل هم من سيحدث لهم مكروه بسببها!
تبادلت ورد ورغد نظرات يائسة، بينما رمق الجميع أكينا باستغراب، باستثناء ليو الذي لم يعد يندهش من تعليقاتها اللاذعة.
خطت ورد للداخل، وقابلت بترحيب دافئ أعاد إليها بعض السكينة. اقتربت ساكورا وهي تحمل طبقًا من الطعام، ووضعته أمامها بعناية قائلة:
- تناولي هذا، لا بد أن الجوع نال منكِ.
ارتسمت ابتسامة ممتنة على شفتي ورد، وهمست:
- شكرًا لكِ.
لكن ساكورا توقفت فجأة وحدقت بها بذهول، ثم وضعت كفها على جبين ورد تقيس حرارتها:
- حرارتك طبيعية... إذًا ما الخطب؟ هل خلوّ معدتك جعلكِ هكذا؟
التفتت إلى مايكل وسألت بجدية مصطنعة:
- ما هو اليوم؟
أجاب مايكل وهو يرفع كوب الماء إلى شفتيه ببرود:
- السبت.
اتسعت عينا ورد ثم قطبت حاجبيها بانزعاج بعدما أدركت مزاحهما الثقيل، فأبعدت يد ساكورا وقالت بنبرة متحشرجة غلب عليها الضيق:
- كفاكما مزاحًا.. كنت فقط...
قاطعتها ساكورا بضحكة وهي تلوح بيدها:
- الآن شعرتُ بالاطمئنان، إنها بخير تمامًا!
توترت ورد قليلًا، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تكمل بنبرة هادئة تحمل صدقًا لم يعتادوا عليه:
- فقط... شعرتُ بالحَنِين.
ساد الصمت للحظات، وكأن الجميع تفاجأ بسماع تلك الكلمة منها. شعرت ورد بالحرج وحاولت تجاهل نظراتهم المندهشة، قبل أن تتلفت حولها بحثًا عن فادي.
لاحظ ليو ضياع نظراتها، فقال بهدوء:
- إنه يبحث عنكِ.
رفعت ورد رأسها نحوه بسرعة، والندم يظهر على ملامحها:
- حقًا؟
نهضت على الفور متوجهة نحو الباب، وما إن فتحته حتى وجدت فادي أمامها تمامًا، يده ممدودة ليدق الجرس في اللحظة نفسها.
توقفا، وتبادلا نظرات طويلة صامتة.. كان فادي يحاول كبح بقايا غضبه، بينما خفضت هي رأسها بخجل عاجزة عن النطق.
مد يده نحوها فجأة بهاتف جديد، وقال بنبرة هادئة غلفها بمزاحٍ خفيف:
- خُذيه.. لعلّي أتمكن من العثور عليكِ بسهولة في المرة القادمة.
حدقت ورد في الهاتف بصدمة، وشعرت بغصة دافئة تخنق حلقها وهي تأخذه منه بصمت.
ثم رفعت رأسها وقالت بامتنان نابع من القلب:
-شكرًا لك!
عقد فادي حاجبيه وقال بجدية:
- امسحي دموعكِ أولًا.
أدركت أنه لا يريد أن يظهر ضعفها أمام البقية، فأومأت برأسها ومسحت عينيها بسرعة، قبل أن تستجمع شجاعتها وتقول بحزم:
- سأذهب إلى المدرسة، ولن أسبب لك أي مشاكل..
صمتت لثانية، ثم أضافت بابتسامة مشاغبة:
- ..لكن هذا وعدٌ للأيام القادمة فقط؛ بعدها سأعود لإثارة المتاعب كالعادة!
ضحك فادي بخفة وهز رأسه بقلة حيلة قبل أن يتجه لغرفته، بينما بقيت ورد في مكانها تراقبه بشرود، حتى همست رغد من خلفها بمكر:
- إذن.. تصالحتما بهذه البساطة؟ كما توقعت حمدًا لله الأمر مر بسلام!
استدارت ورد نحوها، وكانت ابتسامتها هذه المرة حقيقية وواسعة، وقالت بقلبٍ مطمئن:
- بلى.
توجهت إلى الطاولة وسحبت كرسيًا لتجلس بجانب أكينا.. كانت الأخيرة غارقة داخل شاشة حاسوبها، وعيناها تلاحقان سيلًا من البيانات المتداخلة التي لا تنتهي.
مالت ورد برأسها قليلًا، وأشارت بإصبعها نحو أحد العناوين:
- هل تعملين على هذا؟
لم ترفع أكينا رأسها، اكتفت بالعبث بشعرها حتى أصبح فوضويًا، وقالت بصوت مخنوق بالإحباط:
- لا أعرف.. ما زلتُ أحاول ربط الخيوط، لكن الأدلة لا تبدو كافية بعد.
أومأت ورد بتفهم، وجالت بنظرها في أرجاء الصالة؛ ساكورا ومايكل في الزاوية المقابلة منهمكان في تفحص صورٍ لِحادثةٍ ما، بينما انهمك ليو في قراءة ملف قضية جيمي بتركيز حاد يمنع أي محاولة للمقاطعة.
أما فادي، فكان قد اختفى خلف باب غرفته المغلق؛ ربما يحاول ترتيب فوضى مشاكله الخاصة التي تلاحقه أينما ذهب بعيدًا عن ضجيج الجميع.
في الخارج، كانت رغد تلهو مع قطتها في الفناء، بينما بدأ الملل يتسلل إلى ورد لم تطق البقاء في هذا الجو المشحون، فانسحبت بهدوء وصعدت إلى السطح.
جلست هناك تحت سماءٍ رمادية، تتقاذفها أسئلة لا تجد لها إجابة:
- يا إلهي.. ما فعلته اليوم كان فوضى عارمة. لكنني ما زلتُ أشعر بالانزعاج.. لماذا يصرّ على منعي؟ هل يخشى تورطي في التحقيق، أم أنه يريدنا فعلًا أن نكتفي بكوننا مجرد طلاب مدرسة؟
زفرت بضيق وهزت رأسها لتطرد هذه الهواجس.. بدأت تدندن بلحنٍ خافت لتسلي وحدتها، لكن دندنتها توقفت فجأة! لفت انتباهها طائر صغير كان يتخبط على الحافة، يحاول الطيران بجناح يبدو مكسورًا.
نهضت، واقتربت منه بحذر شديد، وبحركة رقيقة احتضنته بين كفيها وهي تشعر بارتجاف جسده الصغير.
نظرت إلى جسده الضعيف، وهمست بأسى:
- مسكين.. جناحك مكسور.
قررت مساعدته، فنزلت إلى الأسفل تبحث عن شيءٍ لتضميد جناحه الصغير.. لم تكد تضع العصفور فوق الطاولة حتى دخلت رغد وهي تحتضن قطتها، فتوقفت خطواتها بفضول وهي ترى ورد منشغلة بشيء ما:
- ماذا تفعلين؟ ومن أين أتيتِ بهذا العصفور؟
أجابت ورد دون أن ترفع عينيها عن الجرح:
- أعالج جناحه، كان يتخبط محاولًا الطيران.
في تلك اللحظة، أفلتت القطة من يد رغد ونزلت بسرعة، وعيناها تلمعان بتركيزٍ مفترس نحو الصيد الصغير.
هتفت ورد بذعر وهي تداري العصفور بيدها:
- أبعدي هذه القطة من هنا!
رفعت رغد حاجبها باستنكار، وردّت بصوت مرتفع:
- لا تصرخي على قطتي، هي لا تفهم أنكِ تصبحين طبيبة بيطرية فجأة!
لم تهتم ورد لدراما رغد وسخريتها، بل انحنت بجسدها أكثر لتحمي العصفور وهي تصرخ بانفعال:
- لا يهم، فقط أبعديها فحسب!
تنهدت رغد بضيق مصطنع، ثم سحبت قطتها وخرجت من الغرفة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
بقيت ورد وحدها، تتابع تضميد الجناح بعناية، قبل أن تهمس للعصفور وكأنه يفهم سرها:
- لن أذهب إلى أي مكان غدًا.
لكنَّ الرياح لم تجرِ كما تشتهي سفن ورد؛ ففي الصباح التالي.. وجدت نفسها تقف بضيق أمام بوابة المدرسة الجديدة، تستعد مع رغد لخوض اختبار القبول الذي سيحدد مصيرهما.
مرت ساعات الامتحان ثقيلة، كانت الأوراق أمام ورد تبدو كأنها حاجز آخر يضعه ليو في طريقها.
وعندما خرجتا أخيرًا، كانت ساكورا بانتظارهما، وحاولت جاهدة تبديد توترهما بدعوتهما للتسوق وشراء أصناف الحلوى والطعام التي تحبانها.
وهكذا، مضت الأيام في ترقبٍ حذر، حتى جاء موعد إعلان النتائج.
تجمع الجميع أمام لوحة الإعلانات، وساد صمت لم يقطعه سوى صوت الأنفاس المتسارعة. تلاحقت الأعين فوق الأسماء، وفجأة، تعالت صرخة فرح من رغد التي كادت تقفز من مكانها، بينما شهقت ورد بدهشة وهي تتأكد من اسمها للمرة الثالثة.
لقد نجحتا!
ختمتا أوراق النجاح وانتهى زمن الانتظار المُر.. الآن، صار عليهما مواجهة واقع جديد خلف أسوار هذه المدرسة! دخلتا وهما تظنان أن الصعب قد مرّ، ولم تدركا أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد، وأن مفاجآت الأيام القادمة ستجعل من امتحان القبول مجرد ذكرى عابرة.
مع إشراقة صباح يوم جديد، ارتدت رغد وورد ملابسهما السوداء المعتادة بلا اهتمام، واستقلّتا السيارة برفقة مايكل الذي تولّى مهمة إيصالهما.
وعند وصولهما، وما إن خطتا داخل الفناء، حتى لفت انتباههما تجمهر غريب للطلاب.
وسط تلك الحلقة، وقف شابٌ طويل القامة يرمق فتىً أصغر منه باحتقار، ويهتف بصوتٍ آمر:
- هيا، اركع على قدميك واعتذر.. أنت المخطئ!
توقفت ورد وسط الحشد، وتأملت الموقف بعدم تصديق.. مالت نحو إحدى الفتيات وسألتها باللغة الإنجليزية:
- ما الذي يجري هنا؟
ردت الفتاة بنبرة عادية وكأن المشهد روتين يومي ممل:
- السيد جاكس اصطدم بهذا الفتى، والآن يطالبه بالاعتذار.
صمتت الفتاة لثوان وكأنها استوعبت للتو أن ورد وجه جديد على المكان، ثم تابعت حديثها بالإنجليزية ذاتها.
عقّبت ورد باستنكار وهي تشعر بالغليان:
- لكنه هو من بدأ! ألن يقف أحد إلى جانب الفتى الآخر؟
التقط أحد الفتيان تساؤلها من بعيد، ورد عليها باللغة نفسها بنبرة ساخرة. ومع سماعها لأصوات التشجيع لجاكس، ورؤيتها للبقية الذين لزموا الصمت خوفًا من العواقب، شعرت ورد بالاختناق؛ تساءلت بانزعاج وهي تضغط على كفها:
[كيف يمكنهم الوقوف متفرجين هكذا؟! ]
غلت الدماء في عروق ورد، وقبضت يدها بقوة وهي تأخذ نفسًا عميقًا. شعرت رغد بحركتها فمدت يدها بذعر لتمسك بطرف ملابسها، لكن ورد كانت أسرع؛ انطلقت بخطوات سريعة واخترقت الحشد.
وقفت ورد كجدارٍ صلب أمام جاكس، حاجزة الرؤية بينه وبين ضحيته، وقالت بنبرة حادة صدمت الجميع:
- أنت! اترك الفتى وشأنه. أنت من اصطدم به، مما يعني أنك من يجب أن يعتذر الآن!
خيم صمت خانق على المكان، وتجمدت الأنفاس.. الطلاب الذين كانوا يشجعون جاكس تراجعوا خطوة، والعيون كلها معلقة بهذا الغريب الذي تجرأ على الوقوف في وجه جاكس؛ الفتى الذي لم يجرؤ أحد على كسر كلمته من قبل.
أما جاكس، فقد تلاشت ضحكته الساخرة وحل مكانها ذهول ممزوج بالغضب.. زاد استفزازه برود ورد وثباتها؛ كانت تنظر في عينيه مباشرة دون أن تطرف لها جفن.
ضيّق عينيه وهو يقترب من وجهها بلهجةٍ فحيحها يقطر تهديدًا:
- ومن تكون أنت لتتحدث معي بهذا الأسلوب؟
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي ورد، وردّت بصوت لم يهتز:
- أنا الشخص الذي سيوقفك عند حدّك.
ازدادت ملامح جاكس قتامة، وبرزت عروق رقبته غضبًا. شدّ قبضته وكاد أن يندفع نحوها، لكن صوتًا جهوريًا شق سكون الساحة:
- توقفوا حالًا!
استدارت الرؤوس نحو مصدر الصوت؛ كان أحد الأساتذة يتقدم بملامح صارمة لا تقبل الجدال. وقف بينهما، وألقى نظرة حادة على الجميع قبل أن يصيح:
- تفرقوا فورًا! اذهبوا إلى فصولكم!
أطلق جاكس زفيرًا غاضبًا وهو يرمق ورد بنظرة أخيرة تتوعد بالكثير قبل أن ينسحب، بينما أفلتت ورد زفيرًا طويلًا كان محبوسًا في صدرها، وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال المواجهة.. شعرت برغد تقف بجانبها وهي ترتجف غضبًا وخوفًا.
عند دخولها الفصل انزوت في مقعدها، وبدأ الأستاذ الشرح فورًا دون أن يترك مجالًا حتى للتعارف. لم تكن ورد تتابع حرفًا مما يُقال؛ كانت غارقة في أفكارها تتنهد مرارًا وهي توبخ نفسها بقلق:
[ما الذي فعلته أيتها الذكية؟ ستتسببين بالمشاكل من أول يوم لكِ..]
ثم زفرت مجددًا بمرارة، وهي تستعيد السبب الحقيقي الذي دفعها للقدوم إلى هذه المدرسة.
Flashback || الاسترجاع الماضي
في صباحٍ هادئ، كانت ورد غارقة في أحلامها، مستسلمة لراحة النوم، حتى اخترق صوت ساكورا الصاخب سكون الغرفة؛ صرخة حماسية سلبت على ورد آخر دقائق من لذة النوم.
في تلك اللحظة، لم يخطر ببال ورد سوى أمنية واحدة وهي أنها تشوي ساكورا على نار هادئة بينما تطلق ضحكة شريرة. وبالطبع، كان هذا مجرد خيال سخيف، فليس هناك من يستطيع فعل ذلك إلا مختل عقليًا...
لكن، قبل أن تسترسل في أفكارها الانتقامية، دوّى صوت ساكورا من جديد، أكثر إزعاجًا من ذي قبل:
-هيا، أيتها الكسولتان! اليوم يومكما الأول في المدرسة! ستتعرفان على الكثير من الأشخاص، وتحصلان على الكثير من الأصدقاء، وبعدها... ستقعان في الحب.. حب حقيقي!
قالت جملتها الأخيرة بنبرة درامية، وهي تتمايل كأنها بطلة في أحد المسلسلات.. نظرت رغد إليها بصدمة محاولة استيعاب نوبة الحماس المفاجئة التي أصابت هذه الكبرى.
أما ورد، فاكتفت بالتحديق بها بملامح باردة مليئة بالاشمئزاز، قبل أن تستدير ببطء متعمد، وتسحب الغطاء فوق رأسها محاولة تجاهلها تمامًا.
لكن ساكورا لم تكن لتسمح لها بذلك.. زفرت بضيق، واقتربت بسرعة، ثم نزعت الغطاء عنها بقوة قبل أن تفتح الستائر، لتغمر أشعة الشمس الغرفة وتلسع عيني ورد المغلقتين.
وقبل أن تتلقى أي مقاومة، أمسكت بمعصمها وسحبتها قائلة بحزم:
-كفاكِ كسلًا.. هيا، استعدي!
لكن ورد التي رفضت التخلي عن الفراش.. كانت تتشبث بالسرير وكأنه آخر ملاذ لها، تأوهت بانزعاج، وغمغمت بصوت متذمر:
-اتركيني! ألا يوجد في قلبك ذرة من الرحمة؟! تفصلين بيني وبين فراشي الحبيب! يا لكِ من لئيمة!
رفعت ساكورا حاجبها، وردّت بنبرة ساخرة:
- أيتها الدرامية، لم يكن بينكما سوى علاقة مصلحة وانتهت، هيا انهضي! ألم توافقي بالأمس على الذهاب؟
تدحرجت ورد على السرير بضجر، ثم دفنت وجهها في الوسادة، وقالت بصوت مكتوم:
-بلى، لكنني غيرتُ رأيي... لم أعد أريد الذهاب، أريد النوم... يااا قووم!
قالت جملتها الأخيرة بصوت عالٍ وصل صداه إلى جميع أرجاء المنزل. لكن، في النهاية وكما كان متوقعًا، لم يكن أمامها خيار سوى الاستسلام والمغادرة.
في المطبخ، كانت أكينا قد أعدّت الإفطار بالفعل، وجهزت لهما الشطائر، ثم وضعتها في حقيبتيهما بعناية.
خرجت ورد أخيرًا من الغرفة، ملامحها متجهمة، وعيناها نصف مغلقتين من أثر النوم. اتجهت مباشرة إلى خزانة الأحذية، ارتدت حذاءها بسرعة، ثم غادرت المنزل متقدمة الجميع دون أن تنبس بكلمة.
في تلك الأثناء، كانت رغد تأخذ قطعتي خبز وتضع فيهما بعض الجبن، قبل أن تلتفت إلى أكينا وتسألها باستغراب:
-هل كنتِ تحضرين الإفطار؟!
توقفت أكينا للحظة، ثم ابتسمت بتصنع، قبل أن تردّ بنبرة مبتهجة:
-بالطبع! فهو يومكما الأول في المدرسة.
ثم أضافت بسعادة:
-وكذلك يومي الأول في العمل!
حدّقت رغد بها قليلًا، ثم غمغمت لنفسها وهي تمشي خارجًا:
-ربما وضعت فيه شيئًا... لا يهم، لننسَ هذا.
ودعتهم بسرعة، ثم لحقت بورد التي كانت قد جلست بالفعل داخل السيارة.
بعد بضع دقائق، شغل مايكل المحرك وانطلق بالسيارة.
خلال الرحلة... داخل السيارة، كانت ورد مكتوفة الذراعين، تحدق عبر النافذة بصمت، ملامحها غارقة في الضجر. لاحظ مايكل ذلك، فابتسم قليلًا، ثم حاول كسر حدة الجو الثقيل بصوت حذر:
-هـ... هي فقط تريدكِ أن تستمتعي بوقتك، وتكوني صداقات جديدة.
لم تستغرق ورد ثانية واحدة قبل أن ترد بعبوس واضح:
-هي ليست والدتي كي تفعل هذا!
نظر إليها مايكل للحظة، ثم قال بنبرة جادة:
-لكنها تحبكِ، وتريد لكِ السعادة.
لم تجد ورد ردًا، فالتزمت الصمت، واكتفت بالنظر إلى الطريق عبر النافذة، بينما أطلق مايكل تنهيدة خفيفة، وأعاد تركيزه على القيادة.
عند وصولهم إلى المدرسة، فتحت ورد باب السيارة ونزلت برفقة رغد تسير بخطوات غير متحمسة. وقفت للحظة أمام بوابة المدرسة، تتأملها بوجهٍ عابس كأنها تُساق إلى حتفها، كأنها تراقب سجنًا لا مدرسة.
زفرت بضيق، ثم استدارت للخلف فجأة، تلوّح بيدها قائلة بسخرية:
-أتمنى لكِ التوفيق، يا رغد!
كادت أن تستدير لتغادر، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، شعورًا غريبًا اخترقها كالسهم. إحساس ثقيل بنظرة حادة تراقبها من الخلف. تجمّدت في مكانها للحظة، ثم التفتت ببطء، لتجد مايكل واقفًا هناك، يحدّق بها بنظرة تحذيرية صامتة.
ابتلعت ريقها، وارتسمت على وجهها ابتسامة متوترة، قبل أن تعدّل كلامها بسرعة:
-أو... أقصد، أتمنى لنا التوفيق... هيا لندخل، يا رغد!
حاولت أن تبدو متحمسة، فاندفعت نحو البوابة وكأنها لم تكن تنوي الهروب قبل لحظات، بينما كانت رغد تراقبها، قبل أن تنفجر ضاحكة. رمقتها ورد بنظرة غاضبة، لكن رغد سارعت إلى وضع يدها على فمها، تحاول كتم ضحكتها دون جدوى.
End Flashback || الإنتهاء من الماضي
تنهدت ورد بضيق، كأن الذكرى أعادت إليها مشاعرها القديمة.. لكن حبل أفكارها انقطع فجأة حين شعرت بظلٍ يغطي طاولتها، لتجد شخصًا يقف أمامها مستندًا ببرود، وعلامات الغضب المكبوت واضحة تمامًا على وجهه... يتبع
《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما