كان لديك خيار آخر للانتقام

كان لديك خيار آخر للانتقام

27 0

《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》

《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》

نبدأ بسم الله...

___________

لا ممرات آمنة للجريمة، ولا طرق تؤدي إلى النجاة منها. كل خطأ يُرتكب، مهما كان متقنًا، يحمل بين طياته خيطًا يقود إلى الحقيقة. فالعالم ليس متاهة بلا مخرج، بل ساحة يُحاسَب فيها كل مجرم، ويُكشف فيها كل مستور. لكل عقدة حل، ولكل ظلام نور، وما يظنه البعض هروبًا... ليس إلا طريقًا مسدودًا ينتظر من يسلكه.

نظر فادي إلى الثلاثة بثقلٍ لا يوصف. بدأ بنظرة خاطفة إلى المرأة النحيفة، ثم انتقل إلى المرأة الممتلئة، وأخيرًا استقر نظره على الرجل الآخر. كان صمته يحمل ثقلًا غامضًا، كأنه يعيد ترتيب الأحداث في عقله مثل قطع أحجية معقدة. كانت عيناه تتنقلان بينهم ببطء، كأنه يزن كل نظرة، ويقيس كل حركة، ويحلل كل تعبير.

وبعد لحظاتٍ ثقيلة، رفع يده بثقة، وأشار مباشرة نحو أحدهم، وقال بنبرة حازمة لكنها محملة بإيقاعٍ يحمل وزن الحقيقة:

-أنت من قتلته.

ساد الصمتُ في المكانَ فجأة، كأن الهواء توقف عن الحركة.

لم يعد بإمكان أحد التنفس بسهولة، وكأن الأرض توقفت عن الدوران.

جميع العيون التفتت نحو فادي، ثم إلى الفتاة المشتبه بها، التي بدت وكأن العالم قد انهار من حولها فجأة.

اشتد شحوب وجهها، واتسعت عيناها كأنما رأت الموت يطل من زاوية الطريق.

كانت خطوة صغيرة إلى الوراء كل ما استطاعت فعله، قبل أن يخرج صوتها مرتجفًا، ممزوجًا بالخوف والغضب:

-كيف... كيف تجرؤ على اتهامي؟! ليس لديك أي دليل!

كانت كلماتها تتداخل بعضها البعض، كمن يتشبث بآخر خيط من الأمل، لكن هناك شيء في نبرتها، نبرة مكسورة، تشي بأن الكشف قد أصبح قريبًا.

تدخلت كلوي، المرأة السمينة ذات الشخصية الجريئة، تحاول الدفاع عنها:

-لا يمكن أن تكون هي! إنها بريئة تمامًا!

عاد الصمت مرة أخرى، كأن الجميع كانوا يحبسون أنفاسهم، مترقبين الانفجار أو الانهيار... أو الحقيقة.

المشتبه بها نظرت إلى فادي بعينين مليئتين بالصدمة، كأنها تحاول إنكار كل شيء، لكن نظراتها كانت تخونها. تلعثمت بصوت غير واضح:

-هـ... هذا غير صحيح!

كاد المفتش يتدخّل ليوقف هذا التوتر، لكن إشارة خفيفة من ليو أوقفته في مكانه. كان ليو ينتظر اللحظة الحاسمة، مترقبًا كيف سيتعامل فادي مع هذا الموقف المعقد.

وفي تلك اللحظة، بدت كلوفر صامتة، عيناها مثبتتان على الأرض، كأنها تحاول إخفاء شيء كبير. شعرت بأبصار الجميع عليها، فرفعت رأسها ببطء، وقالت بصوت مرتجف:

-لماذا تتهمني؟ ليس لديك دليل.

استدار فادي نحوها، وحدّق في عينيها بثبات، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل وزنًا ثقيلًا:

-الدليل موجود، فقط عليهم أن يروه.

التفت المفتش نحو فادي، وقد بدا على وجهه مزيج من الشك والفضول. كان تردده واضحًا، لكنه لم يستطع الصمت أكثر، فسأل بجدية:

-كيف تأكدت أنها هي القاتلة؟ هل لديك دليل يثبت ذلك؟

كان فادي يتوقع هذا السؤال. تقدم بخطوات هادئة نحو المشتبه بها، كان هدوؤه أشد تأثيرًا من أي رد فعل عنيف. وقف أمامها، محدقًا في عينيها بابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن ابتسامة سعادة، بل ابتسامة شخص يعرف أكثر مما يقول، وكأنه يستمتع بكشف الحقيقة رويدًا رويدًا.

قال بثقة، وصوته يحمل ثقلًا يكاد يُسمع فيه صدى اللحظات الماضية:

-سأخبرك كيف نفذت الجريمة... ربما تستسلمي وتعترفين بنفسك.

ثم استدار ببطء وعاد إلى سيارة الضحية، واضعًا يده على سقفها. كان هناك شيء في حركاته، دقّة وهدوء، وكأنه يرسم خطة مدروسة منذ البداية. تحدث بنبرة هادئة لكنها محملة بالإيقاع القاتل للحقيقة:

-كما ذكرت سابقًا، كانت يد الضحية اليمنى مشغولة بالتدخين. عندما حاول المقاومة، انطفأت السيجارة فجأة... أعتقد أنها لم تنطفئ من تلقاء نفسها، بل لامست يد القاتل في لحظة الصراع، وتركت أثرًا.

الكلمات كانت كالرصاصات تصيب قلب المشتبه بها. نظر المفتش بسرعة نحو القاتل، ثم أشار إلى أحد رجال الشرطة، قائلًا بصرامة:

-افحص يديها على الفور.

تحرك الشرطي لتنفيذ الأمر، وأمسك بيد كلوفر، ثم بدأ في تفحصها بدقة. وبعد لحظات، تجمدت ملامحه، ورفع نظره نحو المفتش بدهشة:

-هناك آثار حرق حديثة على أصابعها!

تصلبت تعابير الجميع، وارتفعت نظرات الصدمة نحو القاتلة التي لم تعد تملك مهربًا. عندها، التفت المفتش إلى فادي وسأله بدهشة، وصوته يحمل نبرة غير مصدقة:

-لكن كيف عرفت أن القاتلة هي كلوفر؟ خاصةً وهي حبيبته؟

تحدث فادي بهدوء، وكأنه يضع القطعة الأخيرة في اللغز. كان هناك شيء في صوته، ثقة وهدوء، وكأنه يعرف كل شيء منذ البداية:

-لم أكن أعرف الدافع وراء الجريمة، لكن هناك شيء واحد كان واضحًا... الضحية لم يبدِ أي مقاومة في البداية، مما يعني أنه لم يشك في القاتل للحظة. وهذا طبيعي، فالشخص لا يتوقع أن تأتيه الطعنة من أقرب الناس إليه. أما الدليل الحاسم... فقد لاحظتُ أثناء حديثي معها أنها تحاول إخفاء يدها، وكأن بها إصابة تحاول إخفاءها.

عند هذه اللحظة، سقطت كلوفر على ركبتيها، واهتزَّت أنفاسها بعنف، وكأن الأرض نفسها قد انشقت تحتها. كانت دموعها تسيل بصمت، وكأنها تدرك أن لا مفر من الحقيقة الآن. ظهرت على وجهها ملامح الألم والندم، وكأنها تحاول التشبث ببقايا كبريائها. نطقت بصوت مرتجف، محطمة حاجز الإنكار:

-كان يخونني... كنت أعلم بذلك، لكنه كان ينكر دون أن يطرف له جفن.

الكلمات كانت تخرج بصعوبة، وكأنها تجرح فمها وهي تقولها. ابتلعت ريقها بصعوبة، تحاول كبح الغصة التي تمزق حلقها. واصلت بصوت متهدج، وكأنها تحاول استيعاب ما فعلته:

-قبل أيام، أخبرني أنه مشغول بسبب ضغط العمل، فقررت أن أفاجئه. حضرت له طعامًا وذهبت إلى مقر عمله، لكنني اكتشفت أنه في إجازة.

شهقت بصمت، وكأنها تعيد استرجاع المشهد الذي غير حياتها للأبد. كانت عيناها تنظران إلى مكان بعيد، كما لو أنها ترى تلك اللحظة مرة أخرى.

تابعت بصوت يختلط بالغضب والحزن:

-ذهبتُ إلى منزله، وهناك وجدته مع امرأة أخرى. لم يحاول حتى تبرير فعلته، بل وقف أمامي وهو يرتدي قميصه وكأن الأمر لا يعنيه! لم تكن هذه المرة الأولى التي يخونني فيها، لكن هذه المرة... لم أستطع تحمل الأمر أكثر.

أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول إطفاء اللهيب الذي يحرق داخلها. ثم أكملت بصوت مختنق، وكأنها تخاطب نفسها أكثر من الآخرين:

-لم أفكر كثيرًا. اتصلت به لاحقًا وطلبت مقابلته... لم أكن أخطط لقتله، أردت فقط مواجهته. لكن عندما جلست بجانبه في السيارة، شممت رائحة عطرها عليه. عندها، فقدت السيطرة على نفسي... لم أتمالك غضبي، فخنقته.

صوتها ارتفع قليلًا، وكأنها تحاول تبرير فعلتها لنفسها. ثم أخذت تضحك بطريقة هستيرية، وكأنها لم تعد تميز بين الألم والجنون. كانت ضحكتها مليئة بالمرارة، وكأنها تدرك مدى سخافة ما فعلته:

-لم يكن يكفي خيط واحد من الصنارة... واصلت حتى تأكدتُ أنه لن يخونني مجددًا. ثم شغّلت المحرك، وجعلت الأمر يبدو كحادث، وقفزتُ من السيارة. إن لم يكن لي... فلن يكون لأحد غيري!

تدخلت كلوي، وهي تضم يديها بحزن وندم:

-كيف... كيف تفعلين ذلك؟

رفعت كلوفر رأسها نحوها بغضب، والشرر يلمع في عينيها، قائلة بصوتٍ يمزجه العُنف:

-لا يحق لكم معاتبتي! بل من كان عليها العتاب هي أنا... كيف... كيف تخفون عني حقيقة خيانته؟ ألأنكم أصدقاءه منذ زمن؟

أنهت حديثها ببكاء مرير، بينما أحاط الصمت بكل من كلوي والرجل صاحب الرداء الرياضي، وجعلهما يشعران بالندم والحزن.

نعم، كانا يعرفان حقيقة خيانته وقذارته، لكنهما لم يخبراها بشيء، ولم ينصحا الضحية بالتوقف.

كلوي لم تكن تريد الخوض في المشاكل، أما كرلس، فكان شخصًا جبانًا لا يعير لهذه الأمور اهتمامًا، ولا يرى داعيًا للتدخل بحجة: ”لا شأن لي بالأمور الشخصية“

ساد الصمت للحظات، وكأن الهواء قد تجمد حول الجميع. كان هناك شيء في الأجواء، ثقل لا يمكن تجاهله. عندها، أشار المفتش إلى رجال الشرطة ليأخذوها. وبينما كانوا يقتادونها، كانت ملامحها مزيجًا غريبًا من الراحة والانكسار. كانت عيناها تنظران إلى الأرض، وكأنها تدرك أن لا عودة الآن.

أما فادي، فقد نظر إليها قبل أن تمر بجانبه، وقال بنبرة هادئة ولكن حازمة، وكأنه يخاطب ليس فقط كلوفر، بل أيضًا نفسه:

-كانت حياتكِ تسير بلا فقر، بلا مرض، وبلا معاناة. كان بإمكانكِ ببساطة أن تتركيه وتبدأي من جديد، بدلًا من أن تربطي مصيركِ به للأبد بهذه الجريمة. كان لديكِ خيار آخر للانتقام، وهو أن تعيشي حياتكِ بسعادة بعيدًا عنه، لكنكِ اخترتِ الطريق الذي سيدمركِ. الآن أخبريني... هل كان يستحق ذلك؟

أدركت كلوفر حينها أنها لن تستطيع تغيير الماضي، وأنها ستواجه عواقب أفعالها. لم يكن أمامها الآن سوى الاعتراف بجريمتها... وتحمل العقوبة التي تستحقها.

أُغلقت القضية بنجاح، ولكن رغم ذلك، وقف فادي يشاهد المشهد بحزن، وكأن عبئًا ثقيلًا قد أُزيح عن كاهله.

بعد لحظات من انتهاء هذه المأساة، التفت إليه ليو باستغراب، متسائلًا عن كيفية اكتشافه للجريمة. نظر إليه بإعجاب قبل أن يسأله بنبرة منبهرة:

-مذهل! متى أدركتَ أن الأمر جريمة قتل؟

ابتسم فادي بتواضع، ووضع يده خلف رأسه، محاولًا ترتيب أفكاره، ثم حكّ شعره برفق أثناء إجابته:

-بصراحة، الأمر لم يكن واضحًا منذ البداية. كنت أشك فقط، ولم أكن واثقًا تمامًا حتى بدأت الأدلة تتراكم.

رفع ليو حاجبيه بفضول، وسأل مستفسرًا:

-كيف بدأت الشكوك لديك؟

أشار فادي إلى مكان الجثة، وكأنها لا تزال أمامهم، وقال:

-عندما فحصتُ الجثة أول مرة، لاحظتُ شيئًا غريبًا. الضحية كان في وضع غير طبيعي داخل السيارة. رأسه كان مائلًا بطريقة غير منطقية، وكأنه تعرض لقوة خارجية. ثم رأيت آثارًا خفيفة على رقبته، لكنها لم تكن واضحة بما يكفي لأجزم أنها نتيجة اختناق.

توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:

-لكن ما أثار شكوكي حقًا هو أن يديه كانت تحملان آثار مقاومة. هناك جروح صغيرة على أطراف أصابعه اليسرى، وكأنه كان يحاول الإمساك بشيء ما أو التخلص منه. هذا يعني أنه كان هناك صراع، وليس مجرد حادث عشوائي.

نظر ليو إليه بذهول، وقال:

-لكن كيف عرفتَ أنها جريمة قتل وليس مجرد حادث؟ ربما كان هناك سقوط أو شيء مشابه؟

أومأ فادي برأسه، وكأنه كان يتوقع هذا السؤال، ثم أجاب:

-هذا ما فكرت فيه أيضًا في البداية. لكن عندما فحصتُ السيارة، لاحظتُ شيئًا مهمًا. المقعد الأمامي كان مائلًا إلى الخلف بشكل غير طبيعي، وكأن شخصًا آخر كان يجلس هناك. وهذا يشير إلى أن الضحية لم يكن وحده في السيارة وقت الحادث.

توقف لحظة ليأخذ نفسًا عميقًا، ثم واصل:

-ثم جاءتني معلومة مهمة من ورد... أخبرتني بأن الضحية أعسر. هذا يعني أن يده اليسرى كانت تستخدم غالبًا في الأعمال اليومية، وبالتالي، فإن أي جروح على هذه اليد تعني مقاومة قوية. وبالنظر إلى طبيعة العلامات، أصبح من الواضح أن الضحية كان يحاول التخلص من شيء ملفوف حول رقبته، وكان هذا الشيء قويًا جدًا.

رفع ليو حاجبيه بدهشة، وسأل مستنكرًا:

-خيط دليل؟!

اقترب قليلًا من فادي، الذي ضحك بخفة قبل أن يجيبه:

-نعم، خيط الصنارة. عندما فحصنا الجثة لاحقًا، وجدنا بقايا دقيقة من خيط الصنارة على عنقه. هذا النوع من الخيوط معروف بقوته الفائقة، وهو يستخدم غالبًا في الصيد. بالنظر إلى العلامات العميقة على رقبته، كان من المستحيل أن تكون هذه الإصابات نتيجة حادث عشوائي. الشخص الذي فعل ذلك كان يعرف ما يفعله.

نظر ليو إليه بذهول، مستوعبًا أن فادي وورد لم يكونا يعبثان أثناء تحقيقهما، بل كان بينهما نوع من الفهم العميق، وكأنهما يتحدثان بلغة خاصة لا يفهمها سواهما. تساءل في داخله عن الروابط التي تجمعهما ليتمكنا من التواصل بهذه الدقة.

لكن في النهاية، لم يستطع سوى أن يبتسم. شعر بالامتنان لأنه وثق بهما، وأحب الطريقة التي حلا بها القضية معًا. لم يكن الأمر مجرد حظ، بل كان عملًا دقيقًا يستحق التقدير.

رغم أنه كان يدرك منذ البداية أن القضية جريمة قتل، إلا أنه لم يرغب في التدخل مباشرة. فضّل أن يراقب من بعيد، مُعدًّا نفسه للتدخل فقط إذا سارت الأمور في اتجاه خاطئ أو ظهرت عقبة لم يتمكنا من تجاوزها.

أخيرًا، ضرب ليو كتف فادي بخفة، وابتسم قائلًا:

-لقد قمتَ بعمل رائع، أيها المحقق.

أنهى حديثه بمزاح مما جعل فادي يضحك قليلًا، ثم اتجها معًا نحو السيارة، وركباها، تاركين خلفهما مسرح الجريمة، حيث انتهت القضية، لكن آثارها ستظل محفورة في أذهانهم.

عندما سمعت ورد بوجودهما، أزاحت الغطاء عن عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من حلم عميق. كانت عيناها تلمعان بلمعان خفيف، لكنه لم يكن نابعًا من النعاس، بل من شعور داخلي بالفضول الممزوج بالانزعاج. نظرت نحو الكرسي الأمامي حيث يجلس فادي، الذي كان يبدو وكأنه يعيش في عالمه الخاص، مرتاحًا وغير مكترث. ثم، وبحركة مفاجئة، ركلت بقدمها الكرسي الأمامي بقوة، معبرة عن انزعاجها، وقالت بلهجة ساخطة، لكنها تحمل في ثناياها لمسة من المرح الخفي:

-أكان عليك المماطلة؟ لماذا لم تنهِ الأمر بسرعة؟

كلماتها كانت مثل ريح باردة تخترق صمت السيارة، لكنها لم تكن مليئة بالغضب الحقيقي. كان هناك شيء في صوتها، نبرة مزيج من الاستياء واللعب، وكأنها تعرف تمامًا أن فادي يستمتع بالموقف.

ابتسم فادي بسعادة واضحة، وكأنه يتوقع هذا الرد منها. كانت ابتسامته لا تشبه الابتسامات العادية؛ كانت تحمل شرارة من السخرية الذكية، وكأنه يقول: ”أتعلم كم أنا ذكي؟“. رد بمرح، بصوت هادئ ولكنه مليء بالإيقاع:

-اعذريني، كنتُ أستمتع برؤية المجرم متوترًا.

كان هناك شيء في طريقته في الكلام، كأنه يروي قصة وليس مجرد إجابة. نظرت إليه ورد، وابتسمت ابتسامة خبيثة، وكأنها تقول: ”أفهم تمامًا ما كنت تفعله“. ثم قالت، بصوت يحمل نبرة خفيفة من التعجب:

-أجل، ألم أخبرك من قبل أن شعور المحقق في مسرح الجريمة لا يُضاهى؟

كلماتها كانت كالشرارة التي أشعلت الضحك بينهما. انفجرا ضاحكين، وكأنهما يتشاركان سرًا خاصًا لا يستطيع أحد غيرهما فهمه. كان ضحكهما ليس مجرد ضحك عادي، بل كان مليئًا بالتفاهم العميق، وكأنهما يعيدان استرجاع لحظات سابقة من حياتهما المهنية، لحظات كانت مليئة بالتحديات والمواقف التي لا تُنسى. كان هناك شيء في عيونهما، شرارة صغيرة تلمع، وكأنهما يعرفان أن العالم الخارجي لا يستطيع فهم العلاقة الخاصة التي تجمعهما.

شعر ليو ببعض التوتر وهو يراقبهما. كان يدرك تمامًا أن هناك شيئًا خاصًا بينهما، شيء يتجاوز مجرد العمل معًا. كان يحاول أن يبقى هادئًا، لكنه لم يستطع إخفاء شعوره الداخلي بأنهما يعيشان في عالم آخر، عالم لا يستطيع هو الوصول إليه. تحدث بارتباك ظاهري، رغم أنه في داخله كان فخورًا بهما، وقال بصوت يحمل نبرة خفيفة من الغيرة:

-مخيفان! من الجيد أنكِ لستِ مثلهما.

كلماته كانت تحمل سخرية خفيفة، لكنها أيضًا كانت تعكس شعورًا داخليًا عميقًا. كان يعلم أن فادي وورد يمتلكان قدرة خاصة على فك الألغاز، لكنه أيضًا كان يشعر بأنه بعيد عن هذه العلاقة الخاصة التي تربطهما.

انتبهت رغد إلى كلماته، فحدقت بصديقتها وابتسمت بخفة، وكأنها تقول: ”نعم، إنهم حقًا مخيفان“. ثم عادت بوجهها نحو الطريق، متجاهلة بقية الحديث، وكأنها تفضل الانسحاب من هذا الحوار المليء بالمشاعر المختلطة.

بعد لحظات من الصمت، قرر فادي قطعه، فسأل بينما يقود السيارة هذه المرة، بصوت هادئ ولكنه مليء بالاهتمام:

-بالمناسبة، هل بدّلتما مكانكما؟

أجابته ورد بهدوء، وكأنها تستعيد قوتها بعد الضحك. كانت كلماتها قصيرة ولكنها تحمل معنى عميق:

-أجل.

ثم أسندت رأسها وأعادت الغطاء على وجهها، مستعدة لأخذ قسط من الراحة حتى يصلوا إلى وجهتهم. كانت حركاتها بطيئة ومليئة بالاستسلام، وكأنها تقول: الآن، يمكنني أخيرًا الاسترخاء.

في زاوية هادئة من ضاحية صغيرة، كان المنزل يقف بصمت بين بيوت متواضعة، كأنه لم يُبنِ فقط من الطوب والجص، بل من الأحلام غير المكتملة. بناء صغير من طابق واحد، بأبواب خشبية باهتة ونوافذها الزجاجية تحمل بصمات الأمطار الماضية. حديقة خلفية ضيقة تخبئ بين زواياها نباتاتٍ مقاومة للنسيان، ومقعدٌ حديدي قديم لا يزال ينتظر أحدًا ليجلس عليه.

لكن ما يميز هذا المنزل عن غيره ليس شكله الخارجي، بل ما يختبئ داخله.

بينما دخلت العجلات الشارع، ووقفت السيارة أمام الباب، كان المنزل يتنفس بهدوء، كأنه يعلم أن شيئًا قد تغيّر خارجه.

داخله، كانت الجدران لا تحمل فقط طلاءً أبيض أو ألوانًا فاتحة...

بل كانت تنبض بإحساس لا يوصف.

كل جدار كان لوحة، وكل لوحة كانت قصة، وكل قصة كانت نافذة إلى عالم آخر.

بعض الرسومات تُظهر ظل لامرأة تنظر إلى القمر، وخلفها ظلال تمتد بلا نهاية.

أخرى تُظهر بابًا أحمر اللون يفتح على سماء زرقاء مقلوبة.

وهناك تلك التي ترسم فيها الألوان شخصيات تهرب من الواقع، وتنتقل بين العوالم عبر خطوط ملتوية.

كان المنزل صامتًا، لكن جدرانه كانت تصرخ بالخيال.

فور وصولهم إلى المنزل، خرجت ساكورا من الباب الأمامي، وقد سمعت صوت السيارة قبل أن تستقر تمامًا على الأرضية الأسفلتية. كانت تقف هناك، تحت ظل المصباح المعلق، وجهها مشدود بعلامات التذمر، فسألت بحدة:

-أين كنتم كل هذا الوقت؟

ردت ورد بسخرية، وهي تسير نحوها دون أن تغيّر خطوتها:

-كنا نصطاد المجرمين بصنارتنا ونرميهم في السجن.

ثم دخلت المنزل متجاهلة رد فعل ساكورا، بينما استدارت الأخرى نحو فتاة كانت جالسة على الأريكة، تتفحص عدستي كاميراتها بهدوء.

في هذه الأثناء، رمقت ساكورا ورد بنظرات حادة، كأن كل حركة لها كانت إهانة غير مقصودة. شعرت رغد بالتوتر الذي بدأ يتصاعد بينهما، فهرولت نحوها محاولة تبريد الأجواء التي بدأت تتشرب من الغضب، ورفعت كيسًا من الطعام بين يديها. كانت قد اشترته أثناء توقفهم في الطريق:

-انظري، اشتريتُ لكِ همبرجر، لكنه بارد قليلًا... أحتاج إلى تسخينه.

عبرت رغد عتبة الباب بخطوات خفيفة، ثم توقفت لبرهة وهي تنظر حولها. كأنها دخلت إلى معرض فني صغير، لكنه لم يكن مُعدًا للمشاهدين، بل كان مكانًا للعيش داخل الحلم. الجدران لم تكن مجرد حوائط، بل كانت حيّة.

كل رسمة تحمل نفسًا، وكل لون يحمل همسة من زمن لم يُكتب بعد.

من يراها يشعر بأنه يمشي بين قصص غير مكتملة، وحكايات لم تُحكى سوى لأصحاب القلوب المرهفة.

بينما كانت رغد تتأمل هذا الجمال بهدوء، حاولت ساكورا استفزاز ورد، فانفجرت بكلماتها كأنها شرارة جديدة لنار لم تخمد.

انقطعت لحظة التأمل، وانهالت عليها المناوشات الكلامية كقطرات مطر غير مرغوب فيها.

تنفست رغد بصمت يائس، ثم علقت بإعجاب واضح، محاولة توجيه الحديث بعيدًا عن الخلاف:

-يبدو كأنه متحف... ما كل هذه الرسومات؟ هل أنتِ من رسمتها؟

استدارت نحو ساكورا بانتظار إجابة، فابتسمت الأخيرة بغرور مصطنع، وأجابت بفخر، دون أن تلتفت إلى ورد:

-بالطبع. لقد كنتُ رسامة منذ صغري.

لكن ورد لم تترك الفرصة تمرّ دون رد. قاطعتها بسخرية هادئة، بينما مدّت يدها نحو أكينا بمنشفة ورقية لتمسح عدسة الكاميرا، ودعمت رأسها على يدها الأخرى، متعمدة إثارة غضب ساكورا:

-إذًا، لماذا لم تصبحي فنانة... أيتها المحامية؟

فور أن استوعبت ساكورا نبرة السخرية في كلامها، التفتت نحوها بحدّة، وقرضت أسنانها قبل أن ترد بلهجة حادة، مُصرّفة على آخر حرف من كل كلمة:

-لأنني أصبحتُ محامية... من أجل والدي.

جلست رغد على إحدى الأرائك الخشبية، بينما نهضت ورد من مكانها واقتربت منهما، ثم جلست بجوار صديقتها، متحدثة بنبرة فضولية:

-إذا كان هذا هو السبب، فأريدكِ أن تخبرينا قصتكِ.

ثم أكملت بخجل، وهي تنظر إلى الجهة المعاكسة، كأنها تخشى سماع الجواب:

-بالطبع... إن كنتِ ترغبين في ذلك.

فتحت ساكورا فمها بدهشة، كأن الكلمات التي خرجت من ورد كانت أول مرة تسمعها من شخص لا يخشى مواجهتها. لم يكن في نبرتها غلظة، لكن لهجتها الجارحة كانت أشبه بانعكاسات وجهها حادة ومباشرة. شعرت لحظتها وكأنها أمام شقيقتها الصغرى، التي لا تتردد في مواجهتها بكل صراحة.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، نصفها استسلام، ونصفها الآخر تحدي، ثم جلست ببطء أمامهما، وبدأت بصوت هادئ:

-في قديم الزمان، في أحد النزل المتواضعة...

لكنها لم تكمل حتى قاطعتها ورد بنبرة ساخرة، مستشهدة بكلمة ”متواضع“ كأنها خطأ إملائي فادح:

-أأنتِ جادة بقولك متواضع؟ أم أن هذا مجرد خطأ؟ ربما كنتِ تقصدين أحد النزل التي لا تعرف معنى التواضع؟ آه، بالمناسبة... لماذا تتحدثين وكأنكِ امرأة عجوز وتقولين: في قديم الزمان؟

رفعت رغد يدها على جبهتها بخفة، نادمة على بدء هذا الحوار الذي أوصلهم إلى هذه الدائرة المفرغة. كانت تعرف أن ورد لن تترك الفرصة تمرّ دون تعليق.

أما ساكورا، فاستدارت نحوها بوجهٍ مشدود، بينما نظرت ورد إليها ببراءة مدعاة، كأنها تستمتع بردود فعلها.

رفعت أكينا يدها فجأة، تاركة ما كانت تفعله، ودخلت على الخط، وكأنها تؤيد ورد عن سابق إصرار:

-أنا مع ورد تمامًا. غيري القصة وابدئي من جديد: في هذا الزمن، في أحد النزل التي لا تعرف معنى التواضع.

وفي تلك اللحظة، أدركت ساكورا أنها ارتكبت خطأ جسيمًا عندما شبّهت ورد بشقيقتها الصغرى. على الفور، تراجعت عن هذه الفكرة داخليًا، لم تكن ورد مجرد فتاة مستفزَّة، بل كانت طبيعة لديها موهبة خاصة في جعل الآخرين يفقدون توازنهم.

تنفست بعمق، ثم تجاوزت التعليقات بثبات، وتابعت قصتها بصوت أكثر جدية:

-كان هناك أب يعمل مثل كل الآباء من أجل عائلته. كان صاحب مطعم صغير افتتحه بعد زواجه. ومع مرور الوقت، أصبح المطعم يستقطب الكثير من الناس من مختلف أنحاء البلاد. رغم تواضعه وصغر حجمه، إلا أنه كان يتميز بأطعمته اللذيذة.

توقفت قليلًا، ثم تابعت بصوت يحمل بين طياته حزنًا دفينًا:

-لكن ذات يوم، وقعَت جريمة قتل، ولم يتمكن المدعي العام من العثور على المجرم الحقيقي. فكان أسهل الحلول لديه هو إلصاق التهمة برجل ضعيف، لا يملك من الأمر شيئًا، ولا داعمًا يقف إلى جانبه لإثبات براءته. وهكذا، اُتهم والدي ظلمًا، وقضى عمره في السجن حتى مات داخله.

حدّقت في وجهيهما بعينين تملؤهما العزيمة، قبل أن تضيف بحزم، وكأنها تعيد التأكيد على قرارها الذي اتخذته منذ سنوات:

-لهذا السبب قررت أن أصبح محامية، لأدافع عن أمثال والدي. وانتهت قصتي.

ساد الصمت للحظات. لم تكن كلماتها مجرد قصة، بل كانت انعكاسًا لحياة تشكلت على أثر ألم حقيقي. حتى ورد، التي اعتادت الرد السريع، تجمدت كلماتها. سحبت بسرعة منديلًا وراحت تمسح زاوية عينيها، قبل أن يلاحظها أحد.

لكنها لم تدع الأمور تطول، فاستعادت لهجتها المعروفة، محاولة تخفيف الجو بطريقة وردية:

-لن أصبح لطيفة معكِ لمجرد سماع قصة كهذه. فلندع الماضي يمضي، نحن الآن في الحاضر، لذلك لن أغير تعاملي معكِ.

من بعيد، نظر إليها فادي بخيبة أمل، وهمس لنفسه بصوت خافت:

-ليتكِ لم تحاولي مواساة أحد يا ورد!

أما ساكورا، فقد ابتسمت باستفزاز واضح، وقررت أن ترد لها الصاع فقالت بلهجة مستمتعة:

-أوه، حقًا؟ ألم تبكي مثل قطة صغيرة قبل قليل؟

توتر وجه ورد فور سماعها ذلك، وأجابت بعصبية محاولةً نفي الأمر:

-لا، لم أذرف حتى دمعة واحدة!

لكن ساكورا لم تترك لها فرصة، وكررت بنفس النبرة الممتعضة:

-لا أظن ذلك... يبدو أنكِ ذرفتِ دمعة، مثل الهرة الصغيرة.

عندها، اقتربت أكينا بحماس بعد أن سمعت النقاش، وسألت بدهشة مصطنعة:

-حقًا يا ورد؟ لم أعتقد أن لديكِ إحساسًا!

قبل أن تزداد الأمور سوءًا، تدخلت رغد ببرود ظاهري، محاولةً إخراج ورد من هذا الموقف، وهي تضع إحدى الرسومات على الطاولة، قالت بهدوء محسوب:

-إذا سمحتم، لا تُقحموا الهرة في شجاركم.

نظرت ورد إليها بصدمة، ثم هتفت باستنكار:

-ماذا؟! بجدية؟ أهذا ما يهمك يا رغد؟!

لم يكن هذا ما توقعته على الإطلاق، فقد شعرت كأنها الشخص الأقل أهمية في الموقف. كيف تدافع رغد عن الهرة أكثر مما تدافع عنها؟!

انفجر مايكل ضاحكًا، وهو يراقب المشهد كاملاً، كأنه يشاهد فيلمًا كوميديًا مباشرًا.

ثم انتقل نحو الأريكة بجوار ساكورا بطريقة عشوائية، ممدّدًا ذراعه خلفها كأنه ملك المكان، ثم نظر إلى ورد بنظرة خبث مختبئة خلف ابتسامة عريضة، وقال بصوته المعهود ذلك الذي يحمل دائمًا طابع السخرية والتحدي:

-حتى صديقتكِ... خذلتك.

تجمدت الكلمة داخل صدر ورد كقطرة سمّ تنساب بهدوء. لم تكن سوى جملة واحدة، لكنها أثارت في روحها عواصف من الشكوك والأسئلة المجهضة. ماذا لو كان على حق؟

عبست للحظة، شعرت وكأن الأرض تميل تحت قدميها، لكنها سرعان ما استعادت تنفسها، وأجبرت نفسها على الهدوء، فردت عليه بنبرة هادئة، مدركة أنه لا يقصد الإساءة رغم تمزق المشاعر داخليًا:

-لا، لم تفعل.

نهضت فجأة، كأن الجلوس في مكان واحد قد أصبح أمرًا مستحيلًا. كانت تحتاج إلى الحركة، إلى الهروب من تلك الأفكار التي بدأت تتسلل إليها. حاولت تغيير الأجواء بكلمات مرحة، وإن كانت مصطنعة بعض الشيء:

-واااه، جعتُ بشدة! أيتها البخيلة، هل لديكِ شيئًا لأتناوله؟

ساكورا لم ترفع نظرها عن مايكل بعبوس، وردت ببرود لا يخلو من طابع ساخر:

-تناولي التراب.

ورد تطلَّعت إليها بعينين منزعجة، فتنفَّست ساكورا بثقل، ثم أشارت بكسل نحو المطبخ:

-لقد طبختُ سلطة أوليفييه مع شوربة الشمندر، ولديكِ أيضًا خبز فرنسي، اذهبي وتناولي منهم.

كانت ورد على وشك التوجه للمطبخ بخطوات بطيئة، غير مستعجلة، كما لو أن الطعام سيظل هناك إلى الأبد. لكن فجأة، انتبهت إلى أكينا التي تقف من مكانها وتندفع نحو المطبخ بسرعة، فهتفت ورد:

-هيه! أنتِ، لا تلتهمي كل شيء!

ركضت وراءها وهي تضحك لنفسها، بينما كان المطبخ يحمل في صمته وعدًا بالدفء.

وفي تلك الأثناء، نهض ليو بهدوء، وهو ينظر إلى الساعة، قال:

-طابت مساءكم... حان وقت النوم.

سمعت ساكورا كلماته، فالتفتت نحو رغد وهي تستعد للذهاب نحو المطبخ، قالت بابتسامة صغيرة:

-تعالي يا رغد، دعينا نجر هاتين المجنونتين.

ذهبت رغد خلفها، وفي قلبها دفء من الضحك المكتوم. عندما وصلتا إلى المطبخ، وجدتا ورد تجلس على الطاولة، تأكل بهدوء في طبق صغير، بينما كانت أكينا تلتهم الطعام بشراهة في طبق كبير، غير آبهة بما حولها.

رغد كتمت ضحكتها، أما ساكورا فاستندت إلى الجدار أمام ورد، نظرت إلى أكينا بنظرة ساخرة، وقالت:

-من يراكِ يظنّ أنك لم تأكلي منذ قرن!

كانت كلماتها موجَّهة إلى أكينا، لكن الأخيرة تجاهلتها تمامًا، فتنهدت ساكورا، ثم اعتدلت في وقفتها، وأضافت بهدوء قبل أن تنقلب على عقبها وتذهب:

-عندما تنتهيا من هذه المهزلة... نظفا خلفكما، ثم اذهبا إلى النوم.

وبعد ذهابها، جلست رغد أمام ورد التي أحضرت ملعقة أخرى، ورفعت زاوية شفتيها في ابتسامة جميلة:

-شاركيني.

ابتسمت رغد بلطف، ثم أمسكت الملعقة وبدأت تتناول معها، بينما كانت أكينا لا تزال غارقة في طبقها الكبير.

بعد أن أنهت ورد ورغد الطعام ونظَّفتا المطبخ __ وبطبيعة الحال، تركت أكينا ذلك لهما بعد أن انتهت من تناولها __ اتجهت ورد إلى الحمام لتغسل يديها وأسنانها، ثم توجهت نحو الغرفة التي اختارتها ساكورا ورتبتها مسبقًا قبل وصول الجميع.

فور دخولها، التفتت نحو رغد، التي كانت لا تزال ترتب الملابس داخل الخزانة، وابتسمت لها قائلة:

-هيا يا رغد، حان وقت غسل الأسنان... لا تؤخريه، أليس هذا ما تقولينه لي دائمًا؟

ثم جلست على حافة السرير، وكأنها تبدأ بالاستسلام للهدوء تدريجيًّا، لكن ليس بشكل كامل، وتتأمل الغرفة ببطء، بينما تسحب الغطاء السميك فوق الفراش، وتهمس بإعجاب:

-بالمناسبة... اختيارك للغرفة كان رائعًا.

ابتسمت رغد وهي تمسك بالباب، ثم ردت بلطف:

-ليس اختياري.

وغادرت الغرفة، تاركة ورد تحدّق خلفها بحيرة، لكنها سرعان ما تجاوزت الأمر، وقفزت على الفراش بحماس طفلة صغيرة، ثم همست لنفسها وهي تغرق في الدفء المريح:

-مرحى! أتمنى أن يمر اليوم بأمان.

بدأت أشعة الشمس في الدخول من النافذة بهدوء، كأنها لا تريد إزعاج أحد. كانت الخيوط الذهبية رفيعة، تنكسر على الزجاج وتنتشر في الغرفة ببطء، تلامس الزوايا المظلمة كأنها تحاول إنقاذها من الظلام.

الهواء كان باردًا، لكن ليس ذلك النوع من البرودة التي توقظك أو تشعرك بالحيوية. كان نوعًا آخر، بارود ثقيل يلتصق بالجلد، ثم يتسرب إلى العظام ببطء، كما لو أنه يعرف أنك منهار من الداخل.

في إحدى الغرف، كانت ورد لا تزال تكافح للخروج من تحت الغطاء. وجهها شاحب قليلًا، وعيناها متعبتين، لكنها لم تكن عيناها فقط، كل شيء فيها بدت أنه منهار بصمت.

كانت الكوابيس لا تتركها أبدًا. مرةً أخرى، استيقظت مقطوعة النفس، بين يديها صورة مشوَّهة من حلم دموي، مليء بالدمار والوجوه المجهولة التي تناديها باسمها.

استنشقت ورد هواء الصباح، فشعرت به يشق طريقه إلى صدرها كشفرة رقيقة، باردة وساكنة. لم تتحرك فور استيقاظها، ظلت تحت الغطاء، تنظر إلى السقف وكأن الجواب على كل شيء قد يكون هناك، مختبئًا بين تشققات الطلاء.

نهضت ببطء، ثم بصقت على جانبها الأسر تستعذ بالله وكأنها تحاول طرد أثره منها، قبل أن تغطي وجهها بكفيها وتهمس:

-كفى... لقد تعبت.

سمعت ضوضاء خافت من خارج الغرفة. ربما كان ذلك ضحكًا؟ كيف يستطيع أحد الضحك في صباح مثل هذا؟ صباحٌ يشبه قلبها: هادئ من الخارج، مدمر من الداخل.

نهضت من فراشها بصعوبة، ولفَّت نفسها بقطعة قماش سميكة، لكن الدفء الحقيقي لم يكن في الملابس... لم يكن موجودًا أصلًا.

خرجت إلى الصالة، حيث استقبلتها وسادة ضربتها على وجهها فجأة. نزعتها بانفعال، فوجدت أكينا تبتسم باستفزاز وهي تجلس أمام رغد، تلعب الشطرنج بهدوء.

شعرت ورد بالإزعاج، لكنها لم تقل شيئًا. ألقت الوسادة جانبًا، ثم جلست بجوار رغد تراقب لعبتهما، قائلة بنبرة مائلة إلى التلميح:

-اذهبي... ألعبي مع الحيوانات.

ثم حوّلت بصرها نحو الفتاة التي أمامها، وصوتها ارتفع قليلًا، جادًّا لكن دون عدوانية:

-لن نطيل في اللعب.

توقفت للحظة، وكأن الكلمات تحتاج إلى وزنٍ أكبر.

نظرت حولها، إلى الزاوية التي كانت فيها مكتبة كبيرة بداخلها كتب كثيرة، إلى الوقت الذي يمر بلا فائدة.

ثم أضافت، بصوت هادئ لكنه حازم:

-لدينا شيء أهم من هذا. لن نضيع وقتنا فيما لا ينفع.

كانت كلماتها بسيطة، لكنها سقطت في القلب كالحجر في الماء.

ليست مجرد دعوة للرحيل… بل إعلان عن بداية جديدة.

بداية لا مكان فيها للتباطؤ… ولا للهروب.

بينما ذلك، كان ليو يجلس في زاوية منعزلة، ينظر إلى الجميع بعينٍ هادئة، كما لو كان يشاهد مجموعة من الأطفال الذين لا يعرفون ماذا يريدون. بجانبه، كان فادي منكبًّا على شاشة الحاسوب، يحاول الاطلاع على آخر الأخبار باحثًا عن عمل آخر له، بينما كان الهواء يحمل رائحة من السكون الذي لا يدوم.

لكن هذا السكون لم يدم طويلًا بالفعل.

فجأة، انقطع بهدوء المشهد صوت مايكل المرتفع، وهو يقول بحماسة:

-ما رأيكما أن نتسابق؟

لكن ليو لم يرفع نظره حتى، واكتفى باستمراره في القراءة. أما فادي، فكان لا يزال غارقًا في البحث، ولم ينتبه إلى الحديث من الأساس.

عبس مايكل لثوانٍ، لكن تلك العبوسة لم تدم. سرعان ما ابتسم ابتسامة مُركبة، علامة على بدء خطته، ثم مد يده فجأة، انتزع الحاسوب من بين أيدي فادي، وهرب به نحو الخارج كظلٍّ خفيف.

ارتفع حاجب ليو في صدمة لثانية واحدة، قبل أن يقفز من مكانه ويركض خلفه، هاتفًا بغضب:

-أيها الخائن! أعطني ذلك الحاسوب، كفاك عبثًا!

أما فادي، فقد بقي في مكانه، يرمش في ذهول، كأن عقله لم يستوعب بعد ما حدث. بحث بنظره عن ورد، لكنه لم يجد لها أثرًا.

فوقع بصره على رغد، التي كانت لا تزال جالسةً بجانب أكينا، تعبث بقطع الشطرنج بشيء من الملل.

لكنها، فور أن سمعت صوته، تركَتْ القطع جانبًا، ورفعتْ نظرها إليه.

قال بصوت هادئ:

-المعذرة، رغد، سأغادر إلى مكانٍ ما، لكنني سأعود لاحقًا.

أومأت رغد برأسها ببطء، فابتسم فادي قبل أن يلتفت إلى أكينا التي كانت منهمكة في تناول الطعام بشراهة، وقال بطلب:

-من فضلكِ، آنسة أكينا، اعتني بهما.

توقفت أكينا عن الأكل للحظة، وحدقت به بصمت، قبل أن تقول بنبرة هادئة، غير مألوفة منها:

-لا تقلق، فهما في أمان معي.

حدقت رغد بها باندهاش، فلاحظت أكينا النظرات، فسألتها بفضول:

-ماذا؟ لماذا تحدقين بي وكأنني ارتكبت جريمة بحقك؟

أمالت رغد رأسها قليلًا، ثم أجابت ببطء، وكأنها تحاول فهم الأمر بنفسها:

-فقط... الأمر غريب عندما تتحدثين بجدية!

ثم حمحمت قبل أن تضيف، وكأنها تحاول إقناع نفسها أكثر مما تحاول إقناع أكينا:

-انسي ما قلته... ربما سأعتاد على ذلك لاحقًا.

حدّقت أكينا برغد لثوانٍ قليلة، نظراتها مشبَّعة بالغضب، ظنًّا منها أن تعليقها كان ساخرًا. لكن سرعان ما أدارت وجهها بعناد، وقالت بنبرة باردة:

-دعك من حديثها... رافقتكم السلامة.

ابتسم فادي، ثم استأذن بهدوء، وانطلق نحو وجهته. تبعه ليو، الذي كان لا يزال يتنفس بثقل بعد أن أنهكه الركض خلف مايكل، ليذهب الاثنان معًا خلفه.

بعد مرور يومٍ كامل، جلست ورد إلى جانب أكينا التي كانت قد استندت بجسدها عليها دون اعتبار لانزعاجها.

تنهدت ورد بصمت مُملوك، ألقت الكتاب جانبًا، ثم التفتت إلى أكينا بوجه متضايق، وقالت بنبرة تحمل طابع الشكوى:

-هيه، أكينا... ألا يوجد في عقلك فكرة لشيء نفعله؟ نحن نجلس هنا منذ ساعات، دون فعل أي شيء مفيد... أشعر بالملل حتى الموت!

تنهّدت أكينا بصبرٍ مبالغ فيه، ثم أكملت شرب عصيرها باستمتاع، كأنها تستمتع بالوقت لتثير ورد أكثر. لكن فجأة، عندما نهضت ورد بحركة مفاجئة، انسكب العصير من الكوب. صرخت أكينا بانفعال:

-هيه! ألا ترين؟ كاد العصير أن ينسكب عليّ!

ردّت ورد ببرودة غير متوقعة، دون أن تلتفت إليها:

-لم يجبرك أحد على الاستناد إليّ.

ثم قلّبت عينيها بملل، ورفعت بصرها نحو الساعة المعلقة على الجدار. وبعد ثوانٍ من الصمت، التفتت إلى رغد التي كانت تقترب منهما، وفي يدها علبة حلوى معدنية صغيرة.

قالت ورد بهدوء:

-رغد... لقد تأخر، ألم يخبركِ إلى أين ذهب؟

جلست رغد قريبًا منهما، ووضعت علبة الحلوى على الطاولة ببطء، قبل أن تجيب بالنفي:

-لا، لم يخبرني بشيء.

كانت على وشك قول المزيد، لكن دخول كل من ليو وفادي أوقف حديثها فجأة. خلفهما، دخل مايكل وهو يتحدث بثقة زائفة:

-مع الوقت، ستتعلم جيدًا.

نظر فادي إليه بدهشة، غير مصدق لنبرة الغرور التي بدأت تتسلل إلى كلامه، بينما دفعه ليو جانبًا بانفعال، وهو يقول:

-لا تستمع إليه، لا نحتاج إلى مزيد من الحوادث... يكفينا شخص واحد متهور وغير عاقل!

عبس مايكل لثانية، لكن الابتسامة سرعان ما عادت إلى وجهه، هذه المرة مصحوبة بمكر واضح. مد ذراعه حول عنق فادي، وقال بلهجة عبثية:

-دعك منه، واستمع إليّ... فأنا الأفضل!

بمجرد أن سمعت الفتيات أصوات العائدين، انطلقت ورد نحو فادي بخطوات سريعة، ووقفت أمامه وجهًا لوجه، عينها تنم عن توتر داخلي، وسألته بنبرة حادة:

-أين كنت؟

كاد فادي أن يجيب، لكن صوت ضحك مايكل قاطع اللحظة. قال وهو يبتسم بسخرية:

-رائع، أصبح لدينا الآن شخص يراقب تحركاتنا ويستجوبنا!

لم تعرِّج ورد على كلامه، بل تجاهلته تمامًا، واكتفت بإبقاء نظراتها ثابتة على فادي، تنتظر إجابته. تنهَّد الأخير، ثم رد بهدوء ظاهري:

-ورد، ليس الآن، من فضلك.

ثم مشى نحو الغرفة التي يتشاركها مع ليو، تاركًا وراءه هواءً مشدودًا.

تابعته ورد بنظرات متفحصة، قبل أن تعود إلى حيث كانت تجلس، وتجلس بجانب أكينا، ثم تمد يدها لتتناول قطعة من الحلوى التي أعدتها رغد، وتبدأ بأكلها بصمت.

استمر الهواء في الصالة بالهدوء لفترة قصيرة، حتى خرجت ساكورا من غرفتها، وهي تتحدث بصوت جاد:

-لا تسهروا، عليكم الذهاب إلى غرفكم الآن.

ثم أكملت حديثها، ووجهته تحديدًا إلى ورد ورغد، وقد اخترقت نظراتها الأجواء:

-خصوصًا أنتما الاثنتان.

لم تقل ورد شيئًا، فقط نظرت إليها للحظة، ثم أدارت وجهها وواصلت تناول الحلوى بيدها، بينما نهضت رغد بصمت.

ترددت في عقل ورد كلمة واحدة:

[لماذا لا يتركون المرء وشأنه؟]

نهضت أخيرًا، واتجهت نحو غرفة النوم، ولجت للداخل ثم التفتت نحو رغد وقالت بابتسامة خفيفة:

-ما رأيك أن نلعب قليلًا؟

نظرت رغد إليها بنظرة مائلة إلى اليأس، ثم ردت بهدوء:

-حتى وإن تحدثت... لن تستمعي، أليس كذلك؟

كانت مجرد محاولة منها لاختبار الحظ. لكن ورد ابتسمت ببراءة مائلة إلى الخداع، فتنهدت رغد وهي تمر من جانبها:

-كما توقعت... لن تتغيري.

في صباح يوم جديد، حيث ينساب الضوء الذهبي الخافت عبر زجاج النافذة كأنه يعلن عن بداية يوم يحمل معه الكثير.

استيقظت ورد على همسات الرياح الباردة التي تلاعبت بالستائر برفق، كأنها تُرسل أول رسائل اليوم.

شعرت بفراغ داخلي يخبرها بأنها جائعة، فنهضت من سريرها ببطء، كأن الجسد يقاوم العودة إلى الواقع. ارتدت فستانًا بلون البطيخ الناضج، ولَفَّت شالها الكحلي حول كتفيها، محاطة نفسها بدفء يقاوم برودة الصباح. قبل أن تخرج من غرفتها، نظرت إلى المرآة لبرهة، ثم رفعت القلنسوة على رأسها تغطي ما يجب ستره.

بينما كانت تسير في الممر، محاصرة بين اليقظة والحنين إلى الحلم الذي لم ينتهِ تمامًا، وقع نظرها على فادي، الذي كان يجلس بمفرده في ركن هادئ من المنزل، يمسك كتابًا بين يديه كأنه كنز، وتنتقل أصابعه بين صفحاته بانسيابية وهدوء، كأنه يقرأ إيقاع طبيعة داخلية لا يسمعها سوى هو.

ابتسمت ورد بخفة، ثم تقدمت نحوه بهدوء، قائلة بنبرة خفيفة ماكرة:

-دعني أخمّن... كتاب عن إدارة الوقت؟ أو ربما تطوير الذات؟

لم يرفع فادي نظره عن الكتاب، واكتفى بقلب الصفحة التالية بهدوء، وكأنه يرفض أن يقطع تركيزه، قبل أن يجيب بنبرة متوازنة:

-عادةً، عندما يستيقظ المرء، يقول صباح الخير، بدلًا من إرعاب الآخرين من الخلف.

تنهدت ورد بتمثيل مبالغ فيه، ثم جلست على الكرسي المقابل له، متكئة على الطاولة، وهي ترسم ابتسامة جانبية على وجهها:

-إذن، عذرًا يا سيد فادي، على خيبة الأمل تلك، فأنا لا أتبع القواعد المعتادة.

ابتسم فادي بدوره، وأغلق كتابه لحظة واحدة، ثم رفع كوب الشاي الدافئ إلى شفتيه. وبدافع عفوي، مد يده ليضع أمامها شطيرة صغيرة أعدها لنفسه في وقت مبكر:

-لا بأس، لقد اعتدت على ذلك.

رفعت ورد حاجبيها بدهشة وهي تنظر إلى الشطيرة، ثم فتحت فمها لتعترض بكلماتها المعهودة، لكنها لم تكمل، إذ قاطعهما صوت مايكل، الذي ظهر من نهاية الممر، متثائبًا وهو يقول بصوت خافت:

-ما زال الوقت مبكرًا... لمَ استيقظتما بهذه السرعة؟

أجابت ورد بملل، وهي تلوح بيدها بكسل:

-لستُ أنا، إنها عادة أحدهم هنا.

ثم وقفت بهدوء، وأخذت الشطيرة من الطاولة، قبل أن تتابع بنبرة ساخرة:

-على أي حال، سأذهب إلى عالمي الخاص... شكرًا على هذه.

ابتسم فادي ابتسامة بسيطة، مدركًا أنها كانت تشكره بطريقة غير مباشرة، بينما رمقها مايكل بنظرة متعجبة، ثم التفت إلى فادي متسائلًا:

-ماذا تقصد عندما تقول ”عالمها الخاص؟“

رفع فادي كتفيه بلا اكتراث وهو ينهض بدوره، هاتفه يرن في جيبه:

-تقصد أنها ستكمل نومها.

ثم أشار بيده معتذرًا قبل أن يبتعد، تاركًا مايكل يتجه نحو المطبخ بحثًا عن فطوره، بينما اختفت ورد كما لو كانت ظلالًا خفيفة، عائدة إلى عالمها... العالم الذي يفهمها فقط.

في داخل الغرفة، جلست ورد على سريرها تقرأ وردها اليومي المنبعثة من شاشة هاتفها، بينما كانت أشعة الشمس تلامس الأرض بصمت، كأنها تنتظر شيئًا ما.

فجأة، اخترق صوت المنبه السكون، فأطلقت رغد زفيرًا متثاقلًا وهي تفتح عينيها بتكاسل. نظرت حولها بذهول، ثم تمتمت بنعاس:

-متى استيقظتِ؟

أغلقت ورد الهاتف بهدوء، ووقفت لتُعيد للفراش ترتيبه، وهي تجيب بلا مبالاة:

-منذ مدة.

وبعد أن أنهتا صحوتهما، خرجتا إلى عالم الصالة الواسع، حيث انصرفت رغد لمساعدة ساكورا، بينما جلست ورد إلى جانب أكينا، التي كانت مستغرقة في شاشة حاسوبها كعالمة تقرأ كتاب الكون.

تطلعت ورد إلى الشاشة، ثم سألت بفضول:

-ماذا تفعلين؟

أجابت أكينا دون أن ترفع رأسها، منشغلة بكتابة بعض الملاحظات:

-أبحث عن أخبار جديدة لأكتب مقالًا.

رمقتها ورد بنظرة تختلط فيها السخرية بالدهشة، قبل أن تعقد ذراعيها قائلة بمكر:

-آه، دعيني أخمّن، مقال آخر عن الحيوانات، أليس كذلك؟ أي مخلوق مسكين سيقع ضحية قلمك هذه المرة؟

أكينا توقفت للحظة، وحدّقت بها بصمت، ثم تجاهلت تعليقها وعادت إلى عملها.

زفرت ورد، ثم مالت نحوها هامسة باقتراح:

-حسنًا، ما رأيك في هدنة اليوم؟ لا تزعجيني، ولن أزعجك. هل اتفقنا؟

نظرت أكينا إليها بتمعن، ثم مدت يدها لتصافحها، قائلة بنبرة محايدة:

-حسنًا.

ابتسمت ورد بانتصار، ثم نهضت كأنها طائر حرّ، واتجهت نحو فادي، الذي كان منهمكًا في قرأة رسالة على هاتفه. لاح في عينيها ابتسامته العابرة، مما أثار فضولها. اقتربت منه وسألته مباشرة:

-ما الذي يجعلك سعيدًا إلى هذا الحد؟

تغيرت تعابير فادي للحظة، وعجل بإغلاق الهاتف ووضعه في جيبه، ثم أجاب بارتباك، محاولًا إخفاء توتره:

-لا شيء... فقط أخبار سعيدة.

لم تقتنع ورد بإجابته، حدّقت في عينيه بشك، تتأملهما بتمعن كأنها تحاول سبر أغواره، ثم زفرت بصمت ومضت متجاهلة الأمر، لكن أفكارها كانت تشتعل في رأسها. همست لنفسها بلهجة حازمة:

[لم أصدق كلماته... عيناه تقولان العكس. سأكتشف الحقيقة الليلة.]...يتبع

《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهات الحلم

المؤلف نارة لوما
2024/06/08 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة