أن يألفك المكان

أن يألفك المكان

13 0

《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》

《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》

نبدأ بسم الله...

___________

ليس كل من يسكن المكان يعتاده...

فبعضُنا يعيش فيه كغريبٍ واعٍ.

_________

في الصباح الباكر كان المختبر كئيبًا كالعادة؛ البرودة فيه تقرص العظام، والضوء الذي يدخل من النوافذ بالكاد يكسر عتمة الستائر الرمادية القديمة.

كل شيء كان في مكانه بشكل ممل؛ الطاولات السوداء تلمع من النظافة، والمجاهر مغطاة بأكياسها البلاستيكية كأنها أشياء مهجورة. رائحة الكحول قوية تخنق الأنفاس، تخلطت مع رائحة الكتب الجديدة التي لم تُفتح بعد!

لا يوجد صوت في القاعة سوى طنين أجهزة الحاسوب في الزاوية، صوت رتيب يجعل المكان يبدو أكثر صمتًا مما هو عليه.

انفتح الباب بصوتٍ مألوف، فدخلت مارية... فجأة تحرك السكون؛ ارتفعت رؤوسٌ من فوق الهواتف الذكية، وتبدلت ملامح الوجوه.

لم تكن مجرد عودة طالبة لمقعدها، بل بدت وكأنها استعادة لروح المكان؛ ابتساماتٌ مقتضبة، وأيادٍ ارتفعت بالتحية وكأن حضورها هو الإشارة الفعلية لبدء اليوم الدراسي.

قال أحد الزملاء بصوتٍ خفيض يحمل لهفة:

- مارية! أخيرًا عدتِ.

وعلّق آخر، وهو يميل بكرسيه:

- كأن المكان توقّف في غيابكِ.. كنا في ركودٍ يشبه العطلة.

ردّت مارية بابتسامةٍ هادئة، تحمل وقارًا يسبق سنّها، جعلت من إعجابهم بها يبدو كفعلٍ بديهي. سحبت كرسيها المرتفع واستقرت في مكانها، لتجد نورسين بانتظارها تلك التي بشعرها البني الذي يلامس كتفيها وعينيها اللتين تعكسان لون البندق، بادرتها بنبرةٍ مرحة:

- أهلاً بكِ مجددًا!

أجابت مارية وهي تضع حقيبتها تحت الطاولة وتخرج دفترها السلكي:

- أهلًا، نورسين.

كان في صوتها بحة مشاكسة لكنها مثقلة بصدىً خفي من التعب، كأن نبراتها تحمل وطأة لا تُرى. لم تحاصرها نورسين بالأسئلة، بل آثرت أن تملأ الفراغ بحكايات العطلة، التي تدفقت من ثغرها وكأن الكلمات كانت محبوسة خلف سدٍّ لم يفتحه إلا حضور مارية.

استمعت مارية بهدوء دون أن تدلي برأي، حتى اخترقت هدوء الغرفة ضحكة حادة ومفاجئة.. التفتت مارية لتجد فتاة بشعر أسود قصير وعينين ضيقتين تلمعان بفضول ممتع وهي تراقبهما. في البداية قطبت مارية حاجبيها بعبوسٍ طفيف، لكن ملامحها سرعان ما استسلمت لعدوى تلك الضحكة التي شاركتها بها؛ ضحكة كانت أخفّ وطأة من الصمت الذي يسكنها.

الساعة الثامنة والربع صباحًا.

المكان: مبنى B - جناح العلوم، الطابق الثاني، غرفة (204).

عند عتبة الباب، وقفت رغد تترقب وصول المعلمة.. كانت هادئة كعادتها تحمل حقيبة ظهرها على كتف واحد، بينما تلتفُّ ذراعها الأخرى داخل جبيرة طبية بيضاء صلبة ما جعلها تقف بجسد مائل قليلًا، تحاول موازنة ثقل الحقيبة مع هدوئها الحذر.

وراء بساطة مظهرها، كانت حقيبتها تُخبئ عالمًا من الصرامة؛ ففي جيبها الداخلي، كان ثمة دفترٌ أسود صغير يستقرُّ في مكانه المخصص، وقد نُقش على غلافه بخطٍّ هندسي:

  «الجنس البشري - تجارب، أسماء، أرقام.»

وبجانبه صفت أقلامها ومسطرتها وممحاة ناصعة تبدو وكأنها لم تُخدش بملامسة الورق بعد. وفي زاويةٍ خفية كانت هناك ورقة مطوية، كُتب فيها ميثاقها السري:

«أريد أن يعرف الناس كيف يعيشون.. قبل أن يُفاجؤوا بأنهم راحلون.»

أخذت رغد نفسًا عميقًا وكأنها تهيئ نفسها ثم خطت داخل القاعة بهدوء، لكنها لم تتوجه إلى مقعدها فورًا، بل فضلت البقاء واقفة بالقرب من المدخل، كحال بعض زملائها الذين ينتظرون قرع الجرس لبدء الحصة.

لم ينتبه إليها أحد؛ فقد كان الجميع غارقين في صخب أحاديث العطلة، أو منشغلين بتقليب شاشات هواتفهم.

كان اللوحُ التفاعلي في مقدمة المختبر مطفأً وفارغًا يبدو كمساحةٍ بيضاء صامتة تعكسُ ببريقها أضواء الفلوريسنت الباردة المنبعثة من السقف، بعد أن حُجبت شمس الصباح خلف الستائر النصف مغلقة.

فجأة، فُتح بابٌ جانبي يقع خلف منصة المعلم مباشرة... باب غرفة التحضير! من هناك خرجت المعلمة؛ سيدة في أوائل الأربعينات ترتدي معطفًا مخبريًّا أبيض ناصعًا، يبعثُ برائحة خفيفة من المعقمات... لم تبتسم، ولم تُحيّ، ولم ترفع صوتها لتفرض حضورها، بل كان صمتها وتحركاتها الواثقة كافيين لإسكات القاعة تمامًا في ثوانٍ معدودة. حينها فقط حلّ هدوء مفاجئ غمر الزوايا، حتى بات صوتُ عقارب الساعة المعلقة فوق الباب مسموعًا بوضوح، يوزعُ تكاتٍ منتظمة تزيد من هيبة الموقف.

وضعت السيدة جوليا دفتر ملاحظاتها على المنصة، وتفحّصت قائمة الحضور بنظرة سريعة، ثم رفعت رأسها لتجول بعينيها في وجوه الطلاب. تحدثت بلهجةٍ هادئة ووقورة، بينما كانت يداها تستندان بخفة على حافة المنصة كأنها لا تخاطب مراهقين، بل علماء مستقبل وأطباء غدٍ لم يولدوا بعد. بدت في حديثها الجدية حين قالت:

- مرحبًا بكم من جديد أنا السيدة جوليا. للطلاب الجدد، نحن الآن في الفصل الثاني من البرنامج العلمي المتقدم. المنهج طويل، ولن نضيع وقتًا في مراجعة ما فات؛ فكل ما ستتعلمونه هنا مرتبط ببعضه، وسيكون جزءًا من امتحانكم النهائي بعد سنتين.

صمتت للحظة وهي تمرر نظرها بين الطاولات، ثم أضافت:

- هذا مختبر، وليس مجرد فصل دراسي عادي. هنا عملنا يعتمد على التجربة والتحليل وليس مجرد الحفظ.. أتوقع منكم التركيز وطرح الأسئلة دائمًا... لنبدأ الدرس.

توقفت للحظة، واستقرت نظرتُها على رغد الواقفة بالقرب من المدخل. كانت نظرة السيدة جوليا تحمل استغرابًا واضحًا لم تستطع إخفاءه تمامًا؛ فقد بدت ملابس رغد غريبة على أجواء المختبر، حيث كانت ترتدي رداءً أسودًا بقلنسوة يغطي جسدها بالكامل، مما جعل هيئتها تبدو منغلقة وكتومة بشكل لافت.

لم تعلق المعلمة على الملابس، ولم تلاحظ الجبيرة لأنها كانت متوارية تحت القماش الأسود الفضفاض، لكنها شعرت أن وقفة رغد بها شيء من التصلب غير الطبيعي. وبنبرة حملت فضولًا خفيًا، سألتها بالإنجليزية:

- أنتِ جديدة؟ ما اسمك؟

- نعم... رغد.

أجابت رغد بصوتٍ خفيض ولكن بنطق دقيق، بينما ظلت ملامحها هادئة تحت ظل القلنسوة.

أومأت السيدة جوليا برأسها، وكأنها قررت تجاوز غرابة مظهر رغد في الوقت الحالي، ثم أشارت نحو المقاعد:

- اجلسي حيثما تريدين، لا توجد مقاعد محددة. فقط.. لا تضيعي وقتكِ.

تحركت رغد نحو أقرب زاوية وجلست قرب النافذة. كان الضوء يلامس كتفيها، لكن القلنسوة كانت تحمي عينيها من السطوع. فتحت دفترها الأبيض، وكتبت في رأس الصفحة بخطٍّ متزن:

«الخلية - وحدة الحياة.»

استقر الجميع في مقاعدهم مع بدء الحصة. وبينما كانت رغد تمسك قلمها بحذر لتجنب الضغط على ذراعها المخفية، قاطع تركيزها تحرك الطالبة التي تجلس أمامها مباشرة؛ فتاة بشعر بني متوسط الطول، وعينين واسعتين بلون البندق، استدارت نحوها بفضول هادئ وكأنها تحاول استكشاف ما يخفيه ذلك الرداء الأسود:

- أنتِ جديدة؟

نجحت تلك الكلمات في لفت انتباه رغد، التي رفعت رأسها وأجابت باختصارٍ تام:

- نعم.

لم تزد حرفًا واحدًا؛ لم تشرح ولم تبتسم... لم تكن تتعمد صدّ الآخرين لكنها ببساطة لم تكن مستعدة لفتح أي أبواب للحوار. أومأت الفتاة، كأنها استوعبت من صمت رغد أكثر مما سمعت من كلمتها الوحيدة، ثم أعادت نظرها إلى اللوح التفاعلي في مقدمة القاعة.

بدأت المعلمة الدرس فورًا؛ بلا مقدمات مملة، وبلا طقوس تعارف أو كلمات ترحيب إضافية. انغمست في شرحٍ مباشر، وانهمرت الأقلام تملأ الدفاتر، في يومٍ بدا كأي يومٍ اعتيادي داخل مختبرٍ علميٍّ جاد، لا يمنح الغموضَ أي فرصةٍ للبقاء.

لم تكن رغد تفكّر في لفت الأنظار، ولا يشغل بالها إن كانت ستُصنّف كطالبة متفوّقة أو متأخرة. كل ما كان يهمها هو الاستيعاب بوضوح؛ كل كلمة تُقال، وكل رسمٍ بياني يظهر على الشاشة، وكل إشارة إلى تجربةٍ قادمة.

كانت تدرك جيدًا حجم التضحية؛ تعرف أن فادي قد نال منه التعب، وما زال يبذل أقصى ما يملك لتصل هي وصديقتها معًا إلى تلك المحطة التي يُطلق عليها الأمان. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سريعًا، وأن الأمور قد تستغرق وقتًا أطول مما تتمنى. لم تكن تريد إثقال كاهله أكثر، أو إضافة لحظة قلقٍ واحدة إلى يومه المجهد؛ لذا، كان عليها أن تجتهد. لم يكن دافعها الطمع في المركز الأول، بل رغبتها الصادقة في أن تكون عونًا له، ولو بشيءٍ بسيط.

بينما كانت تدوّن ملاحظاتها في صمت، لمعت في ذهنها فكرة.. ورد -صديقتها- تفكر الآن بالطريقة ذاتها تمامًا.

ارتفع طرف شفتيها في ابتسامةٍ خفيفة لم تلحظها العيون؛ لم تكن بسبب شيءٍ يدور حولها، بل لأنها تخيّلت ورد وهي تنصت بتركيزٍ عالٍ في حصة علم النفس.. فهي تعرف مدى اهتمام صديقتها بالقانون والمنطق دائمًا.

نظرت رغد عبر النافذة؛ كانت أوراق الأشجار تتحرّك برفق لم تكن الرياح بالقوة التي كانت عليها في الأيام الماضية، لكنها كانت كافية لتنقل معها شيئًا ما.. ربما كانت كافية لتشعرها ولو للحظة، أن هذا المكان الغريب قد يصبح يومًا بيتًا ثانيًا.

أما في المبنى الآخر بعيدًا قليلًا A - الطابق الأول، غرفة (113).

كانت النوافذ واسعة تطل على ساحة المدرسة الساكنة، حيث بدت الأشجار مُجردة من زينتها تتقاذف الرياح الباردة ما تبقى بين أغصانها، فوق أرضية مبللة بآثار مطرٍ خفيف. يتسلل ضوءٌ ذهبي باهت عبر ستائر خشبية مائلة تُركت نصف مغلقة كأنها تحاول حماية الداخل من ضجيج العالم الخارجي.

الهواء في القاعة ثقيل برائحة مجلدات علم النفس العتيقة؛ ورقٌ مُصفر وأغلفة مهترئة، وحبرٌ جفّ منذ زمن، يمتزج كل ذلك برائحة القهوة السوداء التي لا تزال تُصدر بخارًا خفيفًا من كوبٍ تُرِك على حافة طاولة المعلم.

فجأة! صدرت عن ورد تنهيدة عميقة، مزيجٌ من الضجر والاستياء، وقبل أن ترفع رأسها ببطء تفاجأت بظلٍ يغطي طاولتها. كان المعلم واقفًا أمامها مباشرة، مستندًا بيدٍ واحدة على سطح الطاولة، في حركةٍ أعلنت سيطرته على المكان دون أن ينطق بكلمة. عيناه كانتا باردتين، لكن نظراته كانت تحمل ذلك النوع من الحزم الذي يجعلك تشعر أن أي كلمة خاطئة ستؤدي إلى كارثة.

تجمدت الكلمات في حلق ورد؛ فنظراته جعلتها تشعر فجأة بأن كل حججها التي جهزتها في رأسها قد تبخرت.. ابتلعت ريقها بتوتر، وحاولت بجهدٍ بالغ تلطيف الجو بابتسامةٍ مصطنعة ومترددة، كمن يقامر بحيلةٍ يعرف مسبقًا أنها قد تخسر:

- مرحبًا.. هل هناك خطأ ما؟

لم تتلقَّ ردًّا فوريًا.. تعمّد إطالة الصمت ليُجبر القاعة كلها على تنفس التوتر، ثم نطق بشفتين جامدتين وصوتٍ منخفض، لكنه اخترق هدوء القاعة بشكل جعل الجميع يتصلب في مكانه:

- ما الذي شرحتُه في درس اليوم؟ أم أن الطالب كان مشغولًا بأمرٍ أهم من العلم؟

انفجرت ضحكاتٌ مكتومة ومتفرقة في أرجاء الفصل، لكنها انطفأت فورًا بمجرد أن التفت المعلم نحوهم بنظرةٍ حادة. ساد صمتٌ ثقيل، حتى أولئك الذين كانوا يضحكون قبل قليل انحنوا فوق طاولاتهم كأنهم يحاولون التلاشي.

شعرت ورد باضطراب قلبها، فابتسمت ابتسامة متوترة وهمست بحذر كمن يمشي على حافة هاوية:

- آسفة يا معلمي.. أعني، حسنًا..

أخذت نَفَسًا خفيفًا، ثم أضافت بنبرةٍ حاولت جعلها متفائلة:

- نحن في القرن الحادي والعشرين، والإنترنت موجود لمساعدتنا دائمًا، أليس كذلك؟

في زاوية الفصل الخلفية، انطلقت ضحكة ساخرة.. كان جاكس ذلك الطالب الذي لا يعرف حدود الصمت.. لكن ضحكته لم تكتمل؛ إذ رمقه المعلم بنظرةٍ باردة كالجليد تُشبه نظرة صقرٍ حدد فريسته للتو. تلاشت ابتسامة جاكس فورًا، وانكمش في مقعده حانيًا رأسه فوق الطاولة كأنه يبحث عن ثقبٍ يبتلعه.

راقبت ورد المشهد بعينين تلمعان بسخريةٍ خفيفة؛ فقد أثار انكماش جاكس المفاجئ رغبتها في الضحك، ولم تتمالك نفسها من التعليق.

همست بلغتها الأم، كلماتٍ قصيرة لكنها مركزة ومصوبة نحوه:

- رائع! حتى الطغاة لديهم ما يخشونه.

كانت تقصده هو؛ ذلك الفتى الذي ملأ القاعة صخبًا وطغيانًا، قبل أن ينطفئ في صمته وذعره بمجرد أن رماه المعلم بنظرةٍ اخترقت هدوءه الزائف. لم تكن تعلم أن حركة شفتيها، ونبرة التحدي غير المألوفة في صوتها، كانت كافية لتجذب انتباه المعلم! فقد استشعر أن شيئًا ما في حديثها الغامض وبتلك اللغة التي لا يفهمها يتحدى سلطته الصارمة أمام الجميع.

فجأة، التفت إليها المعلم بقوة ولم تكن نظرته غضبًا عاديًا، بل كانت سكونًا مخيفًا يسبق الإحكام. توقفت أنفاس ورد، وشعرت ببرودة في أطرافها حين أدركت أن المعلم لم يعد مهتمًا بجاكس.. لقد أصبح تركيزه الكامل منصبًا عليها هي!

في داخلها، صرخت بصمتٍ يائس: [ألا يمكنك... فقط... أن تغير تلك النظرة؟ ألا يمكنك أن تكون إنسانًا طبيعيًا لمرة واحدة؟]

رفع المعلم كتابه ببطء هادئ وأشار بيده نحو الباب، ثم نطق بنبرة منخفضة لكنها قاطعة:

- اخرج إلى مكتب المدير أيها الفتى.. ولا تعد بملابس تطمس هويتك مرة أخرى. في هذه المدرسة، نحن نتعامل مع وجوه، لا مع ظلال.

فتحت ورد فمها لتدافع عن نفسها، لكن الكلمات خانتها وهي ترى نظراته؛ فقد أدركت أنه حسم أمره بالفعل ولا مجال للنقاش معه. تنهدت بصعوبة، ونهضت من مقعدها ببطء وكأن الغضب يثقل كل خطوة.. لكنها في النهاية احترمت قراره، وانسحبت من القاعة.

اتجهت نحو الباب، وخطواتها تُحدث صدىً خافتًا في الممر الصامت، بينما كانت تتمتم لنفسها بسخريةٍ مُرّة:

- ما الذي لا يعجبه في زيّي المتواضع؟ هل أبدو وكأنني أهدّد النظام؟ ثم إن هذا ليس عدلًا! طردني أنا، وتجاهل ذلك الفتى تمامًا..

توقفت فجأة عند عتبة الباب، ورمشت بذهول وهي تهمس لنفسها:

- أيها الفتى؟ مهلًا.. هل كان يخاطبني بصيغة المذكر؟!

غرقت في تفكيرٍ عميق وتساءلت إن كان رداؤها هو السبب لأنه يمنع إعلان أنوثتها! أم لأن نبرة صوتها التي تعمدت جعلها حادة كانت أبعد ما يكون عن النعومة المتوقعة؟ هزت رأسها بأسف؛ فما جدوى البحث عن إجاباتٍ الآن وقد أُلقي بها خارجًا؟ واصلت سيرها، بينما كان الملل والخيبة يتسللان إليها مع كل خطوة تخطوها في ذلك الرواق الطويل الذي بدا وكأنه لن ينتهي.

عندما توقفت أمام باب غرفة المدير، ترددت للحظة.. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا وهي تنظر للمقبض المعدني كأنها تستعد لمواجهة مصير محتوم، ثم ابتلعت ريقها الذي بات جافًا ومرًّا وطرقت الباب طرقاتٍ خفيفة تشي بترددها.

جاءها الرد من الداخل بصوتٍ وقور، يحمل صرامةً هادئة:

- تفضل بالدخول.

دفعت الباب ببطء شديد، يحدوها أملٌ واهن بأن يكون المكتب فارغًا، أو أن المدير لم يسمع طرقاتها من الأساس! لكن لم يكن هناك مفر؛ فبمجرد أن رفعت عينيها وجدته منكبًّا على بعض الملفات، يضع نظارته على أرنبة أنفه وقلمه يتحرك بسرعة على الأوراق. كانت الغرفة هادئة جدًا، مكتظّة برفوف الكتب التي تغطي الجدران، وضوء النهار الباهت القادم من النافذة يعطي المكان هدوءًا غريبًا.

اغتنمت ورد فرصة انشغاله، فابتسمت بسعادة واضحة وهي تستدير للخلف قائلة بلهجة متعجلة:

- يبدو أنك مشغولٌ جدًا.. ربما من الأفضل أن أعود في وقتٍ لاحق!

لكن صوته الرخيم أوقفها في مكانها، وهو يضع أوراقه جانبًا دون أن يرفع عينيه نحوها بعد:

- لا، لستُ مشغولًا.

أشار بيده نحو المقعد المقابل له وأردف بصيغة الأمر الهادئ:

- اجلس.

على الرغم أنه لم ينظر إليها، لكن كلماته كانت كافية.

تنهدت ورد باستسلام، كأنها تُقرّ بهزيمتها الصغيرة في جولة الهروب هذه، وسارت نحو المقعد مُصطنعة ملامح البراءة، كأنها لم تكن تُخطط للتسلل خارجًا قبل ثوانٍ. همست لنفسها بتذمرٍ ساخر بلغتها العربية:

- كان عليك أن تكمل عملك يا رجل.. لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد!

جلست وهي تتظاهر بالجهل والهدوء، منتظرة أن يبدأ هو الحديث، لكنه ظل يحدق بها بصمتٍ طويل؛ لم يكن صمتًا عدوانيًا، بل صمت انتظارٍ ذكي، كأنه يمنحها مساحة كافية.. لتتعثر هي في كلامها أولًا.

أخيرًا، كسر هو هذا الجمود متسائلًا بنبرة هادئة لكنها لا تفتقر إلى الجدية:

​- هل سنبقى هكذا؟ أخبرني، ماذا حدث؟ ولماذا أُرسلت إلى هنا؟

​شعرت ورد وكأنها حوصرت في زاويةٍ ضيقة، فخفضت رأسها قليلًا، وسردت ما حدث بهدوء.. لكن نبرتها كانت مشدودة تظهر بوضوح أن صبرها قد نفد فعلًا:

​- كنتُ شاردة الذهن فحسب، ثم وجدْتُ أستاذ المادة واقفًا أمامي بغضبٍ لا أعرف سببه تحديدًا.. على أي حال، هذا ليس موضوعنا؛ المهم أنه طلب مني المجيء إلى هنا لتلقي العقوبة.

رفعت رأسها لتتلمس رد فعله، ففوجئت بالمدير ينفجر ضاحكًا! كانت ضحكة صادقة وعميقة، خالية من الزيف أو التهديد كأنه يضحك على مشهدٍ مألوف يتكرر أمامه للمرة الألف.

تجمدت ورد في مكانها، ولم تستطع إخفاء دهشتها من ضحكاته المفاجئة. حدقت به بملامح متجهمة عاجزة عن استيعاب السبب، بينما كان تساؤلٌ يلحّ في صدرها: هل يسخر مني؟ أم يسخر من الموقف؟

لاحظ تعبيراتها المشوشة، فهدأ تدريجيًا وهو يهز رأسه بابتسامة لم تغادر وجهه، ثم مسح طرف عينه وسأل بنبرةٍ تحمل تحديًا خفيفًا:

- أحقًا لا تعلم سبب غضبه؟

كادت أن تنفي، لكنها ارتدت عن قولها في اللحظة الأخيرة؛ إذ ساورها الشك في تلك اللحظة.. هل يختبرها الآن؟ هل تقول الحقيقة أم تدّعي الغباء؟

نظرت إليه بتردد، تخشى أن يوقعها الجواب في مأزقٍ أكبر، ثم قالت ببطء وحذر:

- هل.. لأنني كنتُ شاردة الذهن؟

أومأ المدير برأسه، ثم نهض من كرسيه بهدوء واقترب من النافذة يراقب الفناء. كان المطر يغسل الساحة الخارجية الخالية، باستثناء عامل النظافة الذي كان يحاول لم الأغصان المكسورة تحت مظلته الباهتة، بينما تتشكل فقاعات المطر فوق الأرصفة المبللة.

قال المدير بنبرة أكثر ليونة، وعيناه لا تزالان معلقتين بالخارج:

- لا يوجد عقاب لك اليوم. يبدو أنك جديد هنا.. وهذا هو يومك الأول.

ثم التفت إليها، وسأل بلطف:

- ما اسمك؟

أجابته بهدوء وتواضع:

- ورد.

ساد صمتٌ مباغت، وارتفعت حواجب المدير بذهولٍ لم يستطع إخفاءه. نظر إليها بتمعنٍ أكبر كأنه يعيد ترتيب الصورة في ذهنه؛ فصوتها الناعم رغم حدته، واسمها الأنثوي، وملامحها التي بدت الآن أكثر وضوحًا خلف ذلك الرداء الواسع كلها كانت تقول شيئًا واحدًا أدركه المدير للتو.

حمحم بإحراجٍ بسيط، وعدل نظارته فوق أرنبة أنفه وهو يحاول تدارك الموقف، ثم ردد الاسم ببطء كأنه يحفظ رنّته الجديدة على مسمعه:

- ورد! إذن أنتِ..

صمت للحظة، ثم تابع بنبرة اعتذارية خفيفة وهو يصحح صيغة كلامه:

- يبدو أنكِ لستِ من هنا.. من أين أنتِ؟

- أنا من أصولٍ عربية.

قالتها بهدوء، لكن بنبرة تحمل اعتزازًا واضحًا مما جعل المدير يبتسم، ثم نظر إليها بفضول واهتمام كأنه يحاول فهم الشخصية القابعة خلف هذا الرداء، وسأل مجددًا:

- ​وما قصة هذا الزي الذي ترتدينه؟

عقدت ورد حاجبيها بعدم فهم؛ فقد سُئلت هذا السؤال مرارًا حتى بدأ الأمر يستفزها! صرخت في أعماقها: [ما مشكلتهم جميعًا مع ثيابي؟! هل أرتدي شيئًا من كوكب آخر، أم أنهم عاجزون عن الفهم فحسب؟].

أخرجت صوتها حادًا، مغلّفًا بنبرة دفاعية لكنها لم تصل حد العدوانية:

- وما خطبُ زيّي المتواضع؟

ابتسم المدير بلطف، وأجابها بنبرة هادئة كأنه يشرح قانونًا بديهيًا:

- لكِ كامل الحرية فيما ترتدينه، ونحن نحترم خلفيتكِ الثقافية تمامًا. لكن في هذه المدرسة ثمة زيٌّ مدرسي موحّد.. ليس الغرض منه قمعكِ، بل خلق بيئة تعليمية يسودها التساوي.

رمقته ورد بنظرةٍ تشي بعدم الاقتناع، ثم أضافت بنبرة لاذعة:

- هل تتوقع مني حقًا ارتداء ذلك الزي الذي لا يشبهني؟.. عذرًا، لكنه لا يمثلني!

ضحك المدير بخفة، كأنه كان يتوقع هذا الرد المتمرد بالضبط. حمحم ثم قال بصوت هادئ لكنه لم يخلُ من الحزم:

- أدركُ أن الأمر قد يبدو صعبًا عليكِ في البداية.. ففي بلدانكم، ربما لا تعتادون هذا النوع من الملابس الرسمية. لكن هنا القوانين مختلفة.. والأهم من ذلك، أن الالتزام بها هو أول خطوات النجاح.

تنهدت ورد بضيق كأنها تطرد كل الهواء المحبوس في صدرها، ثم علّقت بسخرية:

- لقد أخطأتَ يا سيدي؛ فحتى في بلادنا يرتدي الكثيرون هذا الزي الغريب عنهم.

ثم رفعت رأسها وأكملت بجدية قاطعة:

- لكنني لا أعتبرهم متمسكين بجذورهم.. فمن يفعل ذلك، في نظري قد تخلّى عن هويته.

ساد صمتٌ قصير، ارتسمت بعده ابتسامة غامضة على وجه المدير؛ لم تكن ساخرة ولا ودودة تمامًا بل بدت وكأنه وجد أمامه شخصية مختلفة عما اعتاد عليه.

راقبته ورد بارتياب، ودار في خلدها تساؤلٌ قلق:  [لماذا يبتسم لي هكذا؟ هل هو لطيفٌ حقًا؟ لا.. لا تنخدعي يا ورد.. فخلف هذا اللطف قد يختبئ شخصٌ لا يرحم!].

وبعد لحظات، رفعت حاجبيها وقالت بنبرة مندفعة محاولة الهرب من نظراته:

- عذرًا.. ألم تكن مشغولًا؟ هناك مقولة شهيرة تقول: لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد!

ضحك المدير مجددًا، ثم أجاب بابتسامة خفيفة:

- أصبتِ، لكن ليس من اللباقة أن أتجاهل ضيفًا وأُكمل عملي وكأنه لم يأتِ.

خيم صمتٌ آخر، كان أخفّ وطأةً هذه المرة. نهضت ورد بتململٍ واضح مستعدة للمغادرة، وعندما بلغت عتبة الباب التفتت إليه لنظرةٍ أخيرة خاطفة، ثم خرجت وهي تهمس لنفسها بضجر:

- يا إلهي! كيف انتهى بي الأمر في هذا الموقف؟

لكنها تسمرت في مكانها فجأة عندما استرجعت سبب وجودها هناك، فتمتمت بامتعاض:

- صحيح.. هذا كله بسبب حصة علم النفس، لقد بدأتُ أكره هذه المادة حقًا!

توقفت لحظة، وقطبت حاجبيها وهي تسترجع كلماته:

- ضيف؟ أكان يقصدني حقًا؟

هزت رأسها وهي تبتسم بسخرية:

- يا له من رجل غريب الأطوار!

سارت في الرواق الطويل، وكان صدى حذائها فوق الرخام يكسر ذلك الصمت الثقيل الذي يغلف الممرات. رفعت عينيها نحو الساعة المعلقة؛ كانت العقارب تزحف ببطء شديد نحو التاسعة، وكأن الوقت يتعمد مضايقتها. الفصول موصدة الأبواب، ومن خلفها تتسرب تمتمات المعلمين ونقرات الأقلام المستمرة.. أصوات رتيبة جعلتها تشعر للحظة وكأنها خارج الزمان والمكان، مجرد طيف يعبر ممرات لا ينتمي إليها.

وقفت ورد حائرة في منتصف الممر.. أين تذهب؟ العودة إلى الفصل الآن فكرة انتحارية! فالمعلم لن يتجاوز ذلك الصدام بسهولة، رغم أنه لم يكن سوى سوء فهمٍ سخيف.

استندت إلى حافة أقرب نافذة، حيث يلوح ضوء الشمس الشاحب على الأرضية الرخامية الباردة. مرّرت أطراف أصابعها على الزجاج الذي لا تزال تعلق به بعض قطرات المطر، وراحت تراقب ساحة المدرسة الفارغة وأوراق الشجر المبللة التي تهزها الريح.

قبل أن تهمس لنفسها بمرارة، بلغتها الأم:

- حتى الريح تعرف متى تهرب.. أما أنا، فما زلتُ عالقة هنا بسبب كلماتٍ لم أُقصد بها أحدًا.

فجأة، اخترق الصمت وقعُ خطواتٍ خفيفة.. التفتت ورد لتجد رغد تقترب منها بخطىً متزنة، حاملة دفترها وحقيبتها، وعيناها غارقتان في شرودٍ عميق كأنها لا تزال تحلّل معادلة لم تنتهِ بعد.

كانت رغد قد غادرت المختبر للتو، تحمل في يدها دفترها المفتوح على عبارة واحدة دُوّنت بخطٍّ دقيق: «التجربة الأولى لم تكن كيميائية.. كانت مجرد تعليمات!». طوت ورقة السلامة التي وقعتها بعناية ودسّتها في جيبها، وكأنها توثّق بداية مرحلة جديدة.

سارت رغد عبر الممر، وحذاؤها يُصدر نقرات منتظمة على الأرض الرخامية الباردة صدىً يكسر حدة الصمت في الرواق.

توقفت رغد على بُعد خطوتين، ورمقت ورد بنظرةٍ فاحصة هادئة؛ سألتها بعينيها عن سر وقوفها وحيدة هنا بينما الحصص في أوجها! حاولت ورد تجنب نظراتها، لكنها أدركت أن الصمت لن يصمد طويلًا أمام هدوء رغد وإصرارها التي لن يجدي نفعًا معها.

تنهدت ورد بضيق، وقالت:

​- طُردتُ من الفصل.. كنتُ شاردة الذهن، وأعترف أنني استحق التوبيخ في البداية. لكنني لا أفهم لِمَ فقد المعلم أعصابه فجأة بهذا الشكل! لقد غضب لسبب غامض لم أستوعبه حتى اللحظة، وانتهى بي المطاف في مكتب المدير.

نظرت رغد إليها بتمعن، وهي تميل برأسها قليلًا وتدرس ملامح ورد بعناية، كأنها تحاول ربط خيوط القصة ببعضها ثم قالت بنبرة خافتة تحمل يقينًا غريبًا:

- والمدير لم يعاقبكِ، أليس كذلك؟

رمشت ورد بعينيها عدة مرات بغير تصديق، وقالت:

- كيف عرفتِ؟

لم تنتظر رغد إجابة، بل أكملت بهدوئها المعتاد:

- الأمر واضح؛ فلو نلتِ عقابًا لما وقفتِ هنا تراقبين المطر بكل هذا السكون.. يبدو أن المدير رأى فيكِ ما عجز ذلك المعلم عن فهمه. المعلم رأى في شرودكِ، أو ربما في تمتمتكِ بالعربية كعادتك، تحديًا له.. أما المدير، فقد قرأ في عينيكِ دهشة الغريب الذي لا يزال يبحث عن مكان ينتمي إليه.

ارتبكت ورد وشعرت بحرارة تجتاح وجهها؛ لقد أصابت رغد الحقيقة دون أن تسمع منها حرفًا واحدًا عما دار خلف الأبواب. مهلًا! كيف عرفت أنها لجأت للغتها الأم في لحظة ضيق؟

نظرت ورد إلى الأرض تهربًا من نظرات رغد الثاقبة وهمست بخجل:

- هل.. هل أمري مكشوف لهذه الدرجة؟ لم أقل لكِ أنني نطقتُ بشيء!

ابتسمت رغد وقالت بهدوء:

- لستِ بحاجة لقول ذلك، فوجهكِ يفضحكِ دائمًا يا ورد. هم يظنونكِ متمردة لأنهم لا يفهمون لغتكِ ولا طريقتكِ في التعبير، وهذا كل ما في الأمر.

ثم تابعت وهي تتجاوزها نحو الدرج:

- في هذه المدرسة، القوانين تختلفُ عما اعتدنا عليه.. لذا، حاولي ألا تجذبي المشاكل إليكِ، ولو عن غير قصد.

​اختفت رغد خلف زاوية الممر، تاركة ورد وحيدة مع تساؤل يلح عليها: هل أنا حقًا مسببة للمشاكل؟

نفخت وجنتيها بانزعاجٍ طفولي وهي تتابع أثر صديقتها:

​- حقًا يا رغد؟ هل ترينني هكذا؟

لكن سرعان ما تلاشت نبرة الضيق حين تأملت كلمات صديقتها؛ وشعرت برقة مباغتة جعلتها تبتسم رغم كل شيء. رفعت بصرها للسماء وحمدت الله بقلبٍ ملؤه الرضا؛ أدركت أنها في نعمةٍ لا تُقدّر بثمن.

انطلق جرس المدرسة ليعلن انتهاء الحصة الأولى.. فُتحت الأبواب وانفجر الممر فجأة بالضجيج؛ تدافع الطلاب في كل اتجاه، كلٌّ يسارع للحاق بقاعته. سحبت ورد نَفَسًا عميقًا، وعدّلت قلنسوتها بحركة آلية وسط الزحام.. ثم انطلقت نحو حصتها التالية بخطىً مجهدة؛ فمعركتها الأولى في الصباح استهلكت كل طاقتها.

في حصة التاريخ - داخل الغرفة 113 بالمبنى (A)، كانت حصة التاريخ على وشك البدء. اتجهت ورد مباشرة إلى مقعدها المنعزل بجانب النافذة، غير آبهةٍ بالضجيج من حولها. كانت النافذة مواربة قليلًا، تسمح لنسمةٍ باردة بالتسلل، محملة برائحة الأشجار المبللة.

كان الطلاب يتوزعون في مجموعاتٍ صغيرة تتعالى منها الضحكات.. وفي الصفوف الخلفية، كان جاكس يتكئ في مقعده مراقبًا ورد بنظراتٍ فاترة، محاطًا بمجموعته المعتادة؛ فتية معروفون بضجيجهم الدائم، لا يفوتون فرصة للسخرية من أي شيء.

أشار جاكس برأسه نحو ورد، وقال بنبرةٍ خافتة:

- علينا أن نلقّن هذا المغرور درسًا لا ينساه!

همس أحد الشبان بفكرةٍ خبيثة أثارت استحسان المجموعة، وبينما كان أحدهم يهمُّ بالنهوض لتنفيذ مضايقة ما، انفتح الباب ودخلت المعلمة؛ فتراجع الجميع فورًا إلى مقاعدهم، تظاهروا بالانشغال بكتبهم فور دخول المعلمة.

بدأت المعلمة بالترحيب، ثم شرعت في شرح الدرس وسط صمتٍ نسبيّ.. اتجهت أنظار الطلاب نحو الشاشة التفاعلية حيث كُتب بخطٍ بارز:

«في ضوء التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي اليوم -من بريكست إلى تصاعد الخطاب الشعبوي- هل يمكننا القول إن عصر "النظام الليبرالي الدولي" الذي بُنِي بعد الحرب العالمية الثانية قد بدأ يفقد تماسكه؟»

ثم قالت بصوتٍ هادئ يبعث على التأمل:

- لا أتوقع إجابة الآن. لكن فكروا: متى يبدأ النظام بالانهيار حقًا؟ حين يُهزم من الخارج؟ أم حين يكفّ أبناؤه عن الإيمان به؟

في زاويتها المعتادة قرب النافذة، كانت ورد تجلس وكأنها تحاول الاختفاء داخل رداء الأسود.. عيناها معلقتان بالمعلمة، لكنها لم تكن ترى القاعة؛ كانت ترى الدخان.

كانت المعلمة تتحدث بهدوء مستفز عن القيم والانهيارات، بينما كانت ورد تشعر بغصة في حلقها. الكلام في الكتب يبدو سهلًا وجافًا، لكنه بالنسبة لها كان صراخًا في الليل وبيتًا غادرته دون أن تودعه، وحياة كاملة تحولت إلى مجرد مثال في درس تاريخ!

​كانت تستمع بحنق صامت؛ يحللون ضياع الأوطان كأنه معادلة رياضية أخطأ أحدهم في حسابها، بينما هي تعرف وجوه الذين ضاعوا.. هذا العالم الذي يتباكون على نظامه اليوم، هو نفسه الذي أرسل طائراته لتهدم سقفها فوق رأسها. الانهيار في بلادها لم يكن فقرة في كتاب، بل كان نارًا أكلت طفولتها، أشعلها هؤلاء الذين يوزعون دروس المثالية الآن وهم يحتسون قهوتهم ببرود.

​لم تكن تريد شفقة أحد، ولا تريد أن يُنظر إليها كلاجئة مسكينة.. كانت تريد فقط أن تصرخ في وجوههم أن الحقيقة ليست ملونة كما تظهر على شاشاتهم اللامعة. وبينما كان جاكس يتهامس مع رفاقه خلفها، كانت هي تشد بقوة على قلمها محاولة كبح الكلمات التي كادت أن تنفجر من صدرها.

فجأة، ألقت المعلّمة سؤالًا بصوتٍ رصين:

- ما رأيكم؟ هل سقطت الإمبراطوريات العظمى لأنها ضعُفت عسكريًا؟ أم لأنها غَرقت في وهم أنها لا تسقط أبدًا؟

ساد صمتٌ مطبق.. كان الجميع يهربون بنظراتهم بعيدًا عن عين المعلمة.

نظرت ورد إلى أصابعها المتشابكة فوق الطاولة، واستحضر ذهنها صوت معلّمها القديم وهو يقول: «يسقطُ القويُّ حين يصمُّ أذنيه عن الآخرين، ولا يعود يسمع إلا صدى صوته».

رفعت ورد يدها. كانت يدها ترتجف قليلًا لكنها رفعتها.. أومأت المعلّمة بفضولٍ جليّ، فتنحنحت ورد لتطرد جفاف حلقها، وقالت بصوتٍ حاولت أن يكون ثابتًا:

- الإمبراطوريات لا تسقط حين ينتهي جنودها، بل حين تمنع الآخرين من أن يُسمَعوا. فإذا صار الصوتُ الوحيد المسموح به هو صوت القوة، تصبح الإمبراطورية صماء.. لا تسمع صدى الخطر الذي يقترب منها.

ساد صمتٌ ثقيل؛ هذه المرة كان صمتَ دهشة. نظرت المعلمة إليها بتمعن، ثم سألت بنبرة هادئة:

- ملاحظة ذكية... لكن، هل تعتقدين أن هذا ينطبق على زمننا اليوم؟ أم أننا تجاوزنا هذا الخطر؟

لم تتردد ورد، رفعت رأسها ونظرت في عيني المعلمة مباشرة، وقالت بنبرة هادئة ولكنها حادة كالنصل:

- أليس هذا هو السبب الحقيقي لوجودي أنا هنا؟ لو كان التاريخ يعلمنا شيئًا فهو أن الصمت الذي يسبق الانهيار هو دائمًا نفسه.. في كل زمان.

​ساد صمتٌ طويل في القاعة، جعل ورد تشعر فجأة بوطأة عيون الجميع فوق كتفيها.. نظرت إليها المعلمة بتقديرٍ حقيقي، وأومأت برأسها ببطء كأنها تستوعب ثقل الكلمات، ثم قالت:

- ​أحسنتِ.. التاريخ بالفعل لا يُدرّس ليُحفظ، بل ليُفهم.

​في تلك اللحظة، كانت صوفيا عند الباب، وقد التقطت أذناها الجملة الأخيرة. ابتسمت ابتسامة خفيفة تحمل الكثير من الحيرة، ثم دخلت الفصل بهدوء واعتذرت عن تأخرها.

​أما ورد، فقد عادت لتحدق في شاشتها كأنها لم تنطق بحرف.. هكذا بدا الأمر للآخرين؛ لكن قلبها كان ينبض بعنف تحت رداءها وهي توبخ نفسها داخليًا: [يا حمقاء! لِمَ تسرعتِ وجذبتِ كل هذه الأنظار إليكِ؟]

​لكنها رغم القلق، شعرت بشيء غريب.. شعرت لأول مرة منذ وصولها أنها ليست مجرد رقم في سجل الحضور، بل صوتًا حقيقيًا له صدى.

استمرت المحاضرة، لكن جو القاعة قد تبدل تمامًا؛ لم تعد ورد تلك الغريبة الصامتة في الزاوية وكأنها اتخذت في تلك اللحظة قرارًا غير معلن.. أنها لن تكتفي بالبقاء في الظل بعد الآن.

انتهت الحصة، فغادرت ورد الغرفة وسط الزحام. في تلك الاستراحة القصيرة.. اختارت ركنًا منعزلًا عند حافة نافذة في نهاية ممر خلفي؛ مكان كانت قد لمحته سابقًا وقررت أن يكون ملجأها المؤقت.

لم يمضِ وقت طويل حتى أطلّت رغد، تحمل حقيبة صغيرة فيها شطائر وقارورة ماء.. اقتربت بابتسامتها الهادئة، وجلست إلى جانبها بصمت مريح كأنها تفهم تمامًا رغبة ورد في الاختفاء قليلًا.

سحبت ورد نَفَسًا عميقًا، وقالت بنبرة خافتة كأنها تحدث نفسها:

- رغد.. هل تعتقدين أننا سنعتاد على هذا المكان حقًا؟

توقفت رغد عن إخراج الطعام من حقيبتها، ونظرت إلى جموع الطلاب في الساحة البعيدة، ثم قالت بهدوئها المعتاد:

- الاعتياد ليس أن تتغيري لتشبهي المكان.. بل أن تفرضي وجودكِ حتى يألفكِ المكان كما أنتِ.

صمتت ورد لثوانٍ وهي تستوعب الجملة، ثم تلاشت حدة ملامحها وأومأت برأسها موافقة.. لقد منحتها رغد كعادتها، الكلمات التي كانت تحتاج لسماعها بالضبط.

تنهدت ورد تنهيدة عميقة، وهمست وهي تعبث بطرف رادائها:

- اليوم.. تحدثتُ في حصة التاريخ. قلتُ إن الإمبراطوريات تسقط حين تُسكت الناس! المعلمة لم تعاقبني، لكني شعرتُ أنني كسرتُ حاجزًا لا ينبغي المساس به.

نظرت رغد إليها بهدوئها المعتاد، وفي عينيها تفهم لم يحتاج لكثير من الكلمات:

- لم تكسري شيئًا يا ورد.. ولكن حاولي دائمًا أن تحسبي خطواتكِ قبل أن تتكلمي؛ فالتسرع قد يكلفكِ الكثير هنا.

أنهت رغد نصيحتها بابتسامة حانية، ومدت يدها لتعطي ورد شطيرتها. أخذتها ورد بامتنان وبدأت تأكل تلك الشطيرة التي أعدتها أكينا لهما في الصباح.

فجأة! تجمدت ورد في مكانها.. اتسعت عيناها بذهول وأخذت تلهث بسرعة وهي تلوح بيدها أمام فمها؛ شعرت بحرارة لا تُطاق تجتاح لسانها كالجمر المشتعل.

نظرت إلى رغد بعيون دامعة من أثر الاحتراق، وقالت بصعوبة:

- رغد! ما الذي وضعتِه في هذه الشطيرة؟!

انتفضت رغد بذهول، وقالت بارتباك:

- أنا لم أعدّ الفطور، بل..

لكن الكلمات تجمدت في حلقها؛ سحبت الشطيرة من يد ورد وقربتها من أنفها، فداهمت أنفها رائحة الفلفل النفاذة التي تجعل العين تدمع.

أغمضت عينيها بضيق؛ فقد تأكدت الآن أن شكوكها الصباحية كانت في محلها، وأن أكينا قررت أن تمارس جنونها في وقت خاطئ تمامًا. تنهدت بمرارة وهمست لنفسها:

- مقلبٌ ليس طريفًا يا أكينا.

نظرت إلى ورد التي كانت تمسح دموعها العفوية وتنتظر تفسيرًا، فقررت رغد ألا تزيد من هموم صديقتها بمشاكل إضافية.

سحبت الشطيرة الملغومة وقدمت لورد شطيرتها الأخرى، وقالت بصوت حاولت قدر الإمكان أن تجعله طبيعيًا:

- اعتذر منكِ يا ورد.. يبدو أنني أخطأتُ التمييز بين شطيرتَينا، خذي.. هذه هي شطيرتكِ الحقيقية.

لم تفهم ورد شيئًا، ولم تكن في حالة تسمح لها بالجدال، لكنها شكّت للحظة في أن تبرير رغد يخبئ وراءه شيئًا ما.. مزاحًا ثقيلًا أو ربما خطأً غير متعمد! فضّلت الصمت حاليًا، لكنها قررت أنها ستعرف الحقيقة بمجرد عودتها إلى المنزل...يتبع

《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهات الحلم

المؤلف نارة لوما
2024/06/08 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة