مدينة فارغة

مدينة فارغة

34 0

《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》

《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》

نبدأ بسم الله...

____________

فجرٌ جديد، يحمل معه أملًا يتجدد .. يبدد ظلال اليأس التي كادت أن تتسلل إلى قلوبنا. يومٌ آخر ينبض بالحياة، لكنه يحمل في طياته خطرًا يقترب شيئًا فشيئًا .. يترصد أولئك الذين لا يتوقفون عن السعي نحو الأمام.

استيقظت تلك الفتاة ذات الشعر الطويل المنسدل، الذي كان مُرتبًا قبل نومها على صوت المنبه المزعج .. أطفأته بكسل، ثم جلست على السرير للحظات وهي تفرك عينيها، قبل أن تنهض وتتجه إلى خزانتها. اختارت بعناية الملابس التي ستحتاجها، ووضعتها في حقيبة سفرها، ثم بدأت بتجهيز بقية الأغراض.

بعد أن انتهت من ترتيب كل شيء .. فتحت نافذة غرفتها لتستنشق الهواء النقي، قبل أن تتوجه إلى المرحاض لتتوضأ.. ارتدت فستانها الأخضر المخطط بالأبيض، والذي كانت أكمامه طويلة، ثم ربطت شعرها للخلف .. وأكملت مظهرها بارتداء رداءها الأسود مع قلنسوته .. وبمجرد أن انتهت خرجت من غرفتها متجهة إلى المطبخ.

في طريقها ألقت نظرة على الغرفة المجاورة وكادت أن تدخل، لكنها توقفت عند الباب .. إذ رأت صديقتها غارقة في النوم وشفتاها تنحنيان بابتسامة هادئة وكأنها تعيش حلمًا جميلًا .. فلم ترد أن تقاطع لحظتها السعيدة، فقررت التراجع بصمت متجهة نحو المطبخ وهي تفكر في أمور أخرى.

بينما كانت تسير شهقت ورد وقفزت بفزع عند رؤية الفتاة ذات الشعر المموج، التي بدت وكأنها خرجت لتوها من معركة مع النوم! وضعت ورد يدها على قلبها ثم قالت بحدة:

- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! أفزعتِني يا فتاة!

أما الفتاة الأخرى، فاكتفت بالنظر إليها بتعب وعيناها شبه مغمضتين، وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة! حدقت بها ورد باستغراب، ثم لوحت بيدها أمام وجهها محاولة التأكد مما إذا كانت مستيقظة حقًا:

- أكينا، هل لا تزالين نائمة؟

تنهدت أكينا بتعب، ثم رفعت كوب القهوة وأخذت منه رشفة طويلة، قبل أن تقول بصوت خافت وكأنها تكلم نفسها .. وكل ذلك تحت أنظار ورد التي تحاول ألا تفقد صبرها:

- أشعر وكأنني عجوز... أو سمكة تتنفس خارج الهواء.

تراجعت ورد قليلًا، بينما تحول تعبير وجهها إلى مزيج من الملل والارتباك، ثم قالت بتصحيح ساخر:

- للتوضيح فقط... السمك يعيش في الماء، والهواء هو ما نتنفسه نحن!

لكن أكينا قاطعتها فجأة، رافعة رأسها بانفعال وعيناها المتعبتان تضيقان بتحدٍّ مما زاد من قلق ورد:

- لا يهم! فالسمكة في النهاية تحارب من أجل البقاء على قيد الحياة، وهذا سيكون شعارًا لي من الآن فصاعدًا!

هدأت الفتاة قليلًا .. فتنهدت ورد بارتياح معتقدة أنها أخيرًا ستنهي حديثها وترحل لتتجهز .. لكن أكينا لم تتوقف بل استمرت في الثرثرة بلا انقطاع! عندها أسندت ورد رأسها على إطار باب المطبخ وأغمضت عينيها بيأس، داعية في داخلها أن يمر هذا الوقت بسرعة، بينما تابعت أكينا كلامها:

- أشعر بأنني صقر... لا، الصقور لديها أهداف، أما أنا... فلا أعلم حتى ما أنا عليه الآن!

- قولي، وأريحيني...

تمتمت ورد بعجز، ثم أسندت جسدها بالكامل على الباب وعقدت ذراعيها أمام صدرها .. وأمامها كانت الفتاة تحدق في فنجان القهوة كأنها تبحث فيه عن إجابة، ثم تنهدت بعمق وقالت بيأس:

- أشعر بأن الحياة لا تحبني، وكأنها تسير ضدي دائمًا.. حياتي بائسة، لا طريق لي، لا أحلام! وإن حلمتُ... سأفشل، ربما أنا بالفعل فاشلة!

ثم تابعت بصوت أكثر سخرية:

- أو بالأحرى.. أنا فاشلة تمامًا.

كانت كلماتها ثقيلة مليئة بالاستسلام كأنها تفرغ عبء أفكارها بصوت مسموع، بينما ورد تستمع بصمت تفكر في كيفية انتشالها من هذا الإحباط!

شعرت ورد بأن أكينا ليست على ما يرام، فاعتدلت في وقفتها ونظرت إليها بجدية، ثم سألتها بنبرة هادئة:

- ولماذا تعتقدين ذلك؟ ما الذي يجعلك تشعرين بهذا الشكل من الأساس؟

صمتت أكينا لوهلة، خافضة بصرها نحو كوب القهوة الذي بين يديها تائهة العينين وسط دوامات السائل الداكن، ثم رفعت بصرها ببطء ومحتارة تتمتم بنبرة مترددة:

- هل أخبرتكِ من قبل عن حياتي؟

ارتسمت علامات التعجب على ملامح ورد فلم تكن قد فكرت في ذلك من قبل .. لم تكن قد اهتمت بقصتها سابقًا، فبالكاد تعرف القليل عنها! ولم يكن هناك وقت مناسب للخوض في مثل هذه الأمور، فهذه الأحاديث تحتاج إلى جلسة هادئة وربما وجبة طعام .. لكنها حين رأت الإرهاق على وجه أكينا تنهدت وأجابت بابتسامة ودودة، محاولة ألا تشعرها بالإحراج:

- كلي آذانٌ صاغية.

ارتفعت زوايا شفتي أكينا قليلًا بسعادة خافتة، ثم خطت بضع خطوات نحو المنضدة ووضعت كوبها عليها، وقالت بهدوء:

- قبل لقائي بليو، عملت في عدة وظائف.

قاطعتها ورد بحماس، وقد رفعت رأسها باهتمام:

- رائع! هذا يعني أنكِ تمتلكين الكثير من الخبرات الآن!

تحركت ورد من مكانها واتجهت نحو المنضدة، ثم سحبت كرسيًا وجلست عليه لتصغي بانتباه .. ابتسمت أكينا بخفة لسماع كلماتها، ثم سألتها بفضول وكأنها تبحث عن تأكيد لمشاعرها:

- هل تعتقدين ذلك حقًا؟

أومأت ورد برأسها مبتسمة لتشجعها على المتابعة، فاستمرت أكينا في الكلام والابتسامة لا تزال مرتسمة على وجهها:

- وكنتُ قد طُردتُ أيضًا من كل تلك الوظائف.

انحسرت ابتسامة ورد تدريجيًا وكأن الكلمات سحبت منها كل حماسها، ثم أسندت رأسها على المنضدة وتحدثت بإحباط:

- هل تستمتعين بالسخرية مني؟

- لا!

ردت أكينا باستغراب حقيقي، لكن ورد قاطعتها بانفعال وهي ترفع رأسها فجأة:

- هل تنتقمين مني؟ هل فعلتُ لكِ شيئًا؟ أجل.. لا بد أن هذه هي الإجابة الوحيدة!

حدقت بها أكينا بحيرة، وقد اعتلى ملامحها الاستغراب الشديد كأنها لا تدرك سبب ردة فعل ورد الغاضبة! لكنها في قرارة نفسها كانت تعلم السبب .. ومع ذلك، فضلت التظاهر بالجهل.

تنهدت ورد مدركة أن الجدال لن يفيد شيئًا، ثم قالت بيأس:

- أكملي قصتكِ يا أكينا، وتجاهلي ما قلته.

بدت أكينا مترددة للحظات، وكأنها تتأكد من أن ورد لن تنفجر مجددًا، ثم سألتها بحذر:

- حقًا؟

أومأت ورد برأسها ببطء محاولة استعادة هدوئها، ثم ابتسمت بتصنع قائلة:

- أجل، تابعي.

تابعت أكينا بنظرة جادة وكأنها على وشك كشف سرٍ خطير، ثم قالت بصوت منخفض وكأنها تخشى أن يتنصت أحد عليهما:

- تم طردي من وظيفتي السابقة بسبب مقالٍ نشرته عن القطط، وكيفية شعورها بالراحة عندما تُداعَب أسفل ذقنها.. تخيّلي! مقالٌ كامل عن هذا الموضوع!

تغيرت ملامح ورد، ثم همست بيأس وهي تمسح وجهها بكفيها:

- من حقهم طردك...

ضربت أكينا المنضدة بانفعال مما جعل ورد تنتفض في مكانها، قبل أن تهتف الأولى بغضب:

- هل رأيتِ الظلم الذي تعرضتُ له؟ تبًا للبشرية التي انعدمت منها الإنسانية!

- نعم، أرى كم أنكِ مظلومة حقًا!

ردّت ورد بملل، لكنها لاحظت أن أكينا انتقلت فجأة إلى حالة هدوء غريب، وأخذت تلاعب كوبها بنظرات شاردة .. شعرت بالحيرة؛ فشخصية أكينا تتغير بسرعة وكأنها الفصول الأربعة في يوم واحد! فتنهدت وأدركت أن الحل الوحيد هو الاستماع إليها حتى النهاية.

رفعت أكينا رأسها وتابعت بنبرة خافضة:

- وبعد ذلك... التقيت بتسوروجا-سان، وبدأت العمل معه، وتغيرت حياتي كثيرًا.

ثم أكملت بابتسامة يملؤها الامتنان:

- شكرًا لاستماعكِ لقصتي، ورغم أنني لم أفعل شيئًا يُذكر في حياتي.. إلا أن وجودكم يا أصدقائي غيّر الكثير بالنسبة لي!

تفاجأت ورد من هذه القصة القصيرة، لكن سرعان ما تنهدت بارتياح وابتسمت بصدق، ثم وضعت يدها على يد أكينا قائلة بنبرة دافئة:

- إن كنتِ بحاجة إلى من يستمع إليكِ، فأنا هنا دومًا لأنصت لكِ في أي وقت.. وكونكِ صحفية، فستكونين قادرة على كشف الحقائق للناس وتسليط الضوء على كل من يحتاج ذلك؛ وبدون أمثالكِ سيبقى العالم غارقًا في الجهل!

نهضت الفتاتان معًا، وبدأت أكينا في تجهيز أغراضها، بينما توجهت ورد نحو غرفة رغد التي كانت لا تزال غارقة في النوم.

اقتربت منها وهزّتها برفق قائلة:

- رغد، استيقظي! حان وقت صلاة الفجر، لنصلي قبل أن ننطلق.

تمتمت رغد بنعاس وهي تفرك عينيها:

- حسنًا، حسنًا... اسبقيني.

تنهدت ورد بقلة حيلة، ثم سحبت حقيبتها من الخزانة ووضعتها على أحد الكراسي قبل أن تغادر الغرفة.

جلست في غرفة المعيشة، والتقطت هاتفها للاتصال بأحدهم:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. جيدٌ أنك مستيقظ! هيا، لنقم للصلاة ثم نستعد للانطلاق فورًا."

في الجهة الأخرى، كان فادي جالسًا في إحدى غرف منزل ليو، يقلب صفحات كتابه المفضل ويرتشف كوبًا من الشاي، لكنه توقف عن القراءة عندما رأى اتصال ورد!

فأجاب بصوته الهادئ كالمعتاد:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. حسنًا."

ثم أنهى المكالمة.

أدّى الجميع الصلاة، وبعد لحظات.. كانوا جميعًا في طريقهم إلى المدينة، حيث ينتظرهم يومٌ جديد مليءٌ بالأحداث!

____________

الساعة 7:00 صباحًا - داخل السيارة

كانت ورد تحدق عبر النافذة بدهشة بالغة.. فالمدينة تبدو شبه مهجورة، والشوارع خالية تمامًا كأنما فقدت نبض الحياة!

عقدت حاجبيها وهي تتمتم بقلق:

- ما هذا؟! المدينة تبدو فارغة تمامًا!

أما رغد، التي كانت مشغولة بإخراج شطيرة من حقيبتها، ردت بنبرة ساخرة:

- بجدية! ومن تتوقعين أن يكون مستيقظًا في هذه الساعة؟!

على مقعد السائق، ألقى ليو نظرة خاطفة عبر المرآة قبل أن يشرح بصوت هادئ، يحمل في ثناياه شيئًا من القلق:

- لا أحد يجرؤ على الخروج منذ ظهور تلك العصابة، باستثناء رجال الشرطة.. هذا ما ورد في التقرير الأخير.

ساد الصمت للحظات داخل السيارة، قبل أن يتحدث فادي وهو يسترجع تفاصيل الملف الذي قرأه:

- ذكرتَ سابقًا أن هناك جريمة قتل.. كما أن ورد قد قرأت الملف جيدًا وقالت إن الضحيتين هما أبٌ وابنه، إذن... هل المقتول في هذه القضية شخصٌ واحد؟ أم أنهما شخصان من البيت ذاته؟

أجابه ليو بنبرة جادة، بينما بدا عليه شيءٌ من الانزعاج لغموض القضية:

- شخصٌ واحدٌ فقط... ولكن الغريب هذه المرة أنه لم يكن الأب، بل الابن!

اتسعت عينا ورد دهشة، ثم ناولت زجاجة ماء لرغد وهي تسأل بحيرة:

- إذن.. هل تعتقد أنهم سيعودون الليلة لإكمال الجريمة؟

أوقف ليو السيارة بهدوء، ثم التفت إليها محذرًا:

- ربما... لهذا السبب بالذات أخبرتكِ أن تكوني حذرة، وألا تتصرفي بتهور!

سكتت ورد للحظة غارقة في التفكير، ثم تساءلت بفضول:

- لكن هذا غريب... كيف لم يتمكن أحد في هذه البلدة من القبض عليهم حتى الآن؟!

نظر إليها ليو بصمت، بينما حدّث نفسه بقلق:

[ وهذا بالذات ما يقلقني... فأنتِ متهورة، ولن تتركي هذه القضية دون أن تكتشفي حقيقتها كاملة.. (تنهد).. ربما لم يكن عليّ أن أخبرهم بالأمر منذ البداية! ]

بعد وصولهم إلى موقع الجريمة، ألقت أكينا نظرة متوترة على المكان .. وابتلعت ريقها بقلق قبل أن تهمس بصوت منخفض:

- هل أنتم واثقون من ضرورة دخول هذا المنزل؟

رمقتها ورد بنظرة ثابتة، وردّت بثقة وهدوء:

- يجب أن أثبت وجودي، ولن أتراجع.. إن كنتِ خائفة فيمكنكِ العودة إلى السيارة والانتظار حتى ننتهي!

في هذه الأثناء.. كانت رغد تتأمل المكان باستغراب من هذا السكون المخيف الذي يلفّه، بينما شعر فادي هو الآخر بأن ثمة شيئًا غير طبيعي في الأجواء.

أما أكينا فلم يعجبها الرد؛ فنظرت إليها بامتعاض، ووضعت يديها على خصرها قبل أن تردّ بانفعال:

- لا تلعبي دور البطلة هنا! أنا أقول هذا من أجلكم جميعًا لا أكثر!

تنهدت رغد بضيق؛ فهي تعرف جيدًا أن لا شيء سيوقف صديقتها بعد أن اتخذت قرارها .. وضعت يدها على كتف أكينا وربتت عليها بلطف، ثم همست بنبرة هادئة:

- شكرًا لحرصكِ يا أكينا.. لكن لا خيار آخر أمامنا.

فتحت أكينا فمها للاعتراض، لكن كلامها قُطع على الفور بصوت ورد التي ابتسمت لها بامتنان قبل أن تتقدم بثبات نحو المنزل، قائلة بمكر:

- كما قالت رغد.. نحن مجبرون! وبالمناسبة، أنتِ الصحفية هنا، أليس كذلك؟

غمزت لها، وتابعت بنبرة مشجعة:

- إذن.. أحضري آلة التصوير!

أنهت حديثها، ثم تقدمت بثبات نحو المنزل الذي شهد الجريمة.. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترفع يدها وتطرق الباب.

بعد لحظات، فُتح الباب قليلًا، لتطل منه سيدة في منتصف الأربعينيات من عمرها وعلامات الحذر مرتسمة على ملامحها.. نظرت إليهم بارتياب قبل أن تسأل بنبرة جادة:

- من أنتم؟

ابتسمت ورد كما اعتادت، محاولة بث الطمأنينة في صوتها، ثم أجابت بلطف، بينما تقدمت أكينا بحماس وهي تمسك دفتر ملاحظاتها وقلمها مستعدة لتدوين أي معلومة:

- أنا المحققة ورد.. لستُ محققة رسمية بعد، لكن...

تسمّرت ورد في مكانها وهي تحدق بالباب المغلق في وجهها! رمشت عدة مرات تحاول استيعاب ما حدث للتو، بينما وضعت أكينا يدها على كتفها بتردد محاولة إعادتها إلى أرض الواقع..

لم يدم صمت ورد طويلًا؛ إذ سرعان ما اشتعل الغضب في داخليها، فهتفت بانفعال:

- كيف تجرؤ على إغلاق الباب في وجهي؟!

نظر إليها ليو وهو يغالب ضحكة كادت تفلت، ثم علّق بسخرية محببة وهو يعيد يديه إلى جيوب بنطاله بتململ:

- ربما لأنكِ تبدين مشبوهة... والصحفية التي بجواركِ لا تقلّ عنكِ ريبة!

نظرت ورد إليه بغضب وهي تظن أنه يسخر منها، دون أن تفهم ما يعنيه تمامًا.. أدرك ليو من نظراتها أنها أساءت فهمه، فعدّل وقفته وتابع بجديّة كمن ينقذ نفسه:

- أجل، أنتِ محلّ شك بالنسبة لها.. فربما ظنّت أنكِ جاسوسة تابعة للعصابة، خاصة بعد أن أخبرتها بأنكِ لستِ محققة رسمية! فهذا لم يزد من شكوكها فحسب، بل أكّد ظنونها تمامًا.

تنهدت ورد، ثم أشاحت بنظرها بعيدًا وهي تفكر في وضعهم الحالي وأين يمكنهم المكوث الليلة! قبل أن تسأل بهدوء:

- حسنًا، دعنا من هذا الآن.. وبالمناسبة، هل سنظل واقفين هنا كالأصنام؟

ضحك ليو وهو يخرج هاتفه من جيبه، ثم نقر على الشاشة ليتصل بأحد معارفه، وهو يتابع حديثه معهم:

- لدي صديق يمكننا البقاء عنده الليلة، سأحدثه الآن.

نظرت رغد إلى ورد بقلق واضح وكأنها ترفض هذا الاقتراح، بينما جاء صوت فادي الخافت من خلفها محذرًا:

- ما زلتُ لا أثق به تمامًا... ناهيك عن قلقي عليكنّ، فأنتنّ فتيات!

زفرت ورد بضيق؛ فهي تعلم أن الوضع ليس مثاليًا على الإطلاق، لكن لا خيار آخر أمامهم، فردّت بشيءٍ من اليأس وهي تعقد ذراعيها:

- طريقنا مسدود الآن، وليس لدينا حلٌّ آخر!

بعد دقائق من وصولهم إلى منزل صديق ليو، لاحظ فادي النظرات المريبة التي يرمق بها مضيفهم نحو الفتيات، مما أثار غضبه وأجبره على التحدث بانفعال:

- إلامَ تنظر؟!

لم يُبدِ صاحب المنزل أي ارتباك بل اتسعت ابتسامته ببطء ووقاحة، ثم هز كتفيه باستخفاف قائلًا بنبرة هادئة ومستفزة:

- وما المشكلة؟ إنهنّ جميلات... وأنا ببساطة أقدّر الجمال!

احمرت وجنتا أكينا فور سماعها تلك الكلمات، بينما نظرت ورد ورغد إليه باشمئزاز، متجاهلتين إطراءه الوضيع.. في حين أردف هو بثقة وهو يرمق فادي بنظرة تحدٍّ واستفزاز:

- أم أن النظر بات جريمة أيضًا في هذا البيت؟

اشتعل فادي غضبًا وكاد يندفع نحوه، لولا أن ورد أوقفته بلمسة على ذراعه، وهمست له بلهجة عاتبة:

- فادي، لا تنسَ أننا ضيوف هنا!

نظر إليها فادي بحدة، ثم قال بغضبٍ مكبوت:

- ألم تسمعي ما قاله؟! وفوق ذلك كله.. ينظر إليكِ بطريقة وقحة!

تنهدت ورد بضيق، ثم حاولت تهدئته بابتسامة خفيفة وكلمات متزنة لتنقذ الموقف قبل أن يسوء:

- لذا، ارتدي ثيابًا ساترة فهذا ما ينبغي علينا فعله.

وعلى الرغم من أن حديثها كان كالماء البارد على نيران غيرته، إلا أنه ظلّ يشعر بالانزعاج، لولا أنه لمح نظراتها المضطربة خلف قناع الهدوء الزائف، ولاحظ يديها اللتين ترتعشان رغم محاولتها إخفاءهما..

لم يكن تصرفه هذا لقلة ثقة بها، بل لأن شعور الغيرة الحارق قد استبدّ به؛ وهو شعورٌ نادرٌ في هذا الزمان، كاد يفقده صوابه! هدأ قليلًا، ثم ابتسم رغم التوتر الذي لا يزال جليًّا في عينيه، وفجأة وقعت عيناه على الغرف المتاحة في المنزل، فخطر له حلٌّ سريع وتحدث بحزم في حين أدركت ورد نواياه قبل أن ينطق بها:

- سنقسّم الغرف.. ستكون الفتيات معًا في غرفة واحدة!

نظر إليه ليو بدهشة، ثم أشار إلى الغرف المتعددة المتاحة قائلًا باستغراب:

- لكن هناك عدة غرف فارغة؟!

تجاهل فادي تعليق ليو، وأكمل بنبرة صارمة لا تقبل الجدل مما جعل ليو يتنهد بقلة حيلة:

- ستنام الفتيات جميعهنّ في غرفة واحدة مشتركة.. لا استثناءات.

ابتسمت ورد بإيماءة موافقة، ثم التفتت نحو الفتيات قائلة بنبرة هادئة:

- حسنًا، فلنذهب إلى غرفتنا.

راقب ليو الموقف وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه بعدما أعجبه ثبات فادي وحزمه، بينما تقدم صاحب المنزل نحوه متذمرًا وهمس بانزعاج:

- ماذا يظن نفسه؟! ثم إن تلك الفتاة... هل هي حبيبته؟

أجاب ليو بابتسامة واثقة، وقد راق له ما حدث:

- لا، فليس لديهم مفهوم الحبيبة كما تظن.. هم بالنسبة لبعضهم غرباء تمامًا؛ والعلاقات عندهم إما أن تكون رباطًا رسميًا كالأزواج، وإما فلا شيء!

رمقه صاحب المنزل بدهشة، ثم سأله مستنكرًا:

- ماذا تعني بذلك؟! وإذا لم يكن بينهما شيء.. فلماذا يتصرف هكذا؟!

تنهد ليو وهو يتهيأ للشرح بنبرة هادئة، لكنه تدارك الأمر بسرعة:

- هذا جزء من عادات العرب... بل...

توقف فجأة وقد أدرك زلة لسانه، يقتنص أنفاسه وهو يخاطب نفسه بقلق:

[ يا للهول! كدتُ أقول: "بل المسلمون يُعرفون بالغيرة والمروءة".. عليّ أن أكون أكثر حذرًا! ]

قطع شروده نظرات صديقه المتفحصة وسؤاله المباشر:

- إلى أين شردت؟

أجابه ليو بسرعة، متظاهرًا بعدم الاهتمام وهو يشير إلى إحدى الغرف:

- لا شيء... بالمناسبة، سآخذ هذه الغرفة!

وفي تلك اللحظة داخل غرفة الفتيات، كانت أكينا تضع حقيبتها على الأرض، بينما أفكارها لا تتوقف عن الدوران .. فلم تستطع منع نفسها من التساؤل.

نظرت نحو ورد وعيناها تعكسان حيرتها، ثم سألت باستغراب:

- لماذا طُلِبَ منا أن ننام في غرفة واحدة؟

ابتسمت ورد بهدوء وهي ترتب الفراش بعناية، في حين استندت رغد على إطار الباب تراقب بصمت .. فقالت ورد:

- لأنه سيكون مشغولًا بمراقبة ذلك الفتى، وهذا ما سيُسهّل عليه مهمته.

اتسعت عينا أكينا بدهشة، إذ لم تفهم تمامًا ما قصدته ورد، فسألت بتردد:

- أيّ مهمة؟ عن ماذا تتحدثين؟

تنهدت ورد وأجابت بصوت هادئ، وكأنها تشرح أمرًا بديهيًا:

- سيكون مسؤولًا عن حراسة الباب؛ ولهذا جمعنا في غرفة واحدة لتسهيل مهمته، كي لا يشتت انتباهه بالقلق على سلامة كلّ واحدة منا في غرفة منفصلة.

توقفت أكينا للحظة تحاول استيعاب الفكرة، بينما قفزت رغد فجأة على الفراش الذي انتهت ورد من ترتيبه، واستلقت على ظهرها بارتياح وهي تقول بحماس:

- هذا رائع! أخيرًا يمكنني أن أنام الليلة بسلام.

ضحكت ورد بخفة، بينما نظرت إليها أكينا بنظرة عاتبة، ثم تحدثت بنبرة متذمرة:

- هيه، يا فتاة! قومي بترتيب فراشكِ بنفسكِ، ولا تستغلي مجهود غيركِ!

في منتصف الليل، بينما كان الجميع نائمين، استلقت أكينا في سريرها تسترق النظر بخلسة إلى الفتاتين المستلقيتين بجانبها .. تراقب أنفاسهما الهادئة، ثم همست لنفسها بصوت خافت بالكاد يُسمع:

- هل هما نائمتان بالفعل؟

تحركت بحذر وهي تحاول ألا تُصدر أي صوت قد يوقظهما، ثم تسللت إلى الخارج حاملة آلة التصوير معها.. عازمة على زيارة منزل السيدة التي أغلقت الباب في وجهيهما سابقًا.

شقّت طريقها في الشوارع المظلمة مستعينة بضوء المصابيح الخافت، لكن فجأة دوّى صوت خلفها، فسمّرتها في مكانها:

- إلى أين تظنين أنكِ ذاهبة؟

شهقت أكينا والتفتت بسرعة لتجد ورد واقفة خلفها، ترمقها بنظرة يمتزج فيها العبث بالدهاء.. رفعت أكينا إصبعها مشيرةً إليها وهي تتلعثم من صدمة المفاجأة:

- كيف...؟! ألم تكوني نائمة؟!

وضعت ورد يديها في جيوب فستانها ونظرت إليها ببرود، قبل أن تجيب بسخرية خفيفة:

- لا.. لم أكن نائمة، بل كنتُ أراقبكِ منذ البداية.

ثم أردفت وهي ترفع حاجبها:

- بالمناسبة... هل تفكرين حقًا في العودة إلى تلك السيدة بعد كل ما فعلته؟

زفرت أكينا بضيق، ومررت يدها في شعرها تعبيرًا عن إحباطها وهي تمتم:

- أجل، لكن...

لم تمنحها ورد الفرصة لإكمال جملتها، بل ابتسمت ابتسامة واثقة وتجاوزتها متقدمة نحو الوجهة التي كانت أكينا تقصدها، قائلة بنبرة ساخرة:

- حسنًا، بما أنكِ مُصرّة... فلنذهب معًا؛ فلدينا الكثير لنفعله!

همست أكينا بيأس وهي تتبعها على مضض:

- لا تمنحني حتى فرصة لإنهاء كلامي.

وعندما وصلت الفتاتان إلى المنزل .. توقفت ورد للحظة قبل أن تتقدم نحو الباب، ثم التفتت إلى أكينا وسألتها بنبرة يملؤها الفضول:

- أنتِ لم تكوني خائفة منذ البداية... أليس كذلك؟

حدّقت أكينا بها بدهشة، لكن سرعان ما ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها، وعقدت ذراعيها قائلة بنبرة متهكمة:

- ها قد اكتشفتِ الأمر! أهنئكِ على هذا الذكاء.

تجاهلت ورد سخريتها، وردت عليها ببرود:

- لا يهم، المهم أنني حصلتُ على الإجابة التي كنتُ أبحث عنها.

ثم لمحت من النافذة ضوءًا ينبعث من الداخل، فترددت للحظة بسبب تأخر الوقت، لكنها سرعان ما استجمعت شجاعتها وتقدمت لتضغط على جرس الباب، وهي تترقب أي ردة فعل قد تواجهها.

وبعد لحظات، فُتح الباب ببطء، فيظهر رجل في منتصف الأربعينيات، يحدّق فيهما باستغراب قبل أن يهمس بخفوت:

- فتاتان؟!

تقدمت أكينا خطوة إلى الأمام وقابلته بابتسامة متكلفة، ثم قالت بنبرة جادة تحاول بها كسب ثقته:

- نعتذر عن الإزعاج يا سيدي في هذا الوقت المتأخر، لكن... هل يمكننا أخذ القليل من وقتك؟

وأثناء حديثها، أخرجت دفتر ملاحظاتها وقلمها استعدادًا لتدوين أي إجابات قد تحصل عليها .. لاحظ الرجل على الفور أنها صحفية، فتبدلت ملامحه إلى انزعاج واضح، وتراجع إلى الخلف قليلًا كأنه على وشك قطع الحديث.

في هذه الأثناء، كانت ورد تراقب المشهد بصمت وهي تتثاءب بخفة من شدة الملل، لكنها سرعان ما لمحَت حركة مريبة عبر انعكاس النافذة؛ فتحدثت بنبرة قاطعة تحذر الرجل:

- اعذرني يا سيدي... لكنك في خطر!

ضحك الرجل بسخرية ونظر إليها باستخفاف، قبل أن يجيبها تهكمًا:

- ومن سيحميني؟ أنتِ مثلًا؟!

أغمضت ورد عينيها للحظة محاولة كبح انزعاجها من استهزائه، لكنها سرعان ما وقعت عينها على ظلٍّ يتحرك عبر النافذة المجاورة؛ فاتسعت عيناها بصدمة واندفعت بسرعة لتبعد الرجل بقوة وهي تصرخ بحزم:

- احذر!

وفي نفس اللحظة، شعرت بألمٍ حاد يسري في ذراعها لتدرك أنها قد أُصيبت.

شهقت أكينا برعب واقتربت منها فورًا وهي تهتف بقلقٍ شديد:

- ورد! هل أنتِ بخير؟!

لكن ورد تجاهلت الخطر، وبدأت تنظر حولها بحذر وعيناها ترقبان المكان بسرعة، قبل أن تهمس بتوتر شديد:

- أين هو؟ إلى أين اختفى؟!

كان الرجل ينظر إليها بذهول، وقد تبدلت سخريته إلى هلعٍ واضح .. فتقدم منهما معتذرًا وعارضًا عليهما المساعدة فورًا.

أما ورد، فرغم الألم النابض في ذراعها، رسمت ملامح مطمئنة تحاول بها تهدئة أكينا، وقالت بصوت ثابت:

- لا تقلقي... إنه مجرد جرح بسيط.

بإصرار من الرجل، دخلت الفتاتان إلى المنزل حيث استقبلتهما زوجته بوجه يملؤه التوتر والاعتذار .. أسرعت إلى إحضار صندوق الإسعافات الأولية، وبدأت تعالج جرح ورد بلطف وهي تقول بإحراج:

- شكرًا لكِ يا صغيرتي على إنقاذكِ زوجي.. وأرجو أن تعذراني على ما بدر مني في الصباح.

ابتسمت أكينا باقتضاب، بينما ردت ورد بنبرة مطمئنة وهي تحاول التقليل من شأن الأمر:

- لا داعي لذلك، إنه مجرد خدشٍ بسيط وسيلتئم سريعًا.

لكن ذهنها لم يكن هادئًا كما بدت ملامحها، فقد كانت تتساءل في سرّها محاولة تفكيك مجريات الموقف:

[ أين اختفى ذلك الشخص؟ لقد كان قريبًا جدًا...]

قاطع حبل أفكارها صوت طرقات خفيفة على الباب، فسمحت الزوجة بالدخول .. دخل الرجل حاملًا صينية عليها أكواب عصير، وضعها على المنضدة أمامهن، ثم جلس وقال بنبرة جادة:

- أرجو أن تقبلا هذا كاعتذارٍ بسيط عمّا بدر منا.

شكرته أكينا بأدب والتقطت أحد الأكواب لترتشف منه، لكنها سرعان ما اصطدمت بنظرة ورد الثاقبة وهي تراقبها بجمود؛ فتوقفت يدها في الهواء، وهمست بابتسامة محرجة:

- أوه... نسيتُ هدفنا الأساسي!

أعادت الكأس إلى المنضدة .. وأخرجت دفتر ملاحظاتها وقلمها، ثم رفعت رأسها نحو الرجل وزوجته وسألت باهتمام:

- المعذرة، هل يمكنكما إخبارنا بما تعرفانه عن الحادث؟

تبادل الزوجان نظرات مرتبكة، قبل أن تتنهد الزوجة بحزن وتجيب:

- لا نعلم الكثير، لكن ما نعرفه يقينًا هو أن أي شرطي في هذه المدينة أصبح هدفًا لهم!

ضيّقت ورد عينيها بتفكير، وسألت باستغراب:

- ولماذا الشرطة تحديدًا؟ هل هناك عداوة سابقة بينهم؟

رمقتها أكينا بنظرة إعجاب خفية، كأنها تُشيد بذكائها في طرح السؤال والإمساك بصلب الموضوع .. لكن الرجل لم يكن بنفس الحماس، بل رد بجفاء واضح:

- اعذريني، لا يمكنني الحديث عن هذا... فالأمر معقدٌ وسري. أنا أقدّر ما فعلته من أجلنا، لكن هذا لا يعني أنني سأكشف لكِ شيئًا!

ابتسمت ورد ابتسامة هادئة تداركت بها الموقف، ثم قالت ببرود لطيف:

- لا بأس... كان مجرد سؤال.

غادرت الفتاتان المنزل وسارتا في الشارع الهادئ، حيث انعكست الأضواء الخافتة على الطريق، بينما لفّ السكون المكان كستارٍ ثقيل .. كان الليل في ذروته يغمر المدينة بحلكته، وتسللت نسمات باردة تلامس وجهيهما برفق كأنها تهمس بأسرار الليل الغامضة.

تنهدت أكينا بتعب وهي تطوي دفتر ملاحظاتها، ثم تمتمت بملل:

- لم نخرج بشيءٍ مفيد حتى الآن...

أجابت ورد وعيناها تراقبان السماء المخملية التي ازدانت بالنجوم المتلألئة، كأنها تبحث عن إجابة وسط هذا السكون العميق:

- بل خرجنا... إنهما يخفيان أمرًا ما، حتمًا!

توقفت أكينا فجأة، مما أجبر ورد على التوقف والتفتت إليها باستغراب.. رمقتها أكينا بفضول وقد لمعت عيناها بالحماس:

- أتعنين أنهما ربما يكونان متورطين في الأمر حقًا؟!

نظرت إليها ورد نظرة طويلة تحمل معنى واحدًا واضحًا: "حقًا؟!" .. ثم زفرت بضيق ووضعت يدها على خاصرتها قائلة ببرودٍ لاذع:

- أكينا... هل تكثرين من مشاهدة الأعمال الدرامية؟!

ألقت كلماتها، ثم استدارت وتابعت مسيرها بخطوات هادئة، تاركة أكينا خلفها تشتعل غيظًا وهي تعضّ على شفتيها متأففة.

أما ورد، فقد كانت تغوص في أفكارٍ عميقة وهي تتمتم في سرها:

[ إنهم يخفون شيئًا ما، لا شك في ذلك... السؤال الحقيقي هو: ماذا؟ ]

عندما عادت الفتاتان إلى المنزل، توقفتا عند بداية الممر وحدقتا بدهشة في المشهد أمامهما .. كان الشاب يجلس على عتبة الباب، يمسك غصنًا صغيرًا يخطّ به أشكالًا على التراب بجمود، قبل أن يستقيم واقفًا ما إن رآهما.

تنهدت أكينا وهمست بنبرة مسموعة كأنها تحدث نفسها:

- من الواضح أن يومنا سينتهي بتأنيبٍ حاد... لكنني حقًا أحتاج لقضاء حاجتي أولًا!

التفتت ورد إليها في اللحظة ذاتها التي وجّه فيها الشاب نظرة مستنكرة نحوها، ثم علقت بسخرية وعيناها تلمعان بتسلية:

- همسكِ ليس همسًا على الإطلاق!

ارتبكت أكينا وحدقت فيهما للحظة، ثم تصنعت الضحك وهي تحكّ رأسها بحرج:

- حسنًا... أظن أنني بحاجة ماسة إلى النوم الآن! ليلة سعيدة!

أنهت جملتها وتجاوزته مسرعة للداخل لتختفي في غرفتها، متجنبة أي تعليق إضافي.

أما ورد، فقد بقيت واقفة أمامه وهو يراقبها بصمت؛ فشعرت بتوتر طفيف وحاولت تدارك الموقف بسرعة:

- اسمع... يمكنني توضيح كل شيء!..

لكن الشاب تنهد وأجابها بنبرة عتابٍ واضحة، قاطعًا محاولتها للتبرير:

- كنتُ أعلم أنكِ ستتهورين كما هي عادتكِ!

ارتبكت ورد للحظة، ثم حاولت تغيير الموضوع متجاهلة نبرته الجادة، وسألته باهتمامٍ مصطنع:

- ألا يمكنك النوم؟

رمقها الشاب بانزعاج مدركًا حيلتها للتهرب، لكنه تجاوز الأمر هذه المرة وأجاب بجدية:

- لا، أشعر بالقلق... لا أطمئن لذلك الرجل وأتمنى أن يحل الصباح سريعًا لنغادر فورًا.

ثم صمت لوهلة، قبل أن يضيف بنبرة معاتبة أظهرت قدرًا من الانزعاج الذي لم يستطع كبحه:

- منتصف الليل، يا ورد... حقًا؟!

شعرت ورد بالخجل من تصرفها، فتجنبت النظر إليه وحدقت في الأرض بصمت .. لاحظ فادي ذلك، فتنهد بهدوء وربّت على كتفها بلطف، ثم قال بنبرة دافئة:

- ​لا تفعلي ذلك مجددًا... فهذا ليس من شيمك، ولا ما نشّئتِ عليه.

أنهى كلماته بابتسامة مطمئنة، فما كان من ورد إلا أن تبادله الابتسامة، وجلست على عتبة المنزل قائلة بثقة:

- لا تقلق يا فادي، لن يحدث شيء... فأنا سألقّنه درسًا لن ينساه! و...

قاطعها فادي قبل أن تكمل، وجلس بجانبها قائلًا بنبرة هادئة ولكن حازمة:

- ورد، العنف ليس حلًا لكل شيء.. ثم لا تنسي أنكِ فتاة؛ وحتى إن كنتِ تجيدين فنون القتال، يبقى التركيب الجسدي للمرأة مختلفًا عن الرجل.

ثم التفت إليها بنبرة جادة وأضاف:

- وبالمناسبة... ما فعلته بالأمس كان تبذيرًا محضًا! عندما كسرتِ الصحن... أليس هذا مالًا أُهدر بغير حق؟

حاولت ورد تبرير تصرفها فقالت بسرعة وارتباك:

- لم أكن أقصد! لقد سقط من يدي فحسب!

تأملها فادي للحظات بملامح معاتبة، ثم سألها بهدوء:

- والضرب؟

لم تجد ورد ما تقوله هذه المرة، فاكتفت بالصمت وانحنى رأسها خجلًا .. لاحظ فادي ارتباكها، فابتسم وربّت على رأسها بلطف، قائلًا:

- تعلمين جيدًا أنني سأكون إلى جانبكِ دائمًا، حتى وإن كنتِ على خطأ أمام الجميع... لكن عندما نكون بمفردنا، يتوجب عليّ تنبيهكِ كي لا تكرري الأخطاء.

صمتت ورد للحظات، ثم لاحت على شفتيها ابتسامة صغيرة، وقالت بنبرة مفعمة بالمرح:

- ما رأيك في كوبٍ من الشاي؟

نظر إليها بدهشة مستغربًا اقتراحها في هذا الوقت المتأخر، وقال متعجبًا:

- في منتصف الليل؟!

نهضت ورد واتجهت نحو الباب، ثم التفتت إليه قائلة بثقة:

- أجل... فأنا لا أستطيع النوم على أي حال.

ابتسم لها أخيرًا، واستسلم لاقتراحها متنهدًا بعجز لطيف:

- إذن... يبدو أننا سنسهر الليلة!

أومأت ورد برأسها، ودفعت الباب ودخلت المطبخ.. أثناء إعداد الشاي، انزلقت الملعقة من يدها وهوت ترتطم بالأرض.

انحنت لالتقاطها، لكنّ عينها وقعت على شيءٍ جعل أنفاسها تتوقف للحظة؛ بين الأدوات المتراكمة أسفل الحوض.. لمحت حديدًا يلمع تحت الضوء الخافت؛ سكينٌ تلتصق بحافتها بقايا دمٍ جاف متوارية بعناية!

اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت برغبةٍ عارمة في الصراخ، لكنها أسرعت بوضع يدها على فمها لتكتم شهقتها.

حدّثت نفسها بذعر وهي تحاول الهروب من التفكير الكارثي:

[ يا إلهي... هل هو متورطٌ معهم أيضًا؟! اهدئي يا ورد... اهدئي، كل شيء سيكون بخير. ]

بحركة سريعة ومجرّبة، أخرجت منديلًا ورقيًا وكيسًا بلاستيكيًا صغيرًا كانت تحتفظ به في جيبها للاحتياط.. غلبت غريزة عملها كمحققة على صدمتها؛ فلفّت مقبض السكين بحذر شديد دون أن تلمس بقايا الدم، ثم أدخلتها في الكيس وأخفتها فورًا داخل الجيب الخفي لردائها.

وفي تلك اللحظة بالذات.. تسللت خطوات من خلفها مما جعل ضربات قلبها تتسارع وهي تتوسل في سرّها أن يكون الواقف أحد زملائها! وقبل أن تكمل استدارتها، أتاها صوت صاحب المنزل:

- ما الذي تفعلينه هنا في هذا الوقت؟

تجمدت في مكانها لثوانٍ، لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها، وتأكدت من الكيس داخل ردائها الطويل مخفي قبل أن ترفع رأسها وتلتفت إليه بابتسامة مصطنعة، محاولة الحفاظ على هدوء صوتها وهي تشير إلى الإبريق:

- أعدّ الشاي... هل ترغب في كوب؟

رغم محاولتها التصرف بطبيعية، شعرت بقطرة عرق باردة تنزلق على جبينها.. وكان يحدّق بها بنظرة ثقيلة محملة بالشك! لاحظ ارتباكها، لكنه اكتفى بتصنع اللطف وقال بزفرة هادئة:

- لا.. سأنام قليلًا.

وقف للحظات قبل أن يستدير ويغادر المطبخ.

انتظرت ورد حتى اختفى عن نظرها وتلاشت أقدامه تمامًا، حينها فقط أطلقت زفرة طويلة محاولة السيطرة على خفقان قلبها الذي خُيّل إليها أنه يُسمع من شدة توترها.. ثم أطفأت النار تحت الإبريق دون أن تلمس الأدوات، وخرجت بخطوات متزنة حذرة تجنبًا لإثارة أي ريبة.

توجهت مباشرة نحو فادي، وقبل أن يفتح فمه لسؤالها، أمسكت بذراعه وشدّته نحوها، ثم همست بنبرة خافتة:

- فادي... يجب أن نغادر من هنا حالًا!

اتسعت عيناه بدهشة وهو يرى شحوب وجهها وارتعاش أناملها.. حدّق بها لثوانٍ يحاول استيعاب الصدمة، قبل أن يسأل بجدية:

- ماذا حدث؟

ابتلعت ريقها المرّ، وعيناها تتنقلان بين أروقة المكان بتوتر:

- سأخبرك لاحقًا.. لا وقت للشرح الآن! سأذهب لإيقاظ الفتيات، وأنت أيقظ السيد ليو.. علينا التحرك فورًا!

ركضت نحو الغرفة، واتجهت مباشرة إلى رغد الغارقة في النوم.. لكنها قبل أن تصل إليها، انتبهت إلى أكينا التي رفعت رأسها واعتدلت في جلستها وهي تتأمل حركتها المذعورة باستغراب قائلة:

- ما بكِ؟ لمَ كل هذا الذعر؟

لم تتوقف ورد، بل بدأت تهز على كتفي رغد بعجلة، فيما التفتت إلى أكينا وقالت بصوت خفيض وحازم:

- سأخبركِ لاحقًا، علينا المغادرة فورًا! أكينا، اجمعي حقائبنا بسرعة، لا وقت للجدال!

رمشت أكينا عدة مرات تحاول طرد النوم من عينيها، ثم نهضت بكسل تجرّ قدميها نحو الحقائب وتتمتم بنبرة متذمرة:

- سأمرّر هذا الجنون الآن، لكن عليكِ تعويضي عن نومتي هذه!

حملت الحقائب وتسللت خارجة من المنزل أولًا كما اتفقت مع ورد، حتى لا تعيق حركة الفتاتين أو تؤخر هربهما إن حدث أي طارئ.

في الخارج، وصلت أكينا إلى فادي وليو عند الحديقة وسلمتهما الحقائب، وقبل أن تتنفس الصعداء.. تناهى إلى مسامعهم صوت ارتطام قوي كشف عن إغلاق الباب الأمامي بمفتاح من الداخل!

تبادل الشابان نظرات الشك والصدمة، فانطلق ليو مسرعًا نحو الباب الخلفي للمنزل محاولًا استكشاف مخرج آخر للفتاتين، لكنه تفاجأ به مغلقًا بإحكام هو الآخر!

في تلك اللحظة، انتفضت رغد من نومها بفزع من هول إيقاظها العنيف، وحدقت في ورد باستغراب وهي تزفر بضيق قائلة بنبرة متذمرة:

- ما الذي يحدث؟! لمَ توقظينني هكذا؟!

نظرت إليها ورد بجدية وهمست بصوت منخفض وصارم:

- سنتحدث لاحقًا.. علينا المغادرة حالًا، انهضي!

مسحت رغد وجهها بذهول تحاول استيعاب ما يجري، ونهضت تتعثر بخطواتها لترتدي حذاءها مسرعة.

وما إن استدارت الفتيات للاندفاع خارج الغرفة، حتى سدّ صاحب المنزل عتبة الباب فجأة! كان يرتكز بجسده يحدّق بهن بنظرة متوجسة حادة، ثم قال بنبرة جافة لا تحمل أي لطف:

- إلى أين بهذه العجلة وفي هذا الوقت؟

تجمّدت ورد في مكانها للحظات، وشعرت بتيار بارد يسري في جسدها، لكنّها حاولت السيطرة على تصرفاتها.. وأجابت بنبرة هادئة ظاهريًا:

- طرأ أمر عاجل ويجب أن نغادر الآن.. أعتذر إن أزعجناك.

نظرت إليها رغد غير مدركة لما يجري، لكنها شعرت بانقباض مفاجئ في صدرها وتسارع خفقاتها، وكأن ثمة خطرًا وشيكًا يخيم على المكان.

أما الرجل فانفرجت شفتاه عن ابتسامة خبيثة، ثم قال بنبرة ساخرة:

- أظننتِ أن حيلتكِ ستنخدع بها عيناي؟ كنتُ أراقبكِ منذ أن وطأت قدمكِ المطبخ.. والآن، أخرجي ما تخفينه في جيبكِ بهدوء!

شعرت ورد بالذعر وهي تحاول التفكير في خطة سريعة للهروب.. فكرت سريعًا بالهروب من النافذة الضيقة، لكنها أدركت استحالة ذلك؛ ولا مخرج لهنّ إلا الباب الذي يسدّه بجسده..

أخذت نفسًا خفيًا ورسمت على وجهها ابتسامة استخفاف مفاجئة، ثم تقدمت خطوة واحدة نحو المنتصف قائلة بنبرة مستفزة:

- وماذا لو رفضت؟ أستقتلتني هنا كما قتلت ذلك الشاب؟ أم أنك تفشل هذه المرة أيضًا؟

اتسعت عينا الرجل انزعاجًا وغضبًا، واستفزه أسلوبها المباشر فاندفع خطوة للأمام مبتعدًا عن عتبة الباب وهو يزمجر بصوت غاضب:

- وها قد اكتشفتِ الأمر... لا تقلقي، سأجعلكِ تلتقين به في الجحيم قريبًا!

في تلك اللحظة بالذات التي ترك فيها الباب مكشوفًا، رمقت ورد رغد بنظرة خاطفة حادة.. فهمت رغد الإشارة على الفور؛ ورغم ملامح الاستياء التي ارتسمت على وجهها وكأنها تقول "حقًا؟ هذه خطتك؟" لم تتردد؛ أمسكت الوسادة المجاورة لها وقذفتها بقوة مباشرة نحو وجهه!

تفاجأ الرجل بالوسادة التي حجبت رؤيته لحظيًا، وفي نفس الثانية صرخت رغد:

- الآن! اركضي!

انطلقت الفتاتان نحو الفجوة المفتوحة في الباب كالرياح، بينما كان الرجل يزيح الوسادة ويستعيد توازنه صارخًا خلفهما بغضب وهستيرية، مهددًا بالانتقام!

​فور خروجهما افترقتا في الممر، كلٌّ منهما تركض باتجاهٍ مختلف، على أمل أن تتمكنا من الخروج قبل أن يلحق بهما...يتبع

|| ملاحظة:لا تتسرع وتحكم على الكتاب من غلافه فصنف هذه الرواية الغموض وإن وجدت شيئاً أزعجك ففضلاً أخبرني بالتعليقات وشكراً جزيلاً🌸||

《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهات الحلم

المؤلف نارة لوما
2024/06/08 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة