《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》 《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》 نبدأ بسم الله... ___________ ما أقسى أن تنشأ طفلة في ظل أبٍ يتنصل من مسؤولياته، وأمٍّ مثقلةٍ بحمل لا ينبغي أن تحمله وحدها، تحاول أن تكون لها الأب والأم معًا، بينما تكافح للحفاظ على ما تبقى من دفء العائلة. في الثامنة ليلًا، كانت آسيا جالسة على فراشها، تحرك قدمها بعصبية فوق السجاد، حيث لم يكن هناك سوى احتكاك خافت يكاد لا يُسمع في الغرفة الهادئة. أنارت شاشة هاتفها للمرة العاشرة خلال دقائق، تتأملها بعيون مرهقة، قبل أن تزفر بضيق وتلقي به جانبًا. نهضت وهي تشعر بالاختناق، وبدأت تتجول في الغرفة بخطوات مضطربة، ترفع يدها أحيانًا إلى رأسها، وكأنها تحاول ترتيب أفكارها المشتتة. توقفت فجأة عند سماع طرقات خفيفة على الباب، كأنها كانت تتوقعها. لم تستطع منع ابتسامة خافتة من الظهور على شفتيها عندما دخلت جودي، تحمل بيدها علبة من المقرمشات، وعيناها تضيقان بعبوس طفولي وهي تقول: -أصبحتِ تقضين وقتًا أطول في غرفتكِ، بالكاد تخرجين! ولم تعدِ حتى للتنزه. أنهت جودي حديثها بنبرة محبطة، بينما ابتسمت آسيا بهدوء ممتنة لاهتمامها اللطيف. لكنها ما لبثت أن تذكرت ما يشغل تفكيرها، فتقدمت نحو جودي ونظرت إليها بجدية وعينين قلقتين: -جودي، يجب أن أذهب لزيارة لينا وكاميليا. ارتسمت الدهشة على وجه جودي، ففغرت فمها قليلًا واتسعت عيناها، غير مصدقة لما سمعته. لم تكن تتوقع أن تفكر آسيا في زيارة عمتها، تلك المرأة التي لم تخفِ آسيا يومًا بغضها لها، وتصفها دائمًا بـ”الحية“. حاولت جودي إخفاء دهشتها، فحمحمت بخفة وتحدثت بسرعة وكأنها تحاول تصحيح الموقف: -هل تسمعين ما تقولينه يا آنستي؟ نظرت آسيا إليها بإحباط، متيقنة أن تلك الفتاة البسيطة قد أساءت فهمها كالعادة. أطلقت زفرة طويلة ونفت برأسها بيأس، ثم طرقت بفمها بملل وقالت بعبوس خفيف: -لن أذهب لزيارة تلك الحية، بل سأذهب لزيارة أحبائي. عندما سمعت جودي وصف آسيا لعمتها بـ”الحية“، هزت رأسها بيأس معتادة على أسلوب سيدتها في التعبير. لكنها ما لبثت أن ابتسمت ببهجة عندما لاحظت النبرة العاطفية التي استخدمتها آسيا وهي تتحدث عن ”أحبائها“. كانت تعرف جيدًا مقدار الحب الذي تكنّه سيدتها لأولئك الأشخاص. تحمست فجأة وقالت بنبرة مليئة بالعزم: -اتركي أمر ذهابك لي، آنستي! رغم كل شيء، ابتسمت آسيا بسخرية لطيفة أمام حماس جودي الذي كان يعكس إخلاصها وسذاجتها في آنٍ واحد. كانت تعرف أن بإمكانها الاعتماد عليها، مهما بدت تصرفاتها بسيطة أحيانًا. تناولت آسيا علبة المقرمشات من يد جودي، ثم تحركت نحو النافذة وجلست على حافتها، مستمتعة بالهواء العليل. بدأت تتناول المقرمشات، ونظرت إلى جودي الواقفة تراقبها بابتسامة خفيفة. مدت آسيا يدها نحوها بالمقرمشات وقالت بعبوس مصطنع: -لا تقفي هناك وتشاهديني فقط، تعالي وشاركي صديقتك. تسارعت دقات قلب جودي عند سماع كلمة ”صديقتك“. شعرت بدفء غامر يتسلل إلى قلبها وسعادة خفية ارتسمت في عينيها اللامعتين. لم تكن تتوقع يومًا أن تسمع كلمة تحمل هذا القدر من الودّ والتقدير. لطالما اعتادت أن تُعامَل كموظفة تؤدي واجبها فقط، دون أن تحظى بلحظة تشعر فيها بالانتماء أو تُمنح قيمة تتجاوز حدود العمل. تلك الكلمة البسيطة بدت كرسالة صغيرة، لكنها ملأت قلبها بالأمل وأيقظت فيها شعورًا نسيته منذ زمن بعيد. في منزل دافئ، تحيطه الحديقة الخضراء التي تفوح منها رائحة الياسمين، اجتمعت الوجوه الضاحكة حول مائدة خشبية عتيقة، تتخللها نسمات الصباح الباكر التي تعطر الأجواء وتلامس الوجوه بلطف. في ذلك الجو المليء بالدفء والحنين، كان أحدهم يتحدث بنبرة مشاكسة، وهو يعبث بشعره البني المائل إلى الأشقر كعادته منذ الطفولة، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيه: -لم أتوقع أن تكونا بهذه القسوة! تظاهر بالإحباط، وأسند ذراعيه على الطاولة بنوع من المبالغة، قبل أن يضيف بتنهيدة درامية: -ليتني كنت موجودًا معكما... آه، يا للحظ! أنهى حديثه وهو يضع يده تلقائيًا على مكان الضربة التي تلقاها من جاد في وقت سابق. التفت إليه بنظرة تجمع بين العتاب والمزاح، وعينيه الزرقاوين اللامعتين الموروثتين عن والدته تفيض بانفعال حقيقي: -لماذا ضربتني؟ ساد الصمت للحظة قبل أن يرتسم على وجهه تعبير ماكر. أمال رأسه قليلًا ونظر نحو جاد بخبث: -أم أنك تغار وتريد أن... لم يكمل جملته حتى تلقى ضربة جديدة جعلته يصرخ بانزعاج. نهض غاضبًا لينقض على جاد بشراسة: -يكفي! تعال هنا، سترى ما سأفعله بك! كانت مارية تراقب المشهد من زاوية الطاولة. ضحكت بخفة على هذا الصراع الطفولي الذي اعتادت عليه. لطالما كان ابن عمها متهورًا ومزعجًا، لكنها لم تنكر أن حيويته تضفي روحًا خاصة على الأجواء. بينما كانت غارقة في أفكارها، شعرت بيد عمها الدافئة تمسد على شعرها بخفة. كانت لمسته كافية لتعيدها إلى الواقع وتذكرها بأنها محاطة بعائلة تهتم لأمرها. كم كانت تحب هذا العم الحنون، الذي يعاملها وكأنها ابنته! قطع شرودها صوت شقيقها الذي قال بنبرة متململة: "يا لكم من مجموعة أطفال مزعجين!" ثم توقف لبرهة، وكأنه يستثني شخصًا ما، وأضاف بابتسامة ساخرة: "عداك بالطبع، أيها العم العزيز!" تنهد شهاب تنهيدة عميقة، مزيجًا بين الحب واليأس. فهو يعرف جيدًا أن هذا الشاب ورث من والده مزيجًا غريبًا من الذكاء والمكر، لكنه أيضًا يحمل قلبًا كبيرًا يعجز عن إخفائه. ثم سأل بصوت مليء بالاهتمام والجدية: -هل ما زلت لا تتحدث مع والدك؟ كان السؤال كفيلًا بتغيير الأجواء. نهض جاد من فوق إياس بعد أن انتهى من ”انتقامه الطفولي“، ثم بدأ يعدل من ملابسه بعناية، وكأن المظهر المثالي هو درعه المعتاد. رغم جاذبيته اللافتة، إلا أن شخصيته الصعبة كانت دائمًا ما تُلقي بظلالها على ذلك المظهر. مارية كانت تراقبه بنظرات مشوبة بالتردد والانتقاد. لطالما اعتبرته شخصًا معقدًا، وربما كارهًا للنساء، ولم يكن لديها أي نية للمخاطرة بالتقرب منه. أفعال جاد كانت دائمًا تدعم قناعتها، مما جعلها تكتفي بالمراقبة الصامتة. قطع شرودها صوت شقيقها ويليام، الذي قال بنبرة باردة وجافة: "لا تتدخلوا فيما أفعل." نظرة ماكس إليه كانت تعكس مزيجًا من الإحباط واليأس. فهو يعرف أن ذكر والده دائمًا ما يُثير برودة ويليام، لتتحول كلماته إلى شظايا تلسع من حوله. حاول ماكس كسر حدة الموقف وتغيير مجرى الحديث، فسأل بنبرة عاطفية: "كيف حال والدي وشقيقيّ؟" أنهى حديثه بتنهيدة حملت كل مشاعره المكبوتة. كم اشتاق لهم جميعًا! اشتاق لضحكات شقيقيه ومقالبهما الطفولية، واشتاق للأحاديث العميقة مع والده الحكيم. كان والده رجلًا استثنائيًا؛ بعد وفاة والدتهم، كرس حياته لهم، مانحًا إياهم كل الحب والرعاية رغم انشغاله في مجاله الطبي. لاحظ ويليام نظرات ماكس الممتلئة بالحنين، فربت على كتفه بلطف، وكأنه يعتذر بصمت عن كونه السبب في بقائه بعيدًا عن عائلته. لأول مرة، شعر ويليام بالذنب تجاه أنانيته، لكنه لم يكن يعلم أن ماكس اختار هذا الطريق برغبته، لأنه لا يستطيع ترك صديقه في هذا الطريق الواعر بمفرده. في لحظة صمت عميقة، وضع ماكس يده على فخذ ويليام وربت عليه بلطف، يشكره بنظرة مليئة بالامتنان. في هذه الأثناء، شعرت مارية بخفقات قلبها تتسارع بمجرد سماع صوت ماكس. لم تستطع تحمل البقاء في المكان أكثر، فنهضت مغادرة على عجل. كانت تستند على الجدران، تضع يدها على صدرها، وهمست لنفسها بيأس: -اهدئي... همساتها اختنقت بالبكاء، بينما كان إياس يراقب خروجها بصمت. فهم جيدًا السبب وراء مغادرتها، فهو ليس مغفلًا ليتجاهل مشاعرها. كم كان يؤلمه أن يراها تُعذب نفسها من أجل شخص آخر. وضع يده على صدره بقوة، وكأن الألم الذي يشعر به أصبح لا يُحتمل. تحدث لنفسه بمرارة: [ليتها تراني أنا... ليتها ترى من يراها أكثر من أي شخص آخر.] فهي كم تستطيع أن تعبث بمشاعره، فتقلبها بين وجعٍ وإحباطٍ ولهفةٍ وفرحة! لكنها، من وجهة نظره، غبية تمامًا لأنها لا ترى كل ذلك. لا تدرك كيف يمكن لها أن تشعل في قلبه عاصفة من الأحاسيس المتناقضة، ولا تدرك أنها السبب الوحيد لاضطرابه. كيف يمكن لشخص أن يكون أعمى لهذه الدرجة؟ يراها تتجاهل إشاراته وكلماته التي تحمل أكثر مما يظهر على السطح، فتزداد ألمه مرارةً وعجزًا. ومع ذلك، يبقى عاجزًا عن كرهها، بل يجد نفسه يغرق أكثر في حبها، رغم كل ما تفعله من دون قصد. رفع جاد حاجبه بحركة معتادة، وراقب بصمت هذين الاثنين. كم يرغب في إبراحهما ضربًا! رفع يده إلى شعره الأسود ومرر أصابعه فيه بانزعاج، ثم تمتم بصوت منخفض: -يا للغباء! يركضان خلف السراب... حب أعمى من طرف واحد! بينما أجاب شهاب وهو يتحدث عبر الهاتف بنبرة مليئة بالحنان والهدوء: "لا تقلق، إنهم بخير وبصحة جيدة." انتهت المكالمة بشكلٍ جيد، بينما استدار شهاب نحو الحاضرين، لكنه لم يجد مارية. تنهد بعمق وهو يفكر في غيابها، إذ يدرك تمامًا، كما يدرك كل أب، كيف لا يمكن أن تخفى مشاعر الأبناء عن أعين الآباء. فمن المستحيل أن يجهل أبٌ تفاصيل حياة أبنائه، حتى تلك التي يخفونها عن الجميع. نهض من مكانه بخطوات هادئة ووضع يده بحنان على كتف ابنه الوحيد. كانت هذه التربيتة البسيطة تحمل معاني كثيرة، ربما بعضها وصل إلى الابن، ولكن الجزء الأعمق لن يدركه إلا حين يصبح أبًا بدوره. عندها فقط سيعلم قيمة هذا الأب الذي يفخر به ويقدره، الأب الذي لم يترك فراغًا في حياته إلا وملأه بحبه وحنانه. في الزاوية الأخرى، كان جاد يراقب الموقف بصمت. لم يكن بحاجة إلى كلمات لفهم ما يدور في ذهن شهاب، فقد كانت تلك الابتسامة التي وجهها له شهاب كافية. ابتسامة تحمل في طياتها القبول والمحبة التي لم تتأثر قط بحقيقة أنه ليس ابنه البيولوجي. شهاب كان دائمًا يعامله كابنٍ حقيقي، بلا تفرقة، حتى بدأ جاد ينظر إلى هذه العائلة الدافئة كأنها وطنه، ولم يعد يشعر أنه غريب بينهم. خرج شهاب من المنزل بخطوات هادئة، يبحث بعينيه عن مارية. لم يستغرق الأمر طويلًا حتى وجدها جالسة على الأرض بعيدًا عن الأنظار، تحت شجرة قديمة في الحديقة الخلفية. كانت تبدو شاردة، غارقة في أفكارها التي أثقلت روحها، ويداها تعانقان ركبتيها وكأنها تحتمي من العالم. اقترب منها شهاب بهدوء وابتسامة دافئة تلوح على وجهه، ثم جلس بجانبها دون أن يقول شيئًا في البداية. مد ذراعيه ليضمها إليه برفق، وكأنه يحاول منحها الأمان الذي تفتقده. بصوته الحنون قال: -أحيانًا نطارد أوهامًا نخالها أحلامًا جميلة، ونظن أنها لا تُعوَّض. وأحيانًا نتمسك بأشياء ليست لنا، فنمنع أنفسنا من الاستمتاع بما نملكه بالفعل. يا صغيرتي، علينا أن ندرك قيمة اللحظات التي نعيشها الآن، وأن نركز على ما هو حقيقي وقريب من قلوبنا، بدلًا من الغرق في مطاردة ما لا يمكننا الوصول إليه. شعرت مارية بتلك الكلمات تخترق دفاعاتها. انفجرت في البكاء بين ذراعيه، واهتز جسدها برعشة خفيفة. كان البكاء يحمل خليطًا من الخزي، الألم، وحتى شعورًا بالتحرر الذي طالما احتاجته. ظل شهاب يمسد على ظهرها برفق، محاولًا تهدئتها، قبل أن يضيف بصوت هادئ مليء بالحكمة: -التعلق الزائد بالأشياء أو الأشخاص غالبًا ما يكون عبئًا نضعه بأنفسنا على أكتافنا. لن يجلب ذلك إلا الألم والتعب يا عزيزتي. رفعت مارية رأسها ببطء، ووجهها مبلل بالدموع. نظرت إلى عمها بعينين تحملان ألف سؤال، قبل أن تقول بصوت متحشرج بالكاد يُسمع، قالت: -ولكن... كيف يمكنني التحرر؟ أشعر أنني عالقة، وكلما حاولت الخروج، أجد نفسي أعود أعمق. ابتسم شهاب بعطف، ورفع يده ليمسح دموعها بلمسة أبوية حنونة. قال بنبرة مشجعة: -اهتمي بنفسك، وامنحي وقتك للأشياء التي تُسعدك وتثير شغفك. لا تنسي أن هذه ليست النهاية، بل مجرد محطة مؤقتة. أنتِ قوية، مارية، ولديك من الحكمة والذكاء ما يكفي لتخطي هذه المحنة. أحيانًا، القوة الحقيقية تكمن في اتخاذ القرار بأن نترك الماضي خلفنا ونبدأ من جديد. عانقها مرة أخرى، تاركًا كلمات الأمل تتغلغل في قلبها. لم ترد مارية، لكنها شعرت بشيء يتغير بداخلها، وكأن حديث عمها فتح لها نافذة صغيرة نحو النور. بعد أن غادر شهاب، نظر إياس إلى جاد، الذي يجلس صامتًا في زاوية الغرفة، يتأمل السماء من النافذة. اقترب إياس وسأله بابتسامة هادئة: -هل ستأتي إلى بيت العائلة؟ تردد جاد للحظة، ثم زفر بضيق، قائلًا: -لا أعتقد ذلك. كان جاد يشعر بثقل داخلي كلما فكّر في لقاء شباب العائلة. لم يكن يتحمل فكرة التعامل مع خالد، أو ذلك المدّعي اللطف الذي يخفي مكره خلف ابتساماته، أو مع ذلك الذي يرى فيه تصنعًا دائمًا. كان يمقت هذا التصنع في كل شيء حوله. فهم إياس مشاعر جاد دون أن ينطق بكلمة. كيف لا، وقد شاركه تفاصيل الطفولة والمراهقة؟ ضحك إياس بخفة وهو يتذكر مواقف قديمة جمعتهم. تلك الضحكة جعلت جاد يبتسم لأول مرة منذ وقت طويل، وكأن ذكريات الماضي كانت البلسم الوحيد لجراح الحاضر. قال إياس بنبرة ساخرة: -على الأقل، نجحت في جعلك تبتسم! ابتسم جاد مجددًا، لكنه لم يُطل النظر. وضع نظارته الشمسية ببطء، ثم نهض قائلًا ببرود: -سأخرج قليلًا. لم ينتظر تعليق إياس وغادر بخطوات ثابتة، كأنما يسعى للهروب من كل شيء. كان التجول في الهواء الطلق هو طريقته الوحيدة لإراحة عقله. ومع كل خطوة، شعر أن حملًا خفيًا ينزاح عن كاهله، ولو قليلًا. في الصباح الباكر، داخل الفندق الهادئ، استيقظت رغد بفزع، جسدها يرتجف وقطرات العرق تبلل جبينها. كانت السماء ما زالت مغلفة بشحوب الليل المتلاشي، وضوء الفجر الشاحب يتسلل بصعوبة عبر شقوق الستائر الثقيلة، مرسومًا ظلالًا باهتة على الجدران والأرضية. كل شيء في الغرفة كان غارقًا في صمت ثقيل، وكأن الزمن نفسه قد توقف. كان الهواء باردًا قليلاً، رغم التدفئة الداخلية التي تحاول إضفاء دفئٍ خافت على الأجواء. فجأة، اخترق الضجيج الغريب ذلك الصمت المطبق. كان صوتًا غير طبيعي، مزيجًا من همسات حادة وأصوات احتكاك، كأن شخصًا يتحرك بعصبية أو يحاول كتمان مشاعر الغضب. بدا وكأن الصوت يأتي من الغرفة المجاورة، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليقطع صمت المكان ويثير القلق في أعماقها. أخذت أنفاسها المتسارعة تتزايد، وكأن الخوف يخنقها، بينما كانت عيناها المضطربتان تبحثان في الغرفة عن مصدر الصوت. شعرت بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث، وأن هذا الضجيج ليس مجرد صدفة. مدّت يدها المرتعشة وهزّت ورد النائمة بجوارها برفق، ثم همست بصوت مرتجف يكاد لا يُسمع، وكأنها تخشى أن يسمعها مصدر الصوت: -ورد، استيقظي! لكن ورد لم تستجب على الفور، فازداد ارتباك رغد عندما عاد الضجيج مرة أخرى، هذه المرة أكثر وضوحًا. كان الصوت يشبه صراخًا خافتًا محبوسًا، ممزوجًا بصخب غير منتظم، وكأن أحدهم يحاول السيطرة على انفعالاته لكنه يفشل. شدت الغطاء قليلًا حول نفسها، وكأنها تحاول الاختباء منه، ثم هزّت ورد مرة أخرى، هذه المرة بنبرة أكثر إلحاحًا وهمس مرتجف، وكأنها تتوسل إليها: -ورد، أرجوكِ، استيقظي! هناك شيء غير طبيعي يحدث. تململت ورد ببطء، ثم فتحت عينيها بتثاقل، تحدّق في رغد بنظرة ضبابية، غير واعية تمامًا لما يحدث. تمتمت بصوت ناعس، وكأنها تتحدث في المنام: -ما الأمر؟ ماذا يحدث؟ لكن قبل أن تجيبها رغد، عاد الضجيج مجددًا، أكثر وضوحًا هذه المرة، ليبعث قشعريرة في جسدها. اقتربت من صديقتها، هامسة باضطراب، وكأنها تخشى أن يسمعهما أحد: -هل سمعتِ ذلك؟ يبدو وكأنه شجار... لكنه مختلف. حبست ورد أنفاسها للحظة وحاولت التركيز، لكنها لم تسمع شيئًا واضحًا. تنهدت بتعب، ورفعت الغطاء محاولة العودة للنوم، ثم تمتمت وهي شبه نائمة، وكأنها تتعامل مع الأمر كمزحة: -لا أسمع شيئًا. ربما هو مجرد حلمكِ، دعيني أنام. لكن رغد لم تستسلم. شدّت الغطاء عن ورد فجأة، ودون سابق إنذار دفعتها برفق لتسقط من السرير، وهمست بإصرار، وكأنها تخشى أن تواجه مشكلة أكبر إذا لم تستيقظ: -استيقظي، هذا ليس وقتًا للنوم! هناك شيء غريب يحدث. جلست ورد على الأرض وهي تنظر إلى رغد بغيظ، ثم قالت وهي تهمهم، وكأنها تلومها على إفساد نومها: -كيف تجرؤين على إيقاظي بهذه الطريقة؟ كنت أحلم بعشقي الجميل! حدقت رغد فيها بدهشة، وهي تردد الكلمة باستغراب، وكأنها لا تستطيع تصديق ما سمعته: -عشقك؟ ابتسمت ورد بعصبية وهي تشير بعينيها نحو ساكورا وأكينا النائمتين في السرير المقابل، وقالت بامتعاض، وكأنها تتحدث عن أمر واضح للجميع: -انظري إليهما! تغطان في نوم عميق كأنهما في عالم آخر، ولا يبدو أن شيئًا يزعجهما. أنهت ورد كلامها بنبرة هزلية، لكنها تنهدت بعدها بقلة حيلة وهي ترى ملامح الفزع على وجه رغد. نظرت إليها مجددًا وقالت بنبرة مطمئنة، وكأنها تحاول تخفيف العبء عنها: -حسنًا، سأذهب لأكتشف مصدر الصوت. عودي إلى فراشك واطمئني. حاولت رغد إقناعها بالذهاب معها، لكنها أصرّت على الرفض وخرجت من الغرفة بعزيمة صامتة. أثناء سيرها في أروقة الفندق الهادئة، راحت تحدث نفسها بصوت خافت، بينما تجول بنظرها في الأرجاء، تتأمل التفاصيل المألوفة وكأنها تراها لأول مرة. كان الهواء البارد يتسلل بخفة عبر النوافذ الزجاجية، رغم التدفئة الداخلية التي تبعث دفئًا لطيفًا في المكان. انعكست خيوط الصباح الباهتة على الأرضية اللامعة، بينما أضفت زخات المطر الخفيفة على النوافذ إحساسًا بالهدوء العميق. لم يكن يُسمع سوى وقع خطواتها الرتيبة على السجاد المخملي، كأن الفندق بأكمله ما زال عالقًا بين يقظة باردة وصمت دافئ. توقفت للحظة أمام إحدى اللوحات القديمة المعلقة على الحائط، والتي كانت تبدو وكأنها تراقبها بصمت. نظرت إليها بتمعن، وكأنها تحاول فك الرموز الخفية في تفاصيلها. كانت اللوحة تحمل مشهدًا غامضًا لحديقة مهجورة تحت سماء غائمة، وكأنها تعكس حالة قلقها الداخلي. ثم أدركت أن الوقت ليس مناسبًا للتوقف، واستأنفت سيرها بهدوء، ولكن بحذر متزايد. توقفت فجأة، تجول عيناها بحذر، وتساءلت في نفسها: [تُرى، ما هذا الصوت الذي أفزعها إلى هذا الحد؟] نظرت يمينًا ويسارًا، وحتى إلى الأعلى والأسفل، بحثًا عن أي شيء غير مألوف. كادت أن تعود أدراجها حين لم تجد شيئًا، لكن فجأة، دوّى صوت تحطم زجاج قريب! شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وترددت لثوانٍ قبل أن تركض بخطى مترددة نحو مصدر الصوت، متسائلة عما ينتظرها هناك. عند وصولها، التقت بشاب طويل، ذو شعر بني محمر وعينين بلون البني العسلي، كان يقترب بخطوات ثابتة. ألقت ورد نظرة خاطفة نحوه، متوقعة أنه سيحاول منعها، لكنها لم تتوقف. فتحت باب الغرفة التي صدر منها الصوت بسرعة، دون تردد، ليقع نظرها على مشهد مرعب: رجل في الأربعينيات يقف بجانب نافذة مكسورة، ممسكًا بسكين، ويده تنزف. كان وجهه مشوهًا بالغضب، وعيناه تلمعان ببرودة مخيفة، وكأنه فقد كل إنسانيته. كان يحدّق بعينين متوحشتين في امرأة ترتجف، تحاول الوقوف خلف طفلتها التي، رغم صغر سنها، مدت ذراعيها بحزم وكأنها تحاول حماية والدتها. صرخت الطفلة بغضب، صوتها الصغير يرتجف لكنه ممتلئ بالتحدي: -ابتعد عن أمي! لم يتردد الرجل، بل دفع الطفلة بقوة، فسقطت على الأرض متألمة، شهقت الأم بذعر، لكنها لم تستطع التقدم نحوه. كان المشهد كافيًا لإشعال غضب ورد، فاندفعت دون تفكير، متجاهلة الشاب الذي كان يقف خلفها، مترددًا بين التدخل ومراقبة ما يحدث. ركضت بسرعة نحو الرجل، ووجهت ضربة قوية إلى جانب ركبته، مما أفقده توازنه، ثم استغلت الفرصة وضربت يده التي تمسك السكين، فسقط السلاح من قبضته. تراجع الرجل متألمًا، ممسكًا بركبته، يلهث من شدة الألم. تحدثت بغضب إذ أنها ما تزال تشعر بالانزعاج من المشهد: -ما فعلته لا يُغتفر! ستنال عقابك! وقف الشاب صاحب الشعر البني في مكانه، وقد اتسعت عيناه دهشة مما رآه. نظر بسرعة إلى الطفلة الملقاة على الأرض، وسارع إلى مساعدتها على النهوض، وهو يبتسم بتوتر، هامسًا: -إنها لا تحتاج إلى مساعدة... على الإطلاق! أما ورد، فلم تمنح الرجل فرصة لالتقاط أنفاسه، فتقدمت نحوه بضربات متتالية، حتى أصبح عاجزًا عن الحركة تمامًا. وقف الشاب متجمدًا، ناظرًا إليها بدهشة، قبل أن يتمتم بصوت منخفض: -حسنًا... لم أتوقع هذا أبدًا. بعد أن تأكدت ورد من أن الرجل لن يستطيع المقاومة، التفتت نحو المرأة، التي ركضت إلى طفلتها، تحتضنها بخوف. اقتربت ورد وربتت على رأس الطفلة بحنان، قائلة بصوت مطمئن: -لا تقلقي، لقد انتهى الأمر. أنتِ بأمان الآن. ثم رفعت عينيها نحو المرأة، وسألتها بجدية: -اتصلي بالشرطة فورًا، وبعدها أريد أن أعرف من هو هذا الرجل ولماذا كان يهددكِ بالسلاح. امتثلت المرأة للطلب، بينما وقف الشاب ينظر إلى ورد باستغراب، محاولًا استيعاب كيف تمكنت من السيطرة على الموقف بهذه السرعة. بعد لحظات، بدأت المرأة تسرد قصتها بصوت متقطع ومليء بالحزن: -هذا الرجل... كان زوجي السابق. تركنا منذ سنوات في ظروف صعبة جدًا. لم يكن لدينا ما يكفي من المال لدفع الإيجار، وكان صاحب المنزل يهددنا بالطرد. اختفى فجأة، تاركًا خلفه ديونًا وشرب الخمر ولعب القمار. لكن بين حين وآخر، كان يأتي خلسة عندما لا أكون في المنزل، يخدع ابنتي الصغيرة ببعض الحلوى، ثم يسرق ما يجد من المال. صمتت المرأة للحظة، وكأنها تحاول استعادة أنفاسها. كانت عيناها مليئتين بالدموع، وصوتها يرتجف بينما تتابع: -عندما اكتشفتُ الأمر، شعرت بالصدمة. قررت الانتقال مع ابنتي بعيدًا عنه. عملت بجد لأوفر لنا حياة أفضل. السبب الوحيد لوجودنا هنا اليوم هو اجتماع عمل طارئ مع المدير، وكان كل شيء على نفقة الشركة. يبدو أنه علم بمكاننا وجاء ليهددني مجددًا، مطالبًا بالمال الذي كنت أدخره لابنتي. أنهت المرأة حديثها وهي تمسح دموعها، بينما كانت الطفلة تراقب المشهد بعينين دامعتين. كانت الطفلة صغيرة، لكنها بدت أكبر من سنها في تلك اللحظة، وكأنها تحمل وزنًا أكبر مما يجب أن تحمله طفلة. نظر الشاب إلى الأم وابنتها بحزن، قبل أن يتنهد قائلًا: -الشرطة قادمة، لا تقلقي، سيتكفلون بالأمر. نظرت ورد إليه لأول مرة منذ بداية الموقف، ولاحظت الآن فقط أنه كان هناك طوال الوقت. عقدت حاجبيها وسألته: -من أنت؟ أجاب سريعًا، مشيرًا إلى باب الغرفة المفتوح: -أنا أقيم في الغرفة المجاورة، سمعت الضجيج وجئت لأرى ما يحدث... لكن يبدو أنكِ لم تكوني بحاجة لأي مساعدة. رمقته ورد بنظرة جانبية، ثم أعادت تركيزها على الطفلة التي كانت ترتجف، تحدق بوالدها بحزن. اقتربت منها وجلست على ركبتيها لتكون في مستواها، ثم أخذتها في حضنها قائلة بحنان: -لا تخافي يا صغيرة. لقد انتهى الأمر. أنتِ فتاة شجاعة وقوية، وأنا ووالدتكِ فخوران بكِ جدًا. ابتسمت ورد للطفلة وربتت على كتفيها بلطف، مما خفف من توترها قليلًا. بينما كانت ورد تلهي الطفلة بدمية صغيرة قد طلبت من والدة الطفلة إحضارها، توقفت ثم التفتت نحو الرجل الذي كان لا يزال مستسلمًا على الأرض. وجهه كان مشوهًا بخليط من الألم والندم، لكن عينيه ظلتا خائفتين ومتوسلتين في الوقت نفسه. لم تدع ورد تلك النظرة تخدعها؛ كانت تعرف أن ندم اللحظة الأخيرة غالبًا ما يكون مجرد ستار للهروب من العواقب. - ابقَ مكانك، لا تتحرك! همست له بنبرة قاطعة، ثم أضافت وهي تحدق في عينيه بثبات: -الشرطة قريبة. توقفت أنفاس الرجل للحظة، وكأن الكلمات ضربت فيه رنينًا أخيرًا لحقيقة ما فعله. حاول أن يرفع يده الضعيفة ليقول شيئًا، لكنه تراجع سريعًا حين لمح البرودة في عينيها. بينما كانت ورد تتحدث مع المرأة والطفلة، شعرت بنوع من القلق حول استجابة الشرطة. لم تكن متأكدة مما إذا كانوا قد فهموا الموقع بدقة أو إذا كانوا قريبين بما يكفي للوصول بسرعة. التفتت نحو الشاب الذي كان يقف بالقرب من الباب، يراقب المشهد بصمت. اقتربت منه بخطوات ثابتة، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تسأله بجدية: -هل لديك هاتف؟ أريدك أن تتصل بالشرطة مرة أخرى لتتأكد من أنهم قريبون. يمكنهم الوصول أسرع إذا عرفوا التفاصيل. أومأ الشاب برأسه، وأخرج هاتفه بسرعة. بدأ يتواصل مع الشرطة، بينما كان صوته يتداخل مع صفارات الإنذار البعيدة التي بدأت تقترب تدريجيًا. لكن ورد لم تكتفِ بذلك. عادت بصرها إلى الرجل، وسألته بنبرة هادئة لكنها حادة: -لماذا فعلت هذا؟ هل تدرك مدى الألم الذي سببته لهذه الطفلة؟ ولأمها؟ تركت كلماتها أثرًا عميقًا. الرجل انخفضت رأسه، وبدأت الدموع تتجمع في عينيه، لكنه لم يقل شيئًا. بدا وكأنه يحاول الهروب حتى من نفسه الآن. في هذه الأثناء، جلست ورد مرة أخرى بجانب الطفلة الصغيرة. كانت الفتاة ترتجف رغم دفء الغرفة، نظرتها مليئة بالخوف والحزن. مدّت ورد ذراعيها بلطف وضمّت الطفلة إليها، كأنها تحاول أن تنقل إليها بعضًا من قوتها. -لا تخافي يا صغيرة. همست لها وصوتها يحمل لمسة من الحنان: -لن يعود هذا الشخص ليخيفكِ بعد اليوم. أنتِ شجاعة جدًا... أقوى مما تظنين. شعرت الطفلة بحرارة الحضن وبدأت تهدأ تدريجيًا، لكن عيناها ظلتا مثبتتين على الرجل. كان هناك شيء من الخوف الممزوج بالكسرة في نظرتها، وهو ما جعل قلب ورد يعتصر ألمًا. بينما كانت تحتضن الطفلة، مرّت بذهنها ذكريات طفولتها حين كانت تخشى الظلام. تذكرت كيف كانت والدتها تطمئنها دائمًا بأن كل شيء سيكون على ما يرام. الآن، هي التي تلعب هذا الدور، وتدرك مدى أهمية كلماتها لكل من الأم والطفلة. فكرت في نفسها للحظة: [هل كنت سريعة بما يكفي؟ هل كان بإمكاني منع هذا الخوف منذ البداية؟] ثم التفتت نحو الأم التي كانت لا تزال تمسح دموعها. أمسكت ورد بيدها بلطف وقالت: -لقد انتهى الأمر الآن. ستحصلين على حقكِ، وسيتم التعامل معه كما يستحق. فقط توقفي عن البكاء... أنتِ تحتاجين لأن تكوني قوية من أجل ابنتك. ابتسمت الأم بضعف، لكنها وجدت في كلمات ورد نوعًا من الطمأنينة. كان واضحًا أنها لم تكن تتوقع أن ينتهي الأمر بهذه السرعة، ولم تكن تعرف كيف تشكر هذه الغريبة التي غيرت مجرى حياتها في دقائق. بعد أن سمعت صفارات الشرطة تقترب، بدا أن الجميع في الغرفة توقفوا للحظة عن الحراك. كان الوقت وكأنه يتجمد، بينما انتظر الجميع ما سيحدث بعد ذلك. لكن قبل أن تصل الشرطة الرسمية، فتح باب الغرفة فجأة، وظهر ليو، الذي كان قد استيقظ على الضجيج وأدرك أن شيئًا غير طبيعي يحدث. كان ليو يرتدي ملابسه الغير رسمية، لكنه حمل نفسه بثقة وهدوء، رغم التوتر الواضح في عينيه. كانت نظراته تتنقل بسرعة بين الشخصيات الموجودة في الغرفة، وكأنها تحاول قراءة الموقف بدقة قبل أن يتحرك. ثم توجه مباشرة نحو الرجل الذي كان لا يزال مستسلمًا على الأرض، وقفز إلى داخل المشهد كشخص يعرف تمامًا ما يجب فعله. قال بصوت حازم ومتحكم، وكأنه يفرض النظام في غرفة فوضوية: -أنا ضابط شرطة. ماذا يحدث هنا؟ التفتت ورد نحوه بدهشة، ثم أومأت برأسها وأشارت إلى الرجل. كانت عيناها لا تزالان تحملان بقايا التوتر، لكنها حافظت على هدوئها الخارجي وقالت بنبرة واضحة: -هذا الرجل هدد الأم والطفلة بالسكين. كنتُ أحاول السيطرة على الموقف حتى وصول الدعم. نظر ليو إلى الرجل بحزم، ثم قال له بصوت قوي: -ضع يديكَ حيث أستطيع رؤيتهما ولا تحاول التحرك. الرجل، الذي بدا وكأنه فقد كل طاقته للتمرد، رفع يديه ببطء، بينما انخفضت رأسه وكأنه يستسلم تمامًا. كان هناك شيء في نظرته، خليط من الخوف والندم، وكأنه يدرك الآن مدى خطورة ما فعله. التفت ليو نحو ورد، ونظر نحوها بنظرة عتاب خفي، وكأنه يقول لها دون كلمات: ”لماذا لم تتصلين بي فورًا؟“. ثم قال بصوت أكثر هدوءًا، لكنه يحمل لمسة من القلق: -شكرًا لكِ على تأمين الموقف. الآن، دعيني أتعامل مع الأمر. شعرت ورد بالتوتر بعد فهمها للنظرة وأومأت برأسها ببطء، ثم التفتت نحو الأم والطفلة. كانت الطفلة تجلس بجانب والدتها، وعينيها الكبيرتين تراقبان كل شيء بخوف. كانت عيناها مليئتين بالدموع، وكأنها تحاول فهم ما يحدث حولها لكنها لا تستطيع. اقتربت ورد منهما بلطف وقالت لهما بهدوء، وكأنها تحاول طمأنتهما بكلماتها وأفعالها: -لا تقلقي، السيد ليو هنا الآن. هو ضابط شرطة، وسيتأكد من أنكما بأمان. شعرت الأم ببعض الطمأنينة عند سماع ذلك، لكن دموعها استمرت في التساقط، وكأنها لا تستطيع التوقف عن البكاء. كانت تمسك بيد طفلتها بقوة، وكأنها تحاول حمايتها حتى في هذه اللحظة. في هذه الأثناء، ظهر مايكل وفادي في الغرفة. كان كل منهما قد استيقظ على الضوضاء وتوجه مباشرة إلى مصدر الصوت. عندما رأى مايكل المشهد، أدرك أن الأمر جدي، وبدأ بالتصرف بمهنية. نظر إلى ليو وقال بصوت هادئ ولكنه حازم: -هل تم الاتصال بالشرطة؟ إذا لم يكن كذلك، سأتصل بهم فورًا. أعرف المدينة جيدًا ويمكنني توجيههم سريعًا. أومأ ليو برأسه، ثم أشار إلى الشاب الذي كان لا يزال واقفًا بالقرب من الباب. نظر إليه ليو بتمعن، وكأنه يفحصه ليتأكد من أنه ليس جزءًا من المشكلة، ثم قال بصوت واضح: -من أنت؟ وما دورك في هذا الموقف؟ أجاب الشاب بتوتر واضح، وكان صوته يرتجف قليلًا، وكأنه يخشى أن يُتهم بشيء لم يفعله: -أنا أقيم في الغرفة المجاورة. سمعت الضجيج وجئت لأرى ما يحدث... لكن يبدو أن هذه الفتاة قد تولت الأمر بالفعل. نظر ليو إليه للحظة، ثم أشار إليه بأن يبقى بعيدًا عن المشهد، وكأنه يقول له دون كلمات: ”لا تتدخل أكثر مما يجب.“ اقترب فادي نحو ورد يفحصها بقلق ظاهر وهو يتساءل: -هل حدث لكِ مكروه... ما الذي تفعلينه هنا من الأساس؟ انتهت حديثه بعتاب، توترت ورد للحظة ثم خفضت رأسها قبل أن تقول بهدوء وهي تشير للطفلة والأم: -رأيت الحادث ولم أستطع تمالك نفسي والسكوت عن الظلم. كانت عينيها تلمعان بعزيمة جعلت فادي يتنهد باستسلام. فهو يدرك أن هذه الفتاة التي أمامه هي الأكثر حماسًا دائمًا للوقوع في المشاكل، لكنه أيضًا يعلم أنها تفعل ذلك بدافع النبل والإنسانية. بعد لحظات، دخلت مجموعة من رجال الشرطة بسرعة، أسلحتهم جاهزة، وأعينهم تتفحص الغرفة بحذر. كانت حركاتهم مدروسة، وكأنهم يحاولون تقييم الموقف بسرعة دون إحداث المزيد من الفوضى. -الجميع بخير هنا؟ سأل أحدهم بصوت قوي، يتردد في الغرفة الصغيرة. أجاب مايكل بنبرة واضحة وحازمة: -نعم، الموقف تحت السيطرة. الرجل هنا، وهو المسؤول. لا يشكل تهديدًا الآن، لكنه قد يكون خطيرًا إذا لم تأخذوا الاحتياطات اللازمة. بدأت الشرطة في التحقيق مع الرجل وتأمينه. كان الرجل يجلس على الأرض، ينظر إلى الأرضية بعيون مليئة بالندم والخوف. كان هناك شيء في نظرته، كأنه يحاول الهروب من نفسه ومن تبعات أفعاله. التفت الشاب نحو ورد وابتسم بخفة، قائلًا بنبرة محاولة للتخفيف من حدة الموقف: -حسنًا، أعتقد أنني سأكون أكثر حذرًا في المرة القادمة قبل أن أقرر مساعدة شخص ما. نظر إليه فادي بانزعاج، بينما رمقته ورد للحظة، ثم تمتمت بصوت بالكاد يُسمع وهي تستعد للذهاب: -هذا إن كنت سريعًا بما يكفي للمساعدة من الأساس. لم تكن ورد تتوقع أن يسمعها، إذ أنه ضحك وهز رأسه باستسلام، وكأنه يعترف بصحة كلامها. أما هي، فأخبرت فادي أنها يجب إبلاغ صديقتها حتى لا تقلق. أومأ برأسه ولاحظ بتقدم ليو نحوهما، وقال بصوت هادئ ولكن واضح: -ستذهبان معهم إلى المركز لتقديم إفادتكما. أومأ فادي موافقًا، وأخبره ليو أنه سيبلغ الآخرين بما حدث لكي لا يقلقوا. أومأ الأخير برأسه بتفهم، وابتسم ليو كأنه يدرك أن فادي هو الشخص الأنسب لرعاية ورد في مثل هذه المواقف. ابتسامته كانت خفيفة، لكنها تحمل في طياتها ثقة واضحة بأن فادي سيكون قادرًا على دعم ورد. قبل أن تغادر الفندق مع فادي، ألقت ورد نظرة أخيرة على الغرفة. كانت لا تزال ترى صورة الطفلة الصغيرة وهي تحتضن دميّتها، وعينيها مليئتان بالخوف. شعرت وكأنها تحمل وزن تلك اللحظة على كتفيها، وأن ما حدث لن يُمحى بسهولة من ذاكرتها. أطلقت تنهيدة يائسة، وكأنها تحاول التخلص من الضغط الذي كان يسيطر عليها. ثم، بحركة بطيئة، مدت يدها نحو الباب، وكأنها تودع الغرفة التي كانت شاهدة على كل ما حدث. في غرفة أخرى، كانت رغد جالسة على حافة السرير، يغمرها قلق متزايد مع مرور الدقائق. كانت تنتظر عودة ورد بفارغ الصبر، لكن تأخرها بدأ يثير في داخلها شعورًا بالضيق والريبة. لاحظت ساكورا توترها، كيف كانت تحدق في ملابسها مرارًا، مترددة بين البقاء والخروج. لم يغب عن انتباهها السرير الفارغ حيث كانت ورد تنام. عندها، أدركت ساكورا السبب الحقيقي وراء قلق رغد. أخيرًا، نهضت رغد بحزم وارتدت ملابسها على عجل، عازمة على البحث عن صديقتها. لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوت ساكورا الهادئ يخترق توترها. كانت ساكورا جالسة على فراشها، وملامحها تعكس هدوءًا متزنًا، وكأنها تحاول بث الطمأنينة في قلب رغد، التي بدت على وشك الانفجار من شدة القلق. قالت ساكورا بنبرة مطمئنة، وعيناها تراقبان رغد برفق: -لا تقلقي، ربما ذهبت إلى السطح مرة أخرى لتستمتع بالهواء أو لتتمرد قليلًا. أنهت حديثها بقهقهة خفيفة، محاولة كسر التوتر وإزالة السلبية التي تملأ الأجواء. لاحظت ساكورا أن كلماتها بدأت تؤتي ثمارها عندما هدأت رغد قليلًا وتنهدت براحة نسبية. عندها ابتسمت ساكورا وقالت بثقة وهي ترتدي سترتها وتتجه نحو الباب: -لا داعي للقلق، سأذهب لتفقدها وأعود سريعًا. نظرت رغد إلى ساكورا بعينين مليئتين بالامتنان، وشعرت أن نظرتها نحوها بدأت تتغير. قررت رغد أن تلتزم بما طلبته ساكورا، وجلست تنتظر عودة صديقتها، حتى لا تزعجها بخطوة متسرعة. بعد قليل، عادت ساكورا بعد مصادفة ليو الذي أخبرها بالحدث. دخلت الغرفة بهدوء، ولكن وجهها كان يحمل نظرة جدية. جلست على حافة السرير قرب رغد وقالت بصوت هادئ: -وجدت ورد. لقد حدث موقف طارئ في الفندق، لكن الجميع بخير الآن. هي برفقة فادي، وسيعودون قريبًا. شعرت رغد بارتياح كبير عند سماع الكلمات، لكنها لم تستطع إخفاء القلق المتبقي في عينيها. سألتها بصوت خافت: -هل هي بخير حقًا؟ أومأت ساكورا برأسها، وقالت بنبرة مطمئنة: -نعم، هي بخير. فقط... أعطيها بعض الوقت. ستشرح لكِ كل شيء عندما تعود. ابتسمت رغد بضعف، وكأنها تحاول استيعاب ما حدث. شعرت بالامتنان تجاه ساكورا، التي أصبحت الحصن الذي يحميها من القلق الزائد. في أثناء توجههما مع الشرطة إلى المركز، كانت السماء لا تزال مظلمة، مع بقع خافتة من الضوء الأصفر الذي يحاول اختراق الغيوم الكثيفة. الطريق كان مليئًا بالانعطافات الصامتة، حيث اكتفى أصوات المحرك والإطارات بكسر ثقل اللحظة. داخل سيارة الشرطة، كانت المقاعد الجلدية باردة تحت أجسادهم، وكأنها تحمل آثار البرد الذي استقر طوال الليل. رائحة البلاستيك الجديد والمعدن البارد كانت تملأ الهواء، مما أضاف لمسة من الجدية إلى الجو العام. حاول فادي كسر الصمت ببعض المزاح الخفيف، لكنه سرعان ما شعر بأن كلماته كانت مثل قطرات ماء على صخرة صماء لا تترك أثرًا. نظر إلى ورد من زاوية عينه، لاحظ أنها غارقة في أفكارها، وكأنها تسبح في بحر من الذكريات والأحداث التي لم تستطع بعد استيعابها بالكامل. -كيف تشعرين؟ سألها بصدق، بصوت عميق يحمل قلقًا غير معلن. ردت ورد بصوت هادئ، كأنه همسة تتردد في الهواء: -أشعر بالارتياح لأن الأمر انتهى... لكنني قلقة على الطفلة... وما حدث للأم. توقفت للحظة، ثم أضافت وهي تقبض يدها بإحكام: -لا أستطيع التوقف عن التفكير فيما سيحدث لها الآن... كيف ستعيش حياتها بعد كل هذا؟ كان هناك شيء في نبرة صوتها يجعل الرؤوس تنخفض أمامها. ربما كان ذلك الإحساس العميق بالمسؤولية الذي يتجاوز حدود الذات، أو تلك القوة الصامتة التي تبقيها قائمة رغم كل شيء. بينما كانت السيارة تسير، التفت فادي نحو النافذة، يراقب الشوارع وهي تمر ببطء. شعر وكأن العالم الخارجي بعيد عنهما، وكأنهما في فقاعة من الذكريات والأحداث التي لا يمكن محوها بسهولة. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت منخفض: -ستتجاوزين هذا... دائمًا ما تفعلين. ابتسمت ورد ابتسامة صغيرة، رغم ثقل مشاعرها. كلماته كانت بسيطة، لكنها حملت في طياتها دعمًا كبيرًا. شعرت للحظة أن الأمور قد تكون أفضل مع مرور الوقت. عندما وصلا إلى مركز الشرطة، كانت الأجواء رسمية ومتوترة. الجدران البيضاء الباردة تعكس ضوء الفلورسنت القاسي الذي يغطي كل شيء بنوع من البرودة المؤلمة. جلسوا مع الشرطة لتقديم الإفادات، وكل كلمة كانت تخرج من فم ورد كانت مليئة بالحذر والدقة. كانت تتحدث كما لو كانت تعيد بناء مشهد كامل، تجمع كل التفاصيل الصغيرة لتضعها في مكانها الصحيح، بينما كان فادي يراقبها بهدوء. كان يدرك أنها تمتص الألم وتتحمل المسؤولية بنفس الطريقة التي يفعلها الأبطال الصامتون دائمًا دون أن تشكو أو تطلب المساعدة. عندما انتهوا أخيرًا، شعر كلاهما براحة غريبة، كأنما قد أغلقا صفحة مؤلمة من كتاب طويل. أثناء عودتهم إلى الفندق، كانت الهواء يداعب وجوههم عبر سيرهما. قال فادي بابتسامة صغيرة ولكنها مفعمة بالاعتزاز: -أعتقد أنكِ أصبحتِ بطلة اليوم. ضحكت ورد بصوت خافت، لكن ضحكتها كانت تحمل دفءً غير متوقع. ردت بلطف: -لا أعتبر نفسي بطلة... فقط فعلتُ ما كان يجب فعله. ابتسم فادي، وكان هناك شيء في ابتسامته ينبض بالإعجاب والاحترام. أطلق تنهيدة عميقة، ثم قال بهدوء: -انتظري هنا للحظة. كادت أن ترد، لكنه انطلق مسرعًا قبل أن تتمكن من قول أي شيء. راقبت خطواته وهو يعبر الشارع نحو أحد المتاجر الصغيرة. بدا وكأنه يبحث عن شيء بعناية. أدركت ورد ما يدور في ذهنه فكرة صغيرة لكنها تحمل معنى كبيرًا. ابتسمت لنفسها، وشعرت بدفء غريب يسري في صدرها. بينما كانت ورد تقف على جانب الطريق، غارقة في أفكارها كأنها محاصرة في دوامة من الصراعات الداخلية، تمتمت بصوت خافت وكأنها تخاطب نفسها، غير مدركة تمامًا أنها تتحدث بصوت مسموع. كان ثقل الأفكار يضغط على كاهلها، مثل حجر كبير يثقل صدرها، بينما كانت تفكر بتلك الحادثة التي مرت عليها قبل دقائق. -الحمد لله، لقد مرّ الأمر على خير. من الجيد أن ذلك الرجل لم يكن يعرف شيئًا عن الفنون القتالية... تنهدت بعمق، وكأن الهواء البارد الذي يداعب وجهها يحمل بعضًا من ثقل مشاعرها. أضافت بصوت أقل وضوحًا: - يا له من جبان، يستقوي على الضعفاء لإشباع غروره. كان وجهها مائلًا نحو الأرض، نظرتها مشتتة بين الأحجار الصغيرة تحت أقدامها. ملابسها المتطاير بلطف مع نسيم الصباح أعطى انطباعًا بالهدوء، لكن عينيها اللتين امتلأتا بشيء من الغضب المكبوت كشفتا عن عاصفة داخلية لا يمكن إخفاؤها. في تلك اللحظة، التفتت فجأة وكادت أن تصطدم بشخص قادم من الاتجاه المعاكس. توقفت على الفور، وبدت عيناها متفاجئتين وهي تقول بعفوية: -عذرًا. لكن بعد لحظة هدوء قصيرة، بدأت المشاعر تتجمع داخلها كالغيوم الداكنة قُبيل عاصفة رعدية. نظراتها المترددة أخذت تتنقل بين الشخص الذي أمامها وبين الأرض، وكأنها تحاول استيعاب ما حدث. ثم تملّكتها موجة من الانفعال الداخلي، وبدأت تراجع ما حدث في ذهنها: [انتظري! لماذا أعتذر؟ هو من أخطأ! ألا ينظر أمامه؟] استدارت بسرعة، عازمة على مواجهته بطريقتها المعتادة. هي لم تكن شخصية تتجنب المواجهات أو تغض الطرف عن الأخطاء؛ دائمًا ما كانت تدخل نفسها في مواقف قد تسبب المزيد من المتاعب. رفعت صوتها بحدة، وظهر في عينيها وميض التحدي: -أنت، توقّف مكانك! كيف تجرؤ على الاصطدام بي؟ ألا ترى أمامك؟ استدار الشاب نحوها ببطء، وخلع نظارته الشمسية بهدوء. بدا وكأنه غير متأكد من كيفية الرد، فحركاته كانت مترددة، وكأنه يخشى قول شيء غير مناسب. حدّق بها للحظة قبل أن يقول بكل بساطة: -يبدو أنكِ أنتِ من أخطأ هنا. ثم أعاد نظارته الشمسية إلى مكانها ببطء، وكأنه يتعامل مع موقف عابر لا يستحق الكثير من التفكير. واصل طريقه بهدوء، غير مكترث بما حدث أو بما قد تقوله ورد. أخرج هاتفه المحمول من جيب سترته وبدأ في الحديث بنبرة هادئة، وكأن العالم من حوله مجرد خلفية ضبابية لا تؤثر عليه. متجاهلًا ورد التي وقفت في مكانها مذهولة مما حدث: "دعني أخمن... تريد مني إيصال رسالتك إلى وسام؟ انسَ ذلك." على الطرف الآخر، سمع صوت المتصل يتنهد بثقل، ثم أجابه ببرود: "جاد، أعلم أنك لا تحب تنفيذ طلبات الآخرين، لكن بلّغه فقط أن يبتعد عن تلك العصابة. إن لم يفعل، فسوف يتورط قريبًا." أنهى المتصل المكالمة قبل أن يتمكن جاد من الرد، مما دفعه إلى التحديق في الهاتف باستغراب. تمتم بسخرية وهو يعيد الهاتف إلى جيبه: -يا له من والد ”محب!“ آه، وسام... أشفق عليك بالفعل. دسّ يديه في جيبي سترته، ثم واصل طريقه بخطوات هادئة ومسترخية، غير مكترث لما حوله. بالنسبة له، كان الموقف مجرد عقبة صغيرة في يومه، لا تستحق أن يضيع وقته في التفكير بها. أما ورد، فقد بقيت في مكانها كأنها تمثال، تعجز عن الحركة أو الكلام من وقع الصدمة. كانت عيناها تلاحقان ظهره وهو يبتعد، والغضب يتصاعد في صدرها كبركان على وشك الانفجار. تملكتها مشاعر الغضب، خاصة عندما تذكرت تصرفه البارد وكلماته المستفزة. أخيرًا، انتبهت إلى نفسها وتحدثت بانفعال: - هذا الوقح لم يعتذر حتى! طوت قبضتها بقوة، وكأنها تحاول كبح غضبها، ثم تنهدت لتسيطر على انفعالها. أخذت نفسًا عميقًا، وهي تحاول التفكير في الرد المناسب لو تكرر الموقف مجددًا. لكن الغضب بدا واضحًا في خطواتها الثقيلة وتعبيرات وجهها المشدودة. جاء فادي وهو يبتسم، مدّ يده وأعطاها عصيرًا. أخذته منه ورتشفته بعصبية وهي تسير، بينما استغرب فادي وهو يسير بجانبها من تغير مزاجها المفاجئ. عند عودتهم إلى الفندق... مستعينين بالخريطة على الهاتف، كانت ورد تسير بخطوات سريعة وحادة، تعكس اضطرابها لكل من يراها. كل خطوة كانت تصدر صدىً داخلها، كأنها تحاول الهروب من مشاعر الإحباط والغضب التي تملكتها. لم يكن هناك مجال للحديث أو التساؤلات؛ فحالتها كانت واضحة بما يكفي. لم يكد ليو يفتح فمه ليسألها عما حدث حتى قاطعته على الفور بحدة، وقالت بصوت هادئ عكس شعورها الداخلي: -من فضلكم، لا أحد يسألني عن شيء الآن! ثم استدارت بسرعة وصعدت إلى غرفتها دون أن تنتظر أي رد. نظروا نحو فادي الذي رفع كتفيه في إشارة استسلام، غير قادر على تقديم تفسير لما حدث. في تلك اللحظة، كان ويليام يراقب المشهد من بعيد برفقة صديقه ماكس. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ثم وضع يده على فمه ليكتم ضحكته، بينما قال ساخرًا: -يا لها من مغناطيس للمشاكل! ألقى ماكس نظرة نحو ورد، متأملًا تعابير وجهها الغاضبة وخطواتها السريعة وهي تصعد السلالم. ارتسمت على شفتيه ابتسامة بسيطة، ثم تمتم في نفسه: [على أي حال، لقد حوّلت يومنا الكئيب إلى عرض من الكوميديا السوداء.] هز رأسه بسخرية قبل أن يلقي نظرة أخيرة عليها، ثم استدار، ولحق بصديقه ويليام نحو مخرج الفندق، مستغرقًا في أفكاره. عندما وصلت ورد، دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف، وكأنها تحاول حبس غضبها داخل الجدران. تقدمت بخطوات سريعة نحو النافذة، وأزاحت الستائر بعصبية، متذكرة تفاصيل الموقف الذي أزعجها. حدّقت في الخارج بعينين متوترة، قبل أن تهمس بحدة، وكأنها تجادل نفسها: -المخطئ هو، وليس أنا! هناك الكثير من أمثاله في هذا العالم. ابتعدت عن النافذة، ثم استدارت نحو المرآة. تأملت انعكاسها بصمت، وكأنها تبحث عن إجابة وسط أفكارها المتشابكة. استرجعت المشهد في ذهنها مرة أخرى، وبدأت الشكوك تتسلل إلى عقلها، فتمتمت بتردد: -ربما... ربما لم يكن مخطئًا. ربما أنا من أخطأت. هزّت كتفيها محاولة طرد تلك الأفكار، ثم توجهت إلى المرحاض. فتحت صنبور المياه بقوة، وانحنت لتسمح للمياه الباردة بالانسياب على رأسها. رائحة الصابون المنعشة انتشرت في الهواء بينما كانت تغسل وجهها، علّها تبرد شيئًا من غضبها. تركت الماء يتساقط على شعرها، بينما كانت أفكارها تسبح بعيدًا، تتساءل في شرود: [من تلك الفتاة التي ركضت خلفها؟ وهل كانت السبب في دفعي إلى هذا المنحدر؟ أم أن شخصًا آخر فعل؟] وسط شرودها، سمعت صوت باب الغرفة يُفتح بهدوء، تلاه وقع خطوات تقترب، ثم جاءها صوت رغد القلق من خلف الباب: -ورد، هل أنتِ بخير؟ ثم أتبعت سؤالها بعتاب واضح، وهي تعبس بوجهها: -ستُصابين بالمرض بهذا الشكل! انتفضت ورد من أفكارها، وأغلقت الصنبور بسرعة. التقطت منشفة، وبدأت بتجفيف شعرها قبل أن تفتح الباب. التقت نظراتهما للحظة؛ رغد تراقبها بقلق وفضول، بينما ورد تحدّق بها بدهشة صامتة، قبل أن تزفر أنفاسها بهدوء. توجهت نحو حقيبتها، أخرجت منشفة أخرى ولفت بها شعرها، بينما ظلّت رغد تتابعها بنظرات تنتظر تفسيرًا لما حدث. أخيرًا، قطعت ورد الصمت، وقالت بصوت منخفض: -حسنًا... سأخبرك بكل شيء. روت ورد لرغد كل تفاصيل الموقف الذي حدث مع الشاب، وبينما كانت تسرد الأحداث، انفجرت رغد في ضحك متواصل، مستلقية على السرير، غير قادرة على تمالك نفسها. رمقتها ورد بامتعاض، حاجبيها معقودان بوضوح، وقالت بنبرة مزجت بين الجد والهزل: -لا تضحكي! أو ربما عليكِ أن تضحكي، فكل مغامراتي تتحول في النهاية إلى كوميديا سوداء! حاولت رغد تهدئة نفسها ومسحت دموع الضحك من عينيها، لكنها لم تستطع كبح ضحكاتها التي كانت تتجدد كلما تذكرت الموقف. عبست ورد قليلًا، ثم ما لبثت أن انضمت إليها في الضحك، وكأن التوتر الذي كان يثقل الأجواء قد تبدد تمامًا. خارج الغرفة، كانت ساكورا تتجه نحو الباب، عازمة على الاطمئنان على ورد، لكنها توقفت للحظة عندما سمعت أصوات ضحكاتهما تتردد في المكان. ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، ثم أدارت ظهرها بهدوء وغادرت بصمت، تاركة لهما لحظتهما الخاصة. بعد أن هدأ الجو، بدأت رغد بتوضيب أمتعتها بعناية داخل حقيبتها. كانت تُحكم السحّاب ببطء، وكأنها تحاول ترتيب أفكارها المبعثرة إلى جانب أغراضها. ثم التفتت نحو ورد قائلة بنبرة جادة، تتخللها نغمة من الامتعاض الخفيف: -هيا يا ورد، تأكدي من أنكِ لم تنسي شيئًا. ابتسمت ورد بخفة، وأخرجت شالًا طويلًا وواسعًا بغطاء للرأس، كبديل لما تبلل سابقًا. ارتدته بسرعة، ولفّته حول رأسها بإحكام. أخذت نفسًا عميقًا، ثم اتجهت نحو الباب وهي تقول ببساطة: -سأسبقكِ، وأعطِ حقيبتي لفادي. تنهدت رغد بامتعاض طفيف، متذكرة عادة صديقتها في التهرب من المهام. أمالت رأسها قليلًا وهي تتابعها بنظرات خفيفة، ثم تمتمت لنفسها بصوت هامس، بينما استمرت في ترتيب الحقائب: -يا إلهي! لم تتغيري أبدًا. كالعادة، ستذهبين إلى السطح لتوديع المكان، تاركة الأعباء على فادي. آهٍ منكِ يا ورد. بينما كانت تتحدث، كان صوت السحّاب وهو يُغلق الحقيبة يتردد في الغرفة الصامتة. رفعت رغد حقيبتها بحذر ووضعتها جانبًا، ثم توقفت للحظة لتراقب النافذة. أشعة الشمس الباكرة كانت تخترق الستائر الرقيقة، وتلقي بظلال طويلة على الأرضية، وكأنها تحاول إضفاء لمسة من الدفء على الجو البارد. الضوء في هذه الساعة كان لا يزال خافتًا، ذهبيًا ناعمًا، ممزوجًا ببرودة الشتاء التي لم تنتهِ بعد. الهواء القادم من النافذة كان يحمل معه رائحة الصباح الباردة، مما جعل الغرفة تبدو كأنها تعيش بين لحظتين: هدوء الليل ونشاط النهار. شعرت براحة غريبة تغمرها مع هذا الهدوء، رغم تعليقاتها الساخرة عن صديقتها. فجأة، فُتح الباب بقوة دون طرق، ودخلت أكينا بخطوات متسارعة. كانت علامات الانزعاج واضحة على وجهها، وعيناها تشتعلان بغضب غير معلن. رفعت رغد رأسها باندهاش، وهمّت بالحديث، لكن أكينا سبقتها قائلة بنبرة حادة ومتوترة: -ما الذي يظنه ذلك الأحمق؟ هيه، رغد، لا تثقي بالرجال! ارتسمت على وجه رغد نظرة استغراب، لكنها قررت عدم الدخول في نقاش الآن. عادت بهدوء إلى إكمال عملها، بينما كانت تفكر في كلمات أكينا بصمت. كانت تعلم أن هناك قصة خلف هذه الكلمات الحادة، لكنها اختارت تأجيل النقاش لوقت لاحق. متوقعة أن تنكشف التفاصيل لاحقًا. استمرت رغد في ترتيب الأغراض المتبقية، بينما كانت أصوات خطوات أكينا الثقيلة تتردد في الغرفة. كانت تتحرك ذهابًا وإيابًا، وكأنها تحاول تهدئة نفسها أو ربما تبحث عن شيء تفعله لتخفيف التوتر. بعد لحظات، توقفت أكينا فجأة، ونظرت نحو رغد بنظرة مليئة بالتحدي: -هل تعرفين؟ الرجال دائمًا ما يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء. هم... هم مجرد مصدر للمشاكل. ابتسمت رغد ابتسامة صغيرة، لكنها لم تجب. واصلت ترتيب أغراضها بهدوء، بينما كانت تفكر في كيفية التعامل مع هذه الفتاة الغاضبة. [ربما تحتاج فقط إلى وقت لتهدأ]، فكرت في نفسها. بينما كانت أكينا تجلس على حافة السرير، أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها للحظة. بدا وكأنها تحاول استعادة هدوئها، لكن مشاعر الغضب لا تزال تسيطر عليها. في تلك اللحظة، سمعتا صوت ضحكات خافتة قادمة من الخارج، حيث كان مايكل يروي بحماسية لساكورا وليو عن المغامرات التي عاشها خلال الأيام الماضية. ابتسمت رغد عند سماع الضحكات، وشعرت براحة غريبة تسكنها. قالت في نفسها بصوت هامس: -يا لها من نهاية لهذا الجنون. في هذه الأثناء، وصلت ورد إلى سطح الفندق، حيث استقبلتها نسمات الهواء الباردة التي تسلّلت برودتها إلى عظامها، مما دفعها إلى ضمّ ذراعيها حول جسدها في محاولة للاحتماء من البرد. تقدّمت ببطء نحو السور، متوخّية الحذر من الاقتراب أكثر، إذ لم يكن آمنًا تمامًا. حدّقت في السماء الواسعة التي اكتست بغيوم الشتاء الرمادية، بينما شقّت خيوط الشمس الخافتة طريقها من بين الفجوات القليلة في السحب، مُضفية على المشهد مزيجًا من الكآبة والسكينة. في الأفق، حلّقت الطيور بحرية، غير آبهة بالبرد أو الرياح، وكأنها لا تعرف شيئًا عن القيود. كان مشهدًا يبعث في قلبها شعورًا متناقضًا بين الراحة والحنين. أخذت نفسًا عميقًا، ثم همست لنفسها بصوت مسموع، وكأنها تخاطب تلك الطيور: -لو كنتُ طائرًا، لحلّقتُ بسلام... لكن صوتًا مألوفًا جاء من خلفها، هادئًا لكنه يحمل في طياته شيئًا من الغموض: -بل تقصدين: لو كنتُ طائرًا، لأصبحتُ حرًا. استدارت بسرعة، فوجدت فادي يقف خلفها، يراقبها بنظرة تحمل مزيجًا من الحزن والتأمل. للحظة، تلاشى شعورها بالهدوء، واستبدلته الدهشة التي سرعان ما تحولت إلى قلق. تأملته قليلًا، ثم سألت بتردد: -أخبرني، هل أنت بخير؟ نظر إليها بصمت، وكأنه يزن كلماته بعناية قبل أن يجيب بصوت خافت: -كيف عرفتِ أنني لست بخير؟ ابتسمت ورد ابتسامة صغيرة، رفعت رأسها نحو السماء للحظة، ثم أعادت نظرها إليه وقالت بثقة دافئة: -لأنني أعرفك أكثر من أي شخص. انفرجت شفتيه بابتسامة صامتة، قبل أن يجلس على الأرض متكئًا على يديه، محدقًا في الأفق بتنهيدة محملة بالذكريات. بعد لحظات من الصمت، تحدث بصوت خافت: -نعم، لطالما كنتِ تعرفين ذلك... كنتِ دائمًا تجدينني، حتى عندما أحاول الاختباء. اقتربت ورد منه وجلست بجانبه، عاقدة يديها حول ركبتيها. نظرت إليه بحذر، ثم سألت بقلق: -هل كنت تفكر فيه؟ رمقها بنظرة خاطفة، ثم أطرق برأسه. لم يكن متأكدًا كيف يتحدث عن الأمر معها، فهي آخر شخص يريد أن يثقل عليه بأحزانه. أطلق تنهدة طويلة قبل أن يقول بنبرة مليئة بالحزن: -ما يحزنني هو أنه رغم الفراق... كانت آخر كلماتنا باردة، وكأننا مجرد غرباء. انعكس الحزن في ملامح ورد، وبدأت تعبث بطرف شالها وهي تتمتم بصوت مختنق: - أحيانًا... أشعر أنني سبب كل شيء سيء... قاطعها فادي بلطف، مدركًا مدى ثقل هذه الأفكار عليها: - ششش، لا تقولي هذا! ثم، وكأنما أراد كسر جمود اللحظة، مد يده إلى غطاء رأسها وشده للأمام بطريقة طفولية، مما جعل مظهرها يبدو طريفًا. نظر إليها للحظة، ثم انفجر ضاحكًا. حدقت به ورد بملامح مصدومة قبل أن تزفر باستسلام، وأعادت تعديل غطاء رأسها قائلة بكبرياء مصطنع: -فادي، لا تفسد أناقتي! ضحك مجددًا ورفع يده كما لو كان يستسلم، قائلًا بمكر: -آسف! لن أفسد أناقتك. سأكون أكثر حذرًا في المرة القادمة. عم الصمت مجددًا، ورأت ورد في عينيه بعض الشرود مرة أخرى، فرفعت يدها وعبثت بشعره، محدثة فوضى طفولية فيه. حين نظرت إلى ما فعلته، انفجرت ضاحكة بمرح. أدار وجهه نحوها مبتسمًا، لكن عينيه انتبهتا فجأة إلى رغد التي تقف خلفها، تنظر إليهما بغضب واضح وشرر يتطاير من عينيها. تحدث فادي باستغراب: -ماذا؟ لماذا تبدين منزعجة إلى هذا الحد؟ ردت رغد بعتاب وهي تحدق في ورد بغضب: -أتمزح معي؟! جئتما إلى هنا لتلهوا وتضحكا بينما تركتماني أتعامل مع كل الأعباء بمفردي؟ حك فادي رأسه بحرج، وأجاب بنبرة اعتراف بينما ورد تتهرب من نظراتها تلهي نفسها بلا شيء: -حسنًا، أنتِ محقة. آسف على ذلك. ثم نهض بسرعة وأخذ الحقائب قائلًا بهدوء: -سأسبقكما إلى الأسفل. غادر فادي المكان، تاركًا رغد تحدق في ورد بعتاب واضح. جلست بجانبها وتنهدت وهي تقول: -لقد تركتني وحدي بينما جئتِ إلى هنا لتلعبي! حاولت ورد الدفاع عن نفسها، وقالت بتذمر: -لم أكن ألعب! وجدته هنا بالصدفة، وحاولتُ التخفيف عنه؛ فأنتِ تعلمين أنه ليس بخير مؤخرًا. هدأت رغد قليلًا بعد سماعها ذلك، وتنهدت وهي تقول بهدوء: -أعلم، لكن علينا أن نتذكر أننا فتيات. يجب أن نضع حدودًا، ولا نغفل عن مكانتنا. نظرت ورد إليها وكأنها استجمعت شجاعتها، وقالت بتردد: - بناءً على ذلك، رغد... أريد أن أخبركِ بشيء مهم. لكن قبل أن تتمكن من إكمال حديثها، قُطِع الحوار بدخول ساكورا التي علقت بسخرية: -يبدو أنكما أحببتما الفندق كثيرًا لدرجة أنكما لا تريدان الرحيل! أطلقت ورد تنهيدة استياء ومالت نحو رغد وهمست بصوت منخفض: -لماذا تأتي هذه الثرثارة دائمًا في الأوقات غير المناسبة؟ ضحكت رغد بصوت خافت، ثم تذكرت كلام ورد، فسألتها باهتمام: -ما الذي كنتِ تريدين قوله؟ تدخلت ساكورا مجددًا بسخرية زادت من انزعاج ورد: -ستعترف بمشاعرها وتخبركِ بأنها تُحب تسوروجا-ساما! تنهدت ورد مجددًا، ثم نهضت وهي تتجاهل تعليق ساكورا، وقالت أثناء سيرها نحو الدرج: -عندما تنتهي من درامتها، انضما إلينا بالأسفل، فهم بانتظارنا. غادرت ورد المكان بخطوات هادئة، بينما اشتعلت ساكورا غضبًا من كلماتها. حاولت رغد تهدئتها، لكنها قالت مما زاد من الموقف سوءًا: -هدئي من روعكِ، فأنتِ من بدأتِ هذا الجدال. نظرت ساكورا إليها بعينين تشتعلان غضبًا، مما دفع رغد إلى الهروب بسرعة نحو الباب وهي تهتف: -حسنًا، حسنًا! سأسبقكِ. خرجت رغد مسرعة، بينما ضحكت ساكورا على الموقف وهي تحدق بالسماء لفترة. ثم، دون أن تلتفت، قالت بصوت هادئ لكنه واثق: -يمكنكِ الخروج الآن...يتبع 《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما