《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》
《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》
نبدأ بسم الله...
_____________
بيت خالٍ من الدفء والحياة، أشبه بجدار بارد يفصل بينك وبين العالم الخارجي. كل غرفة تبدو كمتاهة مظلمة، حيث تتلاشى الألوان ويختفي الضوء. الجدران تعكس صدى كلماتك، لكن لا أحد يسمعها. الأثاث يبدو باردًا ومستهلكًا، كذكريات باهتة فقدت روحها، تنتظر بلا أمل في زمنٍ لن يعود.
ما زالت حبيسة غرفتها منذ وفاة شقيقتها، تتمدد على ظهرها تحدق في سقف الغرفة الذي حفظت تفاصيله عن ظهر قلب. تسيل الدموع من عينيها كلما عادت بذاكرتها إلى مشهد وفاة أختها. شعور القهر والظلم كان كجرح مفتوح لا يندمل. أغلقت عينيها، تاركة الدموع تنساب بحرقة. كانت تتساءل في صمت: كم من الآلام يمكن لقلب واحد أن يتحمل؟
أمٌ قاسية لا تبالي، أمرت بحبسها بعيدًا عن العالم. أختٌ رحلت، وأبٌ غائب لا تعلم عنه شيئًا، لكنها ما زالت تتمنى أن يأتي يومًا ليخلصها من هذا الجحيم.
نهضت من فراشها بتثاقل، ساقاها بالكاد تحملانها. توجهت نحو النافذة، وقفت عند الشرفة تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم. حاولت أن تجد في هدوء الليل ملاذًا لقلبها المضطرب، لكن السلام كان بعيد المنال.
وفجأة، فُتح الباب بعنف، مما قطع أفكارها. دخلت العاملة ذات العينين الزرقاوين والشعر القصير، تتقدم بخطوات غاضبة وكلمات لاذعة:
-أن أهتم بشخص مثلكِ؟ يا له من أمر مقرف!
وضعت صينية الطعام بقوة على الطاولة، نظرت إليها باحتقار، ثم أضافت بحدة:
-تناولي هذا بسرعة، عسى أن نتخلص منكِ قريبًا مثلما تخلصنا من أختكِ!
نظرت الفتاة إلى رحيلها بجمود، لا مشاعر تُظهرها ولا كلمات تنطق بها. فقط تنهيدة ثقيلة انطلقت من أعماقها. كم أصبحت تمقت هذا المكان ومن فيه!
تقدمت ببطء نحو المنضدة، حدقت في الطعام البائس الموضوع أمامها، والذي بالكاد يمكن وصفه بأنه صالح للأكل. تحدثت لنفسها:
[على الأقل... يسد رمق الجوع.]
أخذت لقمة تلو الأخرى، بالكاد تبتلعها. كان هذا الطعام المرير انعكاسًا لما أصبح عليه عالمها، قاسٍ بلا نكهة، لكنه الشيء الوحيد الذي يبقيها على قيد الحياة.
وسط الحشد، صدح صوت غاضب، جذب انتباه الجميع في المكان. اتكأت رغد على ورد وهمست بخفوت:
-رائع! يبدو أن هناك ماضيًا أسود يطفو من تفاعلهما.
رمقتها ورد بطرف عينها دون أن تعلق، ثم أومأت بصمت موافقة، متأهبة لمراقبة ما سيحدث. كان ليو يرمق ويليام بنظرة مليئة بالحقد، ثم صرخ بغضب مكتوم:
-أنت!
ظل ويليام ثابتًا في مكانه، لم ينطق بكلمة، لكن نظراته الباردة كانت تحمل الكثير. استدار فجأة ورحل بخطى واثقة دون أي تبرير، بينما صديقه الذي كان يتابع الموقف عن كثب، توجه إلى الجمع وقال بلهجة معتذرة:
-عذرًا، اسمحوا لي.
ثم هرول خلف ويليام، تاركًا خلفه تساؤلات تملأ الأجواء. كان الجميع ينظر إلى ليو بدهشة، فقد بدا في حالة من الغضب الشديد لم يعهدوها فيه. همست ورد إلى نفسها بصوت خافت وهي تراقب ليو:
-ترى، ما الذي حدث بينهما ليصل به الأمر إلى هذا الحد؟
بعد فترة، وبينما كانوا في السيارة، جلست ورد تحدق في النافذة بشرود. مشاعر متناقضة تملأها، وعادت بذاكرتها إلى مواجهة ليو وويليام. وبينما كان فادي يضمد الجروح والخدوش على وجهها بعناية، توقف فجأة وحدق بها متسائلًا:
-هل يؤلمكِ؟
التفتت إليه ورد بسرعة، متفاجئة من سؤاله، ثم ردت بامتنان:
-لا، لم أشعر بشيء.
ابتسم فادي ابتسامة خفيفة وقال:
-حسنًا، لكن لا تشغلي بالكِ بأمور قد لا تستحق.
هزت ورد رأسها بخفة، لكن عقلها بدأ يعمل. كان يحاول استدراجها للحديث، والآن يعاتبها بشكل مبطن. شعرت بالإحراج، لكنه تابع عمله وهو يضحك.
نظرت إليه بهدوء، بينما كانت تستعيد محادثتهما الهاتفية في ذهنها. شعرت بالذنب واعتذرت بصدق، قائلة وهي تراقب أنامله وهي تكمل عملها:
-أعتذر لأنني أقلقتك. أعلم أنك كنت غاضبًا وقلقًا أثناء حديثنا على الهاتف.
أنهى فادي عمله، ثم ابتسم بطمأنينة وقال:
-لا بأس، المهم أنكِ عدتِ إلينا بسلام. ولكن... على ذكر ذلك، ما الذي حدث بالضبط ليسقط هاتفكِ؟
جلست رغد بجانب ورد، وعلى وجهها تعبير واضح يعكس الفضول. أدركت ورد أنها تريد معرفة التفاصيل، فوضعت يدها على رأسها بتعب، ثم تحدثت بسرعة وإيجاز:
-بما أنك سألت، مررتُ بموقف صعب. دفعني أحدهم من الخلف، وذاك المتعجرف أنقذني، وفي أثناء ذلك، سقط هاتفي من المنحدر عندما كنت أتحدث معك.
حدق فادي فيها بدهشة، وقال بنبرة قلقة:
-ماذا؟ شخص ما دفعكِ نحو المنحدر؟
أما رغد، فقد بدت على وجهها علامات الفضول أكثر، لكنها كتمت ضحكة خفيفة وسألت بلهجة ماكرة:
-على ذكر ”المتعجرف“ من تقصدينه؟
نظرت ورد إليها بدهشة ممتزجة بالاستياء، وردت بنبرة عتاب واضحة:
-أهذا ما يشغل بالك الآن؟! لقد سقطت من على منحدر، أعيد وأكرر، سقطت من منحدر! هل تدركين ذلك؟!
ضحكت رغد بصوت خافت، محاولة استفزازها أكثر، وقالت بمكر:
-نعم، نعم، وها أنتِ ما زلتِ على قيد الحياة. لكن الأهم... من هذا المتعجرف؟
لم يتمالك فادي نفسه من الابتسام وهو يراقب حوارهما. أنهى تضميد جرح ورد، ثم نهض وغادر السيارة بهدوء، تاركًا لهما المجال للحديث. قبل أن يغادر تمامًا، توقف والتفت ليقول:
-على ذكر ذلك المتعجرف... لم يعجبني الأمر، لكنني مضطر للاعتراف بأنني ممتن لأنه أنقذكِ. اه، رغد، اعتني بذراع ورد جيدًا.
ثم غادر ليتحقق من حالة ليو، الذي بدت عليه علامات التعب والانهيار.
ابتسمت ورد فور سماعها حديث فادي، ثم التفتت إلى رغد بذهول. كانت رغد تحدق بها بفضول واضح، فتحدثت ورد بنبرة مريبة:
-ماذا؟
ردت رغد، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة:
-من هو ذلك المتعجرف؟
وضعت ورد يدها على وجهها بإحباط، ثم أزاحتها وهي تنظر إلى صديقتها بحنق، قائلة بنبرة غيظ:
-ذلك المتعجرف الذي كان يضحك وقتها!
لطالما كانت ورد تختصر في الكلام أو تبالغ حسب المواقف، مما جعلها لا تتردد في التعبير بحرية. كانت تعتمد على الإيماءات واللمحات لإيصال رسائلها. وعندما لاحظت تعبير وجه صديقتها، أدركت أنها فهمتها، فقالت رغد بدهشة:
-هل تقصدين الحادثة التي أغضبت السيد ليو؟
أومأت ورد برأسها، ثم حولت نظرها نحو النافذة، حيث لفتت انتباهها قطة تمر بجوار السيارة. وبينما كانت تتابع القطة بنظراتها، سألت بنبرة متأملة:
-بالمناسبة، أتساءل ماذا حدث بينهما؟
رفعت رغد رأسها عن عملها، واضعة القطن المعقم جانبًا، وأجابت بنبرة حازمة:
-لا شأن لنا بذلك.
ثم أضافت بنبرة مفعمة بالنصح، وهي تبتسم ابتسامة خفيفة:
-الفضول ليس دائمًا شيئًا جيدًا. أحيانًا، من الأفضل أن نبتعد عن الأمور التي لا تعنينا.
أنهت رغد كلامها بابتسامة مرحة وقالت مازحة:
-والآن، فلننهي معالجة جروحك قبل أن تنسى أنها بحاجة للعناية!
في تلك اللحظة، انبعثت ضحكة خفيفة من الخلف، وظهرت ساكورا فجأة، وقد أسدلت شعرها أمام وجهها في محاولة لإخافتهما. نظرت إليهما بخبث وقالت:
-هل يهمك أمره إلى هذه الدرجة؟
فوجئت رغد وصرخت بخوف، واضعة يدها على قلبها:
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
أما ورد، التي أصيبت بالذعر أيضًا، نظرت إليها بانزعاج وقالت، خلال حديثها:
-لم أكن أعلم أنكِ تتصرفين كالطفلة! كنت أعتقد أنكِ شخص عاقل عندما التقينا لأول مرة!
ابتسمت ساكورا بسخرية ثم رفعت شعرها إلى الوراء، وقالت:
-بصراحة، عندما أتحدث معكم يا فتيات، أشعر وكأنني صغرت سنوات. لا تلوميني، فأنتِ السبب في ذلك... أنا عادة هادئة مع الجميع، لكن معكِ أنتِ فقط لا!
تجاهلت ورد كلامها، ثم بدأت تهمس لصديقتها:
-إنها ثرثارة، دعكِ منها.
شعرت ساكورا بالاستياء، وأسكبت بعض الماء من زجاجتها على ورد قائلةً:
-هذا لكي لا تتجاهلي من هم أكبر منكِ يا معجبة بتسوروجا سان.
ثم غادرت بعد أن حققت هدفها في إزعاجها قليلًا. نظرت ورد بصدمة أثناء تكرارها لحديث ساكورا:
-معجبة بتسوروجا سان؟!
ثم تحدثت بانفعال شديد وضربت قدمها على السيارة قائلةً:
-كيف لها أن تقول ذلك؟ أنا لستُ معجبة بأحد!
حاولت رغد تهدئتها وأمسكت بذراعها لتضمدها قائلةً:
-اهدئي، سأضمد لكِ جرحك.
تأوهت ورد ثم تحدثت بتذمر:
-إنه مجرد خدش، لا تضخمي الأمر.
همهمت رغد بسخرية ثم أجابت أثناء تطهير الجرح:
-أجل، أجل، وتأوهكِ هذا يثبت ذلك.
فجأة، وعند رد فعل غير متوقع، سحبت ورد ذراعها عندما تذكرت إصابتها التي كانت تخفيها. نظرت إليها رغد بدهشة، وفور أن لاحظت ذلك، عضت على شفتها ثم تداركت الأمر بقولها بتظاهر:
-صدقتِ، شعرت بالألم للحظة.
أنهت حديثها بابتسامة مصطنعة، محاولةً التهرب من نظرات الشك التي قد تكون في عيون رغد. تنهدت رغد باستسلام وقررت أن تمرر هذا اليوم دون جدال، معتقدة بأنها ستعرف كل شيء عاجلًا.
في تلك الأثناء، جلس فادي بجانب ليو الذي استدار بوجهه نحوه قائلًا بهدوء:
-لا تسألني، فأنا لا أريد الحديث عن ذلك الأمر.
ابتسم فادي ثم استند على الحائط وهو يجيبه بهدوء:
-لا تقلق، لن أسألك.
تحدثت أكينا، التي كانت تراقب الموقف جالسة على مقدمة السيارة:
-انظر إلى من كانا يتشاجران قبل مجيئنا!
قهقه مايكل الذي كان يجلس بجانبها، ثم ابتسم مخاطبًا نفسه:
[من يراهما يظن أنهما أصدقاء منذ زمن.]
بينما كانت ساكورا منهمكة في متابعة آخر المستجدات عبر الحاسوب، أنهت رغد تضميد جرح صديقتها، وعادت إلى المقعد الخلفي لتستريح قليلًا.
لكن ورد، التي لم تعد تتحمل ثقل الصمت، تحركت من مكانها وجلست إلى جانبها، وسألت بصوت يحمل قلقًا خفيًّا:
- ماذا حدث في القضية؟
فتحت رغد إحدى عينيها، كأنها تعود من غمرة ثقيلة من التعب، ثم تنهدت، وقالت، وكلماتها تخرج ببطء كأنها تجرّها من ذاكرة متعبة:
- لقد أنهى السيد مايكل التحقيق في القضية. اتضح أن المقتول كان أحد أفراد العصابة وقد تخلصوا منه لأنه بدأ يهدد بكشف أسرارهم. أما جيمي... فلم يكن منهم؛ لقد كانت القضية مجرد عداوة كما ظننتم.
توقفت لحظة، ثم أكملت، وصوتها يحمل انبهارًا خفيًّا:
-لكن ما كشف اللغز كله... أن السيد مايكل اشتم رائحة غريبة في بقايا المخدر التي عثر عليها قرب الجثة. فأمر بتحليل عاجل، فاتضح أنهم يخلطونه بسم جديد، مادة سامة معدلة كيميائيًّا، لم يُسجل وجودها من قبل.
ثم خفضت صوتها، كأن السر ثقيل لا يحمل بسهولة:
-ومن هناك بدأ يربط الخيوط. ذلك السم مرتبط بشبكة إجرامية تدعى ”الظل“ يبحث عنها منذ عامين. فعرف حينها أن المقتول لم يكن ضحية عابرة... بل كان مختبرًا بشريًّا.
صمتت قليلًا، ثم أضافت:
- ومع ذلك، اكتشفنا أن اسم جيمي مزور. وهو الآن هارب... لا نعلم إلى أين ذهب، ولا من ساعده على الاختفاء.
ثم نظرت إلى ورد، وعيناها تحملان سؤالًا لم تفصح عنه:
- وهناك أمر آخر... السيد مايكل طلب من أحد المخبرين أن يتتبّع مكانكِ. فذهب إلى آخر مكان رصدتِ فيه... لكنه لم يجدكِ. كأنكِ... لم تكوني هناك من الأساس.
ضربت ورد كفّها بفخذها من شدة الانفعال، وصاحت:
- لماذا يحدث كل هذا؟ كيف سنعثر على دليل يقودنا إليهم؟
تنهدت رغد، وارتفعت على شفتيها ابتسامة باهتة، كأنها تتذكر شيئًا، هامسة بخفوت:
- كما توقعت... ستتجاهلين آخر كلامي.
ثم أغلقت عينيها، لكنها همست بصوت ضعيف كأنها تقاوم:
- لا أعلم... لكن الأمل ما زال حيًّا. سنعرف الحقيقة... في النهاية. دعيني أسترح قليلًا.
ابتسمت ورد لها برفق، ثم نظرت إلى السماء، وهمست بصوت غير مسموع:
-أرجو من الله أن نكتشف هذا الأمر... قريبًا.
بعد دقائق قليلة، حضر ليو وفادي واستقلا السيارة لاستكمال الرحلة. بينما كانوا يسيرون، نظرت إليهما ورد، ثم بعد لحظات من الصمت، سألت:
-إلى أين نتجه الآن؟
أجاب فادي بهدوء وهو ينظر إلى هاتفه:
-سنذهب إلى مكان نمكث فيه الليلة.
همست رغد بهدوء ظاهر، محاولة التظاهر بالهدوء:
-أرجو أن يمضي اليوم على خير.
بعد ساعة من الانتقال، وصلوا إلى فندق حيث سيقضون ليلتهم. خرجت ساكورا من السيارة الأخرى، وألقت نظرة نحو الفتيات، قائلة:
-سنبقى في غرفة مشتركة، والشباب كذلك. لقد حجزنا غرفتين فقط.
نزل البقية من السيارة باستثناء ورد التي بقيت جالسة داخلها، وقالت بتذمر:
-لماذا علينا مشاركة الغرفة؟
سمعوا انتقادها فابتسموا. اقترب فادي من نافذة السيارة وتحدث مستفزًا:
-لأنه قدرك.
حدجته ورد بنظرة منزعجة وقالت:
-فادي، هذا ليس الوقت لإزعاجي! افتح الباب لأتمكن من الخروج.
فتح لها الباب، وبينما خرجت، تفوهت أكينا التي كانت تحمل حلوى تأكلها:
-توخي الحذر، قد تتعثرين من غيظك.
وجهت ورد إليها نظرة ثاقبة، فابتلعت أكينا ريقها ثم تناولت حلوتها في صمت، مبتعدة عنها. في حين كانت ساكورا تضحك وتفكر في استخدام أكينا كرفيقة للإزعاج.
عند دخولهم الفندق، نظرت رغد حولها بدهشة وقالت:
-غريب! المكان جميل وواسع، لماذا حُجزت غرفتان فقط؟
تقدمت ساكورا لتوضح الأمر:
-ليس هناك غرفتان فقط، بل هناك عدة غرف، لكن بسبب الزوار الذين حجزوا الغرف مسبقًا، لم يتبقَ سوى غرفتين. ولذلك حجزناهما قبل فوات الأوان.
ابتسمت رغد ثم نظرت خلفها لتتحدث مع ورد، فوجدتها تتجاهلها ومنزعجة. فهمت السبب وضحكت. استغربت ساكورا وسألت:
-عذرًا، هل قلت شيئًا مضحكًا؟
ابتسمت رغد بخجل لأنها جعلت ساكورا تظن ذلك، وقالت لتوضح الأمر:
-لا، لم أضحك على كلامك، بل ضحكت لسبب آخر.
وعادت بنظرها نحو صديقتها التي كانت تسير بعبوس. فهمت ساكورا ما قصدته، ثم ابتسمت بتفهم. في حين اقتربت أكينا من ورد العابسة، وتحدثت بجدية:
-هل علمتِ بما توصلنا إليه؟
وجهت ورد إليها نظرة متعجبة من جدية كلامها التي لم تكن تراها من قبل. ثم انتبهت إلى عبوس أكينا، وحمحمت لتغطية ضحكتها، وقالت:
-نعم، أشعر أننا في متاهات لا نستطيع الخروج منها.
حدقت أكينا فيها للحظات، ثم وجهت نظراتها نحو طريقها، متفقة معها في الرأي. صعد كل منهم إلى غرفته، ثم أخرجت ورد بعض الثياب من حقيبتها واقتربت نحو صديقتها لتحذرها همسًا:
-ارتدي الطاقية الصوفية التي من حياكتي، فنحن لا نثق بالغرباء.
أنهت جملتها وهي تحدق في ساكورا، فأومأت رغد برأسها، بينما توجهت ورد نحو باب المرحاض قائلة لكي يسمعوا حديثها:
-سأذهب إلى المرحاض.
دخلت ثم أقفلت الباب بإحكام. ابتسمت ساكورا، وضعت حاسوبها على الفراش وفتحته، فوجدت أخبارًا سيئة. أغلقته بانزعاج، ثم فتحت هاتفها واتصلت بأحدهم لتباشر الحديث:
"كيف لم تجده؟"
"حاولنا تعقبه، لكننا فقدنا أثره. ربما علم أننا نتعقبه عبر هاتفه فتخلص منه نهائيًا."
"حسنًا، كيف سنجده الآن، هيروشي-ساما؟"
"لا تقلقي، سأبحث عنه جيدًا وسأعلمك بالأمر."
أغلقت الخط فور انتهائها، لتنظر إلى الهاتف بحزن، بينما شعرت بالخجل من تصرفها. همست بصوت غير مسموع:
-لماذا تحدثتُ معه بهذا الشكل؟
بعد ذلك، أخذت معطفها وغادرت الغرفة. بعد لحظات، خرجت ورد من المرحاض، وهي تجفف شعرها قائلة بارتياح:
-الحمد لله أنها غادرت، لكي أستطيع تجفيف شعري جيدًا.
ابتسمت رغد وهي تكتم ضحكاتها كي لا توقظ أكينا، ثم نهضت من الفراش آخذة ثيابها معها، قائلة بصوت خافت:
-حسنًا، حان دوري لتغيير ثيابي.
ابتسمت لها ورد، ثم قلدت خدام القصر في الروايات الخيالية، قاصدة المزاح:
-تفضلي أميرتي إلى الداخل.
تبادلا نظرات قصيرة وضحكتا بخفة، لكن فور انتباههما إلى الصوت الذي أصدرته أكينا أثناء نومها، صمتا على الفور. فتوجهت رغد إلى المرحاض، بينما جلست ورد لتمشط شعرها. وعندما انتهت، توجهت نحو حقيبتها لتخرج حجابها وتصلي، ثم أعادت كل شيء إلى مكانه، وارتدت شالًا واسعًا وطويلًا بغطاء رأس فوق فستانها الواسع. فتحدثت خلف باب المرحاض لكي تسمعها الأخرى أثناء تغطية شعرها بالقلنسوة:
-رغد، سأذهب لأستنشق بعض الهواء.
غادرت الغرفة وهي مبتسمة، ثم صعدت قليلًا للابتعاد عنها حتى وصلت إلى مكانها المفضل، السطح. نظرت إلى السماء وقالت بسعادة:
-الحمد لله، أشعر الآن بالراحة كما لو كنتُ في كابوس.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خلفها يضحك، ثم رد بسخرية:
-بالطبع، فأنتِ مررتِ بعدة مشاكل.
عبست وجهها، ثم التفتت لتنظر خلفها بدهشة، وقالت همسًا:
-أنتَ!...يتبع
《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما