《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》
《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》
نبدأ بسم الله...
___________
يمكن للجميع أن يتظاهروا بالمودة، واللطف، والجمال، لكن ما يخفونه في داخلهم قد يكون الأسوأ: الحقد، والكراهية، والنفاق. لن تتعرف إلى حقيقة من حولك إلا عند وقوعك، أو عندما تتساقط أقنعتهم. لا تكن ساذجًا، افتح حواسك جيدًا، واستعد للعب معهم من خلال تغيير الأقنعة بمهارة.
في غرفة فسيحة، بتصميمات جميلة وألوان زاهية، مريحة للعين، تجلس فتاة ذات شعر كستنائي يصل إلى ما بعد كتفيها، تحدق بعينيها نحو السماء، ولون عينيها متطابق. تحمل بيديها كوب قهوة، تستمتع بهذا المنظر البهي في الصباح الباكر، مع أصوات الطيور والرياح التي تهب في الأرجاء، مما يضيف إلى جمال السماء. فجأة، أفاقت على صوت جودي التي تحمل بيدها الفطور، قائلةً باستياء:
- آنستي...
قاطعتها الفتاة بنظرة مستاءة وصوت حاد قليلًا:
- لم أسمع جيدًا!
ثم أكملت بنبرة هادئة، وهي تبتسم بتصنع:
- ماذا قلتِ؟
تسمرت جودي في مكانها، وأدركت خطأها، ابتلعت ريقها ثم فتحت فمها لترد، لكن لم تستطع. رفعت بصرها نحو الفتاة بتوتر، ووجدت إصرارها على حثها على نطق اسمها على نحو صحيح. شعرت بالثقل لعدم اعتيادها على ذلك، على الرغم من وجودها هنا منذ سنوات. فتحت فمها مرة أخرى، وقالت بصوت منخفض:
- آ... أنس... أعتذر... آس... يا.
- لم أسمع!
ردت آسيا بنبرة مستمتعة، فهي تحب العبث، وتدرك جيدًا صعوبة الأمر بالنسبة إلى جودي. كانت جودي تتجنب النظر إلى الفتاة التي تجلس أمامها، لكنها أدركت أنها يجب أن تعتاد على ذلك. لسوء حظ جودي، وقعت على شخص لا يهتم بمكانته ويكره الرسميات، ولا تكترث للآخرين، خصوصًا عائلتها. هي تريد إلزام حد كل منهم واحدًا تلو الآخر، لكنها تحتاج إلى قوة أو مكانة أعلى منها ومن عائلتها. ابتسمت آسيا عند تذكر هدفها، ومجددًا ستنتقم من أجل بنات عمتها، فقط تنتظر الوقت المناسب.
نظرت جودي بعدم تصديق عندما طال الصمت. هل هي جادة إلى هذا الحد؟ وجدت إصرارها، فعبست دون قصد.
شعرت بالتعب حقًا، لم يجدوا لها سيدة غيرها لتخدمها! نفت برأسها لتطرد هذه الأفكار. كيف يمكنها أن تقول هذا؟ وهي في نعمة سيدتها التي لم تزعجها بطلبات فوق طاقتها، أو تحثها على أعمال غير أخلاقية وشريرة كما يفعل أفراد العائلة الآخرين في القصر.
تمتمت بصوت شبيه بالهمس، لم تدرك أن آسيا قد سمعت فابتسمت لها بلطف:
- على الأقل، مكاني هنا في بر الأمان.
تنهدت ثم قالت بحزم، وهي ترفع بصرها، لكن ثقتها تلاشت في لحظة واستبدلت بالتردد:
- دعينا من ذلك، آ. آسيا.
عندما رأت آسيا تبتسم ابتسامة عريضة مستمتعة، شعرت بالانزعاج ثم أكملت بجدية:
- لماذا أصبحتِ تأكلين هنا، وليس مع العائلة في الأسفل؟
عبست آسيا، ظنت أنها ستسألها عن شيء مهم. ها هي تبدأ بالحديث عن العائلة مرة أخرى. توجهت نحو المرحاض لتغسل يديها، تاركة الأخرى تنتظر الإجابة. بعد انتهائها، تقدمت نحو الفطور، وجلست، ثم قالت بنبرة ودودة، وهي تشير إلى المقعد المقابل لها:
- دعينا نستمتع بالفطور، ولا نفسد مزاجنا الصباحي.
أنهت حديثها بابتسامة واسعة، جعلت الأخرى تفهم المقصود. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم جلست، تخشى سيدتها رغم كل شيء. لطفها وطيبتها شيء، وغضبها شيء آخر، لن يفهمه، ولن يعرفه إلا من كان معها في كل الأوقات.
قاطعت آسيا حبل أفكار جودي السوداوية بحديثٍ متحمس:
- والآن دعينا نرسم الخطة جيدًا!
_____
داخل سيارة مايكل، الذي يقود بتركيزٍ صارم، بدأ الصمت يثقل المكان كضبابٍ لا يُرى. لم يعد يحتمل هذا السكون المطبق، رغم تردده في كل مرةٍ تملّكه فيها رغبة الكلام.
لكنه هذه المرة تجرّأ، قرّر أن يكسر الجليد، ليس من أجل فادي تحديدًا، بل لينتزع نفسه من رتابة الطريق:
- هل تعتقد أنهم سيصلون إلى شيء… يقودنا إلى هذا الشاب؟
لم يرد فادي. سمع السؤال، لكنه كأنه لم يسمعه. كان غارقًا في دوامة من الذكريات، صورٌ قديمة، كلمات لم تُقال، لحظات تمنّى لو أنه غيّر مسارها. على وجهه، رسمت ملامحه خليطًا من الغضب الصامت والحزن العميق، كأن قلبه يئن دون صوت.
مايكل، الذي كان يراقبه من طرف العين بين الحين والآخر، لاحظ التغير. فعاد مُجددًا، بصوتٍ أخفض هذه المرة، كأنه يهمس لئلا يفزع ما يكمن داخله:
- هل حدث شيء يزعجك؟
ارتعد فادي للحظة، أدرك أن ملامحه فضحته. رتّب أفكاره وهو يحدّق في الطريق كأنه يبحث عن هروب من سؤالٍ لا يريد الإجابة عنه. ثم أجاب، بهدوءٍ يخفي عاصفة:
- أتمنى أن يصلوا إلى شيء.
رفع مايكل حاجبيه، متفاجئًا. لم يكن يتوقع ردًّا، نسي سؤاله الأول للحظة، وأدرك أن فادي قد سمعه منذ البداية. لكنه اختار الصمت.
تساءل في نفسه: [هل كان يتجاهلني؟ أم أن شيئًا أعمق من ذلك يُشغله؟]
تنهّد، وعاد ليُركّز على الطريق. لن يُصدر حُكمًا مسبقًا. سيترك الأفعال تتكلم. سيترك الزمن يكشف ما تخفيه العيون.
ساد الصمت من جديد، هذه المرة أثقل، كأنه ينتظر شيئًا ما.
حتى وصلوا.
أوقف مايكل المحرك، ثم قال بهدوء:
- لقد وصلنا.
فادي كان منكبًّا على هاتفه، أو هكذا ظنّ مايكل. لكن في الحقيقة، لم يكن يقرأ الأخبار… بل كان يحدّق في أمر ما، كأنه يرى فيها شيئًا لا يراه غيره. أغلق الهاتف، نظر حوله ببطء، ثم فتح الباب.
نزل الاثنان. تفقّد مايكل المكان بنظرةٍ سريعة، ثم تقدّم خطواتٍ وهو يقول:
- سأسبقكم. سأستطلع المكان ريثما تستيقظان.
أومأ فادي دون كلام، ثم تنهّد كأنه يحمل على كتفيه وزن يومٍ كامل. توجّه نحو السيارة التي تجلس فيها ورد، وطرَقَ نافذتها بلطفٍ في البداية، ثم بحزمٍ أكثر.
داخل السيارة، كانت ورد غارقة في حلمٍ غريب. فجأة، ارتفع صوتها وهي تصرخ بحدّة:
- أيّتها الشريرة! اتركي وجبتي!
ثم توقّفت. فتحت عينيها. وجدت فادي واقفًا أمامها، ينظر إليها بانبهارٍ خفيف، كأنه يتساءل: أين أتت هذه المجنونة؟
احمرّت ورد من الخجل. لكنّها، ببراعةٍ أنثويةٍ ممزوجةٍ بالسخرية، ضحكت لتُخفّف الموقف:
- هل سمعت شيئًا؟
لم يرد.
ساد صمت قصير، ثقيل بمعنى لا يُقال.
رأت في عينيه نظرة… ليست سخرية، ولا عتاب. بل شيئًا أقرب إلى الشفقة. فاستفزّها ذلك، ليس لأنه جرحها، بل لأنه جعلها تشعر بالإحراج.
فقاطعت الصمت بلهجةٍ ناعمة، لكنها تحمل لمسةَ دعابة:
- ماذا؟ لمَ تحدّق بي هكذا؟ كأنك تشفق على قطة صغيرة تاهت في الشارع؟
عاد الصمت مرة أخرى. انتبهت ورد لصمته غير المعتاد، فقد كان يجاريها في الحديث ويمزح معها. شعرت بالغرابة وهي على وشك فتح فمها، لكنه فاجأها بقوله، بصوتٍ هادئ، كأنه يُنهي الحديث:
- تتوهمين بذلك، والأهم من هذا، أيقظي صديقتك.
أشار بإبهامه نحو مقدمة السيارة ليعلمها أنه سيكون هناك، ثم انطلق دون انتظار ردّ، واستند إلى غطاء المحرك في انتظار مايكل بصمت.
لاحظت ورد سلوكه الغريب وهمست لنفسها، متأملة:
- عجيب... ليس على عادته! ترى هل حدث شيء أثناء نومنا؟
ثم حدقت بصديقتها التي كانت تبتسم في نومها، ابتسامة هادئة، كأنها تتجوّل في عالم لا يعرف الألم.
ابتسمت ورد، ولمسَت خدها بلطف، ثم همست بصوت مسموع:
- ابتسامتك تشير إلى أنك رأيت حلمًا جميلًا... أعتذر على إيقاظك.
هزّتها برفق، ونادتها باسمها حتى فتحت رغد عينيها، ونظرت إليها في أثناء تثاؤبها، ثم تحدثت قليلًا بانزعاج:
- لقد قطعتِ حلمي!
ثم، عندما أدركت أنهما وحدهما، سألت ببحة:
- هل وصلنا؟
أجابتها ورد وهي تبتعد وتنظر من نافذة السيارة:
- أعتقد ذلك.
تذكرت شيئًا فجأة، ففتحت باب السيارة، وأخذت قطعة خبز وعلبة حليب من حقيبتها، ثم قالت وهي تغادر السيارة:
- حسنًا، ابقي هنا. سأذهب إلى فادي، فهو لم يأكل شيئًا منذ الصباح.
ردت رغد، وهي تلوّح بيدها بنعاس، كأنها تطرد فكرة اليقظة:
- حسنًا... حسنًا. وأنا سأكمل حلمي.
ثم عادت للنوم، وابتسمت ورد من تصرفها. بعد ذلك، توجّهت نحو فادي، حتى وصلت، مدت يدها له بطعامها الصغير، بأسلوب مشاغب خلال حديثها مع ابتسامة:
- تفضل. معدتك فارغة منذ الصباح، ولا يُعقل أن تستمر هكذا.
ابتسم، وأخذ ما قدّمته. كان على وشك أن يقسم الخبز، لكنها منعته بسرعة:
- لا! نحن أكلنا قبل أن ننام… هذا كله لك.
أجاب بهدوء وبدأ بتناول الطعام:
- حسنًا.
جلست ورد على مقدمة السيارة، تحدّق في الأفق كأنها تبحث عن إجابةٍ لم تُطرح بعد. ثم أخرجت هاتفها من جيب الفستان المخفي تحت الرداء، وتصفّحت إشعاراتها المُتراكمة بينما تهمس:
- ما كل هذه المكالمات والرسائل؟
قرأت واحدة تلو الأخرى:
"ورد، هل حدث شيء مريب عند وصولكم؟"
"هل وصلتم أصلًا؟ اتصلت بك وبـرغد، وليو اتصل بفادي… لكن هاتفه كان خارج التغطية. هذا يقلقنا."
"ليو تحدّث مع مايكل قبل قليل، لكنه الآن لا يردّ على مكالماته!"
"صحيح، لقد وصلنا… لكننا ما زلنا نحقّق في الأمر."
"هيه، ورد! لماذا لا يردّ أحد منكم؟ هل حدث شيء؟"
صدرت عنها تنهيدة مليئة بالتعب والحيرة. ثم همست، كأن التعب جثم على صدرها:
- أرجو من الله أن يجدوا شيئًا مفيدًا...
حدقت في فادي بقلقٍ خفي، وخاطبت نفسها:
[من الواضح أن شيئًا ما حدث... الأجواء حوله خانقة. لا يجدر بي أن أزعجه الآن.]
لكنه لاحظ نظراتها. فأدركت أن عينيها فضحتاها.
فأعادت الابتسامة، مزيّفة هذه المرة، ونهضت، تراجعت قليلًا، واستندت إلى السيارة من الخلف.
تصفّحت قائمة الاتصالات، ثم، بعد تردّد، ضغطت على اسم واحد… واتصلت.
في تلك الأثناء، في مدينة أخرى، كان ليو يقف بعيدًا عن ساكورا، يشرب الماء، ويغسل يديه ووجهه ليتمكن من التركيز في القضية. أما أكينا، التي أعادت دفترها إلى جيبها، قالت بملل:
- يا له من أمر مرهق... لم نعثر على شيء يفيدنا.
حدق بها للحظات حتى لاحظ هاتفها يرن، فأشار إليه وهو يقول:
- لا تتشائمي. بالمناسبة، هاتفك يرن.
أسرعت أكينا نحو الهاتف، وعندما رأت اسم المتصل، تحدثت بارتياح:
- إنها ورد!
ثم أجابت فورًا، بنبرة ممزوجة بالقلق والدعابة:
" هيه، يا فتاة! أأنتِ بخير؟ أم تم اختطافك؟ دعيني أخبرك بكيفية توجيه الضربات إلى المجرم في المواضع الألم لديه."
في الطرف الآخر، انعقد لسان ورد من شدة الصدمة.
فلاحظ ليو الصمت، وتنهد بيأس، ثم أخذ الهاتف منها، مدركًا أنها متوترة أكثر مما تظهر:
"مرحبًا بالفتاة المتثاقلة... أخيرًا تذكرتم أن هناك شيئًا يسمى الهاتف."
عادت ورد إلى طبيعتها، وأجابت بملل:
"لا أؤدي دور الفتاة المتثاقلة."
ثم صمتت لحظة، قبل أن تواصل بصوت يحمل لمسة حزين... لأنها غفت وفاتها الكثير من المناظر الخلابة:
"لقد انتبهت إلى الرسائل للتو."
لم يُبدِ ليو أي تعليق، بل انتقل مباشرة إلى صلب الموضوع متجاهلًا الأمر، مدركًا أنها لن تتحدث عنه:
" تم تزييف اسم جيمي وعمره، كما توقعت، موغامي-سان. الآن تحاول التعرف على التفاصيل بدقة. "
أجابته بذهول:
"لحظة! هل تقول إن كلاكما تركتماها تبحث بمفردها؟"
ضحك ليو ضحكة خفيفة بعد تذكره للأمر، ثم تحدث:
"على ذكرك بهذا... هي لا تريد منّا أن نتدخل. تريد أن تكتشف الأمر بنفسها."
همهمت ثم ردت بعدم اكتراث:
"حسنًا... عندما تنتهون من التحقيق، أبلغونا."
فجأة، صاحت به ساكورا، التي أنهت للتو مكالمتها مع أحد معارفها أثناء التحقيق من بعيد:
-ليو!
التفت إليها ليو، فاختصر المكالمة بلهجة عاجلة:
"حسنًا... إلى اللقاء." ثم أغلق المكالمة.
فور قطع المكالمة، توجهت ورد نحو الباب. لكن قبل أن تمدّ يدها، تجمدت. شعرت، أو تخيّلت، أن هناك عينًا تراقبها في المكان.
التفتت إلى الخلف بسرعة لتلقي نظرة، فلم تجد شيئًا، رياح خفيفة تحرّك أوراق الشجر. أسرعت بفتح الباب، ودخلت السيارة، قلبها يدق كأنه يحذرها من شيء لم تره بعد.
كانت يداها ترتجفان... ولم تلاحظ أن رغد تراقبها.
تحدثت رغد باستغراب:
- هل حدث شيء؟
مدّت رغد يدها بلطف نحو كتفها. لكن اللمسة رغم نعومتها، أفزعت ورد كأنها صدمة كهربائية.
اقشعر بدن ورد. عقلها بدأ يتخيل مواقف مرعبة: هل يراقبنا أحد؟ هل سمعوا مكالمتي؟ هل نحن في خطر؟
التفتت بذعر نحو رغد، ثم وضعت يدها على قلبها في أثناء حديثها:
- رغد، لا تفزعيني هكذا بالله عليك!
حدقت رغد بها قليلًا، ثم ضحكت ضحكة خفيفة عفوية، كأنها تظن أن ورد تمزح.
قالت ورد بغيظ من رد فعل صديقتها:
- لا تضحكي!
تابعت بصوت أعلى مما أرادت:
- لقد ارتعبتُ حقًا!
هدأت رغد فورًا. رفعت يديها كمن يعلن عن استسلامه، ثم نظرت إليها بجدية، وكأن الضحكة لم تكن.
همست بهدوء:
- حسنًا... لن أضحك. لكن... لماذا كنتِ بهذا الاضطراب؟ ولماذا ترتجف يداكِ هكذا؟
تأملتها ورد طويلًا. ثم تنهدت تنهيدة حملت كل ما لم تقله. اختارت الصمت، ليس لأنها لا تثق بها، بل لأنها لا تريد أن تدخلها في قلق لا داعي له... بعد.
في تلك اللحظة، جاء نحوهم مايكل، كان قد أنهى مكالمته، وعيناه تحملان شرارة جديدة.
نظر إليه فادي، وسأل بتخمين:
- كنت تبحث عن موقع الحادث؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، ووضع هاتفه في جيبه، وهو يرد:
- أصبت. لقد وجدت موقع الجريمة. سنذهب إليه... فورًا.
اتجهت كل من ورد ورغد نحوهما، لتستمعا لما سيخبرهم وما سيفعلونه. أثناء سيرهما، أعطت ورد حقيبتها لصديقتها، كأنها تسلّمها جزءًا من ثقل لم تعد تحتمله وحدها.
بعد عدة دقائق من المشي، وصلوا إلى طوق أمني يحيط بموقع الجريمة. تجمع عدد من رجال الشرطة خلف الشريط الأصفر، وانهمك آخرون في جمع الأدلة. تقدم أحد الحراس ليمنعهم من الدخول:
- عذرًا، لا يُسمح بالدخول.
لكن مايكل لم يجب. فقط أخرج بطاقة هويته الرسمية، لم تكن كغيرها. كانت تحمل ختمًا أسود ذهبي، و عبارة صغيرة لكنها كفيلة بأن تُغير الموقف: «الإدارة العامة لمكافحة المخدرات — رئيس القسم»
تجمد الشرطي للحظة. عرف الشارة، والاسم... عرف أن هذا الرجل لا يُستدعى إلا حين تخرج الأمور عن السيطرة.
رفع حاجبيه، ثم انحنى رأسه قليلًا، بصوت خافت يخلو من التذمر:
- تفضلوا، سيدي.
تفاجأت ورد، ورفعت حاجبيها باستغراب، لم ترَ هذا التحول من قبل: من المنع الصارم إلى الاحترام الصامت، كأن مايكل لم يطلب إذنًا... بل أعطى أمرًا.
همست بدهشة:
- هل أنت... شخص كبير؟!
التفت إليها مايكل، وانفرجت شفتاه في ابتسامة جانبية، لا غطرسة فيها، بل ثقة لا تُناقش:
- نعم.
نظرت إليه ورد بنظرة حذرة، ثم همست لصديقتها، بلغة وطنها:
- يبدو أنه أظهر طبعه الحقيقي...
كتمت رغد ضحكتها، لكن عينيها انتقلتا فجأة إلى يد ورد المخدوشة، التي كانت تنزف خفيفًا.
تساءلت بقلق:
- ما هذا؟
أجابت ورد بعدم اهتمام:
- لا أعلم، ربما احتكت بشيء. لا شيء يذكر.
لكن رغد، دون تردد، أخرجت من حقيبتها قطنة ومعقمًا، وبدأت تنظف الجرح بلطف. ابتسمت ورد بامتنان، ثم تابعتا السير خلف الرجلين.
عند موقع الجريمة، توقف مايكل وفادي ليستطلعا المكان. مايكل تحرك بخطوات واسعة، وعيناه تمسحا الزوايا كنت يعرف ما يبحث عنه.
أما فادي، توقف عند أطراف الشريط الأصفر، يحدق في بقعة صغيرة على الأرض... ثم التفت إلى مايكل، بصوت منخفض:
-هناك أثر حذاء... مختلف عن باقي الآثار. كأن شخصًا وقف هنا بعد انتهاء الجريمة.
مايكل التفت إليه، ولم يجب فورًا. لكن عينيه لمحتا وميض اعتراف: هذا الشخص يرى ما غفل عنه غيره.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وأومأ برأسه، إشارة كافية.
ثم عادا يتنقلان بين الأدلة، كأنهما يقرآن لغزًا كُتب بدم وبصمات. والضباط يبتعدون عن طريقهما، كأن الأرض تفسح لهما تلقائيًّا.
لكن ورد... شعرت بذلك الإحساس من جديد. ذلك الذي لا يُفسر، لكنه يُنذِر. التفتت بسرعة، ورأت ظل فتاة شقراء، ترتدي —ملابس صبيانية— بنطالًا وقميصًا رماديًّا، تقف خلف شجرة على حافة الموقع، تراقبهم.
قبل أن تفكر، اختفى الظل. تجمدت، ثم نظرت إلى الرفاق، منغمسون في العمل، لا يشعرون بشيء. فأبطأت خطواتها، ثم تراجعت بخفة، كأنها تبحث عن مكان لتستريح.
وفي لحظة واحدة، ركضت في الاتجاه نفسه. لكن ما إن بلغت المكان... لم تجد أحدًا.
وقفت وحدها، تتنفس بسرعة، والريح يهمس بين الأشجار كأن الرياح تسخر منها.
همست باضطراب:
[كيف! كانت هناك! أمامي للتو! ]
همست بصوت لا يسمع وهي تنوي التحرك من مكانها:
- حسنًا... لا بأس. سأعود، لا داعي لأن يقلقوا.
كادت أن ترجع، لكنها توقفت تنظر إلى الطريق ثم ضحكت بسخرية حيث فقدت الطريق ولم تستطع العودة، تحدثت مع نفسها بهمس:
- آوه، ترى من أين الطريق؟ ... هل جئت من تلك أم من هناك؟ ... حسنًا، دعنا نذهب حسب حدسي يقول إلى الطريق الأيمن، فلا أمان في الأيسر -كالعادة- نأكل ونشرب باليمين. إذًا، لنختار الأيمن.
ضحكت ضحكة متوترة، ثم أكملت بارتباك:
- وماذا لو كان الطريق مسدودًا أو فيها مخاطر؟
رفعت كتفيها بلا مبالاة هامسة:
- لا يهم، لنجرب، فالحياة تجارِب.
سارت وأكملت السير نحو طريق الأيمن بذهن شارد مخاطبة نفسها:
[هل هذه الفتاة من العصابة وأرادت إبعادي عن الآخرين؟ أم أنها كانت تريد المساعدة ثم ترددت وخافت؟ ]
صدرت عنها تنهيدة مضطربة بعدها همست:
- يا إلهي، ساعدني!
رفعت رأسها تناجي ربها ثم أكملت بشرود كادت أن تسقط، لكنها انتبهت للأمر بعدما أزاح الضباب عن المكان، هامسة بصوت مسموع:
- يا للهول! كدت أن اسق...، أكملتها بصراخ: ااط!
بعدما دفعها شخص ما من الخلف، سقطت نظرت إلى الأعلى على أمل أن تتعرف على وجهه، لكنها لم تستطع وحاولت المقاومة وتشبثت بالأحجار لتتسلق للأعلى، وكادت أن تصل حتى جرحت يدها، فتحدثت بألم:
- يا إلهي، ليساعدني أحد ما!
فجأة، تسمع صوت هاتفها يرن، فتتحدث -بصوت مرتفع- وساخر بلغة وطنها:
- على أساس سأقدر على الرد، لنفعل الآتي يا سادة فاصل ونواصل!
ثم واصلت بصراخ متناسية أنها في بلاد أجنبية:
- أنتم تمزحون! كيف يمكنني الرد عليكم؟
بعدها صدرت عنها تنهيدة ملؤها الألم ثم نظرت إلى الأسفل، فأكملت بذعر:
- لا ورد، لا تنظري إلى الأسفل أتريدين يا فتأتي الموت؟ ... -بالطبع- لا، لا أريد...
فجأة، رن هاتفها مرة أخرى فرفعته وهي تحاول التشبث على غصنًا من الشجر يتدلى أمامها، فتشبثت بيدها الأخرى، ثم فتحت الهاتف للرد:
"مرحبًا، هنا سيدة المصائب. وقعت في مشكلة، حاول الاتصال بها في وقتٍ لاحق."
فادي اعتقد أنها تسخر كعادتها، ولاحظ اللغة التي تتكلم بها فتحدث بانفعال متجاهلًا الأمر تمامًا:
"أين أنتِ؟ أقلقتنا عليكِ يا جلبة المشاكل!"
أوشكت أن ترد وتبدأ الشجار، ولكن يدها الذي يتشبث بالأحجار بدأت تتألم، فشعرت بالتعب ونسيت أنها كانت تتحدث في الهاتف، مما تسبب في سقوطها وانكسارها، ثم ضحكت ضحكة ساخرة في أثناء حديثها:
-يا له من يوم جميل، المشاكل تحبني اليوم، معه حق.
في تلك الأثناء، كان أحدهم يشاهدها من الأعلى، فقرر فتح فمه أخيرًا وتحدث بنبرة ساخرة:
-يبدو أنك فقدت عقلك تمامًا، أظنك لا تحتاج إلى المساعدة. مجيئي لم يعد يُجدي!
نظرت ورد إليه بدهشة، ثم شعرت بغليان دمها، بعدما فكرت بوجود أحد ولم يمد يد العون، فتحدثت بانفعال وتجهم:
-هل تمزح يا هذا؟ هل تراني ألعب هنا لعبة "هيا لنتسلق الجبال"؟... أيها الغريب، ألا تراني أقاوم لكي أنجو؟ ألم تعد الإنسانية موجودة في هذه الحياة؟
ثم صمتت بعدما أدركت أخيرًا أن شخصًا أمامها، نظرت إليه ببراءة والأمل قد عاد إليها، هامسة بصوت غير مسموع، ثم تخاطبه وهي تتصنع البراءة:
-الحمد لله... هل لك أن تساعدني؟ من فضلك أنا في ورطة.
حدق بانزعاج، ثم مد يده على اعتبار أن يرفعها، لكنها نظرت إلى يديه بدهشة تضحك في داخلها وكأنها تقول "حقًا!" رأت أن تسقط أفضل من أن تتلامس بشرتها بيد شخص غريب طالما كان حياؤها ودينها اللذان يحافظان عليها يؤدبان نفسها الأمارة بالسوء بينما هي تفكر وتحارب محاولة إيجاد حلًا لكل هذا هو شعر بالضجر. أليس هذا الشخص كان يطلب المساعدة؟ ما حل به الآن؟ كان يفكر باستغراب حينما سحب يده وشعرت ورد بذلك فتشبثت في أكمام ثيابه العلوية ليتحدث بصدمة واندفاع:
- ماذا تفعل؟ هل جننت! سنسقط معًا بهذا الشكل.
لا دعي ورد ما سيحدث، فلم تفكر بسوى الخروج من هذا المأزق دون ملامسة. شعرت بالدموع تتدفق في عيونها وما زادها سوءًا حين اشتدت الرياح التي هبت وجعلت الغطاء يسقط من رأسها. رفعت يدها لتغطي شعرها، وكادت تبكي، متناسية مصيبتها كادت تسقط لولا مساعدته. حدق نحوها بذهول مما رآه وهمس بصوت غير مسموع:
- فتاة!
بعد ذلك، مدّ يده الأخرى وأمسكها بسرعة ورفعها إلى الأعلى. كانا جالسين على الأرض، فأسرعت ورد في تغطية شعرها برفع القلنسوة، ثم مسحت دموعها التي علقت بداخل عينيها. شعرت بالقلق من أنه قد يكون يراقبها، فنظرت نحوه لتجده ينظر إلى السماء، خفضت رأسها بوقار أثناء حديثها:
- شكرًا.
لم تستمع إلى إجابة، وانتبهت إلى نهوضه ليتجه نحو سيارته لأخذ الإسعافات الأولية. عبست من رد فعله، غير مدركة ما يحاول فعله، وتوقعت بأنه يتجاهلها، فتحدثت بعبوس:
- يا لك من متعجرف، على الأقل قل العفو!
فجأة، جاء وجلس أمامها وبجانبه الإسعافات الأولية صامتًا. شعرت بالذهول والخوف وقطع حبل أفكارها الجهنمية عندما لم يجد عدم إجابة، قرر التحدث بهدوء:
- مد يداكِ.
حدقت به بتجهم، وكان واضحًا من تعابيرها أنها تشعر بالشك. وضع يده خلف رأسه ثم تابع حديثه بضجر:
- يا وجع الرأس، أنتِ واضحة تمامًا... لا تقلقي، لستُ ذلك النوع من الشباب.
قاطعته دون تصديق:
- ولمَ عليّ تصديقك؟ لا أثق بالغرباء وبالأخص الشباب.
ضيقت عيونها وهي تراقبه وهو يمد يده ليُعطيها الأشياء لكي تعالج نفسها، قائلًا بهدوء بعد تنهيدة:
- خذي، عالجي نفسك يا سيدة الشك.
أخذت منه الأشياء وبدأت بمعالجة يديها، ثم نظرت إليه خلسة لتقطع شكّها وتفاجأت بأنه لا يحدق بها كباقي الأجانب، لتخاطب نفسها باستغراب:
[غريب، حتى عندما كان الغطاء ساقطًا لم ينظر إليّ! أتساءل عن ديانته؟ ]
ثم تساءلت بعفوية:
-ما هي ديانتك؟
تفاجأ من سؤالها ونظر لها لحظات دون أن ينطق بحرف، شعر بأن وجوده هنا تضيع لوقته، فقام وأعلن عزمه على الرحيل، فأحكمت قبضتها بغضب وهمست بصوت منزعج:
-يا له من متعجرف!
ثم نهضت ونظرت حولها لتجده قد رحل. صاحت بصوت عالٍ:
-كيف... كيف يذهب بهذه السرعة وسيارته هنا! وفوق كل ذلك، كيف أعود إليهم الآن؟
قررت أن تواصل المشي، ربما ستجد شخصًا يساعدها، لكنها وجدت نفسها في مكان خالٍ وضيق، كأنه يعيش فيه اللصوص. همست بصوت غير مسموع:
-يا إلهي! إني تائهة الآن، ماذا أفعل؟
فجأة، سمعت صوت خطوات تقترب من خلفها، شعرت بالراحة لوجود شخص قد يساعدها. حاولت النظر ولكن صدمت مما رأت...يتبع
《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما