《لا تدع الرواية تلهيك عن عبادتك》 《سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله》 نبدأ بسم الله... ______________ في شوارع المدينة المزدحمة، كان الناس يمشون هنا وهناك. بعضهم رحّالون يعبرون البلدة بأعين فضولية، وبعضهم أهلها الذين اعتادوا على الحياة اليومية في هذا المكان، بينما كان هناك آخرون، غرباء يبحثون عن شيء ما أو ربما عن أنفسهم. كانت أم تمسك بيد طفلها الصغير، في حين كان الأب يبتسم لزوجته بينما يحمل ابنته على كتفيه، موجهًا إليها بعض الكلمات التي جعلتها تضحك. امرأة، ملامحها متعبة، تجلس في ركنٍ من الشارع، تحمل الحقائب التي بدا أنها أثقل مما طاقتها، وكأنها تستمتع بلحظات من الراحة بعد رحلة طويلة. وكان هناك الكثير من الناس في الطريق، بينهم فتاة كانت تسير بخطوات ثابتة، تحمل هاتفها بين يديها. كانت ذات شعر أسود طويل وعينين ضيقتين سوداوين، على وجهها تعبير جاد وكأنها في عالم آخر. تتحدث في الهاتف بصوت منخفض وحازم: "مايكل، انتظرني عند الشاطئ، سأقابلك هناك لمعرفة التفاصيل." ثم أغلقت المكالمة بسرعة، فتحت الباب وركبت سيارتها الأودي A3 ذات السقف القابل للطي، بلونها الأحمر الداكن. قامت بتشغيل المحرك ببطء، وضغطت على عجلة القيادة براحة يديها، ثم وضعت رأسها عليها بتعب، وهمست لنفسها بتنهيدة مرهقة: -تبًا، كيف تتعاملين معهما يا لورا بصدق! رنين هاتفها جعلها ترفع رأسها من على عجلة القيادة، وتحدثت بيأس: -لماذا جئتِ في اللحظة نفسها التي كنت أذكرك فيها؟ ثم فتحت ساكورا المكالمة، وضغطت على مكبر الصوت أثناء قيادتها على مهل، وقالت بتسلط: "ماذا بعد؟ هل نسيتِ إضافة شيء من سخرياتك؟" قهقهت لورا في الجهة الأخرى، ثم قالت بين ضحكاتها: "صراحةً، كنت أرغب في إضافة بعض السخرية، لكن ليس الوقت مناسب الآن." ثم تابعت بتساؤل يشي بالفضول: "ساكورا، أين أنتِ الآن؟" أجابت ساكورا بهدوء، عينيها تراقبان الطريق: "سأذهب لألتقي بمايكل أولًا، ثم سأقوم بالمهمة التي كلفتني بها." ابتسمت لورا، وقالت بلطف: "اعتني بها وبنفسك." ثم تابعت بصخب: "اه، لقد نسيت، سأرسل لكِ موقع أحد الفنادق لنتقابل وتشتري لي بعض المستحضرات التجميل." كادت ساكورا أن ترد بانزعاج، ولكن الأخيرة أغلقت الخط فجأة في وجهها، بهدف استفزازها. ومع ذلك، كانت تعلم تمامًا ما تفكر فيه لورا، فتنهدت بملل وأعادت انتباهها إلى الطريق، وكأن شيئًا لم يكن. بينما على طريق الشاطئ، كان هناك شابًا في أواخر عقده الثالث، ذو شعر ذهبي داكن، تتطاير خصلاته فوق جبهته مع نسمات البحر. برزت زرقة عينيه وهو يتأمل الغيوم المتلبدة في السماء، غارقًا في أفكاره. كان مستلقيًا داخل سيارة هوندا أكورد سوداء، متكئًا على المقعد، وعيناه شاخصتان نحو سقف السيارة، وكأنه يبحث عن إجابة وسط هذا السكون. فجأة، اخترق صمته صوت مألوف، هدير محرك سيارة ساكورا المميز، وهو الصوت الوحيد الذي يستطيع تمييزه بسهولة وسط ضجيج الشارع. التفت سريعًا نحو مصدر الصوت، وراقبها وهي تقترب بسيارتها لتتوقف بجانب سيارته. ترجّلت من سيارتها واقتربت منه، ثم طرقت على نافذته برفق. أدار الزجاج إلى الأسفل، لتقابل ابتسامته ابتسامتها المازحة، وهي تقول: –هل أيقظتُ الأمير؟ ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ثم ردّ بمزاح يواكب أسلوبها: –ها أنتِ تعترفين أخيرًا بأنني أمير! معجبة بي، أليس كذلك؟ تغيرت تعابير وجه ساكورا قليلًا، لم يكن الانزعاج واضحًا تمامًا، لكنه كان حاضرًا في نظرتها. بدت وكأنها تفكر في المغادرة سريعًا، لكنها توقفت للحظة وكأنها تنتظر منه تصرفًا آخر. لحظات من الصمت مرت، تنهد الشاب، وقد بدا عليه إدراكه أنه تجاوز حدوده. كاد أن يمد يده ليوقفها عن الذهاب، لكنه تراجع فورًا حين شعر بأنها لن تتقبل ذلك. همس معتذرًا، دون أن ينظر إليها مباشرة: -كنت أمزح، يا فتاة... آسف. حاول كسر الأجواء الثقيلة التي خيمت على حديثهما، فغير الموضوع سريعًا قائلًا وهو يسحب ملفًا من المقعد المجاور: -بالمناسبة، وصلني تقرير عن قضية جديدة. مدّ يده نحوها بالملف، فترددت ساكورا للحظات قبل أن تأخذه. ألقت نظرة سريعة على الأوراق، ثم أغلقت الملف وسارت حول سيارته حتى وصلت إلى الجهة الأخرى، فتحت الباب وجلست إلى جواره لتتصفحه بتمعن. سألت بتروٍ: -إذن، هل سنذهب للقاء ليو أم نبدأ التحقيق بأنفسنا؟ نظر إليها لفترة قصيرة، قبل أن يعدّل مقعده للأمام ويشغل المحرك، ثم أجاب بهدوء: -سنذهب للقاءه أولًا، نعرف ما يفكر فيه. وحين همّت ساكورا بالنزول، استوقفها صوته وهو يقول بنبرة ذات مغزى: -بالمناسبة، هو ليس بمفرده... لقد جمع مجموعة من الموهوبين تحت مسؤوليته. ارتسمت ابتسامة طفيفة على شفتيها وهي تتمتم قبل أن تغلق الباب: -لطالما كان محبًا للخير. راقبها مايكل بصمت للحظات، ثم زفر مبتسمًا، وكأن ذكرى قديمة مرت في ذهنه. لم يمضِ وقت طويل حتى تحركت سيارتها أمامه، فقاد خلفها، متجهين معًا إلى وجهتهما، حيث ينتظرهما ليو والآخرون. في أروقة الفندق، حدَّقت ورد في العاملة المستأجَرة لثوانٍ، تراقبها وهي تحمل سلة الملابس. لاحظت ارتعاش يديها وقلق عينيها، مما أثار في داخلها شعورًا غامضًا لم تستطع تفسيره. زفرت بضيق، ثم تحدثت بنبرة حملت شيئًا من الغضب المكتوم: -أعطني هذه الثياب، هيا! لم تجرؤ المرأة على التردد؛ فقد فشلت في مهمتها، وتم القبض عليها. سلمتها الثياب بكل خوف، وتوسلت لها أن تُبقي على حياتها. أخذت ورد الثياب منها بسرعة، ثم قامت ببحث سريع في جيوب الرداء، وشعرت بارتياح عميق عندما وجدت ما كانت تبحث عنه. خاطبت لنفسها: [الحمد لله.] ثم نظرت إلى المرأة بنظرة مليئة بالشفقة، بينما كانت تضع السلاح خلف ظهرها. قالت بنبرة حازمة، لكنها مهددة: -هيا، اذهبي، لكن لا تسببي ضجة في الأرجاء وإلا ستندمين. أومأت المرأة برأسها بخوف شديد، ثم ركضت بسرعة واختفت عن الأنظار. تركتها تنصرف بهدوء، لكي لا يحدث ضجة في المكان ويُثير الشك. تنهدت ورد بتعب، وشعرت بالصداع يزداد نتيجة التفكير المفرط الذي أرهق عقلها. عادت إلى الغرفة وعينيها مليئة بالقلق، وكأنها تفكر في أن تلك العاملة قد كانت تحت التهديد طوال الوقت. فور وصولها إلى الغرفة، ألقت نفسها على السرير، وأغلقت عينيها بتعب، مخاطبة نفسها: [يا إلهي! أشعر بالتعب كثيرًا.] ثم أغمضت عينيها وسقطت في نوم عميق. في تلك اللحظة، كانت رغد وأكينا تبحثان عنها بقلق. وعندما عادت رغد إلى غرفة صديقتها، شعرت بالاطمئنان عندما رأت أن ورد كانت نائمة على السرير. فتحت الباب بهدوء وتقدمت بصمت نحو السرير، حيث كانت ورد تغط في نومها. تنهدت رغد بارتياح ثم غادرت الغرفة بهدوء، تاركة إياها لتستريح. بعد لحظات، أخرجت رغد هاتفها وأرسلت رسالة إلى فادي، الذي كان يلتقط أنفاسه بجانب ليو في مكان آخر. كانا يتحدثان. تحدث ليو وهو يلتقط أنفاسه: -إلى أين... اختفت هذه الفتاة؟ وفي تلك اللحظة، نظر فادي إلى الرسالة، وقرأ محتواها، ثم أغلق هاتفه ووضعه في جيبه، وهو يتحدث بارتياح: "لقد وجدتها، إنها نائمة في غرفتها." تحدث فادي بارتياح وهو ينظر إلى ليو: -الحمد لله، إنها بخير. قام ليو برفع رأسه ويحدق باستعجاب، قائلًا بتساؤل: -أتساءل إلى أين ذهبت بهذه السرعة؟ أجاب فادي بهدوء، وهو يستند إلى الجدار، وأعاد النظر إلى الأسفل: -ذهبت إلى غرفتها، يبدو أنها تشعر بالتعب. لكن ليو لم يقتنع بهذا التفسير، ففتح فمه مجددًا وسأل بنبرة مشكِّكة: -متعبة لدرجة أنها تركض بهذا الشكل؟! انغمس فادي في أفكاره للحظة، كأنه يبحث عن إجابة واضحة، لكنه لم يجد ما يطمئنه. تنهد بعمق وأجاب وهو يعدل وضعه: -قد يكون تصرفها غريبًا اليوم، لكن على أي حال ستخبرنا بما حدث عندما تستيقظ. ثم بدأ فادي بالسير نحو الدرج، بينما بقي ليو مشتت الذهن، يراقب خطواته. انتبه ليو فجأة إلى تحرك فادي، فنظر إليه متسائلًا: -إلى أين أنت ذاهب؟ لوح فادي بيده دون أن يلتفت، وأجاب بصوت هادئ بينما ابتعد: -سأذهب إلى غرفتي لتنظيف جراحي ووضع الدواء عليه، ثم سأستريح قليلًا. تنهد ليو، ثم استدار مبتعدًا عن الدرج، متوجّهًا نحو المخرج. وبينما كان يسير، هتف بصوت واضح: -حسنًا، وأنا سأذهب لأشرب شيئًا. غادر فادي دون أن يُعير الأمر أي اهتمام، متجهًا بخطواتٍ ثابتة نحو غرفته. بدا شارد الذهن، وكأن ما دار للتو ألقى بثقله على عقله. صعد السلم ببطء، بينما كان الهواء في المكان ساكنًا وكأن الزمن توقف للحظة. وفي الوقت ذاته، كانت رغد وأكينا تتنزهان قليلًا في الحديقة، حيث الرياح العليلة تنعش وجوههما، والأشجار تتمايل بلطف حولهما. كانت أكينا تلعب بالزهرة التي قطفتها من جانب الطريق، وتنظر إليها بتفكير، ثم وجهت سؤالًا لرغد بفضول: -متى جئتم إلى هذه البلدة؟ نظرت رغد إليها للحظات، ثم أمالت رأسها قليلًا وأجابت بنبرة غامضة، عيونها تتجول على النبات الذي بجانبها: -منذ سنة ونصف. سكتت أكينا لبرهة وهي تراقب رغد، ثم تابعت حديثها بصوت هادئ، وكأنها تفتح بابًا لماضيٍ مؤلم: -أتعلمين، قبل أن نلتقي، لم يكن لدي أصدقاء. كان الجميع يتنمرون عليّ. قهقهت أكينا بحزن خفيف، يملؤه مرارة، وأضافت: -كنت أشعر وكأن الواقع يسخر مني، وما زلت أشعر بذلك أحيانًا. صمتت قليلًا، بينما كانت رغد تراقب الزهرة التي تذبل بين يدي أكينا. أخذت نفسًا عميقًا وقالت بهدوء، عينيها تنغمس في الزهرة، بينما كانت تدرك تمامًا معنى الكلمات التي ستقولها: -الواقع لا يسخر منكِ. الناس هم من يجعلون الحياة صعبة، لا يتركون المرء وشأنه. ابتسمت أكينا برقة وكأن كلمات رغد قد لامست شيئًا في قلبها. ثم تحدثت عن موضوع آخر محاوِلة تغيير الجو: -بالمناسبة، لماذا ترتدين هذه العباءة التي بالقلنسوة؟ لاحظت أن ورد ترتديها كذلك! استدارت رغد ببطء نحوها، مدركة أن أكينا قد غيرت الموضوع عمدًا. لحظات من الصمت تبعت ذلك ترتيب أفكارها، ثم أجابت رغد بصوت هادئ، وهي تنظر إلى الأفق، وعينيها يكسوها الحزن: -كما تعلمين، عندما يسمعون عن وجود مسلم هنا، يضطهدونه. أما بالنسبة لهذا الرداء، فنحن نحاول أن نجتهد في ستر أنفسنا وفعل ما أُمِرْنا به. -لكن، ألا يعيق طريقكم أو يسبب لكم مشكلة؟ قاطعتها أكينا، وقد شعرت بحزن عميق من أجل رغد، فردت الأخيرة بتنهيدة ثقيلة قبل أن تفتح فمها مجددًا: -لا، هنا تتواجد مجموعة متنوعة من الأشكال والألوان من التقاليد. ثم أضافت باستهزاء، وهي تحاول إخفاء الحزن الذي يكمن خلف كلماتها: -الأمر المضحك أن القانون هنا يدعي أنه يحترم حرية التعبير والرأي، ولكن عندما يتحدث المسلم عن حريته، يُواجه الهجوم والعنصرية. انتبهت إلى تعمقها في الحديث فغَيّرت الموضوع سريعًا محاولةً التخفيف من الأجواء، وهي تضحك: -على أية حال، يبدو أنكِ تستمتعين بإزعاج ورد؟ قهقهت أكينا، ثم أجابت بصدق: -لأنها تنفعل سريعًا على عكسك، فأنتِ ربما لا تنفعلين إلا في حالتين، إما عندما يتعلق الأمر بإهانة أصدقائك أو حين تتحدثين مع المقربين إليك. ابتسمت رغد وهي تضع يدها السليمة داخل جيب فستانها الأسود محاولةً تدفئتها. ثم همست بصوت مسموع، وهي تحاول أن تلمح شيئًا في حديث أكينا: -ربما. اقتربت أكينا منها وكادت تفتح فمها لتسألها عن ما يدور في ذهنها، إلا أنهما صادفتا في طريقهما قطة صغيرة كانت على وشك السقوط من السور. عندها ركضت رغد نحو القطة بقلق، بينما شعرت أكينا بالاستياء لعدم إحضارها الكاميرا لتلتقط لحظة غير متوقعة. عندما حاولت رغد التقاط القطة، خدشتها من شدة خوفها. تحدثت، وهي تمسح الجرح: -أمسكتك! آه، لماذا خدشتني؟ ثم تابعت بنبرة بائسة، وهي تنظر إلى القطة التي بدأت تهدأ بين يديها: -من حقكم أن تخافوا من البشر. حدقت أكينا بها بحزن، فيما رفعت رغد رأسها نحو السماء، وهمست بينما تنظر إلى السحب الداكنة التي بدأت تغطي الأفق: -يبدو أنها ستمطر اليوم. ثم، بابتسامة هادئة، وجهت حديثها نحو أكينا وهي تستقيم: -هيا، دعينا نذهب للداخل. أومأت أكينا برأسها، ثم تبعتها بهدوء، بينما بدأ المطر يهطل شيئًا فشيئًا، يملأ الأجواء بنسمات باردة وطيف من الهدوء بينهما. بعد مرور أربع ساعات على حادثة محاولة هروب المرأة، استيقظت ورد من نومها، ونهضت بصعوبة، وألمٌ يلف رأسها. وضعت يدها على رأسها محاولة تهدئة الألم، ثم نظرت حولها في حالة ضياع، قبل أن تتجه نحو النافذة. سحبت الستار بهدوء، وحين وقع بصرها على المشهد في الخارج، اتسعت عيناها بدهشة وهمست بخفوت: -يا إلهي! كم الساعة الآن؟ استدارت بسرعة نحو المنضدة الليلية، وعندما وقع نظرها على الساعة، عقدت حاجبيها بصدمة قبل أن تصرخ فجأة: -ماذا؟! الساعة الآن الثانية ظهرًا؟! تنهدت بضيق، ثم توجهت نحو المرحاض لتتوضأ وتؤدي فريضتها، ثم غادرت الغرفة متجهة إلى غرفة رغد. طرقت الباب برفق واستأذنت بالدخول، ثم فتحته ودخلت، مغلقةً الباب خلفها بهدوء. اتجهت نحو سرير رغد وجلست على حافته بسرعة، وهي تمد يدها التي تحمل الهاتف وقالت بتعجل: -اتصلي الآن بفادي. نظرت رغد إليها باستغراب، وعلامات القلق تظهر في عينيها. في ذهنها، تساءلت: [قولها هذا يعني أن شيئًا حدث، وليس بشيء جيد بل كارثة!] تنهدت رغد ثم ابتسمت بتصنع، محاولة إخفاء قلقها: -لِمَ تكون أنا التي ستتصل به، يا آنسة ورد؟ هل حدث شيء عزيزتي؟! زفرت ورد بضيق، ثم استلقت على السرير، تحدق في سقف الغرفة وكأنها تحاول جمع أفكارها. تحدثت بصوت منخفض، بلا مبالاة: -هل تتذكرين ذلك القاتل الذي كنا عنده؟ ادَّعت رغد أنها تفكر لوهلة في تلك القضية، وعندما تذكرت الحادثة، تنهدت ثم أجابتها ببطء: -نعم، تذكرته. ثم أضافت بنبرة ساخرة: -أوه، لقد كان منذ زمن بعيد... ماذا به؟ شعرت ورد بالانزعاج من سخرية رغد في هذا الوقت الحرج، وهي بالكاد تتحمل أعصابها. تنهدت بتعب، ثم أكملت حديثها متجاهلةً تعليقاتها: -رأيت سلاح جريمة في منزله. صاحت رغد بصوت عالٍ، والدهشة تملأ ملامح وجهها: -ماذا؟ سلاح جري... أسرعت ورد لتضع يدها على فم صديقتها أثناء حديثها، محذرة إياها: -ششش، لا تصرخي بصوتٍ مرتفع! استاءت رغد من تأخر صديقتها في قول هذا الأمر، فدفعت يدها عن فمها وأجابتها بغضب: -لماذا لم تُخبرينا من البداية؟ تنهدت ورد بغضب وهي تستلقي مرة أخرى على السرير، ثم أجابتها بصوت منخفض: -لم تَسنح لي الفرصة لأقول هذا الأمر. فتحت رغد هاتفها بسرعة واتصلت بفادي لتطلب منه الحضور، بينما استمرت في حديثها مع ورد: -إذًا، سأُخبره أن يأتي، لكن عليكِ أن تعلمي أنه بلا شك سيصرخ عليكِ. قالت ذلك بتنهيدة قبل أن تضيف: - آه، لقد رد. قالت بسرعة عبر الهاتف: "تعال إلى غرفتي، ورد تُريد أن تخبرنا بشيء." ثم أغلقت المكالمة بعد تلقيها ردّه . اعتدلت ورد في جلستها فور سماعها المكالمة، وأخذت تتنفس بعمق، محاولة تهدئة قلقها بشأن ردّ فعل فادي عند سماعه الخبر. لاحظت رغد توترها، فرمقتها بنظرة باردة قبل أن تبتسم بخفة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة عندما رأت تعابيرها المتوترة. لكن ضحكتها سرعان ما تلاشت حين قابلتها ورد بنظرة حادة وممتعضة. فتحت ورد فمها وقالت بنبرة جادة: -هيا، ارتدي رداءك. أومأت رغد برأسها، ثم ارتدت الرداء بالقلنسوة، وبعد لحظات أضافت ورد: -بالمناسبة، هل صليتِ؟ ردت رغد بهدوء بينما تعدل القلنسوة على رأسها: -أجل، الحمد لله. ابتسمت ورد، وكادت أن تستلقي على السرير، لكنها توقفت فور سماع طرقات على الباب. فاستأذن فادي للدخول، وأذنت له رغد التي جلست بوقار. حينها ولج للداخل وهو مبتسم ابتسامة عريضة ويحمل حقيبة صغيرة، وتساءل بنبرة متصنعة للهدوء، لكنه فشل بالكاد نبرته وضحت فيها القلق: -مرحبًا، ما الأمر الذي تريدان أن تخبراني به؟ جلس فادي على الكرسي الذي سحبه، بينما نظرت ورد إلى رغد بصمت، لم تجرؤ على إخباره بما في قلبها، وشعرت بخوف طفيف. بينما رغد كانت تنظر إليها بإلحاح، وكأنها تُصر على جعلها تعترف. قالت رغد: -هيا، أخبريه. نظر فادي إليها بشك، وكان يعرف في داخله أنها افتعلت مشكلة ما، فتنهدت ورد، وشعرت بالهزيمة، ثم بدأت في سرد الأحداث التي أخبرت بها رغد. صمت فادي وهو يجلس أمامهما، منغمسًا في أفكاره بهدوء، مما جعل كلًا منهما يتبادلان النظرات باستغراب وقلق. ثم أضافت ورد بنكتتها: -أظن من شدة الصدمة، لم يجد ما يقوله. ثم تابعت وهي تنهض، وهي تشعر بقليل من الراحة وكل ذلك أمام ناظريه: -الحمد لله، أزاح عني تأنيب الضمير لأستأذن و... قاطعها فادي بهدوء، وكان هدوءه يوحي بأن هناك شيء خطير على وشك أن يحدث. شعرت رغد بعدم الارتياح، وأدركت أن هذا الهدوء هو ما قبل العاصفة. قال فادي بصوت جاد: -لمَ أخفيتِ هذا الأمر؟ ألهذا كان يُلاحقكِ؟ أومأت ورد برأسها ببطء، ثم أجابت بثقة: -أجل. انتبه فادي إلى عدم اكتراثها، وهو ما أثار غضبه ليقول بعتاب جاد، محاولًا ضبط نبرته رغم انفعاله: -ورد، أتعتقدين أن هذه لعبة؟ لمَ دائمًا تتدخلين في المتاعب؟ لمَ لا تواجهين الأمور بحذر؟ عندما وقفت بجانبك من أجل حلمك، وضعت ثقتي فيكِ بأنكِ لن تتهوري، لكن... قاطعت ورد حديثه فجأة، وقد ارتسمت على ملامحها مزيج من الحزن والضيق، فيما كانت رغد تتابع المشهد بقلق واضح: -أتظنني سعيدة الآن؟ أتظن أنني أردتُ هذا الأمر؟ ثم رفعت صوتها بغضب مشوب بالألم، كأنها تطلق مشاعرها المكبوتة: -أتظن أنني استمتعتُ بمشاهدتك وأنتَ مصاب؟ انهارت ورد في بكاء مرير، تكمل بين شهقاتها: -لم أُرد أن يصل الأمر إلى هذا الحد... حتى عندما حملتُ السلاح بين يدي، كنتُ خائفة، خائفة من أن أخطئ في التصويب. خائفة من النتيجة... كل ما أردته هو أن نتمكن من العيش في مكان آمن ومستقر. نظر فادي إلى وجهها الذي بدا شاحبًا من الحزن والإنهاك، ثم تنهد، وهو يقول بصوت أكثر هدوءًا، وقد بدت ملامحه مليئة بالندم والأسف: -حسنًا، فلتهدئي الآن... أنا آسف. أعلم أنكِ لا تقصدين ذلك، لكن يا ورد، عليكِ أن تكوني أكثر حذرًا. نحن هنا في بلدة أجنبية، ولا تخفى عنكما عجائب هذه البلاد... هنا، كل شيء مباح، وكل خطأ قد تكون عواقبه وخيمة. ثم صمت لوهلة قبل أن يوجه لهما سؤالًا بدا وكأنه يثقل قلبه، وهو يحدق في وجهيهما مليئًا بالخوف من المستقبل: -رغد... ورد... ماذا ستفعلان إذا لم أكن موجودًا معكما؟ بادرت رغد بالرد سريعًا، صوتها يرتجف، وملامحها تظهر ارتباكًا وحيرة: -لا أعلم... لِمَ تسأل هذا؟ أما ورد، فقد مسحت دموعها بعصبية، وكأنها تحاول التغلب على ضعفها، ثم قالت بغضب: -إن فكرتَ بالرحيل، سأقتلك. أنا لا أثق بأحد هنا... هذه البلدة سخيفة، مليئة بالخداع و... قاطعها فادي بنظراته العابثة، وهو يحاول تغيير الجو المتوتر، وقال: -لا تثقين بأحدٍ حقًا؟ وماذا عن ليو؟ أجابت ورد بسرعة، كأنها فكرت في جوابها: -ليو ليس مسلمًا، بينما أنت... ثم لاحظت شبح ابتسامته، فعرفت أنه كان يعبث معها. عبست ورد، عقدت ذراعيها أمام صدرها وأشاحت بنظرها بعيدًا. كبح فادي ضحكته، ثم قال وهو يوضح ما كان يقصده منذ البداية: -أرأيتِ؟ هذا ما كنتُ أحاول توضيحه، نحنُ في غُربة، ومن الممكن أن تتعرضا للأذى، خاصةً من الشباب هنا. ثم تابع بعد لحظة صمت، وكأنه يخاطب نفسه بقدر ما يخاطبهما: -لا أعلم ما الذي يخبئه لنا الغد، لكن علينا أن نكون مستعدين دائمًا. تحدثت رغد بصوتٍ مرتعش، وهي تحاول جاهدةً أن تكبح دموعها حتى لا تنهار، بينما كان ذهنها مثقلًا بما مروا به من مآسٍ وما يواجهونه الآن. قالت بصوتٍ مخنوق: -يا جماعة، لماذا يحدث لنا كل هذا؟ قبضت يدها بشدة وكأنها تحاول أن تحبس ألمها، ثم أكملت بأسى: -لماذا اندلعت تلك الحروب؟ لماذا هُجّرنا من بلادنا؟ ثم رُمينا في هذه البلاد بهذه الطريقة القاسية؟ نظرت ورد إليها بعينين مثقلتين بالحزن. سؤال رغد كان يطرق قلبها هي الأخرى، لكنها لم تجد إجابة. كانت تتساءل داخليًا: لماذا سُلب منهم وطنهم؟ لماذا اضطروا إلى السفر قسرًا؟ لم يرغبوا سوى بالسلام والحرية في أرضهم. لكن فجأة قطع فادي حبل أفكارها، وقال بصوتٍ هادئ ممتزج بالثقة، وابتسامة صغيرة أشرق بها وجهه كأنه يحاول بث الطمأنينة في قلبيهما: -هذه حكمةٌ من الله. لا ندري السبب الآن، لكن سنعرفه يومًا ما. لا تفقدا الأمل أبدًا، ولا تدعا القلق يسيطر عليكما. أنا معكما، وسأبقى بجانبكما حتى يحين الوقت الذي يأخذ كلٌّ منا طريقه. بينما كانت كلماته تخفف العبء قليلًا عن قلبيهما، لمعت فكرة في ذهن ورد فجأة. التفتت إليه وقالت بنبرةٍ مازحة، متقمصة أداءً دراميًا لتثير ردة فعله: -تقصد هنا بالزواج وفتح صفحة جديدة؟ ورؤية فارس الأحلام؟ أنهت حديثها بوضع يدها على خدها بطريقة حالمة، مما جعل فادي يدرك أنها تمزح. ضحك بهدوء قبل أن يجيبها بنفس الأسلوب الاستفزازي: -بالطبع، ألا تُريدين الستر؟ وبالتالي، سترتدين الحجاب على راحتك في البلاد الأخرى. شعرت ورد بالإحباط من ردّه، إذ لم يظهر عليه أي انزعاج من محاولتها الاستفزازية. كانت رغد، التي تراقب الحوار بصمت، قد انفجرت بالضحك على فشل صديقتها في إثارة فادي. أدركت ورد ذلك، فتنهدت قائلةً بتحسر: -على ذكر الحجاب، كل ما يمكننا فعله هنا هو ارتداء الرداء الأسود بغطاء للرأس، أو أي شيء بقلنسوة. رمقها فادي بنظرة منزعجة، وتذكر سريعًا مواقفها عندما تفتعل المشاكل. علق ساخرًا: -ثم تتشاجرين وتتصرفين كالفتيان، تضربين من يزعجك وكأنك بطلة خارقة! أجابته بعصبية، مدافعة عن نفسها: -تريدني أن أقف كالضعفاء وأسمح لهم بفعل ما يريدون؟ ثم أكملت بحزم وعينين تشتعلان بالغضب: -لن أجعلهم يلمسون شعرة مني! ابتسم فادي وهو يهز رأسه بإعجاب خفي، ثم رفع يده خلف رأسه وتنهد قائلًا: -أتفق معكِ هذه المرة. لقد هزمتِني. نهض من مكانه متجهًا نحو الباب، وأكمل قائلًا: -سأخرج الآن لأتمشى قليلًا. لا تخرجا إلا عند الضرورة. أنتما هنا بأمان. وقبل أن يغادر، توقف للحظة، ألقى حقيبة إسعافات صغيرة بجانب ورد، وقال بنبرة هادئة: -بالمناسبة، نظّفي جرحك. غادر وأغلق الباب خلفه، تاركًا الصمت يخيّم للحظات. نظرت رغد إلى ورد بقلق واضح، وكأنها على وشك أن تسأل، لكن ورد سبقتها، ممسكة بالحقيبة بملل: -لا تقلقي. مجرد إصابة طفيفة. تنهدت داخليًا، تحمد الله على أن إصابتها الأولى لم تُكتشف بعد. أما رغد، فقد أطلقت زفيرًا طويلًا وكأنها تخلّصت من عبء ثقيل، تنظر إلى صديقتها بارتياح مشوب بالحذر. لم تمضِ سوى لحظات حتى عادت كلمات فادي ترنّ في أذن رغد، فشعرت بشيء من الريبة. أمسكت يد صديقتها بيدها السليمة وضغطت عليها برفق، ثم سألت بصوتٍ خافت مليء بالقلق: -هل تظنين أن فادي يفكر في تركنا؟ توقفت ورد عن العبث بالحقيبة، ونظرت إلى صديقتها بدهشة من ردّ فعلها. لكنها سرعان ما ابتسمت، تلك الابتسامة الواثقة التي اعتادت أن تمنحها القوة، وأجابت بحزم: -لا، لن يتركنا. ثم غمزت لها بطريقة مشاكسة وأضافت بنبرة مطمئنة: -أنتِ تتحدثين عن فادي، وأنا أعرفه جيدًا. لان ملامح رغد مع كلمات ورد، وابتسمت بهدوء كمن أزال عبئًا عن صدره. أرخت يدها عن يد صديقتها وقالت بارتياح: -الحمد لله، هذا جيد. ثم أمسكت بالحقيبة التي كانت تحتوي على أدوات الإسعاف الأولية، تستعد لتنظيف جرح ورد، لكنها تفاجأت عندما سحبت ورد الحقيبة بسرعة. قالت الأخيرة بتوتر واضح، محاولةً إخفاء قلقها بصوتٍ مصطنع للهدوء: -دعيني أنا من سيطهر الجرح! ضحكت ورد بتوتر خفي، ورغد شعرت أن صديقتها تحاول إخفاء شيء ما. رغم فضولها، قررت أن تؤجل الضغط عليها، فهناك وقت لفهم كل شيء. ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من التحدث مرة أخرى، فقد استوقفتها كلمات ورد السابقة التي لم تفسرها بوضوح. رفعت رغد بصرها إلى صديقتها وسألت بتردد: -ورد، ما الذي قصدته بحديثك السابق؟ كنتُ خائفة من عدم التصويب! رفعت ورد عينيها ببطء، فوجدت رغد تحدق بها باهتمام حقيقي. كانت تلك النظرات المحمّلة بالفضول تُزعجها، فهي تعرف أنها لا تستطيع إخفاء شيء عن صديقتها طويلًا. تنهدت ورد بشعورٍ من الاستسلام وأجابت بنبرة أقل حدة: -حسنًا، مع أن القصة طويلة، فسأحاول اختصارها. في منزل القاتل، عندما أنقذني السيد ليو كما تعلمين، كانا يخططان لحصاره منذ وقت طويل... لكنني لا أعرف متى بالتحديد بدأ ذلك. الأمر انقلب رأسًا على عقب عندما وصلتُ إليهم. وجدتُ القاتل يصوب سلاحه نحو فادي، ولم أتمكن من السيطرة على نفسي. دفعتني غريزتي للخوف عليه، فأمسكت سلاحًا للمرة الأولى في حياتي. لم أكن أعرف التصويب، لكنني كنت مضطرة... رفعت السلاح بكلتا يديّ المرتعشتين، وقلبي يدعو الله بكل إخلاص: 'اللهم إني عبدك، لا حول لي ولا قوة، أستغيث باسمك العظيم، أنجِهم كما أنجيت الغلام يوم دعاك بقتل الدابة حتى يمضي الناس، اللهم اجعل الرصاص يضرب يد العدو التي تمسك السلاح. صمتت للحظة وكأنها تستعيد المشهد في ذهنها، ثم ربّتت على يد رغد، قالت بهدوء: -هيا، سأترككِ لترتاحي قليلًا. كانت معالم الاندهاش تسيطر على ملامح وجه رغد، فقد كانت كلمات ورد تحمل حكاية أكبر مما تستطيع استيعابه في لحظتها. حاولت أن تطرح سؤالًا، لكن ورد فقد بدت وكأنها تتهرب عمدًا، وهي تنهض وتغادر بسرعة لتتفادى المزيد من النقاش. فهمت رغد أن صديقتها تخفي عنها شيئًا أكبر من مجرد الحكاية التي روتها، لكنها قررت أن تتركها وشأنها هذه المرة. ابتسمت رغد بخفة، وعيناها ثابتة على الباب، ثم أغمضت عينيها للحظة، تحمد الله على كل ما مروا به، مستعدة لمواجهة القادم، مهما كان مجهولًا. في هذه الأثناء، كانت ورد تمشي في ممرات الفندق بتعب واضح، خطواتها ثقيلة كأنها تحمل عبء العالم على كتفيها. وصلت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها وألقت الحقيبة على أقرب مكان للجلوس. كادت تجلس على الكرسي لتضع الدواء على جرحها، لكن رنين الهاتف قطع لحظتها. التقطت الهاتف بيد مترددة، فتحت المكالمة وهمَّت بالرد، لكن ما إن سمعت الصوت في الجهة الأخرى، حتى تجمدت ملامحها. كان صوتًا ساخرًا، كأن صاحبه يستمتع بإثارة غضبها: "أنتِ حمقاء حقًا. هل تعتقدين أنكِ فزتِ في تلك القضية؟ غدًا ستعرفين ما سيحدث." تسلل الغضب إلى ملامح ورد، ولم تستطع تمالك نفسها. سألت بصوت حاد: "من أنت؟ أخبرني الآن!" ضحك المتصل ضحكة باردة، ثم قال بنبرة ساخرة، مصحوبة بصوت عبثه بقداحته المعدنية: "ستعلمين عندما يحين اللقاء، أو ربما لن تعلمين... لأنكِ ستكونين في الجحيم حينها." قبل أن تتمكن من الرد، أغلق الخط. نظرت إلى الهاتف بذهول ثم رمت به بعصبية على السرير، وهي تتمتم بغضب: -كيف يجرؤ على إغلاق الهاتف بهذه الطريقة؟! جلست على الكرسي ووضعت رأسها بين يديها للحظة، تحاول تهدئة أعصابها. بعد أن استعادت أنفاسها، نظرت إلى جرح ذراعها. فتحت الحقيبة وبدأت بتطهيره بعناية، رغم الألم الذي شعرت به. لفَّت الجرح بشاشٍ محكم، ثم نهضت واتجهت نحو حقيبتها الموضوعة على المنضدة، أخرجت منها كتابًا، ثم جلست على السرير، تقلب صفحاته وتغرق في قراءته قليلًا، محاولةً تشتيت انتباهها عن الألم. في تلك الأثناء، كانت رغد غارقة في النوم، تستريح من عناء اليوم الطويل، وكذلك فادي، الذي استسلم للتعب. أما أكينا، فقد أمسكت بكاميرتها، تلتقط صورًا للمشهد أمامها. رغم أن الطرقات كانت مبتلّة بالمطر، إلا أن المنظر بدا ساحرًا، ولم تستطع تجاهله. على الجانب الآخر، كان ليو قد عاد مما كان يشغله، ونام لساعتين فقط، وهو ما اعتبره كافيًا، إذ اعتاد دائمًا على قلة النوم. ما إن استيقظ حتى مدّ يده إلى المنضدة الليلية، التقط هاتفه وأجرى اتصالًا مع طوني. لطالما كان يلجأ إلى ثلاثة أشخاص عندما يشعر بالضياع أو يرهقه التفكير، لكن أحدهم لم يعد مهمًا بالنسبة له... لأسباب لم يعد يرغب في استرجاعها. بعد مرور فترة من جلوسها، نهضت ورد من مكانها، وعدّلت ملابسها بحركة سريعة، ثم تأكدت من ثبات غطاء رأسها. شعرت بجوع شديد يقرص معدتها، فتوجهت بخطوات مترددة نحو مطعم الفندق، حيث كان الهواء مشبعًا برائحة الأطعمة الشهية، ما زاد من شعورها بالجوع. داخل المطعم، وقفت بهدوء بعد أن أخبرتهم عن المدعو يوسف، كما نصحها ليو. ثم أشارت إلى أحد العاملين وتحدثت بنبرة هادئة رغم وضوح التعب عليها: -من فضلك، أريد هذه الوجبة مع عصير الليمون، إذا كان متوفرًا. ابتسم العامل بأدب وقال: -حسنًا يا سيدتي. عاد بعد دقائق وهو يحمل الطلب. كانت ورد تجلس على طاولة قريبة من النافذة شكرته بابتسامة خفيفة وبدأت بتناول طعامها ببطء. شعرت بشيء من الراحة أخيرًا بعد يوم طويل. حين انتهت، همست بامتنان: -الحمد لله. لكن صوتًا من خلفها قطع سكون اللحظة. ضحكات ساخرة ترددت بوضوح، مستهدفة إياها. نظرت إلى النافذة وهمست بإشفاق على أفكارهم: -كم هم عنصريون. أراحت رأسها على الكرسي للحظة، ونظرت إلى الخارج، حيث كانت الشمس تودع الأفق، بينما بدأت أضواء المدينة تومض شيئًا فشيئًا، كأنها تستعد لاحتضان الليل. ولوهلة، شعرت بأن العالم، رغم كل شيء، لا يزال يحمل شيئًا جميلًا وسط هذه الفوضى. كانت على وشك أن تنهض وتغادر، لكن شابًا اقترب وجلس أمامها دون استئذان. نظرت إليه بصدمة، وهو يتحدث بنبرة جريئة مليئة بالسخرية: -ياه، مثلي كأنكِ حبيبتي. تجمدت ورد في مكانها، تحاول استيعاب الموقف الغريب. رفعت نظرها نحوه، ثم ألقت نظرة سريعة على الجالسين خلفه. شعرت بالغضب يتصاعد داخلها، لكنها حاولت الحفاظ على هدوئها. ردّت بصوت هادئ ولكنه حازم: -عفوًا، لم أفهم كلامك! لكن دعني أوضح لك أمرًا. أشارت نحو الجالسين خلفه وأكملت بنبرة حادة: -من بين كل هؤلاء الجالسين، لم تجد سوى هذا المكان؟ كانت كلماتها واضحة ومباشرة، تضع حدًا لهذا الموقف المزعج. حدّق بها الشاب بدهشة، ليس فقط لأنها غريبة عن البلدة، بل أيضًا لجرأتها غير المتوقعة. بلل شفتيه وابتسم بخفة قبل أن يجيب بلغتها نفسها: -هل ترين فتاة بمفردها بين الجالسين؟ الجميع هنا مع أحبائهم. لذلك اخترتكِ لأنكِ الأنسب... للتمثيل. رفعت ورد حاجبها بتعجب، محاولة استيعاب ما يقصده، لكنها تجاهلت الأمر. وبينما كانت تهمّ بالنهوض، قاطعها بصوت أثار حيرتها: -أريدكِ أن تمثّلي دور حبيبتي، وسأعطيكِ ما تريدين. شعرت ورد بسخافة الموقف، نهضت سريعًا وهي تجيب بنبرة حازمة: -ابحث عن غيري، هذا ما أريده. أوشكت على الابتعاد، لكن صوته المليء بالتوسل أوقفها: -رجاءً، ساعديني! توقفت ورد، التفتت نحوه لترى عينين تلمعان برجاء حقيقي. كانت تعلم أنه يحاول استعطافها، لكن تلك النظرة جعلتها تشعر بالارتباك. عبست قليلًا، تنهدت مستسلمة، وحدثت نفسها بصمت: [لماذا لم يجد غيري من بين كل هؤلاء البشر؟] أخرجت هاتفها محاولة الاتصال بشخص قد يساعدها على الخروج من هذا الموقف، لكنه لم يجب. شعرت بالضيق وهي ترى نظرات الناس تحيط بهما كأنها تُلقي المزيد من الضغط عليها. عادت لتنظر إلى الشاب الذي يترقب ردها، ثم قالت بنبرة تجمع بين الملل وقلة الحيلة: -ما الذي تريده تحديدًا؟ ابتهج الشاب كأنما عادت إليه الحياة. أشار بيده نحو فتاة شقراء ذات شعر طويل وعينين زرقاوين، ترتدي ملابس كاشفة وتقف وسط المكان، تبحث بنظراتها عن أحد. قال بصوت خافت يكاد يُرجع ثقته بنفسه: -تلك الفتاة... أريدكِ أن تبعديها عني بأي طريقة. تجهم وجه ورد وهي تعبر عن استيائها بصراحة، ثم رمقته بنظرة حادة: -وكيف أفعل ذلك؟ أطلق الشاب زفيرًا متذمرًا، ثم قال بتهكم: -وكيف أدري؟ أنتن النساء لديكن أساليبكن الخاصة! شعرت ورد باندفاع الغضب، لكنها كتمته. نظرت نحو الفتاة للحظات، ثم عادت لتنظر إلى الشاب بعينين متقدتين، وقالت بحدة: -حسنًا، سأساعدك بشرط... ألا أرى وجهك مرة أخرى. ظهر على الشاب خليط من الراحة والارتباك، لكنه اكتفى بالإيماء موافقًا. تحركت ورد نحو الفتاة بخطوات ثابتة، وأخذت نفسًا عميقًا لتنظف حلقها. ثم قالت بنبرة مهذبة لكنها حازمة: -عذرًا، هل تبحثين عن شيء؟ يمكنني مساعدتكِ. حدّقت بها الفتاة بنظرة حائرة للحظة، وكأنها تحاول فهم مقصدها. ورد، على الرغم من الموقف الغريب، حافظت على ثقتها، متأهبة لأي رد فعل قد يصدر عنها. رفعت الفتاة حاجبًا، وظهر على وجهها تعبير يحمل ازدراءً واضحًا وهي تجيب ببرود: -ومن أنتِ؟ وما هذه الملابس؟ ألا تعرفين شيئًا عن الموضة؟ يبدو أن القذارة هي زي العاملين هنا! شعرت ورد بالضيق من كلمات الفتاة، لكنها حاولت التحكم في أعصابها. أجابتها بابتسامة باردة، ونبرة تحمل سخرية خفية: -وما بها ملابسي؟ على الأقل ليست مثل ملابسك، وكأنكِ استعجلتِ الخياط قبل أن يُنهي عمله. إن كنتِ بحاجة إلى مكان نظيف لشراء ملابس، يمكنني إرشادك. أنهت حديثها بابتسامة مُفتعلة أثارت استياء الفتاة، التي شعرت بالإهانة. وبحركة مفاجئة، أمسكت الفتاة كوبًا من عصير كان موضوعًا على طاولة مجاورة. ورد، التي توقعت تصعيد الموقف، همست بسخرية وهي تُراقب تصرف الفتاة: -يا للروعة! حركة قديمة... لقد ورطت نفسي. إن عرف فادي بهذا، فلن يتركني دون عتاب. حين حاولت الفتاة إلقاء محتوى الكوب على ورد، تفادته الأخيرة بأعجوبة، مما أثار غضب الفتاة أكثر. تقدمت نحو ورد بغضب وشدت ثيابها وهي تقول بحدة: -أنتِ! ماذا تظنين أنكِ فاعلة؟ كادت ورد أن ترد بكلمات قاسية، لكن تدخل الشاب فجأة، مقاطعًا بصوت حازم: -جوليا! توقفي عن هذا، كفاكِ افتعال المشاكل ككل مرة. لقد أصبحنا محط أنظار الجميع! توقفت الفتاة للحظة، ونظرت حولها لترى العيون تترقب الموقف. شعرت بالإحراج، فدفعت ورد بخفة لتخفي ارتباكها، ثم غادرت المكان مسرعة دون أن تلتفت. بينما كانت ورد تُنفض الغبار الزائف عن ملابسها، توجه الشاب نحوها بملامح حرج، وحك مؤخرة رأسه قبل أن يقول: -أنا آسف حقًا. لم أقصد أن أسبب لكِ المشاكل. نظرت إليه ورد بنظرة ضيق، ورفعت حاجبها وهي تتحدث بحدة: -جيد أنك تعترف. لكن لدي سؤال... بما أنك قررت مواجهتها بنفسك، لماذا أقحمتني في سخافاتك هذه؟ فتح الشاب فمه ليجيب، لكنها قاطعته وهي ترفع يدها بحركة حازمة: -لا يهم. ما أريده الآن هو ألا أرى وجهك مرة أخرى. ثم التفتت وغادرت المكان بخطوات سريعة، تاركة الشاب خلفها في حالة من الحرج. حين عادت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها بعنف وارتخت على الكرسي. أغمضت عينيها لتهدئ نفسها قليلًا، ثم همست: -يا إلهي، ما الذي أوقعني في هذه الورطة؟ لقد كان يومًا طويلًا بحق. في الساعة العاشرة ليلًا، داخل أحد المنازل الفاخرة المنعزلة، اجتمع عدد من الأشخاص المهمّين في غرفة مضاءة بخفوت. ارتفعت همساتهم أثناء انتظارهم وصول قائدهم، الذي كان من المفترض أن يقود اجتماعًا حساسًا لمناقشة تهريب شحنة جديدة. دخل الغرفة رجل طويل القامة، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، ووقف في منتصف الطاولة المستديرة، رافعًا يده ليعمّ الصمت. تحدث بنبرة حازمة: -لن يحضر القائد اليوم. هناك ظروف طارئة، لكننا سنواصل مناقشة الخطة التالية. أنا هنا بأوامره. كان الرجل هو فابينهو، الذراع الأيمن للقائد، المعروف بصرامته وتنظيمه. بدأ يشرح الخطة بتفصيل ممل، بينما كان الجميع يصغون إليه بتركيز. ولكن ما لم يدركوه، أن هناك عينًا تراقبهم بهدوء. كان ذلك الرجل الغامض يراقبهم بشكل هادئ وواثق، مستندًا على الجدار وعاقدًا ذراعيه. وجهه جامد لكن عيناه مسلحتان بالحذر. كانت هذه مهمته، وقد اختير لها بعناية. قدرته على التسلل والبقاء دون أن يُكتشف جعلته الأفضل في هذا النوع من العمليات. أغمض الرجل عينيه للحظة، ثم همس عبر جهاز الاستماع الصغير المثبّت في أذنه: "لا شيء مريب حتى الآن. الوضع كما هو... كالعادة، مجرد تهريب بضائع. أبلغ خالد أن يبقى في حالة تأهب." ثم أضاف بنبرة ساخرة: "للمغامرة!" لاحظ أن أحد الجالسين قد بدأ يحدق باتجاهه، فعدل من وقفته، متظاهرًا بأنه مهتم بهذا الاجتماع. داخليًا، كان يقول لنفسه بسخرية: [رائع! دائمًا هناك من يحب إثارة المشاكل.] بعد دقائق، أنهى فابينهو شرح الخطة، ثم أدار بصره في الغرفة وقال بصوت آمر: -باسيل، تعال معي. نهض أحد الرجال الجالسين، طويل البنية وذو ملامح صارمة، وتبعه إلى غرفة جانبية مغلقة. أدرك الجميع أن هذا الحديث خاص، ولكنهم لم يتجرأوا على السؤال. في صباح اليوم التالي، أعلن الفجر عن أخبار صادمة. استيقظت أكينا بانزعاج من حلمها الجميل، على صوت رنين هاتفها الذي أفسد نومها. مدّت يدها بتثاقل لتجيب، لكن كلمات المتصل جعلتها تصرخ بدهشة: "ماذا؟!" أغلقت الهاتف سريعًا، ونهضت من سريرها متأففة. كان مزاجها معكرًا بسبب انقطاع حلمها وتلقيها أخبارًا غير متوقعة. خرجت من غرفتها متجهة إلى ردهة الفندق، حيث وجدت فادي جالسًا عند نافذة زجاجية واسعة، يراقب الشارع بنظرات متفكرة، بينما أنهى ليو مكالمة هاتفية لتوّه. بللت أكينا شفتيها الجافتين، ثم تحدثت بتوتر وهي تقف أمامهما: -إذًا... هل أخبرتما ورد بهذا الأمر؟ أجابها ليو بهدوء دون أن يرفع عينيه عن شاشة هاتفه، إذ وصله للتو إشعار برسالة جديدة: -لا، ليس بعد. أما فادي، الذي كان يُظهر انزعاجه، فقد سأل بصوت مفعم بالقلق: -ما أريد معرفته الآن هو... كيف حدث ذلك؟ لم يمضِ وقت طويل حتى وصلت رغد بخطوات طبيعية، لكنها سرعان ما شعرت بشيء غريب في الأجواء. توقفت بالقرب منهم وسألت بتردد: -هـ... هل حدث شيء؟ تبادل الجميع النظرات، قبل أن تجيبها أكينا بنبرة إحباط وكأنها تحمل همًّا ثقيلًا: -المرأة... انتحرت. ساد الصمت، وارتسمت الصدمة على وجه رغد، التي تراجعت خطوة للخلف وهي تضع يدها على صدرها. همست بصوت مرتجف: -كيف... ولماذا؟ تبادلت أكينا وليو النظرات، ثم تحدث ليو أخيرًا بنبرة هادئة لكنها تحمل شيئًا من التحذير: -هناك تفاصيل كثيرة، لكننا بحاجة إلى ترتيب أفكارنا أولًا. ما حدث الليلة الماضية قد يكون البداية فقط. شردت رغد في أفكارها، وتساءلت أكينا بصوت قلق وهي تلتفت إلى فادي وليو: -هل سنخبر ورد؟ قبل أن يجيب أحد، جاءهم صوت هادئ من خلفهم: -وماذا ستخبروني؟ تحدثت ورد وهي تقف خلف رغد وأكينا، ملامحها جامدة، لكنها كانت تستمع لكل شيء منذ البداية. التفتت رغد بسرعة، وقد بدا على وجهها الفزع وهي تقول بصوت مرتعش: -ورد! منذ متى وأنتِ هنا؟ تنهدت ورد بهدوء، ثم أجابتها ببرودٍ يخفي قلقها الحقيقي: -للتو. رمقها ليو بنظرة طويلة، ثم تحدث بصوت متردد، كأنه يدرك أنه لم يعد هناك ما يخفيه: -ليس باليد حيلة. الخبر وصل إلينا للتو. حاولت أكينا إخراجهم من الموقف، فابتسمت ابتسامة متوترة وقالت محاولة تغيير الموضوع: -آه... الخبر هو أنني أكلت وجبتك. حدق الجميع بها بدهشة من توقيت تعليقها، بينما رفعت ورد حاجبها بنظرة متململة، وهمست بسخرية: -هذا ليس جديدًا عليكِ. لكن ليو، وقد بدت عليه ملامح الإرهاق من محاولاتهم تجنب الحديث الجاد، تحدث بصوت حازم وهو ينظر إلى ورد مباشرة: -تلقينا خبرًا سيئًا. المرأة... انتحرت. رفعت ورد حاجبيها قليلًا، ثم فتحت فمها وكأنها ستتفاجأ، لكنها قالت ببرود أربكهم جميعًا: -حسنًا، وبعد؟ فادي، الذي لم يستطع كبح استغرابه، نظر إليها بدهشة وقال بصدمة بدت جلية في نبرته: -ألم تشعري بالصدمة؟! نظرت إليه ورد بعينين جامدتين، وردت بنبرة تحمل البرود من الخارج والغضب المكتوم من الداخل، خاصة تجاه فادي، الذي ما زالت تشعر بالاستياء منه: -لا، لقد تلقيت اتصالًا بالأمس. رمقها الجميع بنظرات مذهولة، وتحدثوا في وقت واحد: -ماذا؟!...يتبع 《سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك》
نارة لوما