الفصل الرابع عشر: المأدبة
───
وقف تيان ووري أمام البابين الضخمين.
كان على وشك أن يخطو إلى الداخل، عندما توقف. يده كانت قد رفعت لتلمس القناع على وجهه. تذكر فجأة أن ارتداءه داخل قاعة راقية كهذه قد يُفسر على أنه قلة احترام، أو إساءة، أو حتى استفزاز. وفي حفلة مليئة بكبار المسؤولين ورجال الأعمال، آخر ما يحتاجه هو أن يبدأ بخطأ كهذا. كما أنه بارتدائه قناعاً في حفلة راقية سيجذب الأنظار بشكل لا يقل عن لو دخل بوجهه مكشوف. بل ربما أكثر. الأنظار التي يحاول تجنبها ستأتيه بشكل مضاعف لو دخل وهو مخفي.
فكر لثانية. لا أكثر.
ثم نزع القناع بسرعة، ورماًه في سلة المهملات القريبة.
كان القرار صحيحاً. هو لم يأتِ ليختبئ. جاء ليُرى.
رفع رأسه، وعدّل ربطة عنقه. ثم أشار برأسه إلى الرجلين الواقفين عند الباب.
فتحا البابين ببطء، وانكشف أمامه المشهد.
قاعة ضخمة، مفعمة بالأضواء الذهبية، ثريات كريستالية تتدلى من السقف العالي، طاولات مستديرة مغطاة بمفارش بيضاء، وأناس يرتدون أفخر الملابس. الموسيقى الكلاسيكية كانت تعزف بهدوء في الخلفية، ورائحة العطور الفاخرة والطعام الشهي تملأ المكان.
دخل تيان ووري.
للحظة قصيرة، خفتت الأحاديث حول المدخل.
بدأت العيون تتجه نحوه، واحدة تلو الأخرى. ليس لأن أحداً ناداه، بل لأن حضوره كان ببساطة... طاغياً. بدلته الزرقاء القاتمة، طوله الشاهق، شعره الأسود الكثيف، وجهه المثالي الذي بدا وكأنه منحوت من الرخام، وعيناه السوداوان اللتان تخفيان تحتهما عمقاً لا يمكن قراءته.
خطواته كانت هادئة، واثقة، ومتغطرسة قليلاً و غير مبالية.
كان يعلم أن الجميع سيتذكرون هذا الوجه.
───
ثم، بعد ثانيتين، عاد كل شخص إلى حديثه مع رفيقه أو رفيقته.
لم يأتِ أحد هنا فقط للإستمتاع. الخروج من هنا ومعك صفقة عمل أفضل هو ما يهم. لكن بالطبع، لم ينسَ أحدٌ هذا الوجه الذي دخل للتو. شكله كان حرفياً يغرس في الذاكرة. وفي الزوايا، بدأ بعضهم يسأل عن هوية هذا الرجل الغامض بالفعل. لكن لم يكن هناك من يعرفه.
تيان ووري لم يهتم. مشى بخطى هادئة نحو زاوية القاعة، متكئاً على الحائط برشاقة لم تخلُ من الرقي والجمال. حتى إتكائه كان أنيقاً، وكأنه جزء من لوحة فنية. النظرات كانت تتبعه، لكنه لم يلتفت.
لم يمر وقت طويل.
بعد دقيقتين، ظهر تشو وي وزوجته. كانت لين مياو ترتدي فستاناً أنيقاً، ووجهها خالٍ تماماً من الندبة التي كانت تشوهه. كانت تبتسم ابتسامة واسعة، وعيناها تلمعان.
"تيان!" ناداه تشو وي بابتسامة.
التفت تيان ووري، ورآهما يقتربان. تقدم نحوهما بخطوة، وتبادلوا التحية.
ثم نظرت إليه لين مياو، وقالت بنبرة مرحة:
"يا تيان، كل مرة أراك فيها تزداد وسامة. هل لديك سر ما؟"
ابتسم تيان ووري. كانت ابتسامة خفيفة، لكنها حقيقية. بعد كل ما حدث، بعد كل الصفقات والوعود، أصبحت العلاقة بينهم أكثر دفئاً. لم يكن يثق بهم تماماً، لكنه كان يعرف أن بعض الحدود يمكن كسرها.
"أسراري لا تُكشف بسهولة يا زوجة المدير." قال بنبرة شبه مرحة.
ضحكت لين مياو ضحكة صافية، وتشو وي ابتسم مبتزاً. كان يعرف أن تيان ووري بدأ يفتح قليلاً من أبوابه، وهذا كان شيئاً جيداً.
ثم قال تشو وي، وهو يشير إلى القاعة:
"تعال، سأقدمك لبعض الأشخاص المهمين."
أومأ تيان ووري، وتبع تشو وي.
───
كان تيان ووري قد راجع المعلومات مسبقاً.
كان يعرف من هم اللاعبون الحقيقيون في هذه المدينة. لم يكن تشو وي سوى واحد منهم، بل كان الأصغر والأحدث. العائلات الأربع الكبرى هي من تسيطر فعلياً على شنغهاي:
عائلة تشين – الأقدم والأعرق، جذورها تمتد لأكثر من مئة عام. يسيطرون على القطاع العقاري والبنوك ولهم بالفعل دخل في السياسة.
عائلة ليو – متخصصون في التكنولوجيا والصناعات الثقيلة، نفوذهم يمتد خارج شنغهاي.
عائلة شيان – عريقة بنفس القدر، تهيمن على التجارة الدولية والخدمات اللوجستية.
عائلة دان – الأحدث بين الأربع، لكنها الأكثر عدوانية، تسيطر على الإعلام والترفيه.
هؤلاء الأربع هم القارات الضخام. أما تشو وي، فكان كأستراليا. قوي، حاضر، لكنه معزول إلى حد ما، حديث العهد نسبياً بالمقارنة.
كان تيان ووري يعلم أن هذه المأدبة ليست مجرد مناسبة اجتماعية. إنها ساحة حرب باردة. كل ابتسامة تخفي صفقة، وكل نظرة تخفي حسابات.
وها هو الآن، يدخل وسط هذه الساحة، مع تشو وي إلى جانبه.
كان يعرف أن عيون العائلات الأربع كانت تراقبه.
وهو يعرف أيضاً أنه سيحتاج إلى جعلهم يرونه.
───
بعد بضع خطوات، توقفت المجموعة أمام رجلين.
أحدهما كان عجوزاً، يقارب السبعين من عمره. ملامحه لم تكن مميزة في الظاهر، لكن عينيه كانتا تشعان بتعالي وثقة لا توصف. كان يرتدي بدلة بسيطة لكنها باهظة الثمن، وحتى وقفته كانت توحي بأنه يملك المكان.
أما الآخر، فكان شاباً في حوالي السادسة والعشرين من عمره. وسيم حقاً، بشعر أسود بني، وعيون عسلية، وملامح خليط بين الحدة الواضح من أين ورثها، وملامح أخرى لم تكن مريحة تماماً، لكنها قريبة من ذلك. كان يقف خلف العجوز بخطوة، وكأنه يتعلم منه.
هذان الشخصان هما الجد والحفيد من عائلة تشين. أقوى عائلة في شنغهاي.
العجوز هو تشين جون، الرئيس الأوحد للمجموعة حالياً. كان قد ورثها بالفعل لابنه، لكن الابن مات بسكتة دماغية، فعاد تشين جون من الاعتزال قبل ثلاث سنوات ليديرها. وكان يهيئ حفيده تشين بياو ليرث العمل والشركات من بعده.
بمجرد وصولهم إلى الرجلين، ألقى تشو وي التحية بلباقة واحترام.
"السيد تشين جون، سعدت برؤيتك. أتمنى أن تكون بخير."
نظر العجوز إلى تشو وي، وأومأ برأسه ببرود. ثم التفتت عيناه إلى الوجه الجديد بجانبه.
لم ينظر العجوز إلى مظهر تيان ووري. لم ينظر إلى بدلته، ولا إلى طوله، ولا إلى وسامته. نظر مباشرة إلى عينيه.
نظرة طويلة، ثاقبة، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً.
لكنه لم يعلم حينها أن تيان ووري ليس كتابا و ليس كتابا مفتوحة بل كان أحجية صعبة و معقدة فمن أين أتى و ما هويته و ما الذي ينوي فعله كان أبعد من خيال هذا العجوز.
تيان ووري لم يزح عينيه. بادل العجوز النظرات بابتسامة باردة. ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ولم تكن دافئة. في الواقع، في عقله كان يبتسم ببرود وباستهزاء طفيف. كمن يقول: "أراك، وأعرف أنك تراني، لكن لا شيء من هذا يهم."
لم يتكلم العجوز. فقط أرخى نظره قليلاً، ثم نظر إلى تشو وي.
"من هو الشاب؟" سأل بصوت عميق، هادئ، لكنه يحمل ثقلاً لا يوصف.
ابتسم تشو وي، وقد شعر بالتوتر لكنه لم يظهره.
"هذا هو شريكي الجديد، تيان ووري. صاحب الوصفة التي عالجت زوجتي."
رفع العجوز حاجباً واحداً. كانت حركة صغيرة، لكنها حملت فضولاً خفيفاً.
"حقاً؟"
لم يقل أكثر من ذلك. فقط أرخى عينيه ثانية على تيان ووري، ثم استدار، وكأنه أنهى المحادثة.
لكن تيان ووري عرف أن هذه ليست نهاية. كانت بداية مراقبة.
───
ثم تقدمت المجموعة إلى الوجهة الثانية.
وقف هناك رجل في منتصف الخمسينات، معه زوجته. كان هذا هو شيان لونغ، الرب الحالي لعائلة شيان. بجانبه وقفت زوجته لان بي إير، التي كانت تبتسم بلطف.
تبادل تشو وي ولين مياو التحية معهما. هنأت لان بي إير لين مياو على شفائها، ودار حديث قصير عن الندبة التي اختفت وكأنها لم تكن.
لكن شيان لونغ لم يسأل عن تيان. ربما كان ينتظر أن يعرفه عنه تشو وي، أو ربما كان يريد أن يرى إن كان الشاب سيقدم نفسه.
بعد لحظات، التفت شيان لونغ إلى تشو وي:
"سمعت أنك تحضر صفقة تجارية ضخمة. يقال إنك ستطلقها غداً."
ابتسم تشو وي، وأشار إلى تيان ووري:
"نعم. وهذه الصفقة مستحيلة بدون هذا الشاب. تيان ووري هو شريكي في المشروع."
نظر شيان لونغ إلى تيان ووري لأول مرة باهتمام. لم تكن نظرة تشين جون الثاقبة، بل نظرة رجل فضولي، يريد أن يفهم من يقف أمامه.
"تيان ووري؟" كرر الاسم. "لم أسمع به من قبل."
"سوف تسمع به كثيراً من الآن فصاعداً." قال تيان ووري بصوت هادئ، لكنه واثق.
ابتسم شيان لونغ ابتسامة عريضة، ومد يده:
"أنا أحب الشباب الواثقين."
تصافحا، ومنذ تلك اللحظة، بدأ شيان لونغ يتحدث وكأنه يعرف تيان ووري منذ سنوات. كان اجتماعياً بشكل لافت، يتحدث بطلاقة، ولا يتكلف في كلامه. في أقل من عشر دقائق، كان يناديه باسمه الأول: "ووري"، وكأن بينهما ألفة قديمة.
تيان ووري لم يمانع. بل على العكس، كان هذا النوع من الأشخاص هو ما يفضله. الناس الذين يقولون ما في قلوبهم، ولا يحبون التصنع أو الإخفاء. مع شيان لونغ، لم يكن هناك حاجة لحساب كل كلمة.
دار الحديث بينهما بسلاسة، وتطرقا إلى مواضيع مختلفة. شيان لونغ كان مهتماً بمعرفة خلفية تيان ووري، لكنه لم يكن فضولياً بطريقة مزعجة. كان يسأل، ويستمع، ويعلق بصدق.
بعد عشر دقائق أخرى، استأذن شيان لونغ وزوجته، وقالا إنهما سيتجولان قليلاً قبل أن يغادرا.
"كان لقاء ممتعاً، ووري." قال شيان لونغ وهو يبتعد. "أتوقع أن نلتقي مرة أخرى قريباً."
أومأ تيان ووري برأسه، وشاهدهم يغادرون.
ثم التفت إلى تشو وي ولين مياو.
"وجهتنا الأخيرة؟"
"عائلة ليو." قال تشو وي. "لقد اعتذرت عائلة دان في الدقائق الأخيرة. قالوا إنهم لا يستطيعون الحضور."
ساروا بضع خطوات، حتى وصلوا إلى حيث تقف عائلة ليو.
───
نهاية الفصل الرابع عشر
romb number one