الفصل الثالث: الذاكرة المكتملة
───
عندما فتح تيان ووري عينيه في صباح اليوم التالي، كان يعلم أن شيئاً ما تغير.
لم يكن نوماً عادياً. كان شيئاً أعمق. وكأن روحه قد سافرت إلى مكان ما، ثم عادت محملة بشيء لم يكن موجوداً من قبل.
جلس ببطء، ونظر إلى يديه. كانتا لا تزالان يدين غريبتين. يد تانغلو، لكنها لم تعد تانغلو. يد يي تشو، لكنها لم تعد يي تشو.
لكنه شعر بهذا الصباح بأنه أكثر وضوحاً. كأن الضباب الذي كان يغطي عقله قد انقشع فجأة.
ثم، بدأت الذكريات تتدفق.
ليس ذكريات تانغلو. ولا ذكريات يي تشو. بل شيء آخر. شيء قرأه. شيء عرفه من قبل، لكنه نسيه في صخب الألم والارتباك.
الرواية.
تذكرها الآن. 'الطريق إلى القمة'. تلك الرواية التي قرأها في حياته الأولى، قبل أن يُعدم. نصفها فقط، لكن التفاصيل كانت حية كأنه قرأها بالأمس.
جلس في زاوية المنزل المهجور، وأغلق عينيه، وترك الذكريات تتدفق.
───
عالم 'الطريق إلى القمة'.
تذكره الآن كاملاً. عالم حديث، حيث السيارات تسير في الشوارع، والطائرات تحلق في السماء، والشركات تتقاتل على السيطرة على الأسواق. لكن تحت هذا السطح الحديث، كان هناك عالم آخر. عالم قديم، يعود إلى زمن الموريم، حيث كان الممارسون يتنفسون الطاقة الداخلية ويحطمون الجبال بقبضاتهم.
مع مرور الزمن، تراجعت هذه الفنون. أصبح الممارسون نادرين، وتلاشت التقنيات القديمة. لكن في السنوات الثمانين الماضية، بدأوا بالظهور مجدداً. عددهم في ازدياد، وقوتهم تتضاعف.
مراحل القوة السبع.
تذكرها تيان ووري بوضوح. الأساس، التبلور، الجوهر، النضوج، السمو، الأسطورة، الخلود. كل مرحلة تنقسم إلى ثلاثة مستويات: بدائي، وسط، قمة. سبع مراحل، كل منها أبعد من سابقتها، وكل منها أصعب من سابقتها.
في قمة الهرم، كان هناك خمسة أشخاص.
أقوى خمسة في العالم.
تذكر تيان ووري أسماءهم، مراحلهم، أسرارهم. المصنف الأول، المجهول، الذي كان في المرحلة الوسطى من الأسطورة. لا أحد يعرف اسمه، لا أحد يعرف من هو. مجرد ظل، مجرد أسطورة.
المصنف الثاني، شيه تيانشا. اسم عائلته يعني "الدم"، واسمه يعني "القتل السماوي". محارب وحشي، في المرحلة البدائية من الأسطورة.
المصنف الثالث، مجهول أيضاً. يُعتقد أنه في قمة السمو، لكن لا أحد يعرف من هو.
المصنف الرابع، جيانغ لاو لي. الطبيب المعجزة، معلم بطل الرواية. في قمة السمو. اسمه يعني "لي العجوز"، لقب يطلق عليه بمحبة واحترام.
المصنف الخامس، تشين نشاو. صانع الأسلحة والأكسير، في المرحلة الوسطى من السمو.
توقف تيان ووري عند جيانغ لاو لي. تذكر دوره في الرواية. الرجل الذي وجد دونغ لي بعد مأساة عائلته، وأخبره أن الحادث لم يكن حادثاً، بل قتلاً. الرجل الذي عرض عليه أن يصبح تلميذه، ليكتشف الحقيقة.
دونغ لي.
تذكر تيان ووري اسم البطل، وشعر بقشعريرة تسري في جسده.
دونغ لي. نفس اسم أخيه بالتبني. نفس الاسم الذي خانه، الذي دمر حياته، الذي قاده إلى كرسي الإعدام.
ضحك ضحكة باردة.
"صدفة ساخرة." همس. "أو ربما ليست صدفة."
تذكر مأساة دونغ لي. والداه وأخته الصغرى ماتوا في حادث سيارة مريب. دخلوا منطقة بلا كاميرات، ولم يخرجوا أبداً. عُثر على سيارتهم محترقة في غراج سفلي، وأجسادهم مفحمة.
كان دونغ لي في الرابعة عشرة من عمره حينها. وحيداً، بلا عائلة، بلا مال، بلا مستقبل.
ثم جاء جيانغ لاو لي. أخبره أن عائلته قُتلت، وأن عليه أن يصبح قوياً ليكتشف الحقيقة. لأن دونغ لي كان موهوباً. موهوباً بشكل نادر. كان أحد أبناء السماء.
"أبناء السماء." تكرر تيان ووري. "المختارون. أولئك الذين تباركهم السماء."
تذكر نفسه. تانغلو. الملعون. الشخص الذي لعنته السماء منذ ولادته.
"نحن متعاكسان." فكر. "هو مختار، أنا ملعون. هو سيكون بطلاً، أنا... لا أعرف ماذا سأكون."
لكنه لم يشعر بالمرارة. لم يشعر بالحسد. فقط... فضول. فضول لمعرفة كيف ستنتهي هذه القصة.
تذكر أيضاً الملعونين في الرواية. كانوا يُحتقرون، يُنبذون، يُعتبرون نحساً على من حولهم. لم يكن هناك أي ملعون أصبح بطلاً. كل الأبطال كانوا مختارين. كل النهايات السعيدة كانت للمختارين.
"إذاً." فكر تيان ووري. "أنا أول ملعون يحاول أن يصبح بطلاً؟"
ابتسم. لكن الابتسامة كانت باردة.
"حسناً. سأكون الأول."
───
مرت الساعات. تيان ووري استمر في التذكر، يستوعب كل تفصيل من الرواية. العالم، الشخصيات، الأحداث، الأسرار. كل شيء كان يعود إليه بوضوح لم يتوقعه.
لكن مع غروب الشمس، بدأ يشعر بشيء غريب.
دوار خفيف، ثم ثقيل. كأن جسده أصبح فجأة غير قادر على حمل نفسه. أغمض عينيه، وحاول التركيز، لكن الدوار كان يزداد.
ثم، دون مقدمات، انزلقت روحه إلى مكان آخر.
لم يكن نوماً، ولم يكن يقظة. كان شيئاً بينهما. حالة من اللاوعي، حيث الحواس تتلاشى، والوعي يطفو في فراغ لا نهائي.
في هذا الفراغ، مرت الذكريات.
حياة يي تشو.
مرت أمامه كصور سريعة. طفولته، والديه، الميتم، التبني، دونغ لي، الخيانة، المحكمة، كرسي الإعدام. لكن هذه المرة، لم يشعر بالألم. لم يشعر بالحزن. فقط... مشاهدة. وكأنه يشاهد فيلماً عن شخص آخر.
حياة تانغلو.
مرت أيضاً. أمه، الجد، الخيانات الثلاث، الحروق، الكلاب، البول، الغابة. أيضاً بدون ألم، بدون حزن. مجرد مشاهد عابرة، كصور تمر بسرعة.
كان يشعر بشيء غريب. كأن هذه الذكريات لم تكن له. وكأنها كانت تخص شخصين آخرين، وهو مجرد مشاهد.
لكن في لحظة ما، تغير الشعور.
لم يعد مشاهداً. أصبح هو الذكريات. أصبح يي تشو وتانغلو في نفس الوقت. شعر بكل شيء، لكن دون أن يتألم. شعر بكل شيء، لكن دون أن ينكسر.
وكأن روحيه كانتا تتصارعان طوال هذه الفترة، تحاولان احتلال مكان واحد. والآن، أخيراً، توقفتا عن الصراع.
اندمجتا.
ليس كسابقه، حيث كان الشعور مؤقتاً، وسرعان ما يعود الاضطراب. هذه المرة، كان اندماجاً حقيقياً. كامل. نهائياً.
شعر به. شعر بأنه أصبح شخصاً واحداً. ليس يي تشو، ليس تانغلو، بل تيان ووري. شخص جديد، ولد من رمادهما، لكنه ليس أي منهما.
وهذا الشعور لم يختفِ. بقي. استقر. أصبح جزءاً منه.
ثم، نام.
───
عندما فتح تيان ووري عينيه في صباح اليوم التالي، رأى أشعة الشمس تتسلل من خلال السقف المتهالك. شعر بسلام غريب في داخله. سلام لم يشعر به من قبل.
ثم، سمع الصوت.
"تم تنشيط النظام."
ظهرت الواجهة الشفافة أمام عينيه، مضيئة في ضوء الصباح.
"النظام: نشط."
"مرحباً بك مرة أخرى، تيان ووري."
وقف ببطء، ونظر إلى الواجهة. لم يبتسم. لم يبكِ. فقط... تأملها.
كان يشعر بأنه كامل. ليس فقط روحياً، بل أيضاً في طباعه. أصبحت شخصيته مزيجاً من الاثنين. برود يي تشو وعقلانيته وذكاؤه التحليلي. وهدوء تانغلو ولا مبالاته وذكاؤه العاطفي. كلها كانت موجودة الآن، تعمل معاً، كآلة واحدة.
نظر إلى الواجهة، ورأى قوائم جديدة. بعضها كان مألوفاً، وبعضها كان جديداً.
الخريطة.
فتحها بسرعة. ظهرت أمامه خريطة واسعة للمنطقة المحيطة. رأى الغابة التي هرب منها، ورأى السياج الكهربائي، ورأى المنزل المهجور الذي كان فيه.
ثم رأى شيئاً آخر.
شنغهاي.
المدينة كانت على بعد حوالي 30 كيلومتراً من مكانه. مدينة كبيرة، مليئة بالناس، مليئة بالإمكانيات. لكنها أيضاً مليئة بالمخاطر.
"شنغهاي." همس. "هذا هو طريقي."
أغلق الخريطة، وفتح ملفه الشخصي. توقف للحظة عندما رأى أنه أصبح أكثر تفصيلاً.
الاسم تيان ووري
العمر 20 سنة
تاريخ الميلاد 22 ديسمبر
النسب غير معروف
القدرات لا توجد
مستوى التدريب شخص عادي
الأمراض التوحد، اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية
توقف عند خانة الأمراض.
التوحد. صعوبة في التواصل الاجتماعي، ميل للعزلة، تركيز عميق.
اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية. الشك المفرط، التحليل المستمر، الحاجة إلى النظام والدقة، البحث عن الحقيقة في كل شيء، صعوبة في الثقة بالآخرين.
قرأها مرة، مرتين، ثلاث مرات.
كانت هذه الصفات سبب عذابه في حياتيه السابقتين. في حياة يي تشو، جعلته يركز على التفاصيل، يخطط لكل شيء، لكنه لم يستطع التخطيط للخيانة التي دمرته. وفي حياة تانغلو، جعلته يراقب الجميع بصمت، يشك في كل ابتسامة، لكنه لم يستطع منع الخيانات التي حطمته.
لكن الآن، في هذه الحياة الجديدة، نظر إليها بشكل مختلف.
ضحك.
لم تكن ضحكة باردة. ولم تكن ضحكة دافئة. كانت ضحكة فهم عميق، وإدراك متأخر. ضحكة شخص رأى الحقيقة فجأة، وأدرك أنها كانت أمامه طوال الوقت.
"بالنسبة لي..." قال بصوت مرتفع هذه المرة، وكأنه يعلن شيئاً للعالم. "هذه ليست أمراض."
توقف. ابتسم.
"هذه بركات."
لأن التوحد يمنحه التركيز والعزلة التي يحتاجها. والوسواس القهري يمنحه الشك الذي يحميه، والتحليل الذي يمنحه الفهم، والحاجة إلى الحقيقة التي تقوده.
في عالم مليء بالخيانة، الشك هو درع.
في عالم مليء بالأعداء، التحليل هو سلاح.
في عالم مليء بالأكاذيب، البحث عن الحقيقة هو البوصلة.
وقف تيان ووري، ونظر من نافذة المنزل المتهالك. في الأفق البعيد، كانت شنغهاي تنتظره.
"حسناً." قال بصوت هادئ. "لنبدأ."
كانت ابتسامته لا تزال على وجهه.
ابتسامة حقيقية.
───
نهاية الفصل الثالث
romb number one