صباح النبيل

صباح النبيل

9 0

الفصل الثامن: صباح النبيل

───

استيقظ تيان ووري في السادسة صباحاً على التمام.

لم يستخدم منبهاً، ولم يحتج إلى أحد يوقظه. كان الأمر وكأن جسده أصبح مبرمجاً على هذه الساعة تحديداً. في اللحظة التي فتح فيها عينيه، كان مستيقظاً تماماً، لا يشعر بالخمول ولا بالرغبة في العودة إلى النوم.

نهض من السرير، وتوجه إلى الحمام. غسل وجهه بالماء البارد، ونظف أسنانه بعناية. ثم وقف أمام المرآة، وفتح علبة العدسات اللاصقة السوداء التي اشتراها من الصيدلية.

تركيب العدسات كان عملية دقيقة. بعد عدة محاولات، نجح في وضعها في عينيه. نظر إلى نفسه في المرآة. العيون الزرقاء والرمادية اختفت تحت العدسات السوداء. أصبحت عيناه تبدوان طبيعيتين، داكنتين، عاديتين. لم يعد هناك ما يلفت الانتباه إليهما.

لكنه عرف أن هذا لا يكفي. شكله لا يزال ملفتاً. شعره الأسود الكثيف، ملامحه المنحوتة، بشرة وجهه الناصعة، وطوله الذي يبلغ 188 سنتيمتراً. كل هذه تفاصيل تجعله محط الأنظار.

بحث في الغرفة، ووجد حقيبة صغيرة، ليست كبيرة جداً ولا صغيرة جداً. مناسبة لحمل المال والأغراض الأساسية. وضع فيها النقود التي بحوزته، وخرج من غرفته.

في طريقه إلى أسفل الفندق، شعر بشيء غريب. كان يمشي باستقامة تامة، كأنه يضع كتاباً على رأسه ولا يتحرك. خطواته كانت ثابتة، متناسقة، لا تتردد. جسده يتحرك تلقائياً بتلك الوضعية المتغطرسة التي أضافتها إليه "آداب النبيل الفخور".

عندما وصل إلى ردهة الفندق، التفتت إليه كل العيون.

لكن هذه المرة، لم يشعر بأن تلك النظرات مزعجة. بفضل طباعه النبيلة الجديدة، شعر أن هذا أمر طبيعي. من الطبيعي أن ينظر الناس إليه. من الطبيعي أن يكون محط الأنظار. هو ليس شخصاً عادياً، والناس يشعرون بذلك.

حتى مع ارتدائه للقناع والعدسات، كان شكله لا يزال وسيماً. طوله وحده كان كافياً لجذب الانتباه. عبر الردهة بخطى ثابتة، دون أن يلتفت إلى أحد، وخرج من الفندق.

رفع يده، وأوقف سيارة تاكسي.

"إلى مجمع التسوق الفاخر." قال بصوت هادئ، بارد.

سائق التاكسي نظر إليه في المرآة الخلفية للحظة، ثم أومأ برأسه دون أن يتكلم. انطلقت السيارة، وغاصت في شوارع شنغهاي الصاخبة.

───

وصل تيان ووري إلى المجمع التجاري الخاص بالأغنياء.

كان المكان مختلفاً تماماً عن أي شيء رآه في المدينة. مباني زجاجية لامعة، متاجر تحمل علامات تجارية عالمية، حراس أمن يرتدون بدلات أنيقة، وزبائن يرتدون ملابس تفوق أسعارها ما يحلم به الكثيرون.

دخل المجمع، وتجول بين المتاجر. أول شيء فعله كان شراء هاتف وشريحة اتصال. هاتف حديث، سريع، ذو كاميرا عالية الجودة. دفع ثمنه دون تردد، وفتحه فوراً. كان بحاجة إلى الإنترنت، إلى مواقع التواصل الاجتماعي، إلى وسيلة للبحث عن المعلومات بدلاً من التلفاز البطيء والمتعب.

سجل حساباً جديداً على منصات التواصل، وأخذ يتصفح الأخبار والمعلومات. كان يقرأ بسرعة، يحلل، يخزن ما يحتاجه في ذهنه.

ثم اتجه إلى متجر ألبسة فاخرة.

دخل المتجر، وكانت أنظار البائعين عليه. كانوا يعتادون رؤية الأغنياء، لكن مظهر تيان ووري كان مختلفاً. ملابسه البسيطة تتناقض مع هيبته، مع طوله، مع وجهه الوسيم الذي يختبئ خلف القناع. لكن سلوكه كان نبيلاً، واثقاً، متغطرساً. لم ينظر إليه أحد بازدراء، بل بنوع من الفضول والاحترام الحذر.

اختار تيان ووري أربع بدلات فخمة: واحدة سوداء، وواحدة رمادية داكنة، وواحدة زرقاء بحرية، وواحدة بيضاء كالثلج. ثم اختار مجموعتين من الملابس اليومية الأنيقة، وثلاثة أزواج من الأحذية الجلدية الفاخرة. لم يكن يهتم بالسعر. كان يحتاج إلى الظهور بمظهر الرجل الغني، الناجح، الذي لا يبالي بالمال.

دخل غرفة القياس، وارتدى إحدى البدلات. وقف أمام المرآة، وشعر بشيء لم يشعر به من قبل.

الملابس تصنع الرجل.

هذه العبارة التي كان يسمعها دائماً، فهمها الآن حقاً. ببدلته الجديدة، أصبح شكله يكاد يكون خارقاً. القناع أصبح جزءاً من أناقته، وليس مجرد وسيلة تخفٍ. شعره الأسود الكثيف، طوله، ملامحه، كل شيء أصبح متكاملاً.

خرج من غرفة القياس، ووقف أمام البائعين.

كانوا ينظرون إليه. كل من في المتجر كان ينظر إليه. بعضهم توقف عن العمل، والبعض الآخر همس لزميله. كان شخصاً لا يمكن تجاهله.

صرف تيان ووري حوالي 100,000 يوان على ملابسه الجديدة. دفع المبلغ بهدوء، وكأنه لا يعني شيئاً. ثم خرج من المتجر بخطى ثابتة، مرتدياً البدلة الرمادية الداكنة التي اختارها.

نظر إليه المارة، ووقفوا للحظة. تيان ووري لم يلتفت إليهم. كان يعرف بالفعل أنه سيكون محط الأنظار. هذا هو دوره الآن.

───

خرج من المجمع التجاري، واتجه إلى صالة عرض سيارات فاخرة.

دخل، وكان الاستقبال مختلفاً تماماً عن المتجر. هناك، كان البائعون فضوليين. هنا، كانوا يراقبونه باحترام خالص. الرجل الذي أمامهم لم يكن مجرد زبون، بل كان شخصاً نبيلاً، واثقاً، غامضاً.

"أريد سيارة." قال تيان ووري بصوت بارد، وكأنه يطلب فنجان قهوة.

"طبعاً، سيدي. هل لديك أي طراز معين في ذهنك؟"

توقف تيان ووري أمام سيارة Hongqi H9 الفخمة. كانت سوداء، أنيقة، قوية. تعكس هيبة وغنى.

"هذه." قال بإصبعه.

"اختيار ممتاز، سيدي. هل تريد تجربتها؟"

"لا داعي. سأشتريها مباشرة."

ابتسم البائع، وبدأ بتجهيز الأوراق. لكن بعد لحظات، توقف، ونظر إلى تيان ووري.

"سيدي لأغراض التسجيل، سأحتاج إلى بطاقة هويتك."

توقف تيان ووري للحظة. كان يعرف أن هذا السؤال سيأتي. كان قد فكر فيه مسبقاً.

رفع حاجبيه قليلاً، ونظر إلى البائع بنظرة باردة، ممزوجة بنوع من الانزعاج الخفيف. لم يجب على الفور. ترك الصمت يطول قليلاً، وكأن السؤال كان غير لائق، وكأن من يسأله لا يعرف من أمامه.

"أنا..." بدأ، ثم توقف وكأنه يفكر في كيفية الصياغة. "لدي بعض التعقيدات الإدارية في الوقت الحالي. سأحضر لك الأوراق لاحقاً."

كان صوته هادئاً، لكنه حمل نبرة توحي بأنه منزعج بالفعل، وأنه يتساءل إن كان عليهم فعلاً إزعاجه بمثل هذه التفاصيل التافهة.

"سيدي، أنا آسف، لكن هذه هي الإجراءات..."

نظر إليه تيان ووري نظرة باردة، كمن يقول "ألا ترى من أنت تتحدث معه؟". كانت عيناه غير مباليتين، لكنهما حملتا تهديداً صامتاً.

"أنا أفهم الإجراءات." قال تيان ووري بصوت أصبح أكثر برودة. "وسأعود لاحقاً لأكملها. ولكن الآن، أريد السيارة. هل هذا واضح؟"

تردد البائع. نظر إلى زملائه خلفه، ثم عاد إلى تيان ووري. كان يعرف أن بعض العملاء يمرون بصعوبات إدارية مؤقتة، وأن إغضاب أحدهم قد يكون مكلفاً. خاصة إذا كان هذا العميل يبدو كما بدا تيان ووري.

"حسناً، سيدي. سأجهز السيارة. لكنني أؤكد أن الأوراق يجب أن تكتمل في أقرب وقت."

أومأ تيان ووري برأسه ببطء، وكأنه يقول "أنا أعرف، لا تدفعني".

دفع ثمن السيارة، وأخذ المفاتيح.

خرج من الصالة، وجلس في مقعد سيارته الجديدة. كانت فخمة، مريحة، ورائحتها لا تزال جديدة.

أدار المحرك، وشعر بقوة السيارة تحت يديه.

كانت هذه أول سيارة يملكها في حياته. في أي من حياته.

نظر من النافذة إلى المدينة التي كانت لا تزال تنتظره.

"الآن..." همس. "حان وقت العمل."

قاد سيارته بعيداً عن صالة العرض، وبدأ يفكر في خطوته التالية.

شركة عائلة تشو.

كان قد بحث عنها قبل النوم. أكبر شركة أدوية في شنغهاي، بل في الصين كلها. عائلة تشو كانت تهيمن على سوق الأدوية منذ عقود. مستشفيات خاصة، أدوية باهظة الثمن، علاقات مع النخبة. كانوا يسيطرون على كل شيء.

لكن تيان ووري لم يخترهم لأنهم الأكبر.

لقد اختارهم لسبب آخر.

أثناء بحثه، عثر على معلومات عن رئيس الشركة. رجل يدعى تشو وي، في الخمسينات من عمره، متزوج من امرأة تدعى لين مياو. كانت القصة مثيرة للاهتمام.

منذ عدة سنوات، تعرض الزوجان لحادث سيارة مروع. احترقت السيارة بالكامل. فقد تشو وي وعيه، لكن زوجته أخرجته من النار قبل أن تنهار. أصيبت بحروق بالغة، خاصة في وجهها ورقبتها. ندبة كبيرة تمتد من خدها الأيسر إلى رقبتها.

منذ ذلك الحين، أنفق تشو وي مبالغ طائلة على علاج زوجته. جراحات تجميل، علاجات متقدمة، أفضل الأطباء في العالم. لكن الندبة بقيت. لم تستطع أي تقنية إزالتها بالكامل.

وكان تشو وي يعشق زوجته. يعشقها عشقاً جنونياً.

تيان ووري ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يقود.

اختار جرعة إزالة الندوب تحديداً لأن إظهار تأثيرها سيكون سهلاً. الندبة واضحة، ملموسة، لا تحتاج إلى مختبرات أو تحاليل لتثبت فعاليتها. مجرد نظرة واحدة تكفي.

وكان على يقين من أن تشو وي سيكون ذلك العميل.

الرجل الذي أنفق الملايين من أجل زوجته، والذي لا يزال يشعر بالذنب، سيفعل أي شيء لرؤيتها تبتسم بدون تلك الندبة.

وصل تيان ووري إلى مبنى شركة عائلة تشو.

كان ضخماً، زجاجياً، يعكس أضواء المدينة. أوقف سيارته، ووقف أمام المدخل. عدّل ربطة عنقه، وتأكد من أن بدلته لا تشوبها شائبة.

قناعه كان في مكانه، وعيناه السوداوان كانتا باردتين، غير مباليتين.

دخل المبنى.

كان يعرف أن هذه هي البداية.

───

نهاية الفصل الثامن

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل بلا شمس

المؤلف romb number one
2026/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (21)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة