الباب الأول

الباب الأول

15 0

الفصل التاسع: الباب الأول

───

دخل تيان ووري مبنى شركة عائلة تشو.

كانت الردهة واسعة، فخمة، تعكس ثراء الشركة التي تهيمن على سوق الأدوية في الصين. أرضيات رخامية لامعة، ثريا ضخمة تتدلى من السقف العالي، وموظفون يرتدون بدلات أنيقة يتنقلون بخطى سريعة. كل شيء كان منظماً، مهيباً، ومصمماً لإبهار الزوار.

لكن تيان ووري لم ينظر إلى أي من ذلك.

نظرت إليه الأنظار.

ليس لأن أحداً ناداه، بل لأن حضوره كان ببساطة... طاغياً.

مشى بخطى ثابتة، ظهره مستقيم، كتفاه في وضعية متغطرسة، رأسه مرفوع قليلاً. بدلته الرمادية الداكنة كانت مثالية، وشعره الأسود الكثيف كان يلامس رقبته، والقناع الطبي الأبيض كان يخفي نصف وجهه، لكنه لم يستطع إخفاء جمال ملامحه. عيناه السوداوان كانتا باردتين، غير مباليتين، تنظران إلى الأمام كمن يرى شيئاً بعيداً لا يراه الآخرون.

كان يعلم أن الناس سينظرون إليه. كان هذا متوقعاً. بل كان هذا جزءاً من الخطة.

توجه مباشرة إلى موظفة الاستقبال.

كانت شابة في أواخر العشرينات، ترتدي بدلة رسمية، وشعرها مربوط بدقة. كانت تنظر إلى شاشة حاسوبها عندما شعرت بظل يسقط عليها. رفعت رأسها، وتوقفت.

للحظة، نسيت الكلام.

كان الرجل الذي أمامها طويلاً، وسيماً، وهيبته كانت تكاد تكون خارقة. حتى مع ارتدائه للقناع، كانت عيناه كافيتين. داكنتان، باردة، تنظران إليها كما لو كانت مجرد جزء من الأثاث.

"أريد رؤية المدير." قال تيان ووري.

كان صوته هادئاً، بارداً، خالياً من أي مشاعر. لا تحية، لا مقدمة، لا تفسير. مجرد طلب.

ارتبكت الموظفة. حاولت إخفاء ارتباكها، لكن صوتها خانها قليلاً.

"هل... هل لديك موعد، سيدي؟"

"لا."

كانت الإجابة بكلمة واحدة. بسيطة، مباشرة، دون أي شرح. وكأن كلمة "لا" كانت كافية، وكأن أي تفسير إضافي كان غير ضروري.

نظرت إليه الموظفة بدهشة. كانت معتادة على الزوار، على رجال الأعمال، على الشخصيات المهمة. لكن هذا الرجل كان مختلفاً. لم يقدم نفسه، لم يذكر اسمه، لم يقل من أين أتى. فقط قال "أريد رؤية المدير".

"إذاً..." حاولت استعادة توازنها. "أوه أنت تريد حجز لقاء معه؟ من تكون؟ وماذا تريد؟ كي أسجل بياناتك..."

تحدثت بسرعة، محاولة إخفاء ارتباكها. لكنها لم تلاحظ أن نظرته أصبحت أبرد.

وأبرد.

كانت عيناه تنظران إليها. بلا تعبير. بلا حركة. وكأنها لم تكن موجودة. وكأنها مجرد شيء في طريقه.

شعرت بانخفاض حاد في درجة الحرارة المحيطة. كانت الغرفة دافئة، لكن جسدها أصبح بارداً فجأة. نظرت إلى عينيه مرة أخرى، وهذه المرة شعرت بشيء لم تستطع تفسيره.

كانت تنظر إليه وكأنها جثة بالفعل. وكأنه لا يراها. وكأن وجودها لا يهم.

لم يظهر أي تعبير على وجهه. حتى لو خلع القناع، لن ترى تغييراً يذكر في ملامحه. كان وجهه حجراً، وعيناه جليداً.

ارتفعت دقات قلبها بسرعة، لكنها لم تظهر ذلك. كانت موظفة محترفة، وقد تعاملت مع شخصيات صعبة من قبل. لكن هذا الرجل كان مختلفاً. لم يكن صعباً. كان مخيفاً.

"انتظر لحظة، سيدي." قالت بسرعة، محاولة إخفاء خوفها. "سأنادي مساعد الرئيس."

كانت تعرف أن إغضاب شخص قد يكون مهماً قد يكلفها وظيفتها. وملابسه الفخمة، وهيبته، وشكله، كل شيء كان يشير إلى أنه ليس شخصاً عادياً. لم تكن تعرف من هو، لكنها عرفت أنها لا تريد أن تكون سبباً في إهانته.

رفعت الهاتف، واتصلت بمكتب مساعد الرئيس.

"سيد تشن؟" قالت بصوت حاولت أن يكون محايداً. "هناك شخص هنا يريد مقابلة الرئيس. يبدو... شخصاً مهماً جداً."

صمتت للحظة، تستمع إلى الرد. ثم نظرت إلى تيان ووري.

"سيد تشن سينزل فوراً. أرجو الانتظار."

أومأ تيان ووري برأسه ببطء. بلا شكر. بلا ابتسامة. فقط أومأ.

وقف هناك، في وسط الردهة، والناس ينظرون إليه.

لم يهتم. كان يعرف أن هذا جزء من الطريق.

───

مرت ثلاث دقائق.

ظهر رجل في الأربعينات من عمره، يرتدي بدلة زرقاء داكنة، ونظارة طبية رفيعة على أنفه. كان يمشي بخطى سريعة، واثقاً، كما يليق بمساعد رئيس شركة كبرى.

توجه مباشرة إلى موظفة الاستقبال. سألها بصوت خافت:

"ما الأمر؟"

أخبرته بكل شيء. عن الرجل الغامض، عن طلبه المباشر، عن هيبته التي جعلتها تخاف من إهانته.

استمع إليها، ثم نظر في اتجاه تيان ووري.

ارتفع حاجبه قليلاً و ظهرت تكشيرة خفيفة عليه. شخص غريب، يرتدي قناعاً، يطلب مقابلة الرئيس دون موعد. هذا لم يكن اعتيادياً. في أي شركة أخرى، كان سيُطرد على الفور. لكن هيبة تيان ووري كانت تجعل الجميع يترددون.

توجه المساعد نحو تيان ووري، وابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه.

"كيف أساعدك، سيدي؟" قال بصوت مهذب، لكنه حذر.

نظر إليه تيان ووري.

نظرة عميقة. كأنه يحدق في روحه. كأنه يرى كل شيء، كل خوف، كل ضعف، كل سر يخفيه هذا الرجل.

شعر المساعد وكأنه تعرى أمام هذا الشخص الغريب. وكأن هذا الشخص يرى ما لا يراه الآخرون. وكأن كل جدرانه التي بنها على مدى سنوات انهارت في ثانية واحدة.

ثم فتح تيان ووري فمه.

كان مثل سيف منحنٍ قليلاً، ليس مبتسماً، وليس مكشراً. مجرد منحنى بسيط على شفتيه، خالٍ من أي عاطفة.

"سأقابل رئيسك."

الكلمات كانت بسيطة، لكنها حملت ثقلاً لا يوصف. شعر المساعد في تلك اللحظة وكأن رؤية رئيسه لهذا الشخص المجهول تعتبر نعمة. وكأن تيان ووري بتنازله لمقابلة الرئيس، كان يكرمه. وكأن الرئيس هو من كان يجب أن يأتي إليه، وليس العكس.

تراجع المساعد خطوة إلى الوراء، وحاول استعادة رباطة جأشه. تنفس بعمق، ثم قال بوجه مستغرب:

"سيدي الرئيس مشغول حالياً، ولا يستطيع مقابلتك."

توقف للحظة، ثم أضاف بسرعة:

"وقبل هذا، أخبرني من أنت؟ وما غرضك؟ سأخبر الرئيس عنك بالتأكيد."

في تلك اللحظة، أعيدت اللحظة نفسها التي حصلت قبل قليل مع موظفة الاستقبال.

هبطت درجة حرارة الغرفة.

شعر المساعد بقشعريرة تسري في جسده. لكنها لم تكن بسبب البرد. بل بسبب النظرة.

كان تيان ووري ينظر إليه.

وكأنه جثة مقطعة. لكن ليس وكأن تيان ووري هو الفاعل. بل وكأن المساعد قد هوجم من قبل شخص آخر، وقُتل، وقُطعت جثته. وكأن تيان ووري شهد هذا الحدث بالصدفة، ونظر إلى الجثة والقاتل بنظرة لا مبالاة، كمن يرى نملة تقتل نملة.

كان هذا هو المرعب.

لم يكن تيان ووري يهدده. لم يكن يغضب. كان فقط غير مبالٍ. وكأن وجود المساعد، وجود الرئيس، وجود الشركة كلها، لا تعني له شيئاً. وكأنه مجرد متفرج في مسرحية لا تهمه.

فتح تيان ووري فمه مرة أخرى. ونطق كلمتين لا غير، بنبرة هادئة، وقورة، وباردة أكثر من أي كلمة نطق بها من قبل.

"سأعالج زوجته."

الكلمتان سقطتا كالصاعقة.

شعر المساعد بضغط لم يشعر به من رئيسه نفسه. كأن الأرض اهتزت تحت قدميه. كأن كل شيء توقف. كأن تلك الكلمتين غيّرت كل المعادلة.

لم يعرف كيف رد. لم يستطع التفكير.

"حسناً، سيدي." قال بصوت مرتجف. "سأوصل هذا للرئيس."

لفّ وعاد أدراجه بسرعة، تاركاً تيان ووري واقفاً في وسط الردهة.

───

مرت عشر دقائق.

كان تيان ووري لا يزال واقفاً في مكانه. لم يتحرك. لم ينظر إلى هاتفه. لم يتفقد الساعة. فقط وقف، ينظر إلى الأمام، وكأن الوقت لا يعني له شيئاً.

ظهر المساعد مرة أخرى. هذه المرة، كان يسرع في خطواته، وجهه شاحب بعض الشيء.

توجه مباشرة إلى تيان ووري. لم يجرؤ على الاقتراب كثيراً، لكنه انحنى باحترام.

"الرئيس ينتظرك، سيدي."

لم يجرؤ أن يقول كما اعتاد: "الرئيس وافق على مقابلتك." شعر وكأنه لو قال تلك الجملة، ستقتله نظرات هذا الرجل الذي يرتدي كمامة.

اكتفى بالجملة البسيطة. "الرئيس ينتظرك."

أومأ تيان ووري برأسه ببطء، ثم تحرك نحو المصعد.

دخل المساعد معه. كان المصعد واسعاً، زجاجياً، يطل على المدينة.

وقفا في صمت. المساعد كان يتجنب النظر إلى تيان ووري، وكان قلبه يدق بسرعة. كان يريد أن يقول شيئاً، لكنه لم يجرؤ.

تيان ووري وقف بهدوء، عيناه تنظران إلى الأمام، كأنه وحده في المصعد.

أغلقت أبواب المصعد ببطء.

───

نهاية الفصل التاسع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل بلا شمس

المؤلف romb number one
2026/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (21)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة