الفصل السابع: أول ليلة في شنغهاي
───
نزل تيان ووري من الحافلة، ووقف على رصيف شنغهاي لأول مرة.
المدينة كانت صاخبة، مزدحمة، وسريعة. ناطحات سحاب تلامس الغيوم، أضواء نيون مبهرة، شوارع واسعة تغص بالسيارات والناس الذين يتحركون كالنمل في كل اتجاه. كان المشهد مختلفاً تماماً عما عرفه في أي من حياتيه السابقتين.
لكنه لم يتوقف للتأمل. كان لديه خطة، وكان يعرف أنها تبدأ الآن.
دخل أول صيدلية صادفها. كان داخلها هادئاً، بارداً، ورائحة المطهرات تملأ المكان. صيدلاني شاب ينظر إلى هاتفه خلف الزجاج، بالكاد رفع رأسه حين دخل تيان ووري.
"مساء الخير." قال تيان ووري بصوت هادئ.
"أهلاً. كيف يمكنني مساعدتك؟"
نظر تيان ووري حوله، ثم قال: "أحتاج إلى قناع طبي، وزوجين من عدسات العيون باللون الأسود."
رفع الصيدلاني رأسه هذه المرة. نظر إلى تيان ووري، وتوقف للحظة. عيناه تجولتا على وجهه، على شعره الأسود الطويل، على ملابسه الرثة. بدا متردداً للحظة، لكنه لم يعلق.
"حسناً. لحظة."
عاد بعد دقائق بعلبة من الأقنعة الطبية السوداء و البيضاء، وعلبة عدسات لاصقة سوداء.
"القناع الطبي هذا مخصص للأطباء، لكنه سيفي بالغرض. والعدسات ستخفف... ستخفف مظهر عينيك قليلاً."
دفع تيان ووري المبلغ، وأخذ مشترياته. ارتدى أحد الأقنعة الطبية قبل أن يغادر الصيدلية، وشعر بارتياح مؤقت عندما اختفى نصف وجهه عن الأنظار.
خرج إلى الشارع، واتجه نحو متجر ملابس صغير. اشترى سروال جينز أزرق، وتيشرت أسود، وحذاء رياضياً عادياً. ملابس بسيطة، لا تلفت الانتباه، لا تحمل أي علامات مميزة.
ثم بدأ يبحث عن مكان يبيت فيه.
بعد عدة دقائق من المشي، وجد فندقاً صغيراً لا يبدو باهظ الثمن. دخله، ووقف أمام موظف الاستقبال.
كانت النظرات التي ألقيت عليه مختلفة. الموظف، امرأة في الأربعينات، نظرت إليه من رأسه إلى قدميه. ملابسه الرثة، بشرة وجهه البيضاء التي تبرز خلف القناع، وشعره الأسود الكثيف الذي يلامس كتفيه ويخفي معظم وجهه العلوي. كان تناقضاً غريباً: بشرة ناصعة، وشعر أسود قاتم، وملابس بالكاد تصلح للنوم فيها.
"أريد حجز غرفة." قال تيان ووري بصوت هادئ.
"كم ليلة؟"
"ثلاث ليالٍ."
"3000 يوان. مقدم."
أخرج تيان ووري المال من جيبه. كان لديه 100,000 يوان، ودفع 3000 منها دون تردد. أخذ المفتاح، وصعد الدرج إلى غرفته دون أن يلتفت إلى الوراء.
───
دخل الغرفة، وأغلق الباب خلفه.
كانت صغيرة، لكنها نظيفة. سرير مفرد، حمام صغير، نافذة تطل على شارع مزدحم. لم ينظر إلى أي من ذلك. ذهب مباشرة إلى الحمام.
خلع ملابسه الرثة، وفتح الماء البارد.
لم يكن هناك غسول، ولا شامبو، ولا أي شيء. فقط ماء بارد يتدفق من الصنبور. وقف تحته، وأغلق عينيه، وترك الماء يتدفق على جسده.
لم يفكر في شيء. لم يخطط. لم يحلل. فقط شعر بالماء البارد يزيل عنه غبار الطريق، والتعب، وبعضاً من التوتر.
مرت ساعة. ثم ساعتان.
عندما خرج من الحمام، كان مختلفاً.
لم يكن تيان ووري الذي دخل الحمام قبل ساعتين. كان شخصاً آخر.
كان قد قصّر شعره قليلاً. ما زال طويلاً، كثيفاً، أسوداً كالليل. لكنه لم يعد يغطي عينيه بالكامل. أصبح يلامس رقبته بشكل طفيف، ويقف فوق عينيه بسنتمترين فقط. هذا التغيير البسيط كشف وجهه بشكل كامل.
وملامحه أصبحت أكثر وضوحاً. جماله الذي كان ملفتاً من قبل، أصبح الآن يكاد يكون خارقاً. عيناه المختلفتان، الزرقاء والرمادية، أصبحتا أكثر بروزاً من دون شعر يغطيهما. بشرة وجهه الناعمة، فكه القوي، أنفه المستقيم، كل تفاصيل وجهه بدت وكأنها منحوتة بدقة متناهية.
وقف أمام المرآة الصغيرة في الحمام، ونظر إلى نفسه.
"هذا أنا." همس.
لم تكن لهجة ساخرة، ولا حتى فخورة. كانت لهجة إقرار. قبول. هذا هو شكله الجديد. هذا هو جسده الجديد. ليس جسد تانغلو المشوه، ولا جسد يي تشو العادي. بل جسد تيان ووري.
نظر إلى عينيه. الزرقاء القاتمة، والرمادية الباردة. كانتا غريبتين، مختلفتين، ملفتتين. لكنهما كانتا له.
خرج من الحمام، وارتدى ملابسه الجديدة. الجينز الأزرق، التيشرت الأسود. لم يكن يرتدي القناع ولا الكمامة. كانت المرة الأولى التي يظهر فيها وجهه بالكامل منذ وصوله إلى شنغهاي.
جلس على حافة السرير، ونظر من النافذة إلى المدينة المزدحمة تحته.
كانت شنغهاي تنتظره.
وكان مستعداً لمواجهتها.
───
لكن قبل أن يفعل أي شيء، فتح واجهة النظام.
لديه الآن 1290 عملة. 1000 من مهمة دخول شنغهاي، و290 المتبقية من رحلته. كان قد خطط لاستخدامها بحكمة، لشراء المكونات، أو ربما لتحويل بعضها إلى يوان إذا احتاج.
لكنه فوجئ بشيء لم يكن موجوداً من قبل.
ظهرت في المتجر خانة جديدة، واحدة فقط، وكأنها أضيفت خصيصاً له.
"آداب النبيل الفخور."
السعر: 1200 عملة.
الوصف: يمنح المضيف معرفة كاملة بآداب النبلاء، السلوك، الكلام، الأكل، المشي، وحتى الموسيقى النبيلة كالبيانو والكمان. يمنح المضيف حضوراً مهيباً، ونظرة لا مبالية، وقدرة على التحكم في ملامح الوجه وردود الأفعال. لا يمكن اكتساب هذه المعرفة بأي طريقة أخرى.
حدق تيان ووري في الواجهة.
أي شخص في مكانه كان سيمر. 1200 عملة ثمناً باهظاً لشيء لا يمنح قوة، ولا مالاً، ولا أسلحة. مجرد آداب وسلوك.
لكن تيان ووري لم يكن أي شخص.
فكر طويلاً. دقائق مرت، وعيناه لا تبتعدان عن الواجهة. كان يحلل، يقارن، يحسب. ما فائدة هذه المعرفة في عالم يقتل فيه الأقوياء الضعفاء؟ ما فائدة آداب النبلاء في مدينة مفترسة مثل شنغهاي؟
ثم أدرك.
في هذا العالم، الظهور بمظهر الضعف يجعلك فريسة. الظهور بمظهر الفقر يجعلك مهملاً. لكن الظهور بمظهر النبلاء... يجعلك محترماً. يجعلك غامضاً. يجعلك شخصاً لا يقترب منه أحد دون تردد.
الآداب ليست مجرد تصرفات. إنها درع. عندما تتحدث كنبيل، وتأكل كنبيل، وتمشي كنبيل، وتنظر إلى العالم بنظرة لا مبالية... الناس يترددون قبل أن يؤذوك. لأنهم لا يعرفون من أنت. لأنهم يظنون أنك قد تكون شخصاً لا يلمس.
وهو يحتاج إلى ذلك. يحتاج إلى هذا الدرع. جسده ضعيف، قوته معدومة، لكن مظهره يمكن أن يكون سلاحاً.
ضغط على زر الشراء.
"تم شراء 'آداب النبيل الفخور'."
"رصيدك المتبقي: 90 عملة."
ظهر إشعار آخر:
"تهانينا. هل تريد التنفيذ الآن؟"
تنفس تيان ووري بعمق، وضغط على "نعم".
في تلك اللحظة، ارتجف جسده. ارتجاف خفيف، كأن صدمة كهربائية صغيرة تمر عبر عموده الفقري. ثم شعر بعقله يمتلئ بالمعلومات. آلاف التفاصيل، ملايين الخيوط العصبية تتصل ببعضها، وكأن معرفة عمرها قرون تنسكب في رأسه في ثوانٍ.
ثم، هدأ.
جلس تيان ووري على حافة السرير، وشعر بتغيير.
لم يكن تغييراً في قوته، ولا في ذكائه. بل في جسده. في الطريقة التي جلس بها. قبل لحظة، كانت جلسته عشوائية، غير مبالية. الآن، تحرك جسده تلقائياً، وعدّل جلسته. ظهره استقام، كتفاه تراجعا قليلاً، رأسه ارتفع بزاوية طفيفة، وعيناه أصبحت تنظر إلى الأمام ليس بتركيز، بل بلا مبالاة. كمن ينظر إلى العالم من علو، ومن دون اهتمام.
كانت جلسة متغطرسة، وقورة، وباردة.
نظر إلى المرآة الصغيرة في الحمام، ورأى عينيه. كانتا مختلفتين. ليس لأنهما تغيرتا، بل لأن النظرة التي تحملهما تغيرت. كانتا أكثر برودة، وأكثر لا مبالاة. كأن العالم كله مجرد مشهد لا يستحق الالتفات إليه.
نظر تيان ووري إلى نفسه، وشعر بشيء غريب. كان لا يزال هو، لكنه كان مختلفاً.
همس لنفسه:
"لو جاء رجال الآن وضربوني بمضرب بيسبول... لن تخرج مني صرخة واحدة."
ابتسم ابتسامة خفيفة، جافة. "ربما فقط تكشيرة خفيفة، وضغط شديد على الأسنان."
كان يعرف الآن أن هذه المعرفة ليست مجرد آداب. إنها تدريب على التحمل، على الكبرياء، على عدم إظهار الضعف. إنها تجعل صاحبه نبيلاً فخوراً، حتى في أصعب اللحظات.
───
نظر تيان ووري إلى رصيده المتبقي: 90 عملة.
لم يتردد. فتح واجهة تحويل العملات، وقايض كل ما تبقى من عملات إلى يوان. 90 عملة × 10,000 = 900,000 يوان.
أضافها إلى ما تبقى لديه. كان قد دفع 3000 يوان للفندق من أصل 100,000، فبقي معه 97,000 يوان. الآن مع 900,000 إضافية، أصبح لديه 997,000 يوان. مبلغ محترم جداً، يكفي لإظهار الثراء، ولفتح الأبواب، ولبث الهيبة.
وقف، ونظر إلى التلفاز الصغير في الغرفة. شغله، وبدأ يبحث عن قنوات الأخبار والبرامج الاقتصادية. كان يحتاج إلى معلومات. إلى معرفة بسوق الأدوية في شنغهاي. إلى أسماء الشركات الكبرى، إلى اللاعبين الرئيسيين، إلى الفجوات التي يمكنه استغلالها.
بعد ساعة من المشاهدة والتدوين الذهني، كان قد حصل على صورة أولية عن السوق. اسم أكبر شركة أدوية في شنغهاي كان قد تكرر عدة مرات. شركة تدير مستشفيات خاصة، وتنتج أدوية باهظة الثمن، وتستهدف الطبقة العليا.
كان هذا هو هدفه. الطبقة العليا. الأغنياء الذين يدفعون أي ثمن لتحسين حياتهم، لشفاء أمراضهم، لإزالة ندوبهم، لتحسين بصرهم، لعلاج عظامهم، للنوم العميق.
أطفأ التلفاز، واستلقى على السرير.
كان متعباً. ليس فقط جسدياً، بل ذهنياً. اليوم كان طويلاً، مليئاً بالتغييرات، والقرارات، والاكتشافات. شعر بأن جفنيه يثقلان، وأن جسده يسترخي أخيراً.
أغمض عينيه، وترك نفسه للنوم.
كان يعرف أن غداً سيكون يوماً جديداً. يوماً سيواجه فيه شنغهاي. يوماً سيبدأ فيه مشروعه. يوماً سيحقق فيه أولى خطواته نحو خمسمائة مليون يوان، ونحو هدفه الأكبر.
نام نوماً عميقاً، بلا أحلام، بلا كوابيس.
وللمرة الأولى منذ انتقاله إلى هذا العالم... نام مرتاحاً.
───
نهاية الفصل السابع
romb number one