الفصل الثاني: طريق بلا ضوء
───
كانت الغابة أكثر برودة مما توقع.
تيان ووري كان يمشي منذ ساعة، يتنقل بين الأشجار بحذر، عيناه تفحصان كل زاوية، أذناه تلتقطان كل صوت. جسده الجديد كان أقوى من ذي قبل، لكنه ما زال ضعيفاً مقارنة بأي إنسان عادي يمارس الرياضة. كان يعرف ذلك. وكان يعرف أن البقاء على قيد الحياة هنا لا يعتمد على القوة البدنية وحدها.
السياج الكهربائي كان أمامه الآن.
وقف على بعد خطوات منه، يتأمله بعينين حادتين. كان السياج مرتفعاً، حوالي ثلاثة أمتار، مصنوعاً من أسلاك معدنية سميكة متشابكة. كان يسمع طنين الكهرباء الخافت، ذلك الصوت المزعج الذي يذكرك بأن لمسة واحدة منه قد تكون الأخيرة.
"كهربائي." همس تيان ووري لنفسه. "ليس قاتلاً بالضرورة، لكنه كافٍ لإبعاد الحيوانات العادية."
نظر إلى الأشجار المحيطة. بعض أغصانها كانت قريبة من السياج، قريبة بما يكفي لتعبر فوقه. لكن السؤال كان: هل يستطيع الوصول إليها؟
بدأ يتسلق شجرة قريبة. جسده الجديد كان أخف مما توقع، وحركاته أصبحت أكثر انسيابية. في غضون دقائق، كان على ارتفاع كافٍ ليرى ما وراء السياج.
وما رآه جعله يتوقف.
خلف السياج، كانت هناك أرض مفتوحة. حقول مهجورة، بعض المباني المتهالكة، وأفق بعيد يخفي وراءه شيئاً لم يستطع تمييزه. لكن الأهم من ذلك: لم يكن هناك حراس. لم يكن هناك أحد.
"تركوني هنا لأموت." تمتم. "لم يضعوا حتى حارساً ليتأكدوا."
كان هذا متوقعاً، لكن سماعه ورؤيته كان له طعم مختلف. عائلة تانغ لم تهتم حتى بالتأكد من موته. كانت كافية بالنسبة لهم أن يلقوه في غابة الوحوش، محاطاً بسياج كهربائي. إن مات، مات. إن نجا، فإنه سيواجه وحوشاً وجوعاً وعزلة.
ضحك تيان ووري ضحكة باردة.
"شكراً لكم." همس. "شكراً لأنكم جعلتم الأمر أسهل. لو كان هناك حراس، لكانت الخطة أكثر صعوبة."
نظر إلى الفرع الذي كان يقف عليه. كان قريباً من السياج، لكن ليس قريباً بما يكفي. كان بحاجة إلى القفز. والقفز كان خطيراً، لأن أي خطأ قد يعني لمس الأسلاك الكهربائية.
حلل الموقف بعقله الجديد، ذلك العقل الذي بدأ للتو يتشكل من مزيج يي تشو وتانغلو. قدر المسافة، حسب زاوية القفز، فكر في البدائل. قرأ الرياح، حسّن التوقيت.
"ثلاثة..." همس. "اثنان... واحد..."
قفز.
لحظة من الطيران الحر، حيث كل شيء كان معلقاً بين النجاح والسقوط. شعر بالهواء يمر بجسده، ورأى الأسلاك الكهربائية تمر من تحته. ثم هبط على الفرع الآخر، على الجانب الآخر من السياج.
ارتجف الفرع تحت ثقله، لكنه ثبت. تيان ووري تمسك به بقوة، قلبه يدق بسرعة، لكنه لم يصرخ. لم يسمح لنفسه بذلك.
"نجحت." همس، وهو يزفر ببطء.
نزل من الشجرة بسرعة، ووقف على الأرض لأول مرة خارج الغابة. نظر خلفه إلى السياج، ثم إلى الأمام إلى الحقول المهجورة.
كان حراً.
لكن الحرية كانت مجرد كلمة. كان وحيداً، جائعاً، ضعيفاً، في عالم لا يعرفه. ولم يكن لديه أي فكرة عما ينتظره.
───
مشى تيان ووري نحو أقرب مبنى. كان منزلاً قديماً متهالكاً، سقفه منهار جزئياً، جدرانه مغطاة بالطحالب. لكنه كان أفضل من لا شيء.
دخل بحذر. كان الداخل مظلماً، مليئاً بالغبار والأوراق الجافة. لا أثر لأي إنسان. لا أثر لأي حيوان. مجرد مبنى مهجور منذ سنوات.
لكن خلف المنزل، وجد شيئاً ثميناً. بئراً قديمة، لا تزال تحتوي على ماء نظيف. وبعض الأشجار المثمرة في الحقل المهجور، تحمل ثماراً صغيرة لكنها صالحة للأكل.
"ماء. طعام." عدّد تيان ووري بصوت منخفض. "هذا يكفي للبقاء."
بحث في المنزل المهجور، ووجد سكيناً صدئاً في أحد الأدراج المكسورة. لم يكن سكيناً قوياً، لكنه كان أفضل من لا شيء. وجد أيضاً بعض الأواني الفخارية المكسورة، وقطعة قماش قديمة يمكن استخدامها كغطاء.
"سأبقى هنا." قرر. "ثلاثة أسابيع. حتى يستيقظ النظام."
كان هذا القرار منطقياً. لم يكن يعرف شيئاً عن هذا العالم. لم يكن لديه مال، ولا حلفاء، ولا خطة. كان بحاجة إلى النظام ليجيب على أسئلته، ليمنحه الاتجاه.
جلس في زاوية جافة من المنزل، وأغلق عينيه للحظة. كان متعباً. متعباً من الألم، من الخوف، من الارتباك.
لكن عقله كان مشتتاً. كانت الأفكار تتزاحم، الذكريات تتداخل، والمشاعر تتصارع. شعر باضطراب غريب في روحه، وكأن شيئاً ما في داخله لا يستقر.
"أحتاج إلى فهم." همس لنفسه. "أحتاج إلى ترتيب الأفكار."
فتح عينيه، ونظر إلى يديه. كانتا يدين غريبتين. يد تانغلو، لكنها لم تعد تانغلو. يد يي تشو، لكنها لم تعد يي تشو.
"سأفكر في حياة واحدة فقط." قرر. "تانغلو. سأفهم ماضيه أولاً."
───
بدأ تيان ووري يسترجع ذكريات تانغلو، بعناية، وببطء. وكأنه يقرأ كتاباً عن حياة شخص آخر، لكنه يشعر بكل كلمة منه.
تانغلو.
ولد من خطيئة لم يرتكبها. أمه كانت فتاة من عائلة ثرية، في رحلة إلى الخارج، تعرضت للاغتصاب من رجل غريب. قتلته بضربة على رأسه، وعادت إلى عائلتها، تخفي السر.
لكن بعد ثلاثة أسابيع، أدركت أنها حامل.
كانت تنوي التخلص من الجنين. لكن الجد الأكبر للعائلة، ذلك الرجل العجوز الذي كان يهتم بنسب العائلة، منعها. قال إنه لا يمكن التخلص من حفيده، حتى لو كان نتاج اغتصاب.
فولد تانغلو.
في البداية، شعرت أمه بالشفقة عليه. كان طفلاً صغيراً بريئاً، لم يرتكب أي ذنب. لكن مع مرور السنوات، بدأ يشبه أبيه أكثر فأكثر. كل يوم كان يكبر، كان وجهه يذكّرها بذلك الرجل الذي اغتصبها. تحولت الشفقة إلى كره، وتحول الكره إلى ازدراء.
وعندما كانت عائلتها تسخر منها، وتتنمر عليها بسبب هذا الطفل، حولت كل غضبها إليه. أصبح خادماً في قصره، وكأنها كانت تريد معاقبته على وجوده.
الجد الأكبر كان الوحيد الذي منعهم من قتله أو رميه. لكنه لم يمنعهم من تعذيبه. لم يهتم بما يكفي ليفعل ذلك. فقط كان يريد أن يبقى النسب موجوداً، حتى لو كان هذا النسب حقيراً.
وهكذا عاش تانغلو. خادماً في منزل عائلته، يتعرض للضرب والإهانة، جسده يمتلئ بالجروح والندبات.
لكن الأسوأ من كل ذلك كان الخيانات.
───
الخيانة الأولى: أمه.
في الحادية عشرة من عمره، كان تانغلو يجلس في زاوية المطبخ، يأكل فتات الخبز الذي تركوه له. دخلت أمه فجأة، كانت عيناها زائغتين، يداها ترتجفان. كانت في حالة هيستيرية، كما كان يراها أحياناً بعد أن تتذكر ذلك الرجل.
نظرت إليه. رأت وجهه. رأت طيف أبيه فيه.
صفعت وجهه بقوة، ثم جرته نحو المطبخ. أمسكت بقدر الماء المغلي الذي كان على النار، وبدون كلمة واحدة، أفرغته على وجهه الأيمن.
صرخ تانغلو. صرخ بأعلى صوته. لكن لا أحد جاء لمساعدته. وقفوا جميعاً ينظرون، بعضهم يضحك، بعضهم يتظاهر بعدم الرؤية.
أمه وقفت تنظر إليه وهو يتلوى على الأرض، وجهه يحترق، جلده يتقشر. ثم بصقت عليه ومضت.
منذ ذلك اليوم، أصبح نصف وجهه مشوهاً. ندبة لا تزول، تذكره كلما نظر في المرآة بأن أمه كرهته بما يكفي لتفعل ذلك به.
"في ذلك اليوم." فكر تيان ووري، وهو يشعر بالألم في روحه. "في ذلك اليوم مات أي أمل كان لديه في حب أمه."
لكنه لم يفقد الثقة في البشر تماماً. كان لا يزال هناك أمل. ربما شخص آخر سيكون مختلفاً.
───
الخيانة الثانية: ابن العم.
في الثالثة عشرة من عمره، عاد ابن عمه من الدراسة في الخارج. كان شاباً وسيماً، مبتسماً، دافئاً. نظر إلى تانغلو ونظرته كانت مختلفة عن أي شخص آخر في العائلة.
"أنت ابن خالتي، أليس كذلك؟" قال له في أول لقاء. "لماذا تعاملونك هكذا؟"
كان تانغلو صامتاً. لم يعرف كيف يرد. لكن ابن العم لم ييأس. بدأ يأتي إليه كل يوم، يتحدث معه، يشاركه الحلوى، يسأله عن أحواله.
كانت المرة الأولى التي يعامله فيها أحد بلطف. ظن تانغلو أن الحياة ربما ابتسمت له أخيراً. ظن أن هناك شخصاً واحداً في هذه العائلة لا يكرهه.
استمر هذا لعدة أسابيع. ابن العم كان لطيفاً، حنوناً، كأنه حقاً يهتم به.
ثم جاءت الليلة التي غيرت كل شيء.
ناداه ابن العم ذات مساء، وابتسامته كانت كما هي دائماً.
"تانغلو، هل يمكنك أن تحضر لي صندوق الشراب من المخزن؟" سأله بلطف. "إنه في الزاوية الخلفية، تحت الأرفف."
وافق تانغلو دون تردد. كان يريد أن يساعد الشخص الوحيد الذي عامله بلطف.
دخل المخزن. كان مظلماً، مليئاً بالروائح القديمة. بحث عن الصندوق في الزاوية الخلفية.
ثم سمع صوت الباب يغلق خلفه.
التفت. ابن العم كان واقفاً خارج الباب، يبتسم. لكن ابتسامته كانت مختلفة هذه المرة. كانت ابتسامة باردة، قاسية.
"استمتع يا ابن الزنا." قال، ثم أغلق الباب وأقفله.
قبل أن يفهم تانغلو ما يحدث، سمع صوت ثلاثة كلاب ضخمة تلهث في الظلام. كانت كلاب الصيد الخاصة بالعائلة، المدربة على تمزيق أي شيء يتحرك.
هجمت عليه.
تمزقت ملابسه، وغارت أسنانها في جسده. كان يصرخ، يركل، يحاول الدفاع عن نفسه. لكنه كان طفلاً ضعيفاً، وهم ثلاثة وحوش جائعة.
عض أحدهم يده اليمنى، وانتزع إصبعين منه. الآخر مزق فخذه. الثالث كاد يصل إلى عنقه.
لولا أن أحد الخدم دخل إلى المخزن ليأخذ طعاماً، لكان تانغلو قد مات هناك، ممزقاً من قبل كلاب عائلته.
عندما علمت العائلة بالأمر، لم يحاول أحد حتى التبرير أو اختلاق الأعذار. قالوا فقط:
"هذا اللقيط يستحق."
ابن العم لم يقل شيئاً. لم يعتذر. لم ينظر حتى في عينيه.
"الثقة." فكر تيان ووري. "في تلك الليلة، اهتزت ثقته بالبشر. لكنها لم تتحطم بعد."
كان لا يزال هناك خيط رفيع من الأمل. ربما الشخص التالي سيكون مختلفاً.
───
الخيانة الثالثة: صديقة ابنة الجد.
في السابعة عشرة من عمره، التقى بفتاة. كانت ابنة صديقة جده، تكبره بأربع سنوات. كانت تأتي إلى المنزل بين الحين والآخر، وفي كل مرة كانت تبحث عنه.
كانت تحضر له قطعة حلوى في كل زيارة، وتجلس بجانبه، وتسأله عن يومه. كانت تلمس كتفه بلطف، وتنظر إليه بعينين دافئتين.
مرة أخرى، شعر تانغلو بالأمل. ظن أن هذه الفتاة ربما كانت مختلفة. ربما كانت ترى فيه إنساناً، وليس مجرد خادم أو لقيط.
بدأ يتوق لزياراتها. كان ينتظرها كالماء في الصحراء. كلما جاءت، كان يشعر بأن الحياة لها طعم آخر.
لكن في أحد الأيام، كان يمر من أمام غرفة عمته الصغرى، عندما سمع صوتها وصوت الفتاة يتحدثان.
فضوله دفعه للتوقف. وسمع كل شيء.
سألت العمّة الصغرى الفتاة: "لماذا تشفقين على ذلك اللقيط؟ إنه مجرد خادم."
ضحكت الفتاة. ضحكت طويلاً، وبصوت ساخر.
"أشفق عليه؟" قالت. "لا يا عزيزتي. أنا أتلاعب به فقط."
توقفت للحظة، ثم تابعت:
"نظرة الامتنان على وجهه عندما أعطيه الحلوى التي جعلت الحراس يتبولون عليها... مضحكة جداً. ونظرة الخجل عندما أقترب منه... تجعلني أشعر أنه مجرد كلب يريد بعض التربيت عليه. ههههههههه."
ضحكتا معاً.
تانغلو وقف هناك. جامداً. لا يستطيع الحراك. لا يستطيع التنفس.
كل تلك الحلوى؟ كانت محلاة ببول الحراس. كل تلك النظرات الدافئة؟ كانت مجرد لعبة. كل ذلك الأمل؟ كان كذبة أخرى.
كان مجرد كلب بالنسبة لها. كلب يُضحكها عندما تمل.
دخل غرفته، وأغلق الباب، وجلس في الزاوية. لم يبكِ. كانت دموعه قد جفت منذ سنوات.
منذ ذلك اليوم، لم يتكلم معها مرة أخرى. عندما عادت لتتلاعب به، لم ينظر إليها، لم يرد عليها، لم يعترف بوجودها.
كان صمته أغضبها. لم تكن معتادة على أن يتجاهلها أحد.
في أحد الأيام، أمسكته مع اثنين من الخدم، وأجبرته على شرب بول الكلاب عقاباً له على تجاهله.
شرب. بصمت. دون مقاومة.
لأنه كان يعرف الآن: الكلاب تشرب بول الكلاب.
───
بعد هذه الخيانة الثالثة، فقد تانغلو ثقته في البشر تماماً.
لم يعد هناك أي خيط من الأمل. لم يعد هناك أي شخص قد يكون مختلفاً. كل ابتسامة كانت فخاً. كل كلمة لطيفة كانت كذبة. كل من يقترب منه كان يخطط لخيانته.
أصبح أكثر صمتاً. كان يجلس في زاويته، ينظر إلى الناس بعينين حادتين، لا يتكلم. كان يراقبهم، يحللهم، يحفظ كل حركة وكل كلمة وكل نظرة.
لأنه تعلم الدرس النهائي: كل ابتسامة قد تكون فخاً. كل كلمة لطيفة قد تكون كذبة. كل من يقترب منك قد يكون يخطط لخيانتك.
في السنوات الثلاث التالية، الكلمات التي نطق بها كانت قليلة. ربما لم تتجاوز الألف كلمة في ثلاث سنوات. أحياناً كان يقول كلمة واحدة في اليوم. وأحياناً كان يصمت لشهر كامل.
كانت عيناه تتحدث بدلاً من فمه. كانت تراقب، وتحلل، وتخزن المعلومات.
وعندما مات الجد الأكبر، آخر من منعهم من قتله، قررت العائلة التخلص منه نهائياً.
لم يجرؤوا على قتله مباشرة. كانوا يخافون من أن يكون للجد وصية ما، أو أن يكون هناك من يراقب. فقرروا رميه في غابة الوحوش، محاطاً بسياج كهربائي، ليأكلوه حياً.
اقترحت أمه البيولوجية الفكرة. هي نفسها. المرأة التي ولدته، التي كان يمكن أن تحبه، لكنها اختارت الكره بدلاً من ذلك.
"ألقوه في الغابة." قالت ببرود. "دع الوحوش تفعل ما عجزنا عن فعله."
───
انتهى الفلاش باك.
تيان ووري جلس في زاوية المنزل المهجور، وعيناه مفتوحتان لكنه لا يرى ما حوله. كان يشعر بكل شيء. كل ألم تانغلو، كل خيانة، كل جرح.
لكنه لم يبكِ. لم يستطع.
كان الشعور معقداً. حزن عميق، لكنه ممزوج بغضب بارد. ألم قديم، لكنه تحول إلى عزيمة.
"تانغلو." همس بصوت منخفض. "لقد عشت جحيماً لا يستطيع أي إنسان تحمله. لكنك نجوت. صمدت. لم تستسلم."
تنفس بعمق. شعر أن نصف عقله قد هدأ أخيراً. وكأن روح تانغلو قد سكنت، وتركت مكانها لشيء آخر.
"الآن..." قال بصوت مختلف قليلاً. "حان دور يي تشو."
───
يي تشو.
بدأ يسترجع حياته. لم يفكر فيها منذ انتقاله. كان مشغولاً بألم تانغلو، بوجعه، بجراحه.
لكن الآن، بعد أن هدأ ذلك الجزء من روحه، جاء دور الجزء الآخر.
تذكر يي تشو كل شيء. كل شيء.
تذكر الحادث. السيارة، الضوء الساطع، صوت احتكاك المعدن، صراخ أمه. ثم المستشفى، والمربية التي أخبرته أن والديه ماتا.
تذكر الميتم. السنوات الطويلة من الانتظار. الأمل الزائف في كل زيارة، ثم خيبة الأمل عندما يغادر الزوار دون أن يختاروه.
تذكر دونغ لي. الصبي الذي أحبه كأخ، الذي طلب تبنيه معه، الذي خانته عائلته من أجله.
تذكر السنوات التي أصبح فيها شبحاً في بيته. كيف نظروا إليه كذكرى مؤلمة، كطفل أخذ مكان ابنهم الحقيقي.
تذكر الجامعة. الفتاة التي أحبها، التي اختارته، ثم باعته مقابل المال.
تذكر الليلة التي غيرت كل شيء. معلمته، ذلك الكأس المسموم، رأى معلمته تسقط فجأة على الأرض، ثم سقط مغشياً عليه فوق جثتها. الدماء على يديه، صوت الشرطة يدخلون الغرفة.
تذكر المحكمة. الفتاة التي كانت تشهد ضده، تبكي بدموع مزيفة، تكذب ببراعة. والداه بالتبني ينظران إليه بخيبة أمل. دونغ لي جالس في الصف الأمامي، يبتسم ابتسامة الانتصار.
تذكر كلمات القاضي: "حكمت المحكمة بالإعدام على المتهم يي تشو..."
تذكر السوائل الباردة في عروقه، والظلام.
───
عندما انتهى، كان تيان ووري جالساً في نفس المكان. لكنه كان مختلفاً.
لم يكن هذا هو تيان ووري الذي دخل إلى هذا المنزل قبل أيام. كان شخصاً آخر. شخصاً اكتمل.
شعر بذلك. كأن النصفين قد التئما أخيراً. كأن الروحين اللتين كانتا تتصارعان قد توقفتا عن الصراع، وبدأتا تتعاونان.
"يي تشو." همس. "تانغلو."
توقف.
"كلاهما أنا. كلاهما جزء مني."
نهض. شعر جسده أخف، وعقله أكثر صفاءً، وروحه أكثر استقراراً.
لأول مرة منذ انتقاله إلى هذا العالم، شعر بأنه كامل. ليس يي تشو فقط، ولا تانغلو فقط، بل تيان ووري. شخص جديد ولد من اندماجهما.
"أخيراً." همس. "أخيراً أنا كامل."
───
في الأيام التالية، بدأ تيان ووري يتدرب. جسده كان أقوى، وعقله أكثر صفاءً. مارس تمارين الضغط والقرفصاء والعقلة. ركض حول الحقول المهجورة حتى أصبحت رئتاه تشتعلان.
كان يعلم أن ثلاثة عشر يوماً متبقية على استيقاظ النظام. كان ينتظر. يتدرب. يستعد.
لكن الأهم من ذلك، بدأ يشعر بأنه أصبح شخصاً واحداً. ليس مؤقتاً، بل باستمرار. الاضطراب الذي كان يشعر به بين الحين والآخر بدأ يختفي. وكأن روحيه كانتا تتعلمان العيش معاً، تتعلمان التعاون، تتعلمان أن تصبحا واحداً.
وفي الليل، كان يجلس في هدوء، يتأمل ما مر به. يلمس صدره حيث الوشم، يتأمله بصمت، ثم يصمت طويلاً.
كان يعلم أن هناك أشياء كثيرة لا يفهمها بعد. لكنه كان يعلم أيضاً أنه سيفهمها يوماً ما.
نظر إلى السماء من خلال السقف المتهالك. كانت النجوم ساطعة، والقمر مكتمل تقريباً.
"الرواية." همس في النهاية، بصوت هادئ. "الرواية كانت..."
توقف. لم يقل أكثر من ذلك.
كانت الكلمات عالقة في فمه، وكأن قولها سيجعلها حقيقية أكثر مما هي عليه.
تركها تطفو في الهواء، وأغلق عينيه.
كان غداً يوماً جديداً.
───
نهاية الفصل الثاني
romb number one