روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
----
((بعد مرور سبع سنوات ))
في منتصف الصالة وقفت (توليب) تتابعه ببطنها المنتفخ، يرتدى قميصه استعداداً للعودة إلى العاصمة، ولكن علي ما يبدو انها لم تكن راضية عن الأمر.
التفت (براء) وهو يغلق اسورة قميصه، وقال بنبرة مرحة:
" برضو مش ناوية تيجى معايا يا وردتى، ده كلها اسبوع هنقضيه هناك، وهنرجع كلنا فى آخره زى ما اتفقنا هنقصى الاجازة كلنا فى القرية"
رفعت (تولبب) يديها على خصرها وقالت بنبرة ممتعضة:
" أنا اصلا مش عاجبانى انك تقطع الاجازة دي عشان كلام ست (منى) السكرتيرة عن الاجتماع"
ثم اضافت بضيق:
" كان ممكن (علاء) ينوب عنك يعنى"
وتورد وجهها من شدة الغضب وهي تتابع بانفعال:
" انا اصلا مش برتاح للى اسمها (منى) دى"
رفع (براء) حاجبه وهو يراقب تقلب حالها المتكرر منذ بداية الحمل، لكنه اجفل فجأة حين صرخت بعصبية، وعيناها تتوهجان شراراً:
" أنا قلتلك ميت مرة غيرها"
وفركت اصابعها بغيظ وهي تضيف:
"(براء)... لازم تمشي السكرتيرة دي النهارده قبل بكره"
حاول (براء) جاهداً كبح ضحكته، فهي المرة الأولي التي يراها بهذه الحالة من العصبية غير المبررة، فهي لم تكن هكذا في حملها الأولي، لا شك أن هرمونات هذا الحمل مختلفة كلياً وتفعل بها الاعاجيب:
" وانا قلتلك يا عيون و قلب (براء) انها بتشتغل معايا بقالها فترة طويلة وما شوفتش منها حاجة، وفوق ده كله محترمة"
هتفت (توليب) بانفعال وهي تلوح بيديها:
"محترمة؟!....محترمة ازاى يعنى؟ شوف كانت بتضحكلك ازاي وانت بتكلمها اخر مرة؟ والله لولا انى خفت على شكلك قدام الموظفين، كنت جبتها من شعرها وعلمتها ازاى تقف محترمة بجد"
رمش (براء) بعينيه عدة مرات مندهشاً، ثم انفجر ضاحكاً، وهو يأكد لنفسه انها حقا قد تفعلها وهى بتلك الحالة من الجنون.
صرخت (توليب) بغيظ:
" اكيد طبعا مش مصدق انى ممكن اعمل كده"
حاول (براء) الاقتراب منها وقد دمعت عينيه من شده الضحك:
" مصدقك يا وردتى... حتى اكتر من اى وقت تانى"
وحاوط كتفها، وعلى شفتيه بقايا ضحكته، ثم أضاف:
" أنا بس عايزك تهدى ياروح (براء) عشان ده مش كويس عالبيبى"
تراجعت (توليب) خطوة للخلف، ووضعت يدها على بطنها البارزة قليلاً وهتفت:
" وعشان البيبي ده انا مش هستحمل أعيش فى توتر"
وإلتمعت عيناها بالغضب:
" وفى واحدة كل يوم بتعاكس جوزي"
في هذه اللحظة وقبل ان يعقب (براء) دخل (يامن) وقد وصله صراخ شقيقته من الخارج، وحين رأى المشهد أمامه استند إلى الباب وهو يحك رأسه، محاولا كتم ضحكته، فقد مر بتجربة تقلب المزاج ذاتها مع (بيان) فى الشهور الأولى من حملها، فسأل مشفقا على (براء):
" مالك يا توليب بتصرخى ليه كده؟"
وأضاف ساخراً:
" بتولدى ولا ايه؟"
نظرت له (توليب) بحدة قبل أن تقول:
" قله انت يا(يامن)، خليه يمشي السكرتيرة بدل ما أمشى انا"
فتح (براء) عينيه بإتساع، وقال بصدمة:
" تمشى؟!..... تمشى تروحى فين إن شاء الله؟!"
تكتفت ( توليب) ورفعت كتفيها بلا مبالاة:
" اى حتة"
انفلتت من (يامن) ضحكة مكتومة وهو يرى رد فعل (براء) فقترب منه يربت على كتفه ومال على أذنه قائلاً:
" يا برؤة، ارحم نفسك وقولها حاضر وخلاص، مشى المركب ياحبيبى عشان ترتاح من هرمونات الحمل دى، صدقنى الهرمونات دى أقوى من أي مقاومة، سلم نفسك وانت مرفوع الراية"
واضاف متصنعا البكاء:
" اسألنى أنا"
ساد الصمت بينهم قليلاً، و(توليب) تطالعهم بعينين غاضبتين، زفر (براء) مستجيباً لنصيحه شقيقها، فرفع يديه مستسلماً:
" خلاص… انا هخلص الموضوع وأمشيها اول ما اروح"
تبدلت ملامح (توليب) فجأة، وابتسمت ببراءة كأنها لم تكن تصرخ قبل لحظات، واقتربت منه تطبع قبلة خفيفة على خده، وقالت بنعومة:
" ربنا يخليك ليا يا برائى"
وحين رأت الذهول مرسومًا على وجهيهما، أطرقت برأسها وقالت وهى تتلاعب بطرف ضفيرتها:
" يعنى مش من حقى أغير على جوزى؟! وانى مش عايزة حد غيري يبصله حتى"
نظر لها (براء) وقد التمعت عيناه بعشق لا يحصي، وهمس وهو يغرق في حبها للمرة التي يجهل عددها:
" طبعا من حقك يا وردتى... لانى انا اصلا حقك انتى وبس"
انفجر (يامن) ضاحكاً وقال من بين ضحكاته:
" المعنى الحقيقى للراجل اللي سلم سلاحه ونجا بحياته"
-------------------
((فى العطلة الأسبوعية ))
كانت نسائم المساء تداعب أطراف الحديقة الهادئة، والشمس تلملم خيوطها الذهبية فى مشهد بديع من صنع الخالق، كان المكان يعج بالحياة بالحب الذي لم يتغير رغم مرور السنين، و بأصوات ضحكات الأطفال التي تملأ الأرجاء، فتؤثر في القلب قبل العين.
تحت إحدى الأشجار الكبيرة التى اعتادوا الجلوس تحتها، جلس (براء) و بين ذراعيه صغيرته (لافندر) تشكو له ابن خالها، تلك الصغيرة التى خطفت قلبه منذ اللحظة الأولى التي احتضنها بعد ولادتها، وها هى اليوم وقد أتمّت عامها الخامس، ولازلت تخطف قلبه كلما وقعت عيناه عليها، تأمل عينيها الخضراوين اللتين تشبهان عينيه تمامًا، لكنهما تلمعان بروح وردته (توليب) حبه الأول والوحيد.
اقتربت (توليب) ببطنها المنتفخ بحملها الثاني، تحمل صينية عصير، بدت ناضجة متألقة وقد أضافت لها السنوات جمالا فوق جمالها، وضعت الصينية جانبا ثم انحنت لتقبل رأس صغيرتها قبل أن تجلس بجانب (براء) وقالت:
" مين اللى مزعل زهرتى؟"
ردت (لافندر )حانقة بصوتها الطفولى الناعم:
" (زهير) مش راضى يخليني العب معاهم كورة، وبيقول دى مش لعبة بنات، و(عليا) بنت اونكل (ثامر) بتلعب عادى"
انطلقت ضحكة من (براء) زادت من غيظ صغيرته، فضربت الأرض بقدميها وهتفت غاضبة:
" أنت بتضحك يا بابا"
فرفع اصبعه إلى فمه بحركه تعنى انه اغلقه،
فأضافت الصغيرة بإصرار:
" انا عايزة العب زيهم "
مالت (توليب) نحو أذن (براء) تلملم ابتسامتها وهمست:
" شكله كده في حب جديد بيبتدي... تقريبا الحب من الطفولة مكتوب على عيلة النمساوي"
نظر إليها (براء) بنظرة دافئة تختصر كل العشق الذي لم ينقص يوماً، وطبع قبلة رقيقة بين عينيها وهمس:
" يا روح (براء)…حتي لو بدات كل يوم قصة حب جديدة…قصتنا مش هتتكرر تانى"
ثم نهض وهو يحمل ابنته بين ذراعيه، وقلب وجهه بطريقة مضحكة قائلاً:
" إلا ورداتى محدش يزعلهم ابداً"
بعيداً عنهم كان (يامن) يركض خلف ابنه صاحب الست سنوات، يحاول أن يأخذ منه الكرة، والصغير يهرب منه ضاحكاً بينما الأب يلهث دون أن يتمكن من الامساك به، بينما كانت (بيان) تجلس تراقبهم وعلي واجهها ابتسامة سعيدة، وهي تُطعم صغيرتها التي لم تتجاوز السبعة أشهر.
أما (علاء) فكان يحاول تنظيم المباراة مجدداً بين أطفال العائلة، وحين أستمع إلى أخيه القادم وهو يحمل (لافندر) بين ذراعيه عابسًا:
" أنت ازاى يا شبر ونص تسيب (زهير) أفندى يزعل زهرتى؟"
انطلقت ضحكة (علاء) العالية المعتادة، ورفع يديه بإستسلام هاتفاً:
" هو حد بيقدر على سى (زهير)؟"
وأضاف وهو يشير نحو (يامن):
" ده حتى ابوه مش قادر عليه"
ثم نظر إلى (لافندر) بمسكنة:
" أنا مليش ذنب يا لولو"
أخفت الصغيرة وجهها فى كتف أبيها حصنها المنيع، معلنة خصامها، فاشار (علاء) لأخيه دون صوت:
" انا مش مطمن للواد ده"
كتم (براء) ضحكته، وادعي الجدية قائلاً:
" اتصرف ياعم (علاء)"
دار الاخير ليواجه الصغيرة، وقال بصوت طفولى:
"لولو… حبيبة عمو... زهرتي"
وفتح ذراعيه قائلاً:
" خلاص تعالى وانا هخليكى تلعبى معانا"
انفرجت اسارير (لافندر) والقت بنفسها بين ذراعى عمها بفرحة، بأنها ستلعب أخيراً معهم.
فى تلك اللحظة كانت (نوران) تتقمص دور الحكم ببطنها المنتفخ هى الاخرى، تحاول جاهدة تهدئة الأجواء بين الاطفال، فضحكت وقالت:
" تعالى يا لولو، إنت و(عليا) فى فريق البنات و(على) و(زهير) فى فريق الولاد"
اعترض (علاء) متظاهرا بالاستياء وهو يحمل بين ذراعيه ابنه أخيه:
"وأنا دورى إيه إن شاء الله؟"
مالت (لافندر) على أذنه وهمست بكلمات اكبر من سنها، تخبئ فمها بكفها الصغيرة فى حركه أذابت قلب (علاء):
" أنت هتدافع عنى قدام (زهير)"
فى الجهه الأخري، كان (ثامر) و(مريم) مشغولين بالتقاط الصور، يوثقان اللحظات الصغيرة ليخلدوها، فما أجمل من اللحظات آلتي تجمع العائلة فى لحظات دافئة لا تعوض ولا تقدر بثمن، نظرات حب لم يخفت وهجه، وتأملها (ثامر) بإعجاب ولهفة، يليق بها الحمل بل يليق بها كل شئ، وكانت هي الأخري ببطن منتفخ، وكأن نساء العائلة قررن أن يفعلنها معًا.
في زاوية هادئة، جلس(وحيد) إلى جوار (حياة) يراقبان المشهد بسكينة، رفع (وحيد) يد (حياة) إلى شفتيه وقبلها برقة قائلاً:
" مين كان يصدق.… بعد سنين عشتها لوحدى يكون ليا عيلة جميلة وحبيبة مالية عليا الدنيا"
أغمضت (حياة) عينيها للحظة واستندت إلى كتفه، وهمست:
" كان لازم نتعذب شوية… عشان نعرف قيمة النعمة"
وعلي بعد خطوات، وقف (داوود) يحضن كتف (وجدان)، يراقبان المشهد بتأثر، تألقت عيناه بامتنان خالص، لربه، وقد جمع الله شمل عائلته أمامه، ولم يحرمه من رؤيتهم سعداء ومن حوله أحفاده الذين ملأوا قلبه بحبهم.
قال بإبتسامة بشوشة:
" عيلتنا بتكبر كل يوم عن اللى قبله يا نوجا"
رفعت (وجدان) يدها تتحسس صدره، وردت بلهجة دافئة:
" ربنا يبارك ويزيد ويباركلنا فى عمرك يا حبيبى… يا رب"
فى وقفه مماثله، كانت (توليب) تستند إلى صدر (براء) الذى طوق ذراعيه حولها يحضنها من الخلف، وبصوت تملأه العاطفة قالت:
" بقى عندنا عالمنا الصغير… وفى المكان الاحب لقلبى واللى مش بلاقى نفسى غير فيه"
رفع (براء) عينيه الخضراوين إليها، وابتسم تلك الابتسامة التى امتزجت فيها القوة بالاحتواء وهمس:
"انتى هى كل عالمي يا وردتى… والمكان الاحب لقلبى هنا"
وأشار بأصبعه إلى موضع قلبها، ثم ضمها إليه أكثر:
" ومش بلاقى نفسي غير وانتى جنبى… فى حضنى… يا قلب وعيون (براء)"
ارتفعت ضحكات الأطفال من بعيد، فالتفت الجميع نحوهم يبتسمون، لحظة واحدة جمعتهم، لحظة اختزلت رحلة كاملة... رحلة بُنيت بالحب، وتوّجها الصبر، وروتها دموع وذكريات لا تُنسى....
وفي قلب كل واحد منهم صوت داخلى راضٍ، ممتن:
" نحن حققنا الحلم ... وصنعنا حياة تستحق أن تعاش"
وفي النهاية لم يكن الحلم بعيداً…بل كانوا هم الحلم وكانوا معاً.
وهذا وحده… كان كافياً.
تمت بحمد الله
التاريخ الأول لكتابة الرواية 2007❤️
تم التعديل والنزول على النت 2025❤️🫰
Asmaa saleh