الفصل الثامن والعشرين

الفصل الثامن والعشرين

16 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

تبسمت عيناي برؤياك.... و دق القلب بالألمِ

والقلب يئن وجع البعد....والشوق اليك يقتلني

في قربك فقط تبتسم دنياي...فأنت بطلي و فارسي و حلمي

لكن القدر له رأي آخر...

و حكم علي القلب بالوجعِ

فتبتسم العين برؤياك... والقلب يملؤه الألمِ

-----------

علي حافه الفراش، جلست تحمل بين يديها مفتاحاً صغيرًا لصندوق موضوع أمامها، تتملكها الحيرة وتشعر بتيهٍ لم تشعر به منذ وفاة شقيقتها الوحيدة، أطالت النظر إلى ذلك الصندوق بنظرات قاتمة، بللت شفتيها الجافتين وهي تقول بصوت مهزوز:

" يا تري جه الوقت اللى يتفتح فيه الصندوق؟!"

نقلت عينيها إلى المفتاح الصغير بيدها تتفحصه، وقد برقت عيناها بآلام تحملها بجوانب روحها منذ زمن، خوفاً من فقدان غاليها.

سحبت (حياة) الصندوق وقد اتخذت قرارها ولا رجعة فيه، وستفتح ذلك الصندوق مهما كانت العواقب، فما كانت تخشاه أخبرها الطبيب أنه لا أمل في إفاقته بعد أن طالت غيبوبته، فسحبت الصندوق وهي تتذكر حديث الطبيب لها بالأمس، وبعد أن انسحبت بحسرة تملأ قلبها حين رأت (براء) يقف مع (توليب) وحديث الأعين بينهم يخبرهم بالكثير، وذهبت لإحضار زجاجة من المياه لها تاركة لهما مساحة للتحدث، وهناك رأت الطبيب، اوقفته قائلة:

" مساء الخير يا دكتور"

رد الطبيب بعمليه:

" مساء النور يا ست (حياة)، أنا كنت حالاً جيلكم لحضرتك والاستاذ (براء)"

فقالت متوجسة:

" خير يا دكتور؟....فى اخبار عن حالة (بهاء)؟"

عدل الطبيب من نظراته الطبية وهو يقول بتمهل:

" احب أتكلم ادام أستاذ (براء) عشان يتفهم الحالة"

ردت مسرعة:

" ارجوك.... اتكلم معايا وانا هوصله الكلام عشان هو..... هو حاليا مش هيستقبل أي خبر بخصوص والده لخوفه الشديد عليه"

قال الآخر بتفهم:

" طبعاً.. طبعاً انا مقدر حالته"

وصمت قليلاً وعاد يقول محاولاً تبسيط الألقاب العلمية لها لتتمكن من فهمه:

" بص يا ست (حياة)..... أنا مش هكدب عليكي،  حاله استاذ (بهاء) مش مستقره بسبب الغيبوبة، عادة فى حالته لما المريض يستمر فى غيبوبته  لفترة أطول من عدة أسابيع دي بتبقي حاله اسمها حالة انتقالية من اليقظة بدون وعي أو استجابة، والحالة دي يطلق عليها حالة انباتية مستديمة"

إنتابها القلق وهي تقول:

" ممكن توضيح يا دكتور ؟"

" يعني مضمون كلامي أن بسبب الغيبوبة بدأت  أعضاء السيد (بهاء) تتاثر، ويؤسفني أن أقول لحضرتك أن مؤشرات المخ توقفت....بسبب طول فترة الغيبوبة"

وقال بلهجة مواسية:

" يؤسفني انى اقول لحضرتك إن وظيفة الدماغ قد فقدت بشكل دائم ولا يمكن استعادتها بشكل تلقائي أو بواسطة التدخلات الطبية... وإنها فقط أيام والقلب مش هيتحمل"

عادت (حياة) تحدق بالصندوق وبايدي مرتعشة فتحته، وهي تقول:

" سامحيني يا (ليالى)، انا مش هقدر انفذ وصيتك"

               --------------------

رفعت يدها تدعو الله بعد أن انهت صلاة الظهر، بقلب متألم ولسان ثقيل وعينين يملأهما الدمع، قالت:

" يا رب قويني على تنفيذ قراري....وقوي قلبي يا رب على البعد...يا رب أنا مكنتش عايزة ارتكب الذنب الكبير ده، بس انا ضعفت، يا رب قويني يا رب على النسيان"

نهضت (توليب) تنزع عنها مأزر الصلاة، متهدلة الأكتاف تشعر بالخزي من نفسها، و روحها تتألم وهي تستعيد أحداث الأيام الماضية، ترغب في الصراخ، عقلها يحثها على الإبتعاد، وقلبها لا يطاوعها على ذلك، فكيف ستحيا بعيداً عنه؟ ضاق صدرها وهي تشعر بأنفاسها المتباطئة، فضربت بقبضتها على قلبها، تقول بصوت يخنقة البكاء:

" أنا تعبانه اوووي.... أنا لازم اتكلم.....انا محتاجه الكلام مع .....مع (يامن)"

رفعت (توليب) الهاتف إليها، تطلب رقم أخيها بأنامل مرتعشة، وأول ما نطق به لسانها بصوت مهزوز، حين استمعت إلى صوته الحنون:

" أنا محتاجلك اوى يا (يامن)"

                  ------------------

"طب هيا مالها؟ فيها ايه؟ وايه اللى خلاها تقولك كده؟"

قالتها (بيان) وهي تتحرك خلف (يامن) الذي يبحث عن حافظه نقوده، فقال بعد أن وجدها بلهجة متعجلة:

" أنا مش لسه هسألها مالك أو فيكي ايه، أنا قولتلها انا جايلك حالا"

قالت الأخري وقد انتابها القلق:

" أنا كده قلقت يا (يامن) ومش هقدر استني على أعصابي"

أقترب يطبع قبلة حانية على جبينها قائلاً:

" متقلقيش يا حياة القلب، أن شاء الله خير وفى جميع الأحوال أنا مش هسيبها إلا أما اعرف اللى مغيرها بالشكل ده"

ربتت (بيان) على يده قائلة:

" طمني أول ما توصل"

" حاضر يا حبيبتي....انتي بس حاولي تقنعي الحج بأي حجه، عشان ما يقلقش"

" اطمن انا هتصرف"

قال(يامن) قبل مغادرته بلهجة تحمل بعضاً من الشقاوة ليخفف من توترها:

" طول ما انتي معايا يا أم زهير، لازم ابقي مطمن"

قالت (بيان) بغيظ مرح تضرب الأرض بقدمها وهي تزمجر:

" تانى (زهير)....يا (يامن)"

غمز لها قبل أن يغلق الباب ضاحكاً:

" تاني و تالت يا حياة القلب لحد ما تقتنعي بالاسم يا أم (زهير)"

                  --------------

وقف متردداً على أعتاب بيتها، يقدم قدم و يؤخر الأخرى، لا يعرف كيف سيصوغ لها الكلمات، هو يعلم جيداً انها بمفردها فى المنزل، وأن الجميع بالمشفى فقد رأهم بأم عينيه هناك، وهذا ما جعله يقدم على تلك الخطوة بقلب جرئ، بعد أن ضاق به ذرعاً من طول الإنتظار، ولكنه فقط لا يعلم كيف سيفاتحها بالحديث.

اقترب (مسلم) من باب منزل (توليب) بخطى واسعة، يدق الجرس مسرعاً قبل أن يتراجع، فى الداخل كانت (توليب) قد أنهت مكالمتها مع (حياة) التى اتصلت للمرة التى تجهل عددها لتطمئن عليها، بعد ان أخبرتها (توليب) أنها مرهقة قليلاً ولن تتمكن من الذهاب معها إلى المشفى، ليخبرهم الطبيب بتطورات حالة (بهاء)، ومنذ ذلك الوقت، حاول (براء) الاتصال بها أكثر من مرة، ولكنها لم تجيبه، فهى خائفة أن تضعف وتهرع إليه وتستكين بين حنايا صدره، وعلى ما يبدو أنه فقد الأمل فى ردها عليه، فسلط خالته تتصل بها كل خمس دقائق، جمدت أطراف (توليب) وهى تستمع إلى صوت جرس، وعلت وتيرة انفاسها، ايعقل أن يكون قد تركهم وأتى ليراها؟! تشكلت حروف اسمه بشوق على شفتيها وهى تنهض هامسة:

" ( براء)"

ولم تعى لنفسها إلا وهى تهرول صوب الباب، بأنفاس لاهثة تمنى نفسها ان يطل عليها بعينيه الخضراوين من ذلك الباب، ولكنها حين فتحت الباب سمرت مكانها، وللحظة ظنت أنها بقريتها و نطقت متعجبة:

" ( مسلم) !)"

طال صمته وهو يطالعها بنظرات شوق صريحة وجريئة، فكسا الغضب ملامحها وهى تتلفت يمينا ويسارا قائلة:

" أنت بتعمل ايه هنا؟!"

ارتفع جانب شفتيه بتلك الابتسامة التى تثير اشمئزازها وقال:

" مفيش ترحيب طيب بابن قريتك؟"

اشتعلت عيناها قائلة:

" لا طبعا مفيش، انت بأى حق و أى صفة تخليك تيجي هنا؟"

مسح (مسلم) على مؤخرة رأسه، وهو يقول بحشرجة إثارته:

" اشتقنا والله للتوليب"

هدرت (توليب) وقد احست ان نار الغضب انفجرت بداخلها:

" الزم حدودك يا (مسلم)"

وهمت بإغلاق الباب فى وجهه قائلة:

" أنا اصلا ايه اللى يخليني أقف اسمع تخاريفك"

ولكنه وضع قدمه مانعا أياها من إغلاق الباب، قائلاً بجدية ليست من شيمه:

" استنى يا (توليب)، انا عايزك فى موضوع مهم ومهم جدا كمان"

نظرت (توليب) إلى قدميه التى تمنع إغلاق الباب بأعين متسعة، ثم ابتعدت خطوة إلى الخلف حين لمحت الجدية بصوته، فكتفت يديها تحت صدرها ترفع إليه نظرات غير مهتمه قائلة:

" وموضوع ايه ده اللى هيكون من طرفك ويهمنى"

انحدرت نظرات (مسلم) إلى صدرها البارز أمامه، فاشتعلت عينيه، وقال بهمس حارق:

" ده موضوع مهم اوى "

صرخت وهى ترفع سبابتها بتهديد:

" هتتكلم عدل ولا.... "

قطع حديثها قائلاً بلهجة ساخرة:

" ولا ايه.. (يامن) ومش موجود.. أما بقى حامى الحما فمش فاضيلك دلوقتى، وبعدين أنا عارف انك لوحدك فى البيت"

سألت ببلاهه:

" تقصد ميين؟؟"

ثم جحظت عيناها حتى كادت تخرجان من محجريهما، وهي تستوعب حديثه، قائلة:

" أنت بتراقبنى؟!"

ابعد (مسلم) نظراته عن صدرها بصعوبة بالغة، و ارتسمت على شفتيه تلك البسمة مجدداً، وهو يقول:

" بصراحة آه "

و الاح بكفه يسبقها بالقول:

" وقبل ما تثورى افهمى السبب"

وضع يديه في جيب بنطاله، يقول ببساطة، وكأنه يخبرها حاله الطقس اليوم:

" أنا جاى النهاردة اعرفك حقيقة الناس اللى عايشة معاهم تحت سقف واحد، عشان أنا ما يرضنيش ان بنت قريتى يكون مضحوك عليها"

أصابها التشوش، ولم تعى أى مما يقوله، فسألت:

" أنت تقصد ايه؟؟"

القى عليها كلماته دفعة واحدة، دون تمهل أو رأفة بها:

" من الأخر كده وعلى بلاطة، اللى حرق الحقول ودمر لكم المزرعة جوزك (بهاء الجارحى)"

                 ------------------

جالت الغرفة بأنفاس عالية متسارعة، لا تذكر ماذا حدث بعد أن فجر (مسلم) مفاجأته بوجهها، كل ما تتذكره هو أن الجمود قد أحتل كيانها كله حتى بعد ذهاب (مسلم) بعد قوله الموحي:

" كده الكوره بقت في ملعبك، وأنا اخليت مسؤوليتي، انتي بقي هتقدري تكملي مع واحد حرق قلب ابوكي بايده"

هنا لم تستطع (توليب) من كبح سؤالها وهي تقول:

" وانا ايه اللى يثبتلي صدق كلامك؟، وكمان ايه مصلحتك أنك تيجي لحد هنا وتقولي بنفسك؟  ليه مرحتش ل (يامن) أو حتي لبابا؟"

" انتي عارفه يا بنت الناس الوضع بيني وبين اهلك شكله ايه، غير اني.....لسه شاريكي يا بنت الناس والله شاريكي"

ثم قال ساخراً:

" أما بالنسبة لتصدقي أو لا، فده ممكن تسالي عليه ابنه حامي الحمي"

فنطقت شفتيها باسمه دون وعي:

" (براء)"

فقال هو بإبتسامة قاسية:

" وهو فى غيره"

حينها سالت بعبرة مخنوقه تدرك رويداً رويداً مقصده:

" انت تعرفه منين؟......وعرفت كل اللى بتحكي فيه ده منين؟"

هنا أستمعت إلى ضحكة قميئة، لو أنها أستمعت إليها بوقت آخر لكانت أفرغت ما بجوفها، وقال من بين ضحكاته:

" ده انتي بجد بقي متعرفيش اي حاجه عن كل اللى حواليكي"

اهتزت مقلتاها وهي تسأل بوجل حين أحست أن المعني هذه المرة هو (براء):

" أنت تقصد ايه؟"

ولكنه لم يريح قلبها بل تركها تتلظي بنار الحيرة، ورحل بعد أن قال بسخرية لاذعة:

" اسمحيلي اسيب الطلعة دي ل (براء) باشا"

ثم رحل، ومن حينها وهي تجول ذهاباً و اياباً تتساءل عن مقصده، من جهة وعن صدمتها بالحقيقة المؤلمة، من جهة هي لم تصدم (ببهاء) فأي شيء تتوقعه من هذا الشخص، ولكنها تعجبت أن تصل به الدناءة إلى هذا الحد يحرق حقولهم ليحصل عليها ويدمر لها حياتها ومستقبلها، لماذا وهو الذي لن يطولها أبداً بسبب مرضه؟ إذا ما الدافع وراء فعلته هذه؟ يا الله لقد حرق حقاً قلب أبيها قبل المزرعه كما قال (مسلم).

نفضت (توليب) رأسها، تشعر بانهيار العالم من حولها، وقالت وهي تبحث عن هاتفها:

"  متصدقيش يا (توليب) كلامه، انتي عارفه (مسلم)"

ولكن صوتاً بداخلها قال:

" أول مرة تلمسي الصدق بكلامه وتسمعيه يتكلم بالثقة دي وكمان شكله يعرفهم ويعرف (براء)"

ثم زفرت بقوة، تعتصر يديها من فرط التوتر، قائلة:

"(براء)....انا لازم اكلم (براء)....لازم افهم (مسلم) يقصد ايه بكلامه عنه، واسأله عن صدق كلامه عن المزرعه"

زمجرت بقوة، تبحث عن الهاتف، وقد فاض بها التوتر و ارتجاف أوصالها يعصبها بشدة، تبعثر كل ما تطوله يدها ومن ضمن تلك الأشياء التي بعثرتها صورة الغالية التي تطايرت وسقطت أرضاً وظهر من أسفلها الهاتف، وأخيراً فأطلقت نفساً مرتجفاً وقالت:

" أخيراً "

ولكن قبل أن تمسكه، مالت لتلملم صور غاليها بحرص شديد، وكأن تلك الصور مصنوعة من الخزف، واسترقت النظر إلى وجهه الذي قد قررت في وقت سابق أنها لن تنظر إليه أو إلى تلك الصور مره اخرى كي لا تضعف عزيمتها، ولكن.....مهلاً أنا أعرف هذا الشخص، قربت إحدي الصور إلى عينيها فكان يقف بها (براء) و (ثامر) وهم يرفعان أياديهما بعلامات النصر، وعلي ما يبدو أن (ثامر) هو من التقط الصورة بيده الأخري يقلب آله التصوير نحوهم، وفي الخلفية يظهر شخص ما علي بعد عدة أمتار منهم ينظر إليهم بنظرات مبهمة، أمعنت (توليب) النظر إلى الصورة بيدها وقلبها يضرب بجنون داخل صدرها وهي تقول:

" يا الله ده (سيد) صاحب (مسلم) "

فأعادت النظر إلى باقي الصور تطالعهم بنظرة متفحصة، نظرة جديدة ملمة بكل تفاصيل الصوره، ويالها من بلهاء فقد اتضحت معالم الصور لها والأماكن التي التقطت بها الصور، ولم تكن تلك الأماكن إلا حقول قريتها، بل وتحديداً حقول مزرعتهم الخاصة، احقاً هي بتلك الغباء، هل أعماها الحب والشوق إلى وجه معشوقها حتي أنها لم تنتبه إلى ما حوله؟، يا الله اخدعت به، أكان له يد فيما فعله ابيه؟ أكان له صله بقريتها؟ وعند هذه النقطة، رنت صرخة ملتاعة بأذنها كانت رفيقة أحلامها منذ زمن بعيد:

" (توليييييب)"

" أنا مش هسيبك تضيعي مني"

"  فوقي يا (توليب) ....مش هيحصلك حاجه مش بعد ما لقيتك يا (توليب)"

سقطت (توليب) على ركبتيها أرضاً، فاغره الفاه واعين زائغة، تضح لها الصورة كاملة من جميع الاتجاهات، فسال خيطاً من الدموع، وهي تسأل بشفتين متيبستين:

" ده (براء) ....ومش هلوسة مني أنا.....يعني (براء) كان يعرفني قبل ما اجي هنا"

               ----------------------

"اتصلي مرة تانيه يا (حياة)"

قالها (براء) يشعر بانقباض قلبه من أجلها، ولا يعلم سبباً واضح لذلك، فهو قد اطمأن عليها أكثر من عشرات المرات وهو يطالب خالته الإتصال بها، ومع ذلك ينغزه قلبه عليها، قالت (حياة) بلهجة مطمئنة:

" يا حبيبي يمكن نامت شويه، ايه اللى مقلقك بالشكل ده؟"

بينما قال (علاء) مشفقاً على أخيه:

" يا كبير هو انت مش عارف تقلق نفسك على ايه ولا علي ايه"

ثم نظر اتجاه الطبيب المتقدم نحوهم، وقال:

" اوف.... أخيراً الدكتور جه بدل التوتر اللى احنا فيه ده"

وقال بصوت منخفض:

" ربنا يسترها أن شاء الله يطمنا على بابا"

آمن (براء) على حديثه، بينما عقله مشغول بها، أما (حياة) فدعت ربها أن يكون استقبالهم لكلام الطبيب هين ولا ينهار أي منهم، وخاصة (علاء) فهو شديد التعلق بأبيه، ودعت بشدة من أجل غاليها ( براء) أن يقويه ليتحمل كم الصدمات الذي سيتلقاها من جهه خبر ابيه، ومن جهة نبش الماضي وإخراج ما دفن قديماً..... قديماً جداً منذ ولادته.

                  -------------------

شعرت أنها على وشك فقدان عقلها ، كادت أن تتصل به أكثر من مرة، ولكن في كل مرة تعاندها إرادتها وتتراجع، صرخت وقد ضاقت أنفاسها:

" يارب.... أعمل ايه ؟ يارب..... خايفة أكلمه اعرف حاجه تصدمني فيه....انا مش هستحمل يكون بيكدب عليا أو ليه دخل فى اللى حصل ليا أنا وعائلتي...يارب نورلي بصرتي وأظهر لي الحقيقة"

جالت بعينيها في أنحاء غرفته باحثه عن أي شيء يوضح لها شيئاً يخص حياته قبل مجيئها، قبل أن تواجهه بالحديث، بحثت وبحثت حتى قلبت الغرفة رأساً على عقب، وفجأة وقعت عينيها على الحاسوب الخاص به، فقالت لاهثه بعد بحث طال:

" أنا ازاي مجاش على بالى ادور في الكمبيوتر"

واقتربت من المكتب الذي يتوسط الغرفة بخطوات متعثرة وقلب يكاد يخترق صدرها من شدة خفقاته، حتي وصلت إليه، وفتحته وقد تجلي قلبها في عينيها، لحظات مرت عليها وكأنها دهر، حتي انفتح أمام عينيها فارتكزت بيدها اليسري على حافة المكتب وباليمني تعاملت مع الفأرة الخاصة بالحاسوب، تعيث الفوضى في محتوياته باحثه عن أي شئ يريح قلبها، حتي رأته فاحست حينها أنها تلقت أقوي صفعه من الممكن أن تتلقاها في حياتها، مما جعلها تسقط على المقعد خلفها، تشعر بثقل جسدها وأن ساقيها لم تعد تحملانها، وهي تري من ضمن محتويات الحاسوب ملفاً يحمل اسمها، وتملكتها حالة من اللاوعي حين فتحت الملف ورأت كم الفيديوهات التي يحتويها ذاك الملف، وكلها تحمل اسمها وبجانبه تاريخ التسجيل، حاولت (توليب) التخلي بشجاعة وبأنفاس شبه منقطعة، ففتحت أحد الفيديوهات بطريقة عشوائية، فذاك الملف يحتوي على العديد و العديد من الفيديوهات تخصها، ارتسمت على وجهها الدهشه وهي تشاهد التصوير أمامها.

بدأ الفيديو بتصوير الحقول، وعلى ما يبدو لعينيها أنها الحقول الخاصة بهم، واستمعت إلى صياح (ثامر) يقول:

" أهي هناك"

فقال (براء) دون أن يظهر في التصوير متسائلاً:

" فين أنا مش شايفها؟"

كان الظلام دامسًا، فقال (براء):

" افتح نور الكاميرا يا ذكي"

وحين أنار ضوء قال:

" شوفتها.... خلاص"

ولكن لم يظهر أحد بعد فى التسجيل، فإستمعت إلى (براء) يقول:

" هات الكاميرا يا (ثامر)، انت مش عارف تصور حاجه"

ترقرقت الدموع بعينيها وهي تري آله التصوير تقترب منها هي و (يامن) يجلسون بين الحقول جلستهم المعتادة منذ الصغر، وهم يتأملان النجوم يتحدثان بما لم يصل إليهما، سال دمعها بغزارة، ايراقبها منذ ذلك الوقت؟ أنها في ذلك الحين لم تكن تعدت الرابعه عشر حتي، يا الله ما الذي يحدث لها، واستمعت إلى صوت (براء) يقول:

" اوعدك يا وردتي هيجي يوم وتقعدي معايا القعدة دي اللى بحسد (يامن) عليها كل مرة وانت معاه"

وجاءتها ضحكت (ثامر) الساخرة بمرح قائلاً:

" انت هتغير من (يامن) كمان ولا ايه؟!"

وانتهي التسجيل على أصوات تناوشهم المرح معاً.

تبعثرت مشاعرها وهي تشعر بتناقضها اتفرح لما رأته عيناها؟ أم تحزن بل وتثور أيضاً؟ أكان يراقبها طوال تلك السنوات؟؟

ثم مدت يدها تشغل تسجيلاً أخر، ولكنها هذه المرة فتحت التسجيلات القديمة، فبدأ التسجيل باقتراب آله التصوير من مجموعة من الأطفال التي تتراوح أعمارهم ما بين الثامنه والعاشرة، وهم جالسون يلعبون الورق، شهقت (توليب) تضع يديها على فمها، حين رأت نفسها تجلس بين هؤلاء الأطفال تلعب معهم و عاجزين عن التغلب عليها، واستمعت إلى صوت شاب صغير، ولكنها ميزت صوته على الفور، فقال (براء) ضاحكاً:

" شوف يا (ثامر) محدش قادر يكسبها ازاي"

فبادله الآخر الضحك قائلاً:

" دي المرة العاشره اللى تفوز فيها عليهم"

وقال (براء) بإعجاب شاب صغير:

" هي دي بقي يا (ثامر) اللى حكتلك عليها، شوف جميلة ازاي، انا أول مرة أشوف بنت بشرتها صافية بالشكل ده زي الوردة"

قال (ثامر) بلهجة متسلية:

" تستاهل الخناقة اللى عملتها في البيت عشان يجبولك الكاميرا"

واستمعت إلى صياح الأطفال بتشجيع لها:

" (توليب)......(توليب)"

فضحك الاثنان معاً بقوة، وقال (ثامر) من بين ضحكاته:

" دي طلعت وردة بجد"

وقال (براء) وقد هدأت ضحكاته، وقال بثقة:

" ومش أي وردة، دي هتكون وردتي أن شاء الله"

بينما قال (ثامر) :

" ليك عليا امشي في القرية كلها أذيع الاسم"

ولكن الآخر قال بغضب مرح:

" لا.....دي هتبقى وردتي أنا....انا وبس"

هنا لك انفجرت (توليب) في البكاء وهي تقول من بين نشيجها:

" حتي الاسم اللى بحبه انت اللى مطلعة، يا ربي أنا إزاي معرفش اي حاجه عنه؟!"

انتبهت إلى هاتفها الذي رن أكثر من مرة، ولكنها لم تجد القدرة على التحرك لتري من المتصل، لتزاحم الأفكار السوداء برأسها، من يكون (براء)؟ لقد اتضح لها أنها لا تعلم عنه شيئاً أو تعرف من يكون هو، رفعت وجهها الغارق بالدموع و أرادت أن تعلم متي توقف عن تصويرها، فشغلت آخر تسجيل بالملف، تبلل شفتيها المتيبسه.

اشتغل التسجيل هذه المرة و (براء) يظهر به يعترف بمشاعره، و (ثامر) يشاكسه، حتي ظهرت هي وظهر أيضاً (مسلم) وانتهي التسجيل بالشجار بين (مسلم) و (براء).

أغلقت (توليب) الحاسوب بقلب ذبيح، مرتجفة الأوصال، تشعر أنها على حافة الإنهيار، يا الله لو كانت رأت تلك التسجيلات قبل مجيء (مسلم) لكانت الآن غاية في السعادة، ولكن كيف لها أن تسعد بعد أن علمت حقيقة حرق الحقول؟ ولكن لما لم يأتي و يصارحها بحبه كما أخبر (ثامر)؟ ولم تراجع؟ وأين كان هو حين فعل أبيه بها ما فعله، غامت عيناها والتساؤلات تتكاثر برأسها، تتمني لو أنها فقط... تسند رأسها على صدره تبكي وهو يضمها يطمئنها، بقوله الشافي لها:

" اطمني يا وردتي أنا هنا"

              ----------------------

حاله من الهياج اعتارتهم بعد مصارحه الطبيب لهم، ما بين الغاضب المستنكر، وآخر حزين متأثر، و (حياة) حائرة بين الإثنين، تحاول تهدئة (علاء) الذي ثار غاضباً وتملكته حالة من الاستنكار، وتواسي (براء) من جهة بعد أن تلبسته حالة من الجمود وعيناه تنطقان بالكثير، حينها قررت في قرارة نفسها أن ستؤجل أي شيء يزيد من همه، حتى لو هذا الشئ به نجاته.

وبعد الكثير من الوقت، هدأ (علاء) أخيراً وجلس يدفن رأسه بأحضان خالته، يبكي حزناً وقهراً على أبيه، بينما (براء) وقف بجانبه يربت على كتفيه بعينين مرغرغين بالدموع، ومن بين حزنه على أبيه، انتفض ليخرج الهاتف من جيب سترته حين شعر باهتزازه معلناً عن إتصال وارد على أمل أن يكون منها، ولكن خاب ظنه بل وحل محله قلق مميت، وخاصة في حالته تلك، فذاك الاتصال الوارد لم يكن سوي (يامن)، فتنحي (براء) جانباً يرد متوجساً:

" الو...(يامن)"

جاءه صوت الأخر قلقاً، مما زاد من خوفه عليها وقلقه أضعاف مضعفة:

" (براء)...انت متعرفش توصل ل (توليب)؟"

سقط قلبه بين قدميه، قائلاً وهو يتحرك يهم بالمغادرة:

" فى ايه يا (يامن)؟"

" كلمتني وكانت حالتها غريبه أوي وبعدها بحاول اتصل بيها من بدري مش بترد، وأنا قلقان عليها، وانت الوحيد اللي تقدر تطمني عليها"

بهت صوت (براء) وهو يقول:

" أنا هروح حالاً اطمن عليها وهطمنك"

وغادر مهرولاً دون أن يلتفت إلى (حياة) التي تناديه، وقد سقط قلبها وهي تراه يهرول بهذا الشكل، وحين تحرك (علاء) للحاق به، سحبته قائلة بلهجة حاولت إخراجها هادئة:

" سيبه يا (علاء)..... سيبه وهو هيطمنا"

وعادت لتضم صغيرها إليها، تدعو ربها سرا من أجل كبيرها أن يحميه ويستر طريقه.

                 -------------------

ركب سيارته وتحرك محاولاً الاتصال بها عدة مرات، ولكنها لم تجيب، حتى أنه لم يترك الهاتف من يده وهو فى طريقه إليها، يتصل مرة على الهاتف الخلوى ومرة على هاتف المنزل، تحسباً أن تكون قد وضعت هاتفها على الوضع الصامت ولم تنتبه له، ولكنها أيضاً لم تجيب، فعلى وجيب قلبه وهو يحدث نفسه بخوف:

" مالك يا وردتى؟ فيكى ايه؟ أنا أصلا مش مرتاح من الصبح"

وبعد وقت قياسي، قد وصل فهرع إليها يهتف منادياً لها، ولكن ما من مجيب، لا يعلم لما قادته قدماه إلى غرفته حيث رأها هناك عندما ضربها أبيه، وحين أقترب من الغرفة أستمع إلى صوت نهنهتها، فآلمه قلبه لسماع بكائها فقط، ولكنه حين دلف الغرفة اتسعت عينيه، وجف الدم بعروقه وهو يرى الغرفة مقلوبة رأساً على عقب، وكأن مر بها إعصار، و (توليب) تجلس على مقعد مكتبه تسند برأسها على مرفقيها اللاتي تضعهما مكتفين على حافة المكتب، تبكى بقوة لم يرها من قبل، بلع ريقه بصعوبه، وقال بصوت هارب منه لرؤيتها بهذا الشكل:

" ( توليب)"

خطف قلبها حين سمعت نبرة صوته تلك، فرفعت إليه مقلتيها اللتين تغير لونهما من أثر البكاء، لحظة يقسم فيها أنه قرأ بهما أنها تستجديه، ولكن اللحظة التى تلتها كانت محيت، واشتعلت مقلتاها بنار غضب أيضاً لم يراها منها من قبل.......

             --------------------

اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أعلم أن الله علي كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً اللهم إني أعوذ من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم)🌸🌸

----

قراءه ممتعه للجميع 🥰

أسماء صالح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة