روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
---------
عشقت انا ذاك القلب وغرقت فى هواها
أكاد اذوب عشقاً لبسمة فاها
هى من أسرتنى عيناها
يامن سلبت دقات قلبى برؤياها
واستسلم قلبى لنداها
فبت لها عاشق اتمنى وصالها
---------------------------
وقف يناظرهم متفحصا، يسأل نفسه عن طبيعة علاقتهم ولما يحدثها هذا (الرامي) بذلك التودد، ولما هي تسمح بذلك؟! ولما يهتم هو من الأساس!!!؟، التقت عينيه بعينيها عدة مرات، وفى آخر مرة استأذنت من الطبيب واقتربت منه تسأله:
" ممكن اعرف معني البصه دي ايه؟!"
رفع حاجبه وقال بصوت لم يصل إليها:
" شرسة وجريئة كمان"
ثم قال بصوت مرتفع قليلاً:
" شكله واخد عليكي اوي"
" هو المسؤول عن حالة (مازن) من أول ما تعب"
" مش مبرر"
رمشت بعينيها تقول:
" نعم..!"
استقام فى وقفته بعد أن كان سانداً ظهره على الحائط يقول بسخرية:
" مش مبرر أنه يكلمك من غير رسمية كده"
انتقلت بعينيها إلى (رامي) الذي يراقبهما، وبعينه نظرات غامضة عجزت عن قراءتها، فقال(علاء) بلهجة ذات مغزى:
" انا بنبهك بس عشان محدش يفهم الوضع غلط"
ثم أبتعد عنها حين سمع صوت هاتفه، فرد قائلاً بعد أن رأي أسم أخيه:
" انا عارف اني اتاخرت عليكم بس معرفتش اجي يا كبير والله"
قال الآخر بلهجة هادئة:
" ولا يهمك يا حبيبي انا فهمت (حياة) الوضع، انا بتصل اطمن علي الوضع؟"
" خلاص اهى الإجراءات خلصت وهيدخلوا دلوقتى أوضة العمليات"
أما عند (حسنيه) فكانت تتابع (علاء) بنظره تقييمية تشعر بالراحة تجاهه، وليس لانه سيتكفل بالعملية الخاصة بصغيرها، بل تشعر بجانبه بالألفه دون سبب محدد، فقالت حين اقتربت منها ابنتها بلهجة عاتبه:
" بقي هو ده العيل الطايش اللى كنتي بتتكلمي عنه ؟!!"
أسرعت الأخري بالدفاع عن نفسها تقول:
" ميغركيش هدوئه، ده دماغة فاضيه صدقيني"
نظرت لها (حسنيه) تقول بتهكم :
"والله شكلك انتى اللى دماغك فاضيه وانا معرفش"
-----------------------------------
مر عليهم اليوم وقد تعالت ضحكات الجميع وهم يتشاركون الأحاديث فيما بينهم عن الذكريات ومواقفهم وهم صغاراً، وكانت هي تتشارك معهم وتتبادل معهم الضحكات، ولكن بداخلها تشعر بالغصة تعتصر قلبها حتي أنها تعمدت أن تتجنبه بقية اليوم، مما جعل الغضب يصب في أوردته لذلك ولا يستطيع أن يسأل عن السبب.
جلست بجانبه بالسيارة في طريق العودة، تتذكر رد فعل (حياة) وهي تودعها بالدموع والاحضان الدافئة، حينها رنت كلمة (مريم) في رأسها، أن الكل يشعر أنها أما له، فهي حقا ذكرتها بأمها كثيراً التي تفتقدها حتى الموت، وترغب الآن أن تلقى بنفسها بين ذراعي أمها، تبكي وتنوح على تلك الفوضى التي تسبب بها قلبها، تسأل:
متي حدث هذا ؟ متي تسرب إلى قلبها !؟ ولما سمحت هي بذلك؟! يا ويلتي ماذا فعلت بنفسي!؟.
كان ينظر إليها من حين لآخر، لا يعلم سبب تبدل حالها هكذا، لما تتجنب النظر إليه، هل لهذه الدرجة هي غاضبه بعد أن استمعت إلى حديث (ثامر) عن (سالى)؟
لكنه نفض رأسه، قائلاً محدثاً نفسه:
" لا، اكيد مش هو ده السبب"
وحين رآها تفرك رأسها باصابعها، استغل تلك الفرصة وسأل:
" انتى كويسة ؟"
أتاه صوتها وكأنه من بئر عميق:
" الحمدلله"
ولكن تلك الكلمات لم تكن كافية له، فقال مغمغما:
" فى حاجه ضايقتك هناك؟"
هزت راسها بلا، دون أن تنظر إليه ، فقال هو وقد أوشك صبره على النفاذ فلا يروق له رؤيتها هكذا:
" طب (حياة) ضايقتك بكلامها ولا حاجه ؟!"
ردت مسرعة بلهجة دفاعية:
" ابدا، دي طيبه خالص وانا حبيتها اوي"
ثم قالت بعد أن سحبت نفساً عميقاً بلهجة حزينه:
" يمكن بس عشان افتكرت ماما وأهلي والقرية فتلاقيني فصلت كده"
لم يقنعه حديثها، ولكنه ادعي ذلك عله يتمكن من سحب الحديث منها ويعرف سبب سكونها، فقال:
"خلاص انتى تقدري تكلميهم في أي وقت انتى عايزه"
اصطنعت الابتسامه قائلة:
" صح، معاك حق"
وساد الصمت الأجواء مرة أخرى حتى وصلوا إلى المنزل، فرفعت وجهها إليه لأول مرة منذ أن ركبت بجانبه، وقالت قبل أن تترجل من السيارة:
"شكراً ليك أوي على الليلة دي بجد فرقت معايا جداً"
رد وهو يتفحص وجهها وعينيها عله يتمكن من قراءتها:
"المهم تكوني مبسوطه"
ولكنها أسبلت عينيها سريعاً، ونزلت من السيارة وهي تتمتم :
"تصبح على خير "
"(توليب)"
أغمضت عينيها وتسارعت دقات قلبها وهي تستمع إلى اسمها من شفتيه بتلك اللهفة. فهمهمت دون أن تلتفت إليه، فقال وهو يشعر أنه لا يريد أن يتركها ولكن ما بيده حيله:
"خلي بالك على نفسك"
قالت همسا، ولكنه وصل إليه وهي تتحرك صوب المنزل:
" انت كمان خلي بالك على نفسك"
---------------------------------------
دخلت إلى غرفتها تلقي بنفسها على الفراش، تحمد ربها أن (بهاء) لم يكن موجوداً عند عودتها، فهي تشعر بالتيه، أوصل بها اليأس إلى أن يكون لديها مشاعر تجاه إبن زوجها، يالها من حمقاء حقا.
دفنت وجهها في الوسادة تحاول أن تخرج من تلك الأفكار. تود لو أنها قادرة على نكران تلك المشاعر، لكنها ليست قادرة على ذلك.
بعد قليل سقطت في غفوة يشوبها القلق، فرأت ذاك الحلم مرة أخرى يعاد مجدداً وأيضاً رأت أن منقذها هو (براء) ويناديها بتلك اللوعة.
انتفضت مستيقظة، تفتح عينيها باتساع تقول وهي تتنفس بصوت عالٍ:
" انا ليه مصممة أنه (براء)!؟"
ثم ضربت رأسها تقول:
" خلاص طار عقلك، ايه اللى هيجيب(براء) عندك القرية من الأساس؟؟"
ثم نهضت من الفراش تحدث نفسها بلهجة تشجيعية:
" انتى قوية يا (توليب) وهتقدري تسيطري على المشاعر دي، انتى مش صغيرة وعارفه الصح من الغلط والحلال من الحرام"
وارتسم الحزن على وجهها وهي تقول بصوت مسموع:
"لازم تحكمي مشاعرك حتي لو صعب، ده في الأخر ابن جوزك واللي انتى حاسه بيه ده حرام"
هوت على الفراش خلفها، تقول وقد تملكها اليأس وهي تستوعب فداحة مشاعرها، تضحك ساخرة:
" يعني يوم ما يدق قلبك يا (توليب) يدق للحرام!!"
---------------------------------------
(( بعد مرور ثلاث ايام ))
عادت إلى غرفة أخيها بعد أن أجرت مكالمة مع أحدي صديقاتها لتطمئن على وضع أخيها بعد العملية، دلفت إلى الغرفة قائلة:
" دي (مني ) صاحبتي كا....."
قطعت حديثها حين رأت (علاء) يجلس على حافة الفراش بجانب أخيها يداعبه بمرح، فقالت تتمتم:
"(علاء) بيه"
ولكن على ما يبدو أن لا أحد أنتبه لدخولها، واستمعت إلى أمها تقول:
" والله يا (علاء) يابني، ما حد بيقدر يضحكه كده غيرك"
" ده (مازن) حبيبي وصاحبي، ولا ايه يا بطل؟!"
ثم رفع كفه (لمازن) الذي ضربه الآخر بقوة وهو يقول بضحك:
"طبعاً صاحبي"
تظاهر (علاء) بانه يتألم من ضربته، قائلاً بمشاكسة:
" انت قد الضربة دي؟"
فهز الآخر رأسه وهو يداري ضحكته، قائلاً بشجاعة واهية:
" أيوة ادها"
"ده انت شجاع بقي، إذا حان وقت الزغزغة"
وقفت (نوران) تراقبهم وعلى شفتيها ترتسم ابتسامه امتنان لما يفعله (علاء)، فهو لم يتركهم خلال الثلاثة ايام التي مكوثهم في المشفي إلا قليلاً، وقد أظهر إهتماما بالغا باخيها، حتى أنه أوصي عليه بالمستشفى ليضعوه في غرفة أكثر راحة وأكبر مساحة، لتتمكن هي وولدتها بالجلوس معه، تأملت ضحكته الرجوليه وهو تقول محدثه نفسها:
" والله ده طلع جدع، شكلي اتسرعت في الحكم عليه"
أفاقت على صوت أمها تقول حين رأتها:
"مين اللى كلمك يا حبيبتي ؟"
التفت (علاء) إليها ولا زالت الضحكه على وجهه، فأبعدت عينيها سريعاً عنه، وقالت:
" دي (مني) صاحبتي كانت بتسأل على (مازن)"
ثم وجهت حديثها إليه بلهجة ممتنه:
" احنا تعبناك معانا اوي يا (علاء) بيه، وكمان أنا أن شاء الله هنزل الشغل من بكرة، ومع أول راتب ليا هسدد ولو جزء بسيط من الدين لحضرتك"
استقام واقفاً يقول بهدوء محدقا بوجهها:
" اولا انا سمحت ليكي بإجازة أسبوع لحد ما (مازن) يخرج بالسلامه، ثانياً حد كان قالك انى مستعجل على الفلوس!"
حركت مقلتيها يميناً و يسارا بعيداً عن نظراته الجريئة تلك، وقالت:
" لا بس ده دين عليا، وانا مش هرتاح إلا لما يتسدد"
أكدت (حسنيه) على حديثها قائلة:
" معاها حق يابني، ارجوك اقبل باللى بتقوله عشان تريحني انا"
اقترب منها وهو يميل طابعاً قبله على رأسها، وقال بلهجة دافئة:
" عشان خاطرك بس يا حاجة(حسنيه) انا هقبل بالكلام ده "
ربتت على كتفه المائل نحوها، قائلة بحنو:
"الله يباركلك يابني ويريح قلبك"
استقام واقفاً ينظر إليها مبتسماً على تعبير الاندهاش المرسوم على وجهها، فقال يناكفها وقد بات يشعر بالمتعة لذلك:
" طب ريحي قلبي انتى وقولي بنتك هربانه من انى مدرسة!"
ضحكت امها على مزاحه، مما زاد من اندهاش (نوران) حيث تحدث نفسها قائلة:
" بتضحكى على تريقة بنتك ياماما، ده شكله كل عقلكم ولا ايه!!"
-------------------------------
اقتحم عليه المكتب وهو يستشيط غضباً، قائلاً:
" أنا عايز أفهم ازاي مفيش سيولة في الشركة؟"
أغلق (براء) الحاسوب الخاص به ونهض قائلاً مستفهما:
" اهدأ يا حج، ايه اللى يستدعي العصبية دي!"
صاح الآخر وهو يرمقة بنظرات سوداء قائلاً:
" اهدأ إزاي يعنى، رد عليا ازاي في الحسابات بيقولوا الكلام ده ؟!"
ثم هدر يتهمه:
"انت بتسرقني يا أستاذ!؟"
ضم قبضته بجانبه يهتف بجزع:
" يا بابا سرقة ايه بس!، أرجوك اهدأ واقعد عشان نعرف نتكلم"
قال(بهاء) متهجما يهتف بصوت شق الشركة من شدته:
" أنا مش عايز اقعد، انا عايز اعرف الفلوس راحت فين"
رد الآخر وقد ارتفعت وتيرة صوته وهو يتطلع حوله يري الموظفين قد تجمعوا أمام باب مكتبه على صوت صياح أبيه:
" يابابا حضرتك عارف أننا لسه داخلين شراكة جديدة، غير أن أغلبية السيولة في السوق بسبب مواسم البضاعه"
ثم قال وهو يوجه نظرات حادة لموظفيه، وتقدم نحو الباب يغلقه بعصبية:
" يعني مفيش سرقة ولا حاجه يا حج، مكنش ليه لزوم الطريقة دي ادام الموظفين"
ألقي (بهاء) بنفسه على أقرب مقعد له، يقول بصوت مبحوح أثر صياحه:
" يعني مفيش فلوس!؟"
راقب الآخر حالة والده وقد تملكه القلق، فقال مقتربا منه:
" انت محتاج الفلوس دي كلها في ايه يا حج؟!، قولى يمكن اقدر اساعدك"
نظر (بهاء) إليه لا يسمع إلى ما يقوله، يتذكر تلك المكالمة التي جاءته قبل ساعة.
رد على محدثه قائلاً بضحكة باردة:
" أنا قلتلك مش هدفع لك أي حاجة تاني"
قال محدثه ساخراً:
" أحب اقولك انى كل مكالماتك معايا متسجلة، من أول اتفاقك معايا على حرق الحقول لحد اخر مكالمة"
ثم صاح بغضب بالغ، وصل صداه إلى قلب(بهاء)، مسبباً له رجفه خوف:
" انت فاكر أنى هعديلك غدرك بيا، احنا اتفقنا بس على حرق الحقول وانى هوكل حد غيري بالكلام ده عشان ابعد الشبهة عني لكن متفقناش انك تتجوز (توليب)"
وازداد صياحه قائلاً:
"انا لو كنت اعرف انك عايز تحرقلهم المزرعه عشان تتجوزها، مكنتش سمحت ابدا بكده، ده أنا مكنتش بسمح ان حد يقرب منها واولهم ابنك (براء)، تيجي انت تخدها مني بالطريقة دي"
ثم ضحك عالياً ضحكة غاضبة قائلاً:
" أنسي يا(بهاء) انى اعديلك خيانتك، انا لو موصلتليش الفلوس اللي طلبتها منك، انا هوصل كل الأدلة اللى معايا للبوليس وما بقاش (مسلم) لو ما عملتش كده"
وقبل أن يغلق قال بتهديد:
"وهعرف اجيبك تانى يا (بهاء) زي ما عرفت اوصل لبيتك هعرف أوصل لعيالك بردو واعرفهم حقيقة ابوهم، واحمد ربك انى مقلتش حاجه (لتوليب) لما كلمتها وقولتلها (حموكشة) بس خلاص انا مش هصبر بعد كده، الفلوس توصلي بكرة"
أفاق على هز (براء) له، قائلاً بلهجة قلقه:
"بابا، انت كويس؟ انت تعبان ولا ايه؟"
نظر إليه بكل الغضب والخوف الذي تملكه، نفض يده بغل، واستقام ذاهبا دون أي كلام.
نظر الآخر في أثره، لا يعلم أيغضب مما فعله والده الآن واتهامه بالسرقة، أم يحزن على تجاهله له، أم يقلق عليه من جهة احتياجة للمال بهذه الطريقة، لدرجة أن يسأل عن أموال الشركة، ومن جهة مرضه فهو معرض لأي أزمه في أي وقت، وذلك بسبب الانفعال الشديد. وعند تلك الخاطرة، أقترب من مكتبه وأمسك بهاتفه طالبا أحد الارقام، محدثاً نفسه: أن هذه فكرة جيدة إذا حدث أي شيء، فجأة صمت العالم حوله إلا من وجيب قلبه حين أتاه صوتها عبر الهاتف، يا الله صوتها فقط يفعل به الافاعيل، فتنحنح يقول بصوت أجش:
"(توليب)، أنا (براء)"
على الجهه الاخرى، أغمضت عينيها تشعر أن قلبها سينفجر من شدة اللهفة، كم اشتاقت إليه في الأيام الماضية، اشتاقت حتى لسماع صوته وكأنها نالت ما تمنت، فاستمعت إلى اسمها منطوقا مرة أخرى من شفتيه، فلم تعلم حتى الآن أن اسمها بهذه الروعة، فردت بصوت هارب منها اثر فوران المشاعر داخلها:
" انا معاك"
قال هو بأنفاس عاليه محدثاً نفسه:
" اتمني لو فعلا تكوني معايا"
ولكنه قال:
"عامله ايه النهاردة ؟"
كادت تعاتبه من شدة شوقها إليه، الآن تذكرت أن تسأل عن حالي، بعد غياب ثلاث ايام، لكنها قالت:
"بخير، وانت؟"
"بقيت بخير"
رمشت بعينيها عدة مرات تتساءل عن مقصده، ولكن قبل أن تنطق، قال هو:
"ممكن تجيبي ورقة وقلم"
"ليه؟!"
قال وهو يتمني لو أن المكالمة طالت، وظل يتحدث معها هكذا يسمع صوتها الذي يطرب أذنه:
" ممكن تكتبي رقمي...قصدي ارقامنا كلنا عشان لو احتاجتي لأي حاجه اولا، ثانياً عشان لو بابا تعب أو حاجه تعرفي تتصرفي"
شعرت بالغيظ من قلبها الذي انتشي بالسعادة لمجرد أنه سيعطيها رقمه، فقالت:
"تمام، ثوانى هجيب قلم"
وبعد أن وضعت الهاتف جانباً قالت محدثه نفسها بسخرية:
" لدرجة دي حالتك صعبة ،لدرجة انك تفرحي الفرحة دي لمجرد انك هيبقي معاكي رقمه"
بعد قليل، عادت إليه تقول:
" تمام، جبت القلم والورقة"
املاها الأرقام واحدا تلو الآخر ببطء متعمد منه و مراوغة من جهتها، فلا أحد يريد انهاء المكالمة حتي لو طالت، فقط في املاء الارقام.
بعد أن أنتهي، ساد بينهما الصمت إلا من صوت أنفاسهما المتلاحقة، فبادر هو بالقول:
" عايزة مني حاجه ؟"
قالت وهي تشعر بمرارة حلقها:
" سلامتك"
ياالله، اتطلب سلامته لو كانت امامه الآن، لامطر وجهها بالقبلات. فهمهم قائلاً وهو يشعر أنه على شفا فقد سيطرته على نفسه:
"سلام"
"(براء)؟"
شعر في هذه اللحظة أن عضله قلبه قد توقفت عن الخفقان، بينما هي نطقت دون إرادة منها:
" متتاخرش في سؤالك عليا"
هل هو يحلم الآن أم ماذا؟ هل ما سمعه حقيقة أم أنه من اليأس خيل له، واستمع إلى ما جعله يكاد يضرب تعقله بعرض الحائط، ويركض إليها مخبئا إياها بعيداً عن العالم أجمع، فقالت هي بمسكنه غير مقصودة منها:
" انت أقرب حد ليا هنا وبرتاح لما بتكلم معاك"
ولكنها لم تجد ردا، فوبخت نفسها قائله:
" ايه اللى هببته ده هيقول عليكي إيه دلوقتى ؟!"
همست باسمه عدة مرات وحين رد بهمهمه غير واضحة، قالت هي مسرعة لتتهرب من هذا الإحراج الذي وضعت نفسها به:
" طيب انا مش هعطلك اكتر من كده، خلي بالك على نفسك"
وأغلقت الهاتف دون أن تنتظر رده تزجر نفسها وتوبخها على فعلتها تلك.
نظر إلى هاتفه بعد أن أغلقت هي المكالمة، يشعر بالخدر فى أعصابه مما سمعه منها، وعندما استجمع شتات نفسه، سحب مفاتيح سيارته وعقد العزم على الذهاب إليها فهو لن ينتظر يومين آخرين لنهاية الأسبوع ليتمكن من رؤيتها، وما أوقف انفلاته إلا دخول السكرتيرة الخاصة به، فهتف سريعاً قبل أن تخبره بما يؤخره عنها:
" اجلي اي حاجه دلوقتى، عشان عندي مشوار مهم جداً"
ولكنه توقف في منتصف الطريق عندما رأي (سالى) تدلف إلى المكتب، تمشي بتؤدة وصوت كعب حذائها يملأ السكون حولهم، وتبتسم قائلة بلهجة واثقة:
" حتي لو اللى هتأجله ده هو أنا"
عقد حاجبيه وقد أحس بالضيق من جهة ثقتها الزائدة بنفسها، ومن جهة أخرى بسبب عطرها الطاغي الذي يكاد يتسبب في اختناقه، فقال:
" اعذريني انا لازم امشي، ممكن لما ارجع ابقي قوليلي اللى انتى عايزاه"
ولكن على عكس ما توقع، لم تشعر بالاحراج وتذهب، أقتربت وجلست على المقعد الأمامي لمكتبه، قائلة بدلال مصطنع بالغ:
" طب لو قلتلك عشان خاطري انا"
أطلق نفساً محبطا، وأمسك بأصابعه بين عينيه، يحدث نفسه: هذا افضل له، ماذا كان ينوي فعله بذهابه إليها، وأي انفلات كان سيصدر منه عند رؤيتها؟فقالت الأخري، وهي تراه بهذا الوضع وعلي لسان حالها:
" انا شكلى بالغت ولا ايه"
ثم قالت له مسرعة:
"انا مش هاخد من وقتك كتير"
مسح على وجهه بكفيه وكأنه يبعد بعثرة مشاعره عن تعابير وجهه، وابتسم ابتسامه لم تصل إلى عينيه:
" لا طبعا خدي وقتك"
ابتسمت قائلة بلهجة حماسية:
" كل ما في الامر انى جايه ابلغك بعزومة بابي ليك يوم الجمعة اللى الجاية، لأنه حابب يتعرف عليك اكتر"
تأملت ملامحه المتعجبة وقالت قبل أن يبدي رفضه:
"وطبعا هو هيتصل بيك ويعزمك بنفسه، بس انا قولت لازم اعرفك انا الأول"
شرد يفكر محدثاً نفسه:
" دي فرصة وجاتلك يا (براء) عشان تتحكم في مشاعرك، ومترحش اخر الأسبوع وتخرب الدنيا هناك بشوقك ليها وخصوصاً بعد اللى سمعته منها"
رفع وجهه إليها أري تلك النظره المترجية المرسومة على وجهها، وقال على مضض:
"ده شرف ليا أنى أقابل (عبد الهادي) بيه شخصياً"
هللت وقد غمرتها سعادة حقيقية لقبوله لتلك الدعوة، قائلة:
" هو ده الكلام "
ثم تنحنحت، وقالت بخجل حين رأته يرفع حاجبه تعبيراً عن رد فعلها:
" قصدي يعنى أن بابي هيفرح جداً لما يعرف انك وافقت"
--------------------------------------
ومر اليومان وكانا ثقيلين على الجميع، فلكل منهم لديه ما يؤلمه ويشغل جل تفكيره. ف(بهاء) كل ما شغل تفكيره خلال اليومين الماضيين هو كيف سيتمكن من تدبير ذلك المبلغ الضخم الذي يطالبه به (مسلم) وهو لن يتمكن من بيع شيء دون موافقه (براء) على ذلك، فالحصة الأكبر تعود له منذ أن ترك له الشركة وقد سقطت في الحضيض، وهو من استطاع احيائها مرة أخرى، ولم يستطع أيضا تجاهل(مسلم) بعد أن تأكد أن ذاك القذر قد نصب له الفخاخ وأمسك عليه ما يدينه، ولو وصلت تلك التسجيلات إلى الشرطة ستكون نهايتة وسيذهب وراء الشمس.
أما (توليب)، فقد كواها الشوق في تلك الأيام، كانت تعد الدقائق قبل الساعات للقاءه. فإستفحلت المشاعر بداخلها وأصبحت عاجزة تماماً عن لجمها، حتي أنها باتت تقضي يومها معظم اوقاته في غرفته، علها تلملم رائحته هنا وهناك من اشيائه التي تملأ الغرفة، وطبعا كانت تفعل ذلك في غياب (بهاء) عن المنزل، ولكن ما خفف من لوعة شوقها هو بعد طلبها منه ألا يتأخر عن سؤاله عنها، حيث كان يهديها اتصالين يومياً أحدهما في الصباح والاخر في المساء فكان سماع صوته كالدواء لها يعمل كمسكن لالمها وإخماد نيران شوقها ولو لبعض الوقت.
أما (براء) بعد أن حث نفسه على عدم الانجراف وراء مشاعره، وأن عليه لجم ذاك العشق، لم يتمكن من التحكم فى بحالهعندما طلبت سؤاله عنها، فكيف يؤخر نفسه عن وردته ولكنه لم يتراجع عن عدم ذهابه، فهو حقا فاقد السيطرة على نفسه تماماً، وإذا رآها أمامه لا يعلم كيف سيتمكن من منع نفسه من جذبها إلى أحضانه وخطفها بعيداً هارباً من الجميع، ولكن يزجر نفسه بأنه حتي لو هرب من الجميع فأين يهرب من ربه؟ وكانت تلك الخاطرة دايماً ضربة الأفاقة بالنسبه له.
----------------------
قرأ ممتعه للجميع 🥰
مستني ردودكم الحلوة وفوت ❤️
أسماء صالح
Asmaa saleh