الفصل السابع والعشرين

الفصل السابع والعشرين

16 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

---

بريق عينيكِ يجذبني

وشوقى يلازمنى

والحنين إليك يغمرنى

أحلامي رهن يديكِ

وسعادتي رهن عينيكِ

والسحر ترسمه شفتيكِ

العين تلمع لرؤياكِ

والقلب يخفق لذكراكِ

فأنا والله عاشق متيمِ

وانت هي هدايتى وصلاحى

----------

التزم كل منهما الصمت في طريق العودة، غارقا بأفكاره، فكان قلبه يتراقص فرحاً لما حدث قبل قليل، يبتسم ببلاهه كلما استعادت عينيه ما بدر منها من أفعال و أقاويل، أما هي فعلي ما يبدو أن درع الشجاعة سقط عنها وغلفها الخجل كلما تذكرت ما قالته له بتلك الجرأة، يتخضب وجهها بالحمرة القانية، ولكنها سعيدة، بل في غاية السعادة، بعد أن حررت تلك المشاعر واخرجتها للعلن، ولا تريد أن تفكر و ماذا بعد، فكل ما يهمها الآن أنها لن تحرم من رؤياه ولا من رؤيه عينيه الخضراوين اللتين أسرتها من أول وهله وقعت عيناها عليهما.

استرقت النظر إليه فرأت تلك الابتسامة التي تسكن شفتيه، فإبتسمت لابتسامته وشعور بالدفئ يتسلل إليها وهي بجانبه، ألتفت إليها حين شعر بها تحدق به، فإتسعت ابتسامته حين رأي اشتعال وجنتيها، فقال ببحته الرجوليه:

" وصلنا "

انتبهت وهي تتطلع حولها فوجدتهم حقاً قد وصلوا، والسيارة قد توقفت أمام المنزل، فعضت على شفتيها خجلاً، وقالت وهي تهم بالخروج:

" تصبح على خير"

انتقلت عينيه إلى شفتيها، وود لو يحرر تلك الشفاه بإصبعه، ولكنه رفع عينيه سريعاً، متنحنحاً وقال:

" استني يا (توليب)"

استدارت له نصف استدارة قبل أن تخرج من السيارة، تهمهم، فرأته يمد يده لها بعلبة على ما يبدو أنها لهاتف، وقال:

" كنت ناوي ادهولك من فتره، بس ملقتش وقت مناسب"

نظرت (توليب) إلى الهاتف بفرحة طفلها جاءتها هدايا العيد، فقالت وعيناها تشعان فرحاً:

" انت جبت تلفون عشاني؟!"

قال بإبتسامة عريضة:

" ما هو مينفعش تقعدي كل ده من غير تلفون"

فمدت يدها لتأخذه من بين يده، ولكنه لم يترك العلبة، فرفعت عينيها إليه، فأهدها إحدي نظراته المذيبة لاعصابها، قائلاً:

" انا سجلتلك عليه كل الارقام اللى ممكن تحتاجيها"

تعلقت عينيها بعينيه العاشقة، وابتسمت فى خفر قائلة:

" شكرا "

وسحبت الهاتف ولكنه أيضاً لم يتركه، فقال بصوت أجش، مثبتا عينيه بعينيها:

" تصبحي على خير يا وردتي"

خفق قلبها بقوة، ولا زال سماعها لتلك الكلمة من بين شفتيه تفعل بها الافاعيل، فنزلت على مضض وهي تقول:

" تصبح على خير"

أغلقت باب السيارة، واحنت جسدها قليلاً ناظرة إليه من النافذة، وهي تقول بلهجة بها لمحه من الشقاوة:

" أحلام سعيدة"

ولكنه فعل ما سبب فى انصهار روحها وسمرها أرضاً، فكانت غمزة من تلك العينين التي تصل إلى أعماق روحها، وابتسامة مهلكة وهو يهمس:

" عشان انتي فيها يا وردتي"

-------------------

((فى مساء اليوم التالي))

" يا رب اليوم يعدي على خير"

قالتها (نوران) وهي شارده تفكر فيما سيحدث اليوم، بعد أن اتصل (رامي) في منتصف النهار وأخبرها أنه أخذ إذن من والدتها لمقابلتها اليوم، واتفقا أن يمر عليها بعد انتهاء عملها ليتناولوا القهوة في المكان الذي حددته هي، ولكن هناك شيئاً يطبق على صدرها، فمن جهة تشفق عليه لأنها حتماً سترفض، ومن جهة أخرى شيئاً ما بداخلها يخبرها أنه فرصه ذهبية لها، فبما ستتمني أكثر من ذلك؟، رجل عاشق لها ويساعدها في حمل مسؤولية أمها واخيها عن طيب نفس، أطلقت نفساً محبطاً، وهي تحدث نفسها:

"و (رامي) في كل المواصفات دي"

وزفرت بقوة تحدث نفسها أيضاً:

" طب وأنا.....مشاعري أنا فين..."

حانت منها التفاته إلى مكتبه، تقول بغصه:

" ولا اللى بتتمناه بعيد....بعيد بعد السما من الأرض"

يا ربي كيف تورطت مشاعرها بهذا الشكل؟ لطالما كانت قوية العزيمة، لما ضعفت أمامه هكذا؟ لما حكمت على نفسها أن تعيش حباً من طرف واحد؟ جحظت عيناها حتى كادت تخرج من محجريهما وهي تردد:

" حب...."

وسخرت من نفسها، تقول مبتسمة:

" أنتي بتكبري المواضيع ليه يا (نوران)، حب إيه اللى بتتكلمي عليه؟! هو بس آثار فضولك بشخصيته الغريبة المختلفة دي، يمكن.... يكون إعجاب..... هو اكيد إعجاب لانك عمر ما مر عليكي شخصية متعددة بالشكل ده.... لكن حب لا.... اكيد لا"

صوت بداخلها سخر منها بقسوة قائلاً:

" بتضحكي على مين بس؟"

صوت نحنحة أوقفها عن التهكم من نفسها، فرفعت وجهها اتجاه الصوت بتعجب، واستمعت إليه وهو يقول بحرج رجولي:

" ايه اللى واخد عقلك؟!"

انتقلت عيناها اتجاه باب مكتبه لا إرادياً، وقالت بارتباك:

" دكتور (رامي)"

رمقها (رامي) بنظرات اربكتها وابي عقلها ترجمتها أو توترها هو ما جعلها عاجزة عن ترجمتها في الوقت الحالي، فنهضت تفرك أصابعها توتراً، وهي تستمع إليه يقول:

" بقالى شويه بكلمك وانتي مش بتردي"

هوي قلبها تحت قدميها حين شعرت بصوت حركة آتي من المكتب، فقالت متلعثة:

" انت ايه اللي خلاك... تطلع...مش اتفقنا نتقابل ادام الشركة"

ترأف (رامي) بحالتها، فقال بنبرة محايدة:

" لما لاقيتك مبترديش على التليفون، قلت اطلع.... اسف لو كنت تصرفت بطريقة ضيقتك"

لم تجب (نوران) فكانت تستمع إلى الصوت الهزلى بداخلها يقول بتهكم:

" ايه اللى موترك بالشكل ده؟، لو زي ما بتقولى مش حب، طب خايفة ليه يشوف (رامي) إلا لو خايفة يترجم وجوده بطريقة مختلفة؟"

وفجأة فتح الباب وطل عليهم بجسده العريض وحضوره الطاغي، ينقل عينيه بينهم، مما جمد الدم بعروقها.

             --------------------

عيناه راقبت مداخل ومخارج المشفي كعيون الصقر، فى إنتظار أن يلمحها، منذ البارحة وهو مرابط أمام المشفي على أمل أن يجدها ويتمكن من أخبارها بما عقد العزم عليه، ولكنه لم يلمح حتي ظلها، لم يري سوي (علاء) فقط من آتي أمس حتي اليوم، رفع أصابعه التي تحمل السيجارة، يسحب منها نفساً عميقاً وعاد ينفثها ببطء، مشجعاً نفسه بالقول:

" الصبر يا (مسلم) ....الصبر انت عارف اني مهمتك مش سهله"

ارتفع جانب شفتيه بإبتسامة موحيه يقول:

" كله يهون من أجل ( التوليب) "

وتحسس صدره مكان قلبه الذي يطوق شوقاً إليها بإثارة، وقال:

" و آه من (التوليب) وجماله...."

وأخيراً لمحها تسير اتجاه باب المشفي، تخطو خطواتها الرقيقة الواثقة، فأطلق تنهيدة حاره ولا زال يتحسس صدره، وكأنها تخطو تلك الخطوات على قلبه لا علي الأرض.

ألقي (مسلم) السيجارة التي كانت بيده ودعس عليها، يقول بلهجة صارمة، وهو يتحرك حيث تعرف قدماه جيداً إلى أين تذهب:

" وقريب جداً هيكون الجمال ده ملكي انا وبس.... ل (مسلم) وبس"

                   -----------------

رآها تطرق رأسها خجلاً، فابتلع شعوره بالضيق وهو يري ذلك ال(رامي) يقف أمامها يناظرها بهيام، فرأه بعينيه بسهولة هو ليس خبيراً في تلك الأمور، ولكنه تعلم من تجاربه العديد، فتحدث بلهجة عادية، ولكنها تحمل فى طياتها غضباً بل غضباً عارماً من ذاك الذي يقبع أمامه، أعطاها الملف الذي يحمله بين يديه، قائلاً:

"لو سمحتي يا آنسه (نوران) ابعتي الملف ده لمكتب (براء)"

مدت يدها تسحب الملف دون أن ترفع عينيها إليه، بينما هو نقل عينيه إلى (رامي) قائلاً ببرود:

" أهلا دكتور (رامي)"

مد (رامي) يده مرحباً:

" أهلاً يا أستاذ (علاء)"

فمد (علاء) يده على مضض يبداله السلام، ولكنه لم يتمكن من لجم لسانه أكثر، فسأل بطريقة فجه:

" ويا ترى ايه سبب زيارتك يا...دكتور؟!"

حينها رفعت (نوران) عينين متعجبتين من جرأته تلك، بينما عقد (رامي) حاجبيه لطريقته تلك، فقال حانقا:

" اعتقد أنه مايخصكش سبب زيارتي"

أزداد توتر (نوران) وهي تري (علاء) يتخصر ويبدو على وجهه التحفز وهو يقول:

" ومين قالك ما يخصنيش.....مش في شركتي يبقي أكيد يخصني"

نقلت (نوران) عينيها إلى (رامي) الذي قال وهو يتخصر بدوره وكأنهم يستعرضوا قوة أجسادهم كلاً منهم للآخر:

" وفى شركتك بقي بتتدخلوا في اللى ملكوش فيه"

ضحك (علاء) بعصبية، قائلاً:

" ادام حاجه تخص موظفين الشركة يبقي لينا فيه، مش محتاجه كلام"

وقفت (نوران) مسمرة يحثها عقلها على التحدث، ولكن لسانها لجم لا تعرف ماذا تقول، وهي تراهم يتناقرون كالديوك، ولكن حدث ما جمد أطرافها وأيضاً أنفاسها، وهي تري (رامي) يسحب ذراعها بتملك وقد ضاق ذرعاً وهو يقول:

" يلا يا (نوران) نمشي من هنا"

ولكن قبل أن تبدي (نوران) أي رد فعل على ما فعله، كان (علاء) له رأي، حين رأي جرأته تلك، فتصاعد الدم إلى رأسه ولم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبه من تلابيبه يبعده عنها، يهتف بهياج:

" انت مين اداك الحق تلمسها بالشكل ده؟!"

هتف (رامي) بدوره، وقد خرج من قشرته الهادئة، ينفض يديه بعنف:

" وانت مين اداك الحق تتدخل بيني وبينها؟!"

هنا لم تستطع (نوران) الصمت أكثر، فصرخت بهم بإستياء:

" ومين اداكم الحق تتكلموا بالنيابة عني؟!"

وارتجف جسدها غضباً وهي تطلع بهم بغضب، فلم تتخيل أبداً أنها قد توضع في هذا الموقف أو تقف أمام أحدهم بهذا الضعف، فينوب عنها الرد، فقالت بأنفاس متعثرة وهي تري كلاً منهم يطلعها بقلق:

" انا ..... انا..."

ولكنها لم تجد كلمات تسعفها ، فصمتت قليلاً ثم سحبت حقيبه يدها بغضب، تهم بالمغادرة، قائلة:

" انا ماشيه"

وحين رأت منهم حركة تدل على اللحاق بها، استدارت ورفعت سبابتها هادره:

" مش عايزة حد فيكم يلحقني"

                 ------------------

فى غرفتها، جلست تضع ساقا فوق الأخرى على مقعدها المفضل ذو النقوش الفرعونية، تتذكر جيداً كيف وقعت فى غرامه من أول وهله وقعت عيناها عليه أثناء زيارتها لاحد البازارات، وابتاعته من فورها، ومنذ ذلك الحين، أصبح المفضل لديها، أسندت (سالى) مرفقيها على مساند مقعدها، وقالت بلهجة مغتاظه:

" أنا مش عارفة كل مرة بتطلعلى منين اللى اسمها (توليب) دى زى عفريت العلبة"

ضحكت (شاهى) ضحكتها الرقيعة التى تتميز بها، وهى تجلس أمامها على حافة الفراش، وهي تقول:

" كأنها ظابطة الوقت على وجودك مع (براء)"

زفرت (سالى) بقوة وهى تهز ساقها بعصبية و تقول:

" أنتى بتقولى فيها ده حقيقة بجد"

أسندت (شاهى) مرفقيها على ساقيها تحنى جسدها إلى الأمام قليلاً، قائلة بلهجة موحية:

" ليكون بيحبها بجد!"

ابتسمت الأخرى ابتسامة صفراء ساخرة، قائلة:

" الله يخليكى مش ناقصنى غير سخافتك يا (شاهى)"

ولكنها قالت مُصرة:

" أنا بتكلم بجد على فكرة"

طالعتها (سالى) بتمعن وكأن الفكرة ضربت رأسها تسأل:

" ازاى يا بنتي دى مرات ابوه!"

اعتدلت الأخرى فى جلستها، تقول بتأكيد:

" يوووه ما ياما سمعنا عن حالات حب من النوع ده كتير"

شردت (سالى) تمعن التفكير، وعادت تسأل:

" تفتكرى؟!"

" افتكر ونص كمان"

ضربت (سالى) قبضة يدها فى باطن كفها الاخر، وكأنها عزمت على شئ ما، وقالت:

" أنا كده بدأت أشك بجد، لانه فعلا خوفه عليها اوڤر الصراحة، وانا لازم ادور ورا الموضوع ده، عشان اتأكد"

كررت (شاهى) نفس حركة صديقتها تضحك، ضحكتها قائلة بلهجة مشجعة:

" هو ده الكلام"

                  ------------------

على قارعة الطريق، انتظرت (نوران) سيارة النقل الجماعى، شاردة تستعيد ما حدث قبل قليل، تتعجب حالة الاثنين، وخاصة (رامى) فبأى حق يسحبها هكذا وأمام مديرها، و بأى حق يصعد إليها ليصطحبها وكأنهم على وفاق، وهى التى لم ترد له خبر بعد او حتى تستمع إلى ما أراد يخبرها به!، أطلقت نفساً محبطا وهى تفكر كيف ستواجه (علاء) بعد هذا الموقف، وكيف ستكون فكرته عنها؟! هل سيسئ الظن بها؟ كلا (علاء) لن يفعل ذلك، ولن يحكم على الامور بظاهرها دون أن يعلم باطنها، استمعت إلى الصوت الساخر بداخلها:

" مش انتى اللى تقولى كده يا(نوران) ده انت اول واحدة بتحكم بالظواهر و تتسرع فى الحكم على اللى ادامك، مش ده (علاء) اللى قولتى عليه عيل ودماغة فاضية"

لم تنتبه لمرور السيارة التى كانت تنتظرها، لغرقها فى دوامة أفكارها تلك:

" (نوران)... (نوران)"

ناداها (رامى) عدة مرات بعد ان لحق بها إلى موقف السيارات النقل الجماعي، ولكنها كما لو كانت بعالم اخر، فلمس كتفها لمسه خفيفة ليلفت انتباهها، ولكن ما حدث أنها اجفلت وبشدة، فإلتفتت إليه بعينيها تقدح غضبا، ولكنها حين رأته هدأ الغضب بعينيها قليلاً، فقال قبل أن تلومه:

" أسف بس انا ناديتك اكتر من مرة"

اشاحت (نوران) بعينيها بعيداً، قائلة بعتب:

" مكنش فى اي داعى اللى حصل فى المكتب ده يا دكتور (رامى)"

اقترب خطوة مبرراً، قائلاً:

" انتى مش شفتيه بيتعامل ازاى، ولا كأنك تخصيه"

يا الله لما خفق قلبها لتلك الكلمة، اسبلت جفنيها تقول:

" هو ليه حق يثور بالشكل دا، لأنى موظفة عنده"

طالعها (رامى) بتمعن يقول بلهجة متشككة:

" لا مش من حقه يا (نوران)"

هنا لك رفعت اليه مقلتين مشتعلتين غضبا وهى تقول:

" اللى مكنش ليه حق هو انت يا دكتور"

وقالت مستنكرة:

" أنت مين اداك الحق تشدني بالشكل ده؟!"

رد (رامى) مدققا فى تعبيرها:

" غيرتى عليكى"

ونظر إلى عينيها مباشرة قائلاً بحب:

" غيرتى اللى ادتنى الحق"

عادت (نوران) تسبل جفنيها، وقد عجز لسانها عن الرد عليه بما يليق كى لا تسبب له حرجا، ولكن (رامى) كان له ردا اخر، وهو يحلل رد فعلها تلك، فقال بصراحة تكاد نكون فجة:

" أنتى بتحبيه يا (نوران)؟"

               -------------------

" هى مش ناوية تسيبها خالص الحيزبونة اللى معاها دي"

قالها (مسلم) متأففا، وهو يراقب (توليب) وهى بصحبة (حياة)، ينتظر اللحظة المناسبة للذهاب إليها، ولكن لسوء حظه، (حياة) لم تتركها حتى الآن، وبعد الكثير من الوقت وهو على وقفته هذه أخيراً ابتعدت عنها، فتنفس الصعداء يسرع الخطى إليها قبل عودتها، لكنه لمح ما اعاده مرة أخرى إلى ادراجه، فرأى (براء) يتقدم نحوها من الجهة الأخرى، فقال بلهجة حاقدة:

" والله لو عملت ايه يا سى (براء) هوصلها يعنى هوصلها"

اما (براء) فإقترب منها بخطواته الواثقة، يتأمل وقفتها الرشيقة بجانب غرفة ابيه، فوقف خلفها ومال قليلاً نحو اذنها قائلاً بخفوت:

" مساء الخير يا وردتى "

سرت قشعريرة لذيذة فى أوصالها، و أذنها تستقبل ذبذبات صوته، فإستدارت إليه بكليتها وقد علت وتيرة انفاسها هامسة:

" ( براء)"

لمس بعينيه وجنتيها المشتعلة بالحمرة، يهمس بإبتسامة سلبت لبها:

" قلب وعيون (براء) والله"

اسبلت اهدابها تقول بخجل:

" اتأخرت على فكرة"

جالت عينيه بشوق على محياها وهو يقول:

" غصب عنى والله، الشركة أولاً و ثانياً العربية عطلت بيا، ولولا ان (ثامر) كان قريب مكنتش جيت اصلا دلوقتى"

تطلعت حولها متسائلة:

" اومال هو فين؟"

ثبت عينيه عليها وكأن عينيه لا ترى غيرها، قائلاً:

" سبتله العربية و اخدت عربيته"

فسألت بإهتمام:

" طب يروح ازاى؟!"

لاحت على شفتيه ابتسامة جانبية قائلاً:

" هيجى ياخد عربيته يا وردتى متقلقيش هو بس هيستنى الميكانيكي ياخد عربيتى و هيجى على طول"

احنى رأسه نحوها قليلاً، قائلاً وتلك البسمة المهلكة تسكن شفتيه:

" عاملة ايه النهاردة يا وردتى ؟"

رفعت (توليب) عينيها إليه تتأمله قائلة:

" بقيت بخير الحمد لله"

اتسعت ابتسامته حتى ظهرت أسنانه، وضع يده على قلبه عله يهدأ جنون خفاقته، يهمس بأنفاس لاهثة:

" يجعلك ربى دايما بخير "

طال بعدها الحديث بينهم فى شتى الأمور، مغيبين عن الدنيا، وكأنهم داخل فقاعة تعزلهم عن العالم، ولم يعلمون ان هناك ست اجواز من العيون تراقبهم، من جهات مختلفة فعينين تطالعهم بحقد وغيرة، وعينان أخريان تتطالعهم بتهكم وعبوس، وأخيراً عينان تطالهم بأسى ونظرات تقطر حسرة وألم.

               -------------------

أمام المرآه وقفت تمشط شعرها بعد أن أخذت حماماً دافئاً عله يهدأ من ثورة غضبها، تنظر إلى عينيها فى المرآة تستعيد ما حدث، وكيف لم تتمكن من نفى سؤال (رامي) لها، هل كانت مشاعرها مفضوحة (لعلاء) كما كانت (لرامى)؟ تذكرت كيف وقف (رامى) يطالعها بنظرات غير مقرؤة، سوى أنها رأت لمحة حزن بهم قبل أن يمحوها سريعا ويقول:

" أنا كده فهمت سبب رفضك ليا"

ثم قال قبل أن يغادر بقلب متألم:

" أنا اتمنالك كل خير يا (نوران)، المهم تكوني سعيدة"

والقي عليها نظرة أخيرة قبل أن يودعها بالقول:

" لو احتجتينى فى أى وقت هتلاقينى موجود، لأنك... هتفضلى غالية عليا مهما حصل"

انتبهت إلى وميض هاتفها المعلن عن اتصال آخر وارد من (علاء)، فهو لم يتوقف عن الإتصال بها منذ أن رحلت، وهى لا تستطيع الاجابه عليه من جهة بسبب ما حدث فى المكتب، ومن جهة بعد تصريحها الغير معلن بحبها له، صوت الرساله الواردة هو ما جعلها تمسك الهاتف، فقرأت ما أسرع خفقات قلبها:

" لو مردتيش عليا هتلاقينى واقف أدام باب بيتك دلوقتى حالا"

وتبعت الرسالة إتصال أخر منه، جرس والثانى فالثالث، ولم تستطع الانتظار لتستشف صدق قوله، بل اسرعت بالرد بأنفاس متسارعة، قائلة:

" الساعة واحدة يا (علاء) بيه، أنت اتجننت ولا ايه؟!"

جاءتها ضحكته الرجوليه المدغدغة لحواسها وهو يقول:

" طب لزمتها ايه بقى(علاء) بيه!!"

احمرت خجلاً تتلعثم بالقول:

" أنا بس... استغربت... الرسالة.. اكيد يعنى مش هتيجى البيت فى ساعة زى دى"

قال (علاء) وقد هدأت ضحكاته بخفوت:

" أنا فعلا كنت هعملها لو مردتيش عليا"

اتسعت عيناها، وهي تقول:

" ليه؟!"

خفت صوته الاجش قائلاً:

" عشان كنت عايز اطمن عليكى وكمان...."

ترك جملته معلقة، لا يعلم لما احس ان التعبير عما يشعر به صعب أن تصيغه الكلمات، ولكن همستها وهى تقول:

" وكمان ايه ؟!"

حركت بداخله شيئاً حثه على الحديث، فقال بلهجة نادمة:

" عشان اعتذر لك، انى أدخلت بالشكل ده، بس صدقينى مستحملتش انى اشوفه بيمسكك بالطريقة دى و متكلمش "

طال صمتها إلا من صوت أنفاسها العالية، فقال بترقب:

" ارجوكى اقبلى اعتذاري"

                   -----------------

" ممكن افهم ايه اللى بيحصل بالظبط؟!"

قالها (ثامر) بعبوس شديد بعد أن صعد مع صديقه إلى منزله، فهو لم يعجبه ما رآه فى المشفى، وتلك النظرات العاشقة المتبادلة بينهما، زفر (براء) وهو يحل ازرار قميصه، يوليه ظهره، وقال بصوت قد بهت وجهه:

" قلتلك فى المستشفى وبقولك تانى يا(ثامر) مفيش حاجة حصلت"

هدر (ثامر) بغضب يراه (براء) منه لأول مرة:

" لا حصل يا(براء) انا مش هتوه عنك"

واستدار ليقف أمامه وينظر إلى عينيه مباشرة، يسأله بوجل:

" أنت اعترفتلها بمشاعرك يا(براء)؟"

اسبل (براء) عينيه دون رد، مما آثار غيظ الاخر فصاح:

" يعنى قولتلها، مسمعتش منى ووقعت و وقعتها هى كمان فى الحرام"

كلمة خرجت من فم صديقه زلزلت كيانه، فرفع إليه وجهه واجما، قائلاً وقد جف حلقه:

" صدقني يا صاحبي الموضوع مش بايدي، حبها بيجرى فى روحى زى ما الدم بيجرى فى العروق، ولا بإيدها أنها اتعلقت بيا بعد ما كانت غرقانة فى عذاب أبويا كتبه عليها، ولقتنى أنا القشة اللى هتتعلق بيها، صدقنى حبنا اكبر منى ومنها"

هدأت نبرة (ثامر) قليلاً حين رأى ملامح صديقه ترضخ بالآلم الذي مزق نياط قلبه، فصدقه بالقول:

" أنت عارف انى اكتر واحد حاسس بيك و مصدقك، لكن ده ما يخلينيش اسمحلك تعلقها بحبال دايبة"

وعاد يهتف بإنفعال وقد فقد عقال صبره:

" دى مش دايبه دى مقطوعة تماما، مستحيل انها تتربط من الاساس، طب انت ومشاعرك من قبل ما ابوك يتجوزها، هى بقى ذنبها ايه توقعها فى داومتك؟"

لم ينبس (براء) بحرف، ولكن عينيه أخبرت الاخر بكم آلالام الذى يشعر بها، فإقترب منه (ثامر) يربت على كتفه يقول بمحبة صادقة:

" أنا كنت خايف عليك يا صاحبى، والمشاعر كانت من ناحيتك انت بس، دلوقتى زاد خوفي عليك بعد ما شوفت بعينى انها بتبادلك المشاعر دى"

ووضع يديه خلف رأسه، يجبره على النظر بعينيه يقول بجزع:

" يا (براء) أنا مش عايزكم تقعوا فى ذنب أكبر من الحب، ارجوك فوق.... فوق وقدر المصيبة اللى وقعت نفسك فيها يا صاحبى"

             ---------------------

دلفت غرفته كما اعتادت فى الايام الماضية بعد مرض (بهاء)، بعد أن بدلت ثيابها بأخرى بيتية مريحة، و ألقت نفسها إلى فراشه تستقبلها اغطيته التي تحمل بقايا رائحته، شاردة الذهن تفكر فى حالة (ثامر) وهو يرافق (براء) ليعيدها إلى المنزل، لقد استشعرت التوتر بينهما، بل احست وكأن (براء) يتجنبه والآخر ابدا لم يكن على طبيعته، كم رغبت ان تعلم ماذا يدور بينهما لتحاول الصلح بينهم، ولكنها أبت التدخل خوفاً أن تسبب إحراج أحدهما، ظلت هكذا طويلاً لوقت لا تعرف مداه، غارقة فى بحور أفكارها عن كل شئ يدور حولها وعن حياتها ووجود (براء) بها، وعند ذكره مدت يدها لتسحب الصور من أحد الأدراج بجانبها، كنزها الثمين فهى ليست اى صور بل صورة حبيبها و معشوقها ومالك قلبها، تأملت الصور مليا وعلى شفتيها ترسم ابتسامة ولهة وعشق، تلمسها بأناملها وكأنها تحفظ خطوط وجهه، وفجأة استمعت إلى ما محى تلك البسمة، بل وحل مكانها خوف بل رعب من الخالق، وهى تستمع إلى صوت أذان الفجر وكأنها آفاقت، وشعرت وكأن دلوًا من الماء المثلج ألقى فوق رأسها، اتسعت عيناها وهى تلقى الصور على الفراش بأيد مرتجفة، وكأنها تمسك بجمرة من نار تحرق يدها، وهبت واقفة ترتعد خوفا وهى تردد بهلع:

" أنا عملت ايه!؟.... انا عملت ايه!؟... ازى طاوعت شيطانى ووقعت فى ذنب كبير زى ده"

وأشارت على نفسها مستنكرة بل مستحقرة، تعى واخيرا حجم مصابها، فتقول بأنفاس متقطعة:

" أنا... بحب... ابن جوز..."

ودارت فى الغرفة، تتمكلها حالة من الإدراك المتأخر، تقول بلهجة باكية:

" ووصل بيا الفجر انى اعمل اللى عملته وكمان اطالبه انه يفضل جانبى!"

هنالك لم تستطع قدماها حملها، فنزلت على ركبتيها أرضا، تقول بنبرة تقطر مرارة:

" يارب متخدهوش بذنبى، هو ملوش ذنب، الذنب ذنبي أنا.. انا اللى سمحت لشيطانى يغوينى وحبيته"

وانفجرت ببكاء مرير، واكملت قائلة:

" هو كان عايز يبعدنى وانا رفضت "

ودفنت وجهها بين كفيها تبكى وتنوح، تشعر بقلبها يكاد يتوقف من الألم، قائلة:

" يارب انا مقدرتش، وانت اعلم بحالي وبقلبي، يارب انا مليش غيرك حلها من عندك، حتى لو هتشيله من قلبى"

بكت كما لم تبكى من قبل، وقد أدركت أن ما تترجاه من ربها بات مستحيلاً، و قد غرقت فى المحرمات وانتهى الأمر.

حى على الفلاح

حى على الفلاح

الصلاة خير من النوم.

توقفت عن البكاء، تستمع إلى صوت المؤذن يشق سكون الليل، وقد احست فى تلك اللحظة انها دعوة من ربها لها للتوبة وعدم الرضوخ لشيطانها وتماديها في ارتكاب المعصية.

                     ----------------

دعاء تحصين النفس:

اللهم إني أعوذ بك من ساعة السوء ويوم السوء وليلة السوء وصديق السوء وجار السوء واعوذ بك من ذو الوجهين و ذو اللسانين واعوذ بك من إبليس و ذريته وشياطينه وأعوذ بك الحديد والحريق والطرق وساعة الغفلة ربنا عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم اللهم إني حصنت نفسي وأهل بيتي جميعاً بالحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ودفعت عني وعنهم السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم إني أعوذ بك من بكاء يرهقني وهم بفجعني اللهم اجبر خاطري واشرح صدري أستغفرك ربي من كل الذنوب والخطايا وأتوب إليك...ربي لا تكسر لي قلبا ولا تصعب على أمرا ولا تحرمني من تعلقت به الروح واحفظ لي عائلتي واحبتي ومن أراد لي الخير)🌸

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة