روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
----
لو كان بيدى لعشت تحت قدميكى
لو كان بيدي ما كنت لاتركك ترحلي
لكنك رحلتى عنى وانقسم ظهرى
وحرمت انا من ضمتك يا أمى
-------------
استيقظت (توليب) على صرخة خرجت من أعماقها:
"النار، المزرعة بتتحرق"
انتفض قلبها يضرب اضلعها بقسوة، تتلفت بعينيها المذعورتين تبحث عن أي شيء مألوف، لكن الغرفة غريبة، والجدران بيضاء باردة.
لحظات حتى لمحت وجهًا دافئًا اقترب منها... اقتربت (وجدان) تجلس بجانبها، تمسح على رأسها كمن يحاول أن يثبت أن ابنته ما زالت على قيد الحياة:
"حمد لله على سلامتك، يا قلب أمك... خوفتيني عليكى"
نظرت (توليب) إليها بعينين ممتلئتين بالحيرة والدموع:
"أنا فين يا امى؟ وايه اللى حصل؟!"
وفجأة استعاد ذهنا الحادثة فحاولت النهوض، بأنفاسها تتلاحق، وصوت متهدج كأن الحريق ما زال يشتعل أمام عينيها:
"المزرعة! النار، المحصول كله راح"
شدتها (وجدان) نحوها، وكأنها تحتضن بقايا قلب ابنتها المتفحم:
"اهدي يا بنتي، الحمد لله إنك بخير... ولاد الحلال أنقذوكي وجابوكي على المستشفى"
شهقت (توليب) تستوعب هول الموقف:
"والأرض؟ الزرع ؟ تعب السنين ؟!"
هزت (وجدان) رأسها، والدموع تملأ عينيها، لم تستطع الكلام، فالصمت أحيانًا أقسى من كل الاعترافات.
فصرخت الاخرى، تنهض رغم وهنها:
"لازم أشوف بابا، فين يامن؟ يمكن نلحق نعمل حاجة"
أمسكتها امها بقوة لم تعهدها فيها من قبل:
"مفيش حاجة تقدرى تعمليها ياحبيبتى غير انك غايبه عن الوعى من وقت طويل وجسمك ضعيف"
دخل الطبيب في تلك اللحظة، وفي عينيه دهشة ممزوجة بالقلق، وهو يرى (توليب) التى كانت على حافة الموت، تنهض بكل عناد غير مكترثة لشئ:
"حضرتك لازم ترتاحي، ما ينفعش تقومي دلوقتي، لسه في فحوصات مهمة لازم نعملها بعد الافاقة"
صرخت (توليب) بصوت انفجر من قلبها المنكسر:
"سيبوني، انا ما ينفعش أفضل هنا لزم أمشى يا ماما لازم اكون جنبهم"
اقتربت (وجدان)، أمسكت وجهها براحتيها، وقالت ودموعها تتساقط:
"(يامن) جاي... صدقيني، هيكون هنا قريب، وهنروح سوا"
جلست (توليب) بحزن على طرف السرير، جسدها يرتجف ودموعها تتسابق على خديها، ثم همست:
"أرجوكى يا امى... لازم اكون جنب بابا"
ضمها امها لصدرها بقوة، تحاول أن تنقل لها بعض الأمان لعلها تهدأ قليلا:
"بابا كان لسه هنا يا حبيبتى بس اضطر يمشى عشان الشرطة بتحقق فى سبب الحريق... انتى لازم تهدى وتسمع كلام الدكتور عشان تقدرى تقف جنب بابا"
واضافت بلهجة ممتنة لربها ان نجى لها صغيرتها:
" قدر الله وما شاء فعل... ، اللهم لك الحمد حتى يبلغ الحمد منتهاه"
------------
في أرض محترقة برائحة الرماد...
كانت الشرطة تحقق فى سبب اندلاع الحريق بجانب الضابط المسؤول عن التحقيق كان يقف (داوود) كأنه جُرِّد من كل شيء، نظراته على بقايا الأرض، والنيران ما زالت تهمس بجمرها.
فسأل الضابط وهو يتفحص المكان:
"في حد شاكك فيه، يا حج داوود؟"
تنهد (داوود) وقد ارهقته كثرة الاسألة ورد بصوت خافت:
"والله يا(محسن) باشا...انت عارف انى مليش اعداء الحمد لله، وعمرنا ما أذينا حد وسمعتنا كويسة فى القرية"
هز (محسن) رأسه بتبجيل، وقال بتعاطف:
"أنا عارف يا حج (داوود)،بس لازم ناخد بالاعتبار كل الاحتمالات خصوصا الفترة الاخيرة"
وفجأة، علا صوت غاضب:
" لا! فيه... فيه يا(محسن) باشا مفيش غيره اللى يعمل كده"
التفت الجميع نحو (يامن)، وقد احمرت عيناه من شدة الغضب، قبضتيه مشدودتان، وصوته مشحون بالقهر:
"(مسلم)... هو اللي عملها، ما فيش غيره"
نظر إليه والده بدهشة، بينما سأل الضابط:
"متأكد؟!"
أجاب (يامن) بحسم، وصدره يعلو ويهبط:
"هو الوحيد اللي يقدر يضرب في الضهر بالشكل ده!"
-----------------
في مكان آخر...
عاد (براء) مرهقًا بعد يوم شاق، دخل شقته وكأن شيئًا يُثقل روحه، وما إن همّ بتغيير ملابسه حتى رن هاتفه فإلتقتط معطفه يتناول منه الهاتف ورد مسرعا حين علم هوية المتصل وقبل ان يتحدث سمع ما جف الدم بعروقه ليجد (علاء) يصرخ من الجهة الأخرى، صوته متوتر خائف:
"ماما تعبت يا (براء) والإسعاف جت واخدوها على المستشفى"
وقف (براء) مذهولًا، كأن الزمن توقف للحظة:
"مستشفى ازاى يعنى؟! انا لسه مكلمها من شوية...! كانت كويسة، وقالتلى هتقضى اليوم عند خالتك (حياة)"
رد (علاء )وهو يقود السيارة بجنون:
"أنا كلمتها من شوية، و(حياة) هى اللى ردت، قالت إنها تعبت فجأة واغمى عليها عشان كده طلبتها الإسعاف"
سقط الهاتف من يد (براء) ولكنه لم يكترث له، وأمسك مفاتيحه وخرج يركض، وهو يردد بصوت متهدج:
"يا رب... احميها يارب...ماةتحرمنيش منها، دي ضهري، دي حياتي كلها...انا مليش غيرها فى الدنيا يارب"
قبل ذلك بساعة
جلست (ليالى) إلى جوار (حياة)، وجهها شاحب، وأنفاسها متقطعة، وقالت بصوت متهدّج:
"مقدرش يا (حياة)… مقدرش أقول حاجة زي كده"
نظرت إليها (حياة) بقلق، تحاول أن تخرجها من صمتها القاتل:
"هتفضلي شايلة الهم فى قلبك وساكتة؟ هتتعبى صدقينى في يوم من كتر الكتمان"
أجابت (ليالى) والدموع تترقرق في عينيها:
"لازم أسكت… عشان خاطرهم"
هزت (حياة) رأسها بألم:
"انتى كده بتهدى الدنيا عليهم، مش بتحميهم"
وضعت (ليالى) يدها المرتجفة على صدرها، كأنها تحاول تهدئة نبضات موجعة وقد بدى عليها التعب الشديد، قائلة بخفوت:
"اوعديني يا (حياة)… ما تتكلميش في الموضوع ده، أرجوكي، انسيه"
وقبل أن ترد (حياة)، بدأت أنفاس (ليالى) تزداد اضطرابًا، عيناها تتسعان، وشفتيها ابيضاتان، وتمتمت بصوت متقطع:
"أنا تعبانة… هاتيلي ولادي… عايزة أشوفهم..."
لكنها لم تكمل... فانقطعت أنفاسها وجحظت عيناها وفجأة هوى جسدها ارضا،
فإندفعت إليها (حياة) وهى تصرخ برعب، تهزها بقوة:
"ليالى، مالك؟ فيكى ايه؟"
ثم ركضت إلى الهاتف بيد مرتعشة واتصلت بالإسعاف، في نفس اللحظة رن هاتف (ليالى) فأجابت (حياة) مرتعشة الصوت:
"الحقني يا (علاء)... (ليالى) تعبانة أوي وأغمي عليها"
استمعت له ثوانٍ ثم ردت باكية:
"طلبتها يا ابني… وجاية في الطريق"
قال (علاء) بأعصاب مشدودة:
"أنا هكلم (براء) وبابا وهاجيلك على المستشفى"
جلست تبكي بجوار اختها تقبل جبينها البارد، وهمست بدموع حارقة:
"ما تسبنيش يا (ليالى)... ده انتى سندى وعزوتى ، انتي كل أهلي"
---------------
بعد خروج (توليب) من المستشفى.....
عادوا للمنزل مثقلين بالحزن، الكل انسحب إلى غرفته بصمت مكسور.
أما (توليب) فشعرت بثقل الذنب يسحق صدرها، فتوجهت إلى غرفة والدها.
اقتربت بخطى مرتجفة وهمست بصوت مخنوق:
"انت كويس؟"
نظر إليها مطولًا، ثم أومأ برأسه لم تحتملان تراه هكذا، فإندفعت اليه تبكي:
"أنا آسفة يا بابا… كل ده بسببي"
رفع عينيه بسرعة، يحتضن نظرتها المنكسرة:
"ما تقوليش كده، انتي مالكش ذنب يا بنتي"
ثم فتح ذراعيه، فارتمت عليه باكية كطفلة خائفة:
"(مسلم) هو اللي حرق المزرعة… إزاي ماليش ذنب؟"
ربت على رأسها:
"الشرطة لسه بتحقق، وحتى لو كان هو… فده مش بسببك ده إنسان ما يعرفش ربنا لا عنده دين ولا ضمير"
حاول التخفيف عنها بابتسامة باهتة:
"أكتر واحد في الدنيا اسمه مش على مسمّاه"
ضمته كأنها تحتمي من نار تأكل قلبها:
"هنعمل إيه في المحاصيل اللي راحت؟"
شرد بعينيه كأنه يرى الرماد أمامه:
"مش عارف يا (توليب)… بس ربنا ما بينساش حد، وهتتحل إن شاء الله"
------------
في غرفة (يامن)....
جلست بجانبه على السرير بهدوء، كأن وجودها بقربه هو اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تواسيه بها.
وسألته بصوت خافت:
"انت كويس؟"
لم يجب فصعدت وجلست خلفه، وبدأت تدلّك عنقه برفق، علّ لمستها تخفف بعضًا من توتره وصمته الثقيل تسأل:
"الخسارة كبيرة؟"
شعرت (بيان) عضلاته ترتخى اخيرًا تحت يديها الصغيرة بينما هز (يامن) رأسه هزة خفيفة، والأنين يملأ عينيه، ضرب الألم قلبها لرؤيته فى تلك الحالة التى لم تتحملها فعانقته من الخلف، هامسة بلهجة مطمئنة :
"إن شاء الله هتلاقوا حل"
رد أخيرًا، يتحسس ذراعيها كمن يغرق:
"اتمنى من الله اننا فعلا نلاقى حل… لأن الأرض اتحرقت، والمحصول راح، وكان المفروض نسلمه نهاية الشهر للسيد (حسين)"
دارات (بيان) وجلست أمامه، تمسكت وجهه بحنان:
"أكيد السيد (حسين الطبلاوي) هيقدّر اللي حصل، ده عشرة عمر مع عمي (داوود)"
ضمها اليه وهو يستلقى على الفراش، يحمل أثقال العالم على صدره:
"يااارب…أنا عايز أنام… نيميني يا حياة القلب، يمكن أصحى ألاقيه كابوس"
رَبّتت على ظهره كأم تُهدئ طفلًا موجوعًا:
"اوعى تيأس يا حبيبي… فإن مع العسر يسراً"
------------
في المستشفى…
ركض (براء) ووجهه مذعور، إلى غرفة والدته، ليجد (حياة)و(علاء) باكيين.
اقترب، وعيناه لا تفارقان وجه أمه.
فور أن تلاقت الأعين، صرخ بقلب منفطر:
"أمييييي!"
فتحت (ليالى) عينيها بصعوبة، وابتسمت بضعف:
"الحمدلله… خفت أموت قبل.. ما أشوفك.. "
أمسك يدها، قبلها باكيًا:
"ما تقوليش كده يا أمي، هتقومى بالسلامة إن شاء الله"
رفعت يدها، تُبعد جهاز التنفس بصعوبة:
"اسمعني يا ابني… العمر خلاص"
قاطعها هاتفا بذعر:
"بعيد الشر عنك يا أمي"
قالت وهي تقاوم غفوة الموت:
"ما تعاندش أبوك… وسامحه مهما عمل...خلي بالك من (علاء) متسبهوش لأبوه… أخوك أمانة في رقبتك"
انتحب ودفن وجهه في يدها:
"أخويا في عيني يا أمي… اطمني"
تمتمت بصعوبة:
"راضية عنك يا نور عيني… وربنا يشهد"
طال الصمت حتى تمكنت من التحدث مرة أخرى، بينما نشيج بكاء كلا من (حياة) و(علاء) يملأ الغرفة و بعد لحظة، قالت بصوتٍ مكسور:
"قول لأبوك… إني مسامحه… كان نفسي أقولها له بنفسي… بس ربنا ما أرادش"
صرخ (براء) بإنهيار:
"ما تسبنيش يا أمي… أنتي دنيتي كلها"
وفجأة، سحبت نفساً أخيراً وغامت عيناها وارتفع صوت الأجهزة يعلن النهاية…تجمد للحظة يمسح دموعه عاجز عن تصديق ما تراه عينيه فهزها برفق:
" امى... امى ردى عليا... افتح عينك واسمعينى... فى كلام كتير لسه مقلتهوش"
وخرجت صرخة من أعماق قلبه مزقت قلب خالته واخيه:
" امممممممى.... "
بعدها لا يعرف ما الذي حدث فقد اكتظت الغرفة بالممرضين والطبيب يحاول افاقتها، و(حياة) تضع يديها على فمها تصرخ بإسمها…
و(علاء) يضُمه ويدفن رأسه في كتفه يبكي بحرقة:
"خلاص ماتت يا (براء)… الحاجة الحلوة اللي في حياتنا راحت"
وقف (براء)مذهولًا، لا يصدق…يشعر وكأنه مغيب والطبيب يعلن عن وقت الوفاة حينها اقترب منها، دموعه تحجب عنه الرؤية ومال عليها وقبل جبينها ، يشتم رائحتها يتمنى لو يتمكن من الاحتفاظ بها فى أعماق روحه همس بصوت مهزوز باكى:
"استودعت روحك لخالقها… في أمان الله يا أمي"
-----------------
اللهم ارزقني قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة
اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون
لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين.
انتظروا القادم
بقلم: أسماء صالح
Asmaa saleh