الفصل الثالث والثلاثون

الفصل الثالث والثلاثون

16 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

-------

جئت أروى قصة عشقى واشواقى

أنا من تهت عشقا فى بحور عيناكى

أنا المتيم ببسمة شفاكى

كم رغبت أن أكون نجمة بسماكى

لانير لكى عتمة الافاقى

يا من أحببتها سراً وعشقتها جهراً وابت عيناى أن تنساكى

أنت التى آسرت قلبى برؤياكى

ماذا أقول فى حبك وأنا الغارق حتى الاعماقى؟!

فأنت دواء للنفس والنفس تهواكى❤️

-----------

" ما به يضحك اليوم على غير عادته هكذا؟!"

فكرت (مريم) وهى تبدل لأطفالها ملابسهم لينقلهم أبيهم إلى المدرسة فى طريقه قبل الذهاب إلى الشركة، لكن عينيها كانت تركزان عليه وهو يتحدث عبر الهاتف، تستمع إلى ضحكته العالية التى لم تسمعها منذ ما يقارب الشهر، بل لم تر حتى ابتسامته، لذا تعجبت من مزاجه الرائق هذا!!!

" آااه... براحة يا ماما "

انتبهت (مريم) إلى أنها تعاملت بعنف رغما عنها مع (عليا) ابنتها بسبب غيظها من ذاك الذى لا يزال يضحك وكأن شيئاً لم يكن.

أقتربت (مريم) تقبل وجنة ابنتها الناعمة، ثم قالت مدللة:

" سورى يا حبيبة مامى"

وداعبت (على) الذى اهداها إحدى ابتساماته الشقية، ثم تحركت صوب المطبخ لتحضير طعام أطفالها، وبينما تفعل ذلك، شعرت بذراعيه تحتضنانها من الخلف، وهمسه قرب اذنها:

" أيه اللى معصب مريومتى كده على الصبح؟!"

ردّت بهدوء دون أن تظهر تأثرها به:

" الأولاد تعبونى شوية"

ثم نظرت إلى وجهه القريب المسند على كتفها وقالت:

" غريبة... يعنى شايفاك مبسوط و بتضحك"

طبع قبلة رقيقة على عنقها وقال مستغرباً:

" وايه الغريب فى كده؟!"

ردت بانفعال:

" الغريب أنك من يوم وفاة اونكل (بهاء) وانت متغير، حتى كلامك معايا بقى قليل او معدوم اصلا "

تنهد (ثامر) وهو يعلم جيداً انه كان مقصرا فى حقها وحق توأميه فى الفترة الماضية، ولكن دون تعمد، فصدمته بمعرفة الحقيقة لم تكن أقل من صدمه صديقه، كما أنه كان شديد الإشفاق عليه، وهو مكبل لا يعرف كيف يهون عليه مصابه، وها قد علم من (علاء) منذ قليل بذهابه إلى القرية من أجل حبيبته، وحينها فقط شعر بالراحة تجاهه و اطمأن قلبه أن صديقه سيتخطى كل الصعاب، ويعود (براء) الذى عهدوه دائماً.

شدد من ضمها إليه قائلاً بخفوت:

" حقك عليا.. انا عارف انى قصرت معاكم بس غصب عنى"

استدارت (مريم) لتواجهه، وضعت يدها على صدره تدلكه بلطف قائلة:

" لو اعرف بس ايه اللى مضايقك! طول عمرك بتحكيلى كل حاجة، ليه المرة دي مش عايز تتكلم؟!"

رد وهو يرفع كفه ليضعه فوق كفها الصغير:

" الموضوع كان صعب أنى اتكلم فيه يا حبيبى، ومكنتش عارف الدنيا هترسى على ايه"

ابتسمت بحنين لتلك الكلمة:

" حبيبى ؟!"

طبع قبلة على باطن يدها هامسًا بإغواء:

" حبيبى اللى وحشنى كمان"

هاجمتها موجه البهجة وهى تستمع إلى كلماته تلك، بينما قال (ثامر) وهو ينظر إلى شفتيها:

" لولا أن (براء) مش موجود فى الشركه النهاردة، أنا كنت اخدت اجازة"

وأضاف مقترباً من شفتيها:

" عشان اعرف اصالح مريومتى على راحتى وعلى اقل من مهلى"

ضحكت بدلال وقد اهتز قلبها داخل صدرها تأثرا به....

" بتعملوا ايه ؟!"

قالها (على) الذى دخل عليهم المطبخ، فأجفل (ثامر) مبتعداً وهو يقول بحسرة ضاحكاً، جاذباً ابنه من ملابسه بمرح:

" وهو أنت كده على طول مفرق الجماعات"

ضحكت (مريم) عالياً وهى تضع الطعام فى حقائب توأميها:

" خد أولادك ويلا بسرعة عشان ما تتأخروش"

غمز (ثامر) وهو يحمل كلاً من (على) و(عليا) وهمّ بالمغادرة قائلاً:

" للحديث بقية"

---------------

"حلالك...!؟"

قالتها (توليب) بدهشة بالغة، ثم أضافت بكلمات متقطعة عندما رأته يومئ برأسه وعلى شفتيه تلك الابتسامة:

" حلالك إزاي يعنى ؟!....انت بتقول ايه ؟!...."

ثم أقتربت منه تضع يدها على جبينه وقالت:

" (براء)، انت سخن؟!....ولا وقعت على دماغك!؟"

أطبق (براء) على كفها وقربه من فمه ليطبع قبلة رقيقه علي باطنه، فأسرت قشعريرة لذيذة بسائر جسدها، ثم رفع إليها عينيه الخضراوين، تلك الواحة الخضراء التي تهرب فيها من العالم، وقال بصوت أجش:

" فى حاجات كتير حصلت في الفترة اللى بعدتي فيها يا وردتي"

ثم جذبها لتجلس بجانبه قائلاً بخفوت:

" بس قبل ما أقولك على اي حاجه، لازم تعرفي اني مش انا اللى حرقت المزرعه ولا...ولا ساعدت الحاج عشان يحرق المزرعة"

خرج صوته متحشرجا وهو يضيف:

" أنا عمرى ما أفكر أذيكى، أو أذى أى حد ليه علاقة بيكى يا (توليب)... أنا أصلا تفاجأت بجوازه منك"

نكست (توليب) رأسها قائلة بندم:

" عارفة... و أسفة إنى فكرت فيك بالشكل ده، بس كان غصب عنى، اليوم ده كان صعب عليا أوى، من جهة كلام (مسلم) ومن جهة الفيديوهات، فربطت الدنيا كلها ببعض، لكن لما قعدت وفكرت عرفت... انى ظلمتك"

تنهد براحة وقال:

" ما تتأسفيش يا وردتى"

ثم مال يقبل يدها التى لا تزال بين يديه، وأضاف:

" أنا اللى بعتذرلك على كل حاجة حصلتلك بسببى... وأولهم جوازك من الحج، الله يرحمه"

رفعت إليه مقلتين دامعتين، وبصوت خافت قالت:

" وانت ذنبك ايه؟!"

" ذنبى أنى كل حاجة مريتي بيها كانت انتقام منى... فيكى انتى..."

أصابها التشوش، فمسحت دموعها بظهر يدها محاولة التركيز فيما يقول، ثم سألت:

" أنت بتقول ايه يا (براء)؟!.. انا مش فاهمة حاجة؟!"

تحدث (براء) وطال بينهم الحديث، ملغما بإعترفاته وحقائقه المخزية، حتى أنهم نسوا أين هم وانه لا يزال بغرفة نومها، إنتابها الذهول وكل اعتراف أستمعت إليه ضربها فى مقتل وجعا من أجله هو... قلبها يأن لآلامه، وفجأة لم تتحمل الاستماع للمزيد فإنفجرت فى البكاء، تدفن وجهها بين كفيها تشعر بقلبها يتمزق داخل صدرها، فإنتفض (براء) يجثو أمامها يقول، وقد ارتعش قلبه وهو يبعد كفيها عن وجهها:

" متصعبهاش عليا يا (توليب).... ارجوكى متعيطيش"

نظرت إلى وجهه القريب وهو يمسح دمعها، بحنان وقالت بقهر:

" ليه ظلمنا بالشكل ده؟!.. ليه كان ايه ذنبنا؟!"

ابتلع غصة مريرة مردفا بخفوت:

" ذنبى إنى ابن (غالى)... و ذنبك إنى حبيتك "

وفجأة، فزع الاثنان بإدراك متأخر حين فتح الباب، ودخلت منه (بيان) قائلة بإستنكار، قبل أن تمط كلماتها مصدومة:

" أنتى لسه ناا..ي..م..ة"

--------------

وقف (يامن) يتطلع إلى والده الشارد، الذي كان يتابع حركة العمال في الحقول، وتلك الابتسامه على وجهه أبهجت قلبه بعد شهور عجاف لم يرَ والده بتلك الراحة، وتلك السعادة التي ترسمها ملامحه الآن.

أقترب منه، ووقف بجانبه قائلاً بعد أن طبع قبلة على كتفه بمحبة:

" ايه اللى شاغل تفكيرك يا حج؟"

التفت (داوود) ينظر لبكريه بعيون تشع فرحاً، من جهة اقتراب عوده الأرض إلى سابق عهدها، ومن جهة عودة ابنته أيضاً إلى سابق عهدها، وكأن عودتها مرتبطة بعودة الأرض نفسها، قال بانشراح صدر:

" بفكر في نعم ربنا عليا وكرمه في رجوع الأرض"

غمغم (يامن) بامتنان:

" الحمد لله... دائما وأبداً"

وبعد قليل من الصمت، قال (داوود) بإعجاب واضح:

" قد ايه احترمت (براء) بعد موقف النهاردة... وتصميمه علي أنه يرجع حق (توليب)"

قال (يامن) بإعجاب لا يقل عن أبيه:

" أنا اتعاملت معاه قبل كده وحسيت قد إيه هو مختلف عن أبوة خالص"

ثم ضحك ساخراً:

" سبحان الله، صحيح... يخلق من ضهر العالم فاسد"

أومأ (داوود) برأسه قائلاً:

" فعلا يا ابني هو غير أبوة تماما...حتي سبحان الله، وشه في القبول غير (بهاء) خالص"

حوقل (داوود) بضيق ثم أضاف:

" غير السيرة بقي....الراجل بين إيدين ربنا"

وبعدها دار بينهما حديث عن العمل وزراعة الأراضي والمحاصيل، لكن ذهن (يامن) كان مشغولاً ب(براء) متحسرا، فلو كان يجوز لشقيقته، لما تمني لها زوجا غيره، فهو رأي كم هي عاشقه له، وأيضاً رأي كم يعشقها هو، ولاحت ابتسامة علي شفتيه وهو يتذكر زله لسانه حين كاد ينطق بلفظها التدليلي ....

' يا رباه، اربت على قلوبهم، وامنحهم الصبر والقوة على نسيان تلك المشاعر، واخلف عليهم بما يرضيك'

هكذا دعا (يامن) من قلبه، فهو حقا أحب ذاك (البراء).

-----------------

" ايه دا؟!....هو ايه اللي بيحصل؟!....أنت دخلت هنا ازاي؟!"

كلمات نطقت بها (بيان) وهي تطالعهم بعينين جاحظتين من الدهشة، وهي تري كلاً منهما قد استقام، أحدهما ينظر إليها بارتباك، والآخر بعينين ممتلئتين بالتسلية، نطق الإثنان في صوت واحد بكل بساطة، مجيبين على آخر سؤال لها:

" من البلكونه"

رفعت (بيان) حاجبها قائلة باستهجان:

" لا والله؟!....ايه البساطة دي!؟"

أما (توليب) فقد وقفت أمام (براء) وكأنها تحميه دون إرادة منها، وقالت بارتباك:

" هو بس كان عايز يتكلم معايا في موضوع مهم"

ثم دفعت (براء) باتجاه الشرفه وهي تقول بسرعة:

" وهو كان ماشي دلوقتى حالاً"

لكن (براء) لم يتحرك قيد أنملة، وانفرجت أساريره وهو يري حركة الحماية تلك، ثم نطق بثبات مبتسماً:

" بس انا لسه مخلصتش كلامي"

أطبقت (توليب) على شفتيها بغيظ، محاولة دفعه مجدداً، بينما هو يطالعها بنظرات متسلية، وقد بدت أمامه في تلك اللحظة صغيرة بقامتها التي تكاد تصل إلى كتفه، فراودته رغبة بحملها ليجعلها في مستوى نظراته، لكنه كبح تلك الرغبه، مشبكاً يديه خلف ظهره، وقال موجهاً حديثه إلى (بيان) التي سمرت عند الباب تنقل عينيها بينهم، و علي ما يبدو أنها لا زالت تحت تأثير الصدمة، فقال بمسكنه مشيراً إلى (توليب):

" يرضيكي امشي من غير ما اكمل كلامي...."

راحت ابتسامه خفيفة تزين شفتي (بيان) وهي تري عناده وجرأته، لكنها أغلقت الباب واستوعبت أبعاد الموقف، ثم قالت بوجيب قلب متوتر، وبالرغم من ذلك خرج صوتها بمزاح:

" يرضيك انت اللى هيحصل فينا لو حد شافك هنا؟!"

فى حين زفرت (توليب) باستسلام، قائلة وهي تنهت بعد محاولتها الفاشلة فى دفعه:

" قوليله....."

ثم عقدت ذراعيها تحت صدرها، وقالت بتوتر، فوجوده قربها في حد ذاته مربك:

" مش هيطلع علينا النهار احنا الثلاثة"

اخترق صوت ضحكته الرجوليه وجدانها، فاستمعت إليه يقول رافعاً كتفيه مدعياً البراءة بمزاح:

" انتي السبب....انا ماليش ذنب، وهيكون ذنبي في رقبتك"

قالت (بيان) وقد وصلت أوج توترها:

" (يامن)...زمانه على وصول"

بينما قالت (توليب) ترتجي منه:

" (براء) انت لازم تمشي.....(يامن) لو شافك الدنيا هتتقلب"

استعاد (براء) حس المنطق، وقال وهو يحدقها بإعجاب رجولى رغما عنه:

" أنا همشي يا وردتي...وهتصل بيكي أول ما أنزل تردي عليا"

أومأت (توليب) برأسها تدفعه بتعجل قائلة:

" حاضر.....بس امشي انت بس دلوقتي"

بينما رددت (بيان) بتعجب:

" وردتي!!!!....عادي كده قدامي!؟"

فضحك موزعا نظراته بينها وبين (توليب) يستجيب لدفعها له قائلاً بثقة:

" طبعا وردتي...اومال وردة مين!؟"

ثم نطق بما زلزل كيانها، وافقدها صوابها، فقال وهو ينظر مباشره إلى عينيها، وعلى شفتيه ابتسامه اذابت أعصابها:

" وردتي... وحبيبتي....وهتبقي مراتي قريب"

ثم غمزاً بعينيه قائلاً وهو يقف عند النافذة:

" قريب جداً "

---------------

دلف (علاء) إلى مكتبه وهو يشعر بسلام داخلي وبهجة اجتاحت قلبه منذ الليله الماضيه، بعد مواجهته مع شقيقه، ومن ثم ذهاب أخيه إلى مالكة قلبه للحصول عليها.

اقترب من (نوران) التي كانت منشغلة بطباعة بعض الملفات، تصب كامل تركيزها علي الطابعة، مال بجانب أذنها، ثم همس بصوته الرجولي الأجش:

" يا صباح النواعم"

اجفلت (نوران) وارتدت إلى الخلف حتي كادت أن ترتطم بوجهه القريب، لولا أنه أبتعد في اللحظة المناسبة، فشهقت قائلة:

" خضتني يا (علاء)"

تجولت عيناه على وجهها الطفولي بتمعن، قبل أن يبتسم بشغف قائلاً:

" سلامتك من الخضة، يا قلب (علاء)"

ثم عقد حاجبيه بتمثيل متقن للتذمر، وقال وهو يلوح بيديه مازحاً:

" (علاء)... كده من غير ألقاب... الله يرحم لما كنت بتحايل عشان اسمعها"

ثم ضرب كفاً بكف وهو يهز رأسه مدعياً الاستياء:

" راحت فين (علاء) بيه؟!"

ابتسمت (نوران) بمكر، ثم وضعت يديها على خصرها وناظرته بمرح، قبل أن ترد بنبرة مازحة:

" اعذرني يا (علاء) بيه...آخر مرة مش هتتكرر"

ولكنه فاجأها بإمساك يدها، ثم رفعها برقة ليطبع قبلة خفيفة على ظهرها، قائلاً بصوت يحمل بؤساً مفتعلاً وهو يومئ برأسه كطفل صغير:

" لا أرجوكي..... كرريها عادي...ده أنا شبت عشان اسمعها منك"

ضحكت (نوران) بخجل، قبل أن تهمس بصوت رقيق، مشددة على اسمه كأنها تدلله:

" صباح الخير يا (علاء)"

لم يمهلها لحظة قبل أن يفاجئها باقترابه الخاطف، ليطبع قبلة سريعة على وجنتها، ثم همس بحرارة قرب أذنها:

" أحلي (علاء) سمعتها وداني، اقسم بالله"

اتسعت عيناها فى صدمة، ورفعت يدها لتضعها على خدها الذي اشتعل خجلاً، بينما راقبها (علاء) بحب، ثم قال بشوق وهو يتأملها ملياً:

" وحشتيني يا (نوري)"

اسبلت جفنيها فى ارتباك دون أن ترد، فهتف بقله صبر:

" أنا خلاص فاض بيا"

ثم أضاف وهو يميل بجانبه ينظر إلى عينيها هامسا:

" أنا مش هستني خطوبة، أول ما (براء) يرجع لازم اكتب عليكي"

ثم جذبها نحوه بحركة خاطفة، واضعاً كفه على خصرها، وهمس بإغواء خطف أنفاسها:

" يبقي كتب ....كتاب ودخله"

شهقت بصدمة وهمست متلعثمة:

" (علاء)!!"

ضحك وهو ينظر إلى عينيها المذهولتين، قبل أن يرد بنبرة ملؤها الدفء والعشق:

" ( علاء)....ايه بس...جننتي (علاء) والله"

فضربت على صدره بخفة وهي تشيح بوجهها، لكنه أمسك يدها مجدداً، وقربها من قلبه، ثم همس بصوت خافت، أنفاسه تلفح وجنتيها المحمرة:

" بحبك"

----------------

نظرت (توليب) إلى هاتفها الذي يرن بين يديها، ما زال قلبها يخفق بصخب بعد مغادرته، وعيونها تحدق في الاسم ((برائي)) الذي أضاء الشاشة بذهول وهيام، لا تكاد تصدق ما سمعته منه منذ لحظات.

تريه الهاتف (لبيان) التى لم تستوعب أى شئ مما قاله، فقالت وقد شعرت بالدوار تمسك بطنها:

" فهمينى الأول قبل ما تردى عليه، اللى هو قاله ده يعنى ايه؟! هتبقى مراته! انتو اتجننتوا ؟! ولا هو شارب حاجة ومش فى وعيه؟!"

ابتسمت (توليب) بسعادة لم تستطع إخفاءها، واتجهت صوب الشرفة، تشعر أن قلبها سيتوقف من شدة الفرح، قبل أن تهمس بعيون تلمع بدموع الفرحة:

" مش ابنه يا (بيان)....(بهاء) مش ابوه"

زمجرت (بيان) بغيظ وهى ترى (توليب) ترفع الهاتف إلى أذنها، وقالت وهى تمسد على بروز بطنها تغادر الغرفة:

" أنا هنزل قبل ما اتجنن منكم واولد قبل اوانى"

أما (توليب)، فتعالت أنفاسها وهي تستمع إلى صوته الذي أتاها دافئاً محملاً بالشوق، ما إن أجابت على المكالمة:

" وحشتينى "

تجولت عيناها في المكان بحثاً عنه، حتى رأته يقف في بقعة قريبة، يسند ظهره إلى سيارته، يراقبها وهي تقف في الشرفة. تنحنحت محاولة جلاء صوتها، قبل أن تسأله:

" عايز تقولى ايه ؟"

ابتسم وهو يرفع رأسه ناظراً إليها مباشرة، وقال بصوت عميق، محمل بالصدق:

" بحبك ❤️"

يا الله...أربعة أحرف فقط جعلتها تحلق فوق غيمة وردية، شعرت بالخدر يسري فى أوصالها، و أغمضت عينيها للحظة، وكان الكلمة اخترقت صدرها وكأنها سهماً نارياً وحفرت على جدار قلبها.

ناظرها من ذاك البعد، وهو يسند بظهره إلى جانب سيارته، ثم تابع بصوت يحمل دفء السنين التي قضاها في حبها:

" بحبك يا وردتى... وعمرى ما حبيت غيرك، من يوم ما وقعت عينى عليكى، وأنا متمنتش حاجة فى الدنيا غير إنك تبقى ليا"

ساد بينهما الصمت، إلا من صوت أنفاسهم العالية، فحاولت (توليب) تنظيم أنفاسها التي كادت تخونها أمام سيل مشاعرها الجارف، فتماسكت بصعوبة، وسألته بصوت مرتعش تحت تأثير ما تشعر به:

" ايه اللى منعك من اعترافك ليا؟ زى ما قلت ( لثامر )فى الفيديو "

اطلق (براء) نفساً محبطاً، قبل أن يجيب بندم واضح:

" عشان غبى... وصدقت اللعبة اللى لعبها عليا (مسلم)"

شعرت بقلبها ينقبض، فسألته بقلق:

" لعبة ايه ؟!"

مرر يده بين شعره بانفعال، وقال بأسى:

"حاول يقنعنى أن فى علاقة بينكم وإنك بتحبيه، ولما مصدقتش خلانى اشوفك معاه، لما حضنك وباسك على خدك، وأنا زى الغبى مشيت اول ما شوفت كده و... "

قطعت جملته شهقة (توليب) وهي تضع يدها على فمها بصدمة، قبل أن تهتف مستنكرة:

" بس هو محضنيش...انا ضربته بالقلم اما باسنى"

تنهد (براء) هاتفا:

" عشان كده بقولك غبى، مقدرتش اشوف حاجة بعدها وهربت، وبعدها سبت القرية كلها عشان مشفكيش معاه، ولما عرفت الحقيقة وقررت اتقدملك، ابو... "

توقف لثانية، قبل أن يبتلع ريقه ويكمل بصوت مختنق:

" قصدى الحج (بهاء) منعني وهددنى انه هيأذيكى لو فكرت اتقدملك"

أشفقت عليه، وعلى ما مر به، لم تكن وحدها من تحطم مستقبلها بسبب تلك الزيجة، فسألت:

" طب انت ازاى كنت موجود يوم الحريق ؟"

اهتز صوته وهو يستعيد ذكرى تلك الليلة:

" أنا كنت متعود آجى القرية كل اخر اسبوع عشان اشوفك واملى عينى منك، كنت بصبر نفسى بحرمانى منك، بس يومها مكنش اخر الاسبوع كنتى وحشانى اوى، فقررت اسافر ولحد النهاردة انا بحمد ربنا انى سافرت فى اليوم ده"

مسحت دمعة انحدرت على وجنتها، لا تدري متى تسللت، واستمتعت إليه يقول بصوت متهدج، يكاد يبكي لمجرد تخيّل فقدانها:

" كان عندى استعداد أضحى بحياتى عشان اطلعك من الحريق"

ثم حاول تلطيف الأجواء بمزاح خفيف، فقال مبتسماً:

" وبعدين انتى عرفتى ازاى انه انا؟... انتى كنتي شبه مغمى عليكى؟!"

تأملت وقفته تلك، وبقلب يكاد يشق صدرها ويركض إليه، همست بابتسامة دافئة:

" ودنى سمعت كل كلمة قولتها، وعقلى احتفظ بصوتك وكنت على طول بتزورنى فى أحلامى، بس من غير ما اشوف ملامحك لحد ما.. "

صمتت، تبعد شعرها خلف اذنها، فسأل:

" لحد ما ايه ؟!"

رفعت نظرها إليه، ثم همست بصوت خجول، مرتجف:

" لحد ما دق قلبى ليك، وبقيت ساكن أحلامى بكل تفاصيل ملامحك"

همس بصوت متحشرج، وكأنه يخشى أن يكون ما يسمعه حلماً:

" وامتى دق قلبك؟!"

تلون وجهها بحمرة الخجل، وساد صمت قصير، قبل أن تقطعه بتنهيدة أحرقت جوفه شوقاً:

" أنا مش عارفة امتى؟! ولا ليه؟! بس كل اللى اقدر اقوله ليك"

وبصوت خافت مرتجف:

" أن قلبى حبك فوق كل المحبين حبا، وأن حبك بيجرى فى شراييني مجرى الدم"

اعتدل (براء) فى وقفته وقد توقف قلبه للحظة، وهو يستمع إليها، فسألها بأنفاس متقطعة، بالكاد تصدر منه:

" أنتى قلتى ايه؟!"

تخلّت عن خجلها، فقد فاض قلبها بحبه حتى لم يعد هناك مجال للإخفاء، فابتسمت وسط دموعها، وهمست بكل ما تملك من عشق:

" بحبك يا برائي❤️"

هوى جسده على السياره خلفه، وهو يردد الكلمة بسعادة غامرة، كأنه لا يصدق:

" برائي "

ثم استقام فجأة، وقلبه يقفز بين ضلوعه حماسة، وقال وهو يتحرك بعجلة:

" أنا رايح اطلبك من ابوكى دلوقتى، ويحصل اللى يحصل"

------------------

" خير يا ابني؟ إيه اللى رجعكم بدري كده؟"

قالتها (وجدان) بقلق وهي تخرج من المطبخ عندما سمعت أصواتهم بالخارج، بينما (بيان) استقامت واقفة وهي تمسك ببطنها، تشعر بالذعر وهي تري ملامح (يامن) الغامضة ووجه (داوود) المكفهر، فقالت محدثه نفسها، بخوف واضح في عينيها:

" يا ستار يا رب....هما شافوه وهو نازل من البلكونه ولا ايه ؟!"

فى حين تحدث (يامن) بغضب وهو يجوب المكان بعصبية:

" ليه يا حج ما سبتنيش أتعامل معاه؟!"

قال (داوود) وهو يجلس بلهجة حاول أن يجعلها هادئة:

" ولما تتعامل معاه هنستفيد ايه؟!"

ثم أكمل وهو يضرب علي ذراع المقعد والغضب يتملكه رغماً عنه:

" مش هنستفيد غير فرجه الناس علينا، ونسمعهم كلامه وهو بيعيب فينا"

أقتربت (وجدان) متوجسة وسألت:

" ما تفهموني ايه اللى حصل ؟!....ومين اللى عاب فينا؟!"

لكنها لم تجد رداً، بل انفجر (يامن) فى عصبية وهو يمسح على وجهه هاتفا:

" وأحنا نعمل حساب للناس ليه؟!....الكل عارف هو مين وعارفين قلة أدبه و زفارة لسانه، يبقي ناخد حقنا عشان ما يكررهاش"

فى الاعلي، استمعت (توليب) إلى أصواتهم العاليه، فإرتبكت قليلاً، وسألت نفسها:

" هو (براء) عملها وكلم بابا ولا ايه؟!"

ثم قالت وهي تغادر الغرفة:

" طب وحتي لو كلمه، إيه اللي يخليهم يغضبوا بالشكل ده؟!"

ولكنها حين وصلت إلى الدرج، أستمعت إلى (بيان) تحاول تهدئة ثورة (يامن) قائلة:

" أهدي يا (يامن)، مش معقول كل حاجه تاخدها على اعصابك بالشكل ده"

بينما صاحت (وجدان) وقد نفد صبرها:

" ما تتكلم يا (داوود)...ايه اللى حصل؟ وابنك يقصد ايه؟!"

أظلمت ملامح (داوود) ورد عليها:

" (مسلم)....جه وطلب (توليب) النهاردة...."

قاطعه (يامن) باستهجان:

" طلبها!...يا ريته طلبها...ده جاي بكل بجاحه يطالب بيها، كأنها حق مكتسب، ولما قلته أن هو مرفوض من البداية اصلا، قال إنه أولي حد بيها، وأنها عمرها ما هتلاقي حد يرضي بيها، وكأنها معيوبه، وأن موافقتها أمر مفروغ منه"

تسمرت (توليب) أسفل الدرج، تضع يدها على فمها وهي تستمع إلى تلك الكلمات المسمومة، بينما شق صوت شهقة (وجدان) أرجاء المكان وهي تردد، ضاربه على صدرها:

" معيوبه!!!"

قال (داوود) بحسرة، دون أن يدرك أن ابنته تستمع إلى حديثة:

" إزاي عايز تاخد حقك منه؟! وهو مغلطش لما بدأ كلامه وقال: زي ما بعناها للأسوأ منه، إيه المانع إننا نبعها له؟! مش هي دي الحقيقه!؟... أنا بعت بنتي الوحيدة وقبضت تمنها..."

هرولت (توليب) تلقي بنفسها في أحضان والدها، قائلة بقهر من كسرته:

" ما تقولش كده يا بابا..."

ضمها (داوود) إليه بحماية وهو يمسح على شعرها قائلاً:

" أنا عمري ما هسمح لحد يبيع ويشتري فيكي تاني، ولو هتعيشي عمرك كله جنبي انا قابل"

رفعت (توليب) يده إلى فمها وقبلتها، ثم قالت بمرح لتلطيف الجو الذي تعكر بذكر ذلك العكر (مسلم):

" يا حج، هو أنا أطول أعيش جنبك عمري كله؟!... ده حتي لما أتجوز ناويه أقعد جنبك هنا"

انشرح قلب(وجدان) لطمأنينتها أن صغيرتها لم تعد رافضة لفكرة الزواج، وقالت وهي ترفع يديها داعية لها:

" ربنا يبعتلك ابن الحلال اللي يصونك ويعوضك خير يا قلب أمك"

بينما قال (يامن) بتوعد، بصوت خفيض لم يصل إلى (بيان):

" وديني ما هسيبه ولا هعدي اللى حصل النهاردة على خير... لازم يعرف إنها مش لقمة سهلة، حتي لو معيبوبة زي ما بيقول"

تعلقت (بيان) بذراع زوجها وقالت بخوف:

" ناوي على ايه بس؟!"

" هعرفه مقامه ايه؟!"

" إحنا مش حمل كلام تاني علينا يا (يامن) إحنا ما صدقنا الناس بطلت تتكلم علينا.....حتي عشان خاطر (توليب)، عشان ما تسمعش من حد اللى يجرحها"

وقبل أن يرد، سمع الجميع صوت جرس الباب، تحرك (يامن) بتحفز صوب الباب، ولسان حاله يقول:

" ياريت يكون (مسلم)"

وفرك يديه بتسلية وهو يقول قبل أن يفتح الباب:

" ده يبقي جه لقضاه"

ولكن لم يكن الطارق (مسلم) بل كان (براء)، فضيق (يامن) عينيه وقال بريبة:

" (براء )؟!! "

تنحنح الآخر وهو يحك أرنبه أنفه بارتباك واضح، قائلاً:

" كنت عايز عمي (داوود) في موضوع مهم..."

ردد (يامن) متعجباً:

" عمك!!!"

فى حين انفجرت المشاعر في قلب (توليب)، الذي تراقص فرحا لسماعها صوته، لكن طغي الخجل علي فرحتها، فركضت هاربة إلى غرفتها، مما أثار ريبة الجميع.

وكانت أول من نطقت (وجدان) قائلة باندهاش:

" هو إيه اللي بيحصل ؟!"

فردت (بيان) وهي تلملم ضحكتها:

" ابن الحلال وصل"

---------------

كل سنة وأنتم طيبين وبخير وصحه وسلامه.. وتعود عليكم الأيام بالخير إن شاء الله

بقلم أسماء صالح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة