روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
-------
سئمت الانتظار... سئمت البعد الذي طال
ذاك البعد الذى سبب لى الانكسار
شوقى لقربك يعذبنى.. أكاد منه انهار
اريد ضمك... لمسك.. فما اتمناه ليس بعار
ظننت ان فى الهروب نجاتى كما يقال
ولكن عُدمت الاختيار
فنجاتى بالقرب منك... نجاتى فى الوصال
قلبى يئن فى بعدى عنك وقد سئمت الانتظار
-------------------------
لم تتحمل الجلوس معهم طويلاً، وخاصة بتلك الكدمات التي تملأ جانب وجهها، فقد أحست أنها مراقبة من جهة نظرات (سالى) المتفصحة لها وهي تلف أحدي خصل شعرها على إصبعها السبابة، ومن جهة نظرات (عبد الهادي) السافرة مما جعلها تشعر بعدم الراحة لتواجدها معهم، فإستقامت واقفة تستأذن منهم،وقالت تو خروجها من الغرفة، تشعر بالضيق والاشمئزاز:
" هما مالهم عواجيز العاصمة مقرفين لدرجة تخلي الواحد يبقي عايز يجيب اللى فى بطنه!"
اتجهت صوب بوابه المشفي، ترغب في استنشاق بعض الهواء، توقفت خارجاً تسحب نفساً عميقاً وهي تنظر إلى السماء، وجل تفكيرها فيه وحده، ترغب في الهروب قبل مجيئه وغير قادرة على ذلك، فهي في حاجه ماسه لرؤيته لقد اشتاقته كثيراً، كما ترغب في الاطمئنان عليه بعد المشادة التي حدثت بينه وبين أخيه، كما أنها لن تتركه مع تلك المغرورة التي تنتظره في الداخل، تريد أن تري، كيف ينظر إليها، أحقا تعجبه؟ هى لا تنكر أنها جميلة وذات ذوق عالى في اختيار الثياب، ولكنها أيضاً مغرورة، تأففت وهي تحتضن نفسها وقد أحست بلسعة الهواء البارد، قائلة:
" خير يا ست (توليب) بتفكري في إيه كده؟! هو انتى فى ايه ولا فى ايه؟؟!"
أنزلت انظارها تهم بالعودة إلى الداخل، ولكنها لمحت ما جعلها تتسمر مكانها، أحقا ما تراه عيناها؟ أحقا يقف أمامها؟ امتلأت عيناها بالدموع حتى أوشكت أن تحجب عنها الرؤية، سالت دموعها وهي ترسم حروف اسمه على شفتيها، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تركض نحوه صارخة تقول من بين شهقاتها:
"(ياااامن)""
بينما وقف هو فاتحاً ذراعيه لها وحين وصلت إليه ضمها بشوق عارم، وهو يقول:
" وحشتيني يا وردتي"
أسندت رأسها على صدره وقد علا نشيجها لا تصدق وجوده أمامها، ولا تعلم أن هناك من رق الدمع بعينيه تأثراً ببكائها، حتي و لو لم يسمع حديثها مع أخيها فرؤيته لها بهذه الحالة، حتي ولو من بعيد مزقت له قلبه، فقال وهو يراقبهم من سيارته:
" ده أنسب حل يا وردتي، على رغم من صعوبته عليا وعلى قلبي، بس كله يهون في سيبل انك تعيشي مرتاحة من غير عذاب"
أمسكت (توليب) بطرف سترة أخيها وهي تسند رأسها على صدره، قائلة:
" وانت كمان وحشتني اوي وبابا وماما، ليه يا (يامن) محولتش تجيلي قبل كده؟"
انفجرت المزيد من الدموع وهي تقول:
"مش عارفه إزاي محدش فيكم فكر يجي يزورني ويطمن عليا كل الفترة دي؟ ازاي؟"
شدد (يامن) من احتضانها، وهو يقول وقد التمعت عينيه بالدمع:
" صدقيني يا (توليب) محدش ليه جرأة يواجهك أو يواجه الوضع اللى انتى فيه"
ثم قبل رأسها قائلاً:
"انتى متعرفيش بابا بيعمل ايه عشان يقدر يرجعك، وحالف ما يجي هنا إلا وهو دافع فلوس (الجارحي) كلها وساعتها يعرف يطلقك منه ويرجع بيكي على القرية"
أبعدت رأسها عن صدره، تطلع إليه تقول بلهجة متلهفة:
" بجد يا (يامن)، بابا بيعمل كده عشاني!!؟"
ضم وجهها بين كفيه وقد مزقه فقدانها للثقة بهم، يقول ولم ينتبه لكدمتها في الظلام:
"طبعاً يا وردتي وانتى عندك شك في كده"
هزت رأسها بضعف بلا، فقال هو بعد أن طبع قبلة بين عينيها:
" بيحاول والله يا (توليب)ومن بدري أوي كمان، بس احنا مستنيين الأراضي ترجع زي الاول عشان تجيب السعر المطلوب"
شحب وجهها تقول ولا زالت دموعها في إنهمار:
" هو عايز يبيع الأراضي؟؟!"
أومأ (يامن) براسه وهو يمسح دموعها، فقالت بملامح مذعورة:
" ازاي يعني ؟!!"
نظر حوله وهو يقول:
" الكلام ده يطول شرحه مش هينفع نتكلم كده ادام المستشفى"
وكأنه بكلماته تلك أنتبه عقلها، حقا أنها أمام المشفي،كيف عرف (يامن) فسألت متعجبة:
" انت جيت هنا ازاي؟؟!"
حاوط كتفها وهو يسير معها إلى الداخل، قائلاً بتعجب هو أيضاً:
" ابن جوزك الكبير اتصل بيا، وقالي على تعب أبوه وشرحلي الموقف"
وصمت وكأنه يفكر:
" ده حتي قلقني عليكي"
ارتفع صوت أنفاسها وهي تفكر لقد حدثه من أجلها، فسألت بصوت يكاد يخرج منها:
" ليه ؟"
قال (يامن) بذهناً شارد، يفكر في غرابه تلك المكالمة:
" قالى انى اجاي في أسرع وقت لانك محتجالي"
وأطلق نفساً براحه:
" وقفل من قبل ما أسأله على السبب وحاولت أتصل بيه مكنش بيرد، وقعلي قلبي وخلاني جيت وأنا بسابق الريح عشان اطمن عليكي"
سقط قلبها وهي تفكر، لما فعل هذا، الهذه الدرجة يشعر بها؟ أم.... أم أن يريد ابعادها، التفت إليها أخيها قائلاً:
" ممكن بقي افهم في ا......."
بهتت ملامحه قاطعاً حديثه بعد أن رأى وجهها، فقال وقد فزع قلبه:
" مال وشك يا (توليب)؟؟؟!"
-------------------------
" تاني يا ماما حوار دكتور (رامي) تاني؟ مش كنا خلاص قفلنا الحوار"
قالتها (نوران) لأمها عبر الهاتف وهي تلملم أشيائها لتغادر المكتب، غير منتبهه لذاك الذي يتابعها من زجاج مكتبه في إنتظار تلك اللحظة ليعرض عليها توصيلها، فهو يشعر أنه بحاجة للتحدث معها، يملئ صدره الضيق بعد أن عرف حقائق اليوم، لا يعلم لما شعر أن بحديثه معاها سيريح قلبه، ولم تعد مكالمة الهاتف تكفيه، فأصبح طامعا في أكثر من ذلك، وأيضاً لا يفهم سبب لهذا.
سحب هاتفه ومفاتيح سيارته وكأنه هو أيضاً في طريقه للمغادرة، استمع إليها تقول بعد أن فتح باب مكتبه:
" خلاص يا ست الكل، لما ارجع هنبقي نتكلم في الموضوع"
التفتت تنظر إليه حين أحست به واقفاً دون حراك وهي تقول:
" حاضر يا حبيبتي انا خلاص هتحرك دلوقتى"
وقف يتأملها، تتجول عينيه على وجهها وبملامحه البريئة الطفوليه، وانحدرت نظراته إلى قوامها الرشيق في إعجاب رجولي رغماً عنه، اشتعلت وجنتاها حين شعرت بنظراته، وتتعجب حالها لما لم تعد تضايقها نظراته الجريئة تلك، بل باتت تشعرها بالخجل أو بقشعريرة لذيدة نفضت رأسها من تلك الأفكار، تقول وهي تبعد شعرها خلف أذنها بارتباك:
" محتاج حاجه يا (علاء) بيه؟"
تنحنح (علاء)، يقول وهو يقترب منها، وقد تملكه الفضول:
" موضوع ايه اللى هتتكلمي فيه مع الحاجة(حسنيه)؟"
رفعت حاجباً مندهشا لسؤاله وقالت:
" أبداً، ده حوار كده بخصوص (مازن)"
لما شعرت بالذنب لكذبتها ولكنها وبخت نفسها قائلة في سرهاً:
" وليه أقوله الحقيقة بردو!؟"
استمعت إليه يقول، وقد انتبهت أنه اقترب منها زيادة عن الحد، فتسارعت دقات قلبها:
" تسمحيلى اوصلك النهاردة للبيت؟"
اختلط عطره الرجولي مع أنفاسه في مزيج رائع أربك دواخلها، ولكنها انتفضت فجأة ترجع إلى الخلف، وقد انتبهت حواسها لتحذيرات عقلها، لم يعجبها تقربه منها بهذا الشكل الفج، ايعتقد أنها فتاة من ذاك النوع؟، اجفل هو لإنتفاضتها المفاجئة، يتابع تبدل ملامحها من الوداعة إلى الشراسة، فحفز ذلك لديه حس المناكفة، وهو يقول بإبتسامة متسلية:
" انتى هتتحولي ولا ايه، كل اللى طلبته اني اوصلك ....يعني ما طلبتش حاجه خارجة والله"
رمقته بنظرة حادة، كاد ينفجر منها ضاحكاً لولاً أنه حقا يشعر بالحاجة إلى التحدث إليها، فتنحنح يقول وهو يحاول أن يلملم تلك الضحكة:
" أصل أنا كنت عايز أشوف (مازن) الصراحة، فمن الطبيعي يعنى إني اوصلك في طريقي"
نظرت إليه مطولاً، وقالت بإقتناعاً زائفاً:
" مفيش مشكلة ادام عشان(مازن)"
غمز لها متحركاً صوب الخارج قائلاً:
" اومال انتى فاكرة عشان مين يعني؟!!"
اتبعته وهي تضع يديها على وجهها، علها تهدأ من لهيبة من شدة الإحراج، تنهر نفسها على ما تفوهت به.
-----------------------------
اراح رأسه على مسند مقعده داخل سيارته بعد أن رآها تعود إلى داخل المشفي تحت جناح أخيها، وقال وهو مغمض العينين:
" لازم ترجعي القرية يا (توليب) عشان احميكي من نفسي قبل ما يكون من بابا، احميكي من المشاعر اللى صدمتك في اليوم ده"
ارتجف قلبه لذكري قريبه لذلك اليوم الذي أحس به أنه امتلك العالم حين ضمها إليه، رفع أطراف أصابعه يلمس شفتيه، يستعيد طعم شفتيها المسكرة ورائحتها التي ملأت صدره، يا الله كم هو عاشق لرائحتها التي كانت له كالخدر، خدرت له اوجاعة في تلك اللحظة التي تسربت إلى رئتيه.
فتح عينيه ببطء يهم بالمغادرة، فلا طاقة له اليوم أن يري والده، أو يراها فهو خائف ان يتعلق بها كما يتعلق الطفل بأمه مانعاً اياها من الذهاب، فهو يحتاج إليها، يحتاج أن يشعر بها ولو لمرة أخرى قبل رحيلها، يتمني لو قادر على سؤالها: أحقا ما وصل إليه ذاك اليوم؟ أحقا تكن له المشاعر هي أيضاً؟؟ شعر بالألم في قلبه فضغط عليه وقال:
" آه يا قلب من جرح لك قد كتب"
-----------------------------
" مال وشك يا (توليب)؟؟!!"
رفعت (توليب) يديها تخبأه آثار الضرب بشعرها وهي تبتعد عن مرمي يد أخيها، تقول بتلعثم:
" وقعت من على السلم"
أدارها من ذراعيها لتكون في مواجهته، قائلاً بهلع وهو يدقق فى آثارها:
" دي آثار ضرب"
واتسعت عيناه وهو يقول:
" هو ضربك؟؟"
اطرقت برأسها دون رد، ولسانها عاجز عن الكذب مرة أخرى، فامسكها (يامن) من ذراعيها، قائلاً وقد استشاط غضباً:
" اتكلمي يا (توليب)، الحيوان ده هو اللي مد أيده عليكي؟"
إيماءة بسيطة صدرت منها ولا زالت تطرق رأسها، فصاح الآخر بعدم تصديق:
" هي وصلت أنه يمد أيده عليكي، وعشان ايه كل ده!!؟"
رفعت له مقلتين ملئتين بالدموع تقول:
" مش عارفه، صدقني مفيش سبب احكيهولك"
تشنج جسده وهو يقول:
" ليه انسان مختل...."
وتذكر حديث (براء) وهو يقول له أنها تحتاج إليه، فقال وقد التمعت عينيه بالادراك:
" دلوقتي بس فهمت ابنه كان يقصد ايه"
همست قائلة وقد قاربت أنفاسها على انقطاع مما هو قادم:
" (براء).... اسمه (براء)"
تخصر (يامن) وهو يرغو و يزبد من شدة الغضب:
" لدرجة دي حياتك معاه صعبه لدرجة أنك تصعبي على ابنه، فيستنجد بيا عشان اجيلك"
فقالت، فى محاوله فاشلة لتهدئته:
"اهدأ ارجوك الناس بتتفرج علينا، ومتنساش اننا في مستشفى"
هدر صارخاً:
" مش ههدي، ازاي بتطلبي مني اهدأ وأنا شايفك بالمنظر ده، وازاي أصلا ساكته؟؟ ازاي متكلمنيش انتى وتقولي على اللى بيحصل معاكي"
كادت أن تصرخ به ماذا سيفيد اللجوء إليك، ولكنها تراجعت ولجمت لسانها وهي تقول:
" مكنش فيه وقت أن......."
وقطعت حديثها حين رأت (سالى) تقترب منها، تسير بتؤده، سائله:
" هو (براء) أتأخر كده ليه؟ وبتصل بيه مش بيرد"
وقالت بغنج أنثوي لا داعي له، فرمقها (يامن) وقد شعر أنها مبالغ بها، يسأل أخته بعينيه عن هويتها:
" هو مش جاي ولا ايه؟"
ولكن (توليب)لم تهتم لأي منهما، تشعر أن قلبها ينغزها قلقاً عليه، فمالت على أخيها تقول وقد أحست أن إرهاق اليومين الماضيين قد أحل عليها:
" انا هروح اتصل ب (براء) هشوفه مجاش ليه عشان دي تكون شريكته ومستنياه، وصدقنى لما الدنيا تهدئ شويه هقعد واتكلم معاك في كل حاجه"
ثم نظرت إلى (سالى) وقالت وهي تبتعد عنهم:
" هحاول اتصل بيه اشوفه مجاش ليه؟"
قالت الأخري وهي تصطنع الرقة أمام (يامن):
" بقولك حاولت كتير ومش بيرد"
بعد أن ابتعدت (توليب) بضع خطوات، سألت ساخرة من نفسها:
" وهتكلميه ازاي بقي أن شاء الله؟ من غير لا تلفون ولا حتي معاكي رقمه"
ولكنها خطرت لها فكرة، فعادت إلى أخيها الذي كان يتابعها بعينيه، قائلة:
" اديني تلفونك يا (يامن)، انت عارف مش معايا تلفون"
أعطاها الهاتف، وهو يقول بجسد متشنج:
" بسرعة يا (توليب) عشان انا على أعصابي"
أما هي فهزت رأسها بالإيجاب وقلبها يرتجف داخل صدرها، بينما لحقها (يامن) بصوته قائلاً:
" هتلاقيه آخر رقم عندك انا متصل بيه"
طلبت الرقم بأصابع مرتجفة، فهي مشتاقة حتي لو لأقل القليل منه، بينما الوضع عند (براء) لم يكن أقل منها شوقاً، فكان يجلس في غرفته في الظلام دون حتي أن يبدل ملابسه، شارداً وقد استحوذت على جل تفكيره، أنتبه لوميض هاتفه يعلن عن إتصال في البداية لم يهتم، ولكنه شيئاً ما دفعه للرد، لا يعلم كنهه، فأمسك هاتفه وحين رأي أسم المتصل، انتابه القلق يسأل نفسه لما سيعاود (يامن) الاتصال به وقد تركه معها، فرد بلهجة متلهفة ظهرت جلياً في صوته:
" الو يا (يامن)"
" (براء)؟؟"
همسه خرجت منها كانت لها مفعول السحر فكانت كالبلسم على الجرح، فاغمض عينيه ونطق لسانه دون إرادة:
" عيون وقلب (براء)"
أصابتها كلماته بسهم حارق فى صدرها، يا الله أنها بضع أحرف ولكنها كانت كالسحر على مسامعها، فقالت بصوت يكاد يخرج منها:
" فى كلام كتير اوي عايزة اتكلم معاك فيه، وفى حاجات محتاجه انك توضحها وأولهم سبب مكالمتك ل (يامن)، بس قبل ده كله هو....."
وقُطع صوتها، يضنيها الشوق ولكنها أجلته تقول:
" هو انت مش جاي المستشفى ولا ايه"
لعن نفسه على انفلات لسانه، يذكر نفسه بسبب اتصاله بأخيها ويجبر نفسه أيضاً أنه لا يجب رؤيتها، أخبره عقله فقال مدعي الصلابة:
" لا مش هقدر أجاي عشان لسه في شغل واكيد (علاء) زمانه على وصول"
قالت وهي تنهت من أثر المشاعر:
" بس شريكتك هنا هي وأبوها مستنينك من بدري"
سأل متعجباً:
" (سالى)؟؟؟"
تملكها الغضب فجأة وهي تسمع نطقة لاسمها، فقالت بغيرة واضحة:
" آه ( سالى)، وعلي فكرة يعني هي مش ....."
تركت كلمتها معلقة، تشعر بسخافة ما كادت أن تتفوه به، بينما هو ارتسمت على شفتيه ابتسامه جانبية وقد أسعد قلبه غيرتها تلك، فقال:
" أنا هتصل اعتذر للسيد (عبد الهادي)"
كادت أن تنطق قائلة:
" يعني مش هشوفك النهاردة"
ولكنها أطبقت على شفتيها بقوة كي لا يخونها لسانها بنطقة، طال الصمت بينهما إلا من صوت أنفاسهما، كلاً منهم يستأنس بالآخر، فبادر هو بالتحدث قائلاً وهو ينزع نفسه نزعاً:
" ارجعي ل (يامن) يا وردتي، وأكيد هيجي اليوم اللى أقدر اوضحلك اللي انتي عايزاه"
انفجرت دقات قلبها، اتهذي الآن أم ماذا؟ هل ناداها باللفظ التدليلي الخاص بها؟ ولم تدري بعدها ما حدث أو كيف أغلق معها أو ماذا قال لها، فشعرت في هذه اللحظة وكأنها تطوف في سماء عشقه.
بينما هو أغمض عينيه يضم قبضته إلى قلبه وهو يقول محدثاً نفسه:
" أنا مش عارف كان هيبقي ايه حالك يا قلبي لو مرجعتش القرية فى اليوم ده؟ اليوم اللى رجعت تنبض تاني بعد سنة كاملة كنت ميت جوايا"
اغمض عينيه مرة أخرى وذكريات ذلك اليوم تمر أمام عينيه.
&&&&&&&&&&&
((قبل خمس سنوات))
وقف بجانب صاحبه، بجبين مجعد وملامح لا تفسر، وكيف وهو قد اضطر للعودة إلى تلك القرية التي اقسم أنه لن يدخلها مجدداً منذ ما يقارب العام. ولولا وفاة والد (ثامر) وأنه لم يرد أن يترك صاحبه في مثل هذا اليوم، ما كان عاد إليها أبداً بعد أن صدم في حقيقة حب عمره.
مسح (ثامر) دمعه فرت من عينيه على غاليه الذي فقده، وهو يقول بصوت خافت:
" مكنش ليه لزوم تيجي النهاردة يا (براء)"
ربت الآخر على كتفه وهو يقول:
" عايزني ازاي اسيبك في يوم زي ده"
وابتسم ابتسامة واهنة، وعينين تلتمع بها الدمع حزناً على ذاك الرجل الذي كان بمثابة أباً له، فقد رأي منه حناناً لم يراه من أبيه يوماً، فقال:
" ده حتي كان يبقي خسارة فيا العيش والملح اللى كلتهم في بيتكم"
ثم قال وقد غلبه حزنه، فسال دمعه:
" الله يرحمك يا عم (علي)، والله ما شفتك في يوم لا قاسي ولا ظالم، طول عمرك عادل وحنية قلبك الكل بيحلف بيها، احتوتني وانا كنت عامل زي اليتيم وابويا عايش في الدنيا، وعلمتني إزاي اكون متسامح معاه، ومهما عمل معايا مقلش من احترامي ليه أو اكره، ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا غالي"
قال (ثامر) بلهجة تقطر حزناً:
" طول عمره كان بيحبك وبيعتبرك زي ابنه بالظبط"
مر اليوم ثقيلاً على (براء) من جهة حزنه على ذاك الرجل، ومن جهة يحارب نفسه وليسيطر على قدميه كي لا تقوده إليها، يا الله كم أشتاق إليها لرؤيه بسمتها الصبوح الناعمة، أشتاق لسماع صوتها وهي تدندن في الصباح بين الحقول لتحصد الثمار، كم كان عاشقاً لغنائها، فكان يطرب أذنيه، حتى أنه أحس أن آله التصوير الخاصة به اشتاقت إلى تصويرها، فمنذ ذلك اليوم وقد اعتزل التصوير بعد أن كان عاشقا له وما زاد من ذلك العشق تصويرها هي وبعد ما رآه، كرهها بل كره التصوير كله، وتلك الاله اللعينه التي كانت صديقته في رحلة مراقبتها، فعاد فى ذلك اليوم وحطم تلك الكاميرا إلى قطع من شدة غضبه وذاك القهر الذي شعر به، ولكنه عاد فيما بعد يشعر بفداحة ما فعله، فلملم حطام الكاميرا بقلب مذعور، أن يكون قد فقد الفيديوهات التي كانت منبع راحته في أيام الشوق الخانق المعذب، كم حمد ربه كثيراً أنه حفظ له تلك الذكريات الخاصة بها، والتي ما زال يحتفظ بها إلى يومنا هذا.
لم يشعر بنفسه وهو يسير شارداً في تلك الذكريات إلا هو يقف أمام منزلها، وكأن قدميه تحفظان طريقها دون حتى تدخل منه أو انتباه إلى أين تسوقه، وقف يطالع المنزل بقلب مذبوح ومشاعر مضطربه، وتمني لو يلمحها فقط لمحة ولو من بعيد، ولكن القدر كان له رأي أخر، فأعطاه ما تمني وأكثر، فرأها تخرج من بوابة المنزل على عجل من أمرها، حتي أنها لم تنتبه إليه وهو الذي كان ملاصقاً للبوابة، فوجد نفسه يلاحقها دون إرادة منه، وهي تسير بخطوات يشوبها القلق، فإنتقل إليه القلق بالتابعية، بعد قليل راها تقف مع صديقتها المقربه والتي لم تكن سوي (بيان)، تحدثها بقلق بادي على وجهها، فرغب أن يستمع إلى ما يقال، فإقترب بحذر يتواري خلف أحد الأشجار، وهناك سمع ما أعاده إلى الحياة، فإستمع إلى صديقتها تقول وهي تجذبها من مرفقها:
" هتروحي فين؟! بقولك خلاص الناس فضوا الخناقة ما بينهم"
سألت (توليب) بخوف:
" يعني (يامن) كويس؟؟"
" ياستي كويس والله وهو اللي قالى امشي"
زفرت (توليب) بغضب وهي تقول:
" انا مش عارفة (مسلم) مش ناوي يجبها لبر ولا ايه"
ثم نظرت إلى (بيان) وقالت:
" أنتي قولتيلو ليه أنه ضايقنى النهاردة؟؟"
قالت الأخري بتهكم:
" لازم يعرف اللى الزفت اللى اسمه (مسلم) بيعمله، واحمدي ربنا اني مقولتلوش اللي عمله قبل كده، آه عدي وقت طويل على اليوم ده بس مش قادره اصدق أنه اتجرأ يلمسك وانتى ما قولتيش ل (يامن) حاجة"
تسارعت خفقات (براء) بدرجة مؤلمة داخل صدره وهو يستمع إليها تقول:
" عشان خايفة على أخويا من (مسلم)، خايفة فى مرة من المرات ياذيه أو يبعتله حد من العصابة اللى متلم عليها"
ثم كشفت عن ذراعها وكأنها تمتلك عضلات، وقالت بلهجة مازحة وهي تضحك:
" هو يعني أنا كنت سكت ما أنا ايدته حته قلم ومسحت بكرامته الارض، حتى من ساعتها مفكرش يعملها تاني"
ضحكت (بيان) وقالت:
" فى دي معاكي حق الصراحة"
وقالت (توليب) ولا زالت تدعي القوة بمرح:
" ولو فكر يعملها تاني، هكسر له أيده وهزعله عليها"
قهقت (بيان) عالياً وهي تقول:
" طب يلا يا آنسه (توليب) عضمضم قبل ما اخوكي يجي ويكسرنا احنا شخصياً"
ثم قالت (بيان) من بين ضحكتها ساخرة:
" ما تتجوزية يا (توليب) أدام بيحبك كده"
شهقت (توليب) مستنكرة وهى تقول:
" اتجوز مين، ده لو اخر راجل فى الدنيا عمرى ما افكر فيه ده انا بشمئز لم بسمع اسمه"
بينما (براء) ظل مسمرًا فى مكانه، قلبه يضرب في صدره كقرع الطبول، يشعر بعودة الحياة إليه وكان روحه ردت إليه، وهو يستوعب أبعاد ما حدث لقد لعبها (مسلم) بمهارة، يا له من قذر، وقد عزم أمره أن يذهب ليبرحه ضرباً حتي يقضي عليه، ولكنه تراجع وأسرع الخطي، وقد قرر أنه لن يضيع وقتاً أكثر من ذلك، سيذهب لإحضار والدية ليطلب يدها، ولن يسمح لأحد أن يتلاعب به مرة أخرى.
&&&&&&&&&&ـ
عاد بذاكرته، لا يعلم ايسعد لتلك الذكري أم يتألم أن القدر عانده مرة أخرى وحرمه منها، بل وحرمها عليه.
استقام يفك ازرار قميصاً بإجهاد نفسي قبل أن يكون جسدي، والقاه أرضا بإهمال، ارتمي إلى الفراش فاقد لكل طاقته، لا يرغب في شئ سوي أن يستجديها في أحلامه التي هي بطلتها.
----------------------
دلف إلى المشفى عازماً أمره أن يعتذر منها، فقد أساء إليها كثيراً بظنه بها، وتلك النظرات التي وجهها لها، فهي الضحية هنا، ضحية جبروت أبيه وطمعه، وضحية إنقاذ والدها من إفلاس محتوم، يا الله كيف ظلمتها بهذه الطريقة البشعة.
هكذا فكر (علاء) وهو يطرق على باب غرفه أبيه، لعلمه بوجودها داخلاً، وبعدها دخل بطريقه مسرحيه وهو يقول بلهجة مزحة:
" ممكن اطلب منك السماح يا طن......"
توقفت الكلمات على شفتيه وهو يري أربعة ازواج من العيون تتوجه إليه متعجبة، فإبتلع بقية جملته بإحراج، ثم قال بإبتسامة سمجة:
" مساء الخير"
----------------
قراءه ممتعه للجميع 🥰
يلا مستنية رايكم ودعمكم وتشجيعكم 🥰
لسه فى مفاجات كتير 😉 🫣
أسماء صالح
Asmaa saleh