روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
-----
علقتُ أنا بين قلبٍ معذّبٍ وذكرياتٍ تحترقُ في لهيبِ الخذلان..
الكتمانُ يؤرقني، والبوحُ يعذبنى، ولا احتمل الهجران..
قلبي لا يطيق الفراق، والوجعَ لى طعان
وكلما زاد الفراق، زاد اشتياقي، فأصبح عاجز عن النسيان..
وكلما زاد الاشتياق، اشتدّ عذابي.وشعورى بالحرمان..
أشتاقُ إليك، وأنا على يقينٍ بأن الوصالَ بات محالًا..
لكنّ روحي وجوارحي ستظل تشتاقُ إليك، رغم المسافات ورغم ماهو محال...
-------
بين الحقول، جلست تتأمل السماء بجانب أخيها، كما اعتادت أن تفعل كل مساء قبل ابتعادها عنهم، يا الله، كم تغير حالها منذ آخر مرة جلست فيها هذه الجلسة، بل كيف تغير قلبها...
قطع (يامن) شرودها وهو يدقق النظر إليها، ثم قال بصوت دافئ:
" مش ناوية تقوليلى بقى إيه اللى مغيرك بالشكل ده ؟"
كان إرتباكها واضحاً له، خاصة حين أطرقت برأسها، مثبتة نظراتها على أصابعها المتشابكة. فهتف محاولاً تمالك نفسه:
" ولو انى حاسس بالسبب، بس عايز اتأكد منك"
حانت منها التفاتة صغيرة نحوه، وهمست برجاء:
" أنا هحكيلك على كل حاجة بس ارجوك...... متلومنيش"
شعر وكأنه قلبه سقط بعد كلماتها، فقد تأكد أن شكوكه كانت في محلها، ولكنه حاول أن يلملم صدمته كى تتحدث، ويعلم منها إلى أي درجة وصلت مشاعرها، فقال بنبرة حاول اخراجها هادئة:
" و أنا من امتى لمتك على حاجة يا وردتى؟ "
يا رباه، كم آلمت قلبها تلك الكلمة!، فأبت أذناها تسمعها من أحدٍ غيره... لا أحد ينطقها كما كان يفعل هو... إنها لا تليق إلا به، أغمضت عينيها بشوق، تتمني سماعها منه بتلك البحة الرجولية التى كانت تربك دواخلها، هي لم تشتاق إلى صوته فحسب؟ لا، لقد اشتاقت إلى كل شبرا فيه.....
وفجأة، فتحت عينيها تتلفت يمينا ويسارا، تبحث عنه بعينيها، أيمكن أن يكون هنا الآن، يراقبها؟ امتلأت عيناها بالدموع، وهي تسأل نفسها أيمكن أن يكون قريبا منها الآن؟....
تعجب (يامن) ما تفعله فسأل:
" ايه يا (توليب)! بتدوري على حد ولا ايه ؟!"
التفتت (توليب) إليه تشعر بألم حاد يمزق قلبها، ولم تدر بنفسها إلا وهى تقص عليه كل ما حدث من أول يوم ظهر (براء) فى حياتها وحتى آخر يوم جمعهما.
توالت المشاعر على وجه (يامن)، من التعجب إلى الدهشة، ثم الذهول، حتى أنه من فرط صدمته لم يسألها عن أول ما ينبغي أن يسألها عنه، بل شعر بالعجز عن التعليق، ثم هتف متعجبًا فما تقوله ولا الخيال:
" يعنى عايزة تفهمينى انه كان بيصورك من وانتى عندك عشر سنين!"
اومأت برأسها دون رد، فتملكته الحيرة وهو يسأل:
" و أحنا ازاي ما خدناش بالنا من حاجة زى دى؟!"
ارتفع جانب شفتيها بإبتسامة حزينة، وسالت دموعها، وهي تقول بحسرة:
" عشت عمرى أتمنى الحب الأسطوري، وإن اللى أحبه يكون عرفنى من وأنا صغيرة، ولما ألاقيه...."
خنقتها العبرة وهى تسترسل:
" ألاقيه مع الشخص الغلط "
هنا نفض( يامن) الذهول عنه، وقال بصوت مستاء خرج منه رغما عنه:
" أنا مش هقولك إزاى سبتى نفسك تقعى فى حبه، وانتى عارفة إنها علاقة مستحيلة وكمان حرام.... كل اللى هسألك عليه ليه هو؟!.. ليه دونا عن باقى الناس اللى مروا في حياتك؟! قلبك حبه هو؟!...."
ثم أضاف بمرارة:
"(براء) ومش هلوم عليه، ولو إني برضو عايز أفهم... إزاى بيحبك بالشكل ده من زمان و مقدرش يمنع ابوه من جوازه منك؟!"
هبت واقفه، وبوجه غارق بالدموع قالت بإلتياع:
" أنا سألت نفسى نفس السؤال ....ليه هو ؟!"
آثر( يامن) الصمت كى تخرج كل ما يخنق صدرها، حتى لو كان ما يسمعه يحرق قلبه، غضبا منها ومن أجلها، أدارت له ظهرها وأكملت بصوت مخنوق:
" ملقتش إجابة يا (يامن)... وبررت مشاعرى إنى حسيت إنه أمانى فى وقت فقدت فيه الشعور بالأمان وأنا بعيدة عنكم، بس عرفت بعد كده أن مش هو ده سبب تعلقى بيه، ....لما جتلى الفرصة إنى أرجعلكم مقدرتش... حسيت ساعتها إن روحى متعلقة بيه، وإن أنا بنتمى ليه"
بللت شفتيها وهى تفرك أصابعها، ثم قالت بجرأة:
"نظراته ليا... عمرى ما شفتها فى عين حد، كنت بحس أد أيه أنا حاجة كبيرة أوى و مهمه ليه، ادامه حسيت انى كتاب مفتوح، مش محتاجة أتكلم عشان يفهمنى، عينيه كانت ليا بر أمان.... كانت ملجأى.... ولو عشت أسأل عن السبب مش هلاقى يا (يامن)،... لأنى ببساطة ملقتش نفسى إلا معاه"
رفع ذراعه وربت على كتفها، ثم حاوطه وسار معها فى طريق العودة، ثم قال بتأثر وقد لمست كلماتها قلبه:
" أنا عارف إن اللى مريتي بيه مش سهل، وكانت فترة صعبة عليكى بس صدقينى...
الفترة دي لازم تتنسى بحلوها ومرها"
مسحت دموعها و هى تحنى رأسها تحدث نفسها:
" أنسى؟!... إزاى وهو حبه اتوشم على قلبى؟!... أنا أنسى أى حاجة في الدنيا ....إلا (براء)"
ووضعت قبضتها على قلبها علها تخفف ما يعصف به من ألم... إلى أى مدى سيصل حبك بعدٌ فى قلبى، يا برائى؟❤️
----------------------
" انت فين يا كبير ؟!"
قالها (علاء) بصوت يملأه الحماس، فبعد قليل ستكون (نوران) له، ولن يشعر بالخوف من فقدها مرة أخرى، وسيتمكن من الحديث معها حتى تشبع اذناه من صوتها الذي يسحره.
أجل ...هو يعلم أن الوقت غير مناسب أبداً، ولكنه حين رآها ترحل وتخبره أنها لن تأتي إلى الشركة مرة أخرى، لا يعرف ما الذي حدث له.... لحظتها، تخلي عن أي تريث أو تعقل، وعقد العزم على قراره.
وها هي التي قلبت كيانه ترفض الرد علي مكالماته منذ أن تركته صباحاً في الشركة، فاضطر للاتصال بوالدتها وأخبرها أنهم سيأتون لزيارتهم بصحبة أخيه وخالته،
يتذكر جيداً كم تفاجأت (حسنية) مما أستمعت إليه.
ومنذ ذلك الوقت وهي تعمل على قدم وساق في ترتيب المنزل وأيضاً بإعداد بعض أصناف من الحلوي لتقديمها لهم، فرحتها لا توصف، فحلم ابنتها سيتحقق، فماذا تتمني أكثر من ذالك؟!
أجلي (براء) صوته، وحاول جاهداً إخراجه مرحا:
" عند خالتك...يا حبيبي، عديت عليها عشان اخدها معايا"
هتف (علاء) بفرحة:
" هو ده الكلام.... حبيبي يا كبير والله"
ثم صمت قليلاً، محاولاً جمع كلماته فمن فرط الحماس، يشعر بالتشتت والارتباك، فقطع (براء) ذلك الصمت وقد انفرجت اساريره لفرحه أخيه، يفكر كيف أن يكون صغيره هذا من صلب ذاك الرجل الذي كان يظنه من بضع ساعات أبا له، فلطالما حمد ربه أن لا أحداً منه ورث عنه طباعه، فقال بلهجة ممتنه لذلك:
" ابعتلي العنوان ...يا شبر ونص"
قالت (حياة) بدهشة بعدما أغلق (براء) الهاتف:
" انت هتروح؟..... إزاي وأنت بالحالة دي؟!"
حاول (براء) لملمة جراحه، وغصب شفتيه على الابتسامة مردفا:
" كله يهون عشان (علاء)"
اقتربت منه تحاول ثنيه عما يريد القيام به، فهي تشعر بأنه تائه:
" (علاء)...مش هيعترض لو قلتله يأجل حتى النهاردة"
لعق شفتيه الجافتين وقال:
" مقدرش اكسر فرحته يا (حياة)، انتي ما شفتيش ازاي متحمس وفرحان، ثم إني...."
وتمزق قلبه وهو يقول:
" أنا مش هعرفه حاجه"
رفعت حاجبها وقالت بلهجة تفيض بالدهشة:
" ازاي يعني؟!.....يعني ايه مش عايز تعرفه...هو انت مش هتروح (لتوليب)؟"
وغزه قلبه حين نطقت باسمها وتهدلت أكتافه وشعر بغصة مسننه تمزق حلقه، وهو يقول:
" مبقاش ينفع خلاص يا (حياة)"
-----------------
منذ أن أخبرتها أمها بالمحادثة التي حدثت بينها وبين (علاء)، أصابها الذهول والتشوش، تارةً تشعر بالسعادة وكأنها لا تصدق ما يحدث، وتارةً أخري تشعر وكأنها فى حلم، فما يحدث يفوق قدرة عقلها على الاستيعاب.
أحقا (علاء) قادم لخطبتها؟! أحقا ستتحرر مشاعرها أخيراً، ولن تهرب مجددا من تلك العواطف التي ملأت قلبها حتي فاضت؟
اجفلت (نوران) على وقع فرقعة أصابع أمها، التي قالت لها بابتسامة عريضة:
" هتفضلي سرحانه كده كتير؟"
أحمر وجه (نوران) خجلاً، بينما أستمعت إلى (حسنيه) تقول:
" كده مش هنلحق نخلص اللى ورانا وزمان العريس على وصول يا ست (نوران)"
وفى تلك اللحظة، سمعا صوت (مازن) وهو يقترب منهما بخطوات متمهلة عرجاء، فلا يزال غير قادر على السير جيداً، ولكنه يحرز تقدماً ملحوظاً بفضل مداومته على جلسات العلاج الطبيعي:
" أنا فرحان اوي أن (علاء) هيكون خطيبك يا (نوران) "
ثم أضاف وهو ينهج من الجهد الذي يبذله:
" أنا اصلا بحبه اوي، عشان هو صاحبي"
اقتربت منه (نوران) وعيناها تلمعان تأثرا، ثم مالت عليه تطبع قبلاتها الخاصة على صدغة، وهي تهتف:
" وهو كمان بيحبك اوي"
قالت (حسنية) ضاحكة بلهجة موحية:
" بيحب (مازن) بس؟!"
ردت (نوران) بتذمر خجل:
" ماما"
فتعالت ضحكات (حسنية) وهى تقول:
" أنا بس بسأل... يعنى مقالكيش بيحب حد تانى؟!"
لملمت الأخرى ابتسامتها، ثم نظرت مباشرة في عين أخيها، ورأت الفرحة تملؤهما، فهزت رأسها بالإيجاب قائلة:
" أيوة، زي ما بقولك كده.....هو قالى أنه مستنيك تخف عشان يلعب معاك كورة"
وهنا صدح صوت (حسنيه) بلهجة مغتاظة:
" يلا يا (نوران).... الناس زمانهم على وصول"
--------------------
بعد مرور بضع ساعات.....
لماذا لم يشعر بالراحة؟!...لا يعلم لماذا كلما تلاقت عيناه بعيني صديقه، شعر أنه يخفي عنه شيئاً، أجل، لقد تغير، تغير جذرياً بعد رحيل (توليب)، ولكن فرحته صباح اليوم بأخيه أنسته ولو قليلاً ما يمر به.
أمعن (ثامر) النظر إلى (براء) الذي كان يتجنب النظر إليه، فمن يفهمه أكثر منه؟!، إنه صديق عمره. زفر (ثامر) محدثاً نفسه:
" لازم أعرف في ايه؟!....انت مش طبيعي ابداً، لازم أفهم ايه اللى وترك و بدل حالك بالشكل ده!"
أفاق من شروده على صوت صديقه وهو يحدث والدة (نوران)، وهو يشق شفتيه بابتسامه صغيرة:
" وطبعاً ليكي حرية إنك تسألي عن (علاء)"
ابتسمت (حسنيه)بحبور وقالت:
" الجواب باين من عنوانه يا ابني، الله اكبر عليه"
وربتت على ساق (علاء) الذي يجلس بجانبها، و قالت بمحبه:
" أنا تعاملت مع (علاء) في اكتر من مواقف، ربنا يحميه راجل ابن راجل...وربنا يعلم أنا ارتحتله من أول ما شفته"
ضحكة ساخرة وئدها (براء) بداخله، وهو يردد سراً كلماتها:
' ابن راجل... وأي راجل؟!...راجل أَوَى ابن عدوه'
بينما دنا (علاء) من (حسنيه) وطبع قبله على رأسها، وقد التمعت عيناه تأثراً بكلماتها وقال:
" والله من القلب للقلب يا حاجه (حسنيه)"
بينما قالت (حياة) بفخر أمومي:
" أنا أثق في رأي (علاء) حبيبي يا ست (حسنيه) ومتاكدة أن اختياره هيكون صح"
فى تلك اللحظة، خرجت عليهم (نوران) وهي تحمل صينية القهوة، وقلبها يخفق بعنف كقرع الطبول، وضعت الصينية على الطاولة بيدين مرتعشتين، ثم ألقت عليهم السلام، بصوت هامس خجول دون أن تقوي على رفع عينيها إلى أحدهم.
لا تدري شيئاً عن الذي انقطعت أنفاسه وهو يتأملها بحب فاض من عينيه، فاغر الفاه وهو يراها أمامه رقيقه كزهرة تفتحت حديثاً، ولو أتيحت له الفرصة لأمطر وجهها البرئ بقبل لا حصر لها.
رفع (ثامر) ذقن (علاء) ليغلق له فمه، ثم مال على أذنه قائلاً بلهجة متسلية:
" عينك يا حبيبي قربت تطلع بره"
تنحنح (علاء) مبتسماً محاولة أبعاد عينيه عنها بصعوبة، بينما قالت (حياة) مشدوهة ببراءة تلك التي تقف مكسوة بالخجل:
" بسم الله ما شاء الله...."
وأشارت إليها لتجلس بجانبها قائلة:
" تعالى جانبي هنا يا حبيبتي"
ثم وجهت حديثها إلى (علاء)، الذي انتفخت اوداجة فخراً:
" يا زين ما اخترت يا (علاء)"
وتاملت وجه (نوران) القريب، ثم قالت بلطف:
" أنا (حياة) خالة (علاء) وتقدري تعتبريني مامته"
أجلت (نوران) صوتها بصعوبة وهي تقول:
" اهلا بيكي يا طنط"
رد (براء) محاولاً المشاركه فى الحديث ليهرب من نظرة صديقه المتفصحة له، فقال قبل أن تنطق (حياة):
" (حياة)، تقدري تقوليها (حياة) بس، لأنها مش بتحب الألقاب"
أكدت (حياة) حديث (براء) ضاحكة:
" بالظبط كده"
ثم نقلت عينيها إلى (حسنيه) وسألت:
" وعروستنا بتدرس ايه بقى ؟"
عندها انفجر (علاء) ضاحكاً بقوة، عاجزاً عن تمالك نفسه، وحين انتقلت إليه جميع العيون، وخاصة عينا (نوران) التي تبدلت نظراتها من الخجل إلى الشراسة، استمعت إليه يقول وهو ينظر إليها مجاهداً التوقف عن الضحك:
" أنا قولت هربانه من المدرسة، محدش صدقنى"
-------------------
" وأخيراً رجع (التوليب) لأرضه"
قالها (مسلم) بفرحة بعدما رآها عائدة من الحقول بصحبة أخيها، ثم أضاف وهو يدقق النظر في تفاصيل جسدها من بعيد:
" والله وقدرتي تعمليها يا (توليب) وترجعي"
ومسح على صدره بفخر، ثم تمتم لنفسه:
" والفضل يرجع للعبد لله"
ثم وضع يديه فى جيبه، وسار بخطوات متمهلة، ولا زالت عينيه مسلطة عليها، وهي تبتعد أكثر عن مرمي بصره، يهتف بثقة:
" كده الكوره بقت في ملعبي أنا.....وجه الوقت اللي مش هسمع فيه كلمة لا"
وفرك مؤخرة رأسه، و ارتفع جانب شفتيه بإبتسامة تملأها الغرور:
" ومين هيكون أولي الناس بيكي غير (مسلم)؟ اللى شعره شاب وهو مستني رضاكي يا ست البنات"
-----------------
تابع الأب (داوود) ابنته بعينيه، سعيدًا وممتنًا لعودتها إلى طبيعتها شيئًا فشيئًا. لكن ما زال هناك شيء واحد يجب إنهاؤه، حتى تستعيد وردته بهجتها، وتملأ ضحكتها أرجاء البيت من جديد. لن تعود السعادة إليهم أبدًا إلا... بالطلاق.
نادي (داوود) ابنه بعدما صعدت صغيرته إلى غرفتها:
" تعالى يا (يامن) أنا عايزك في مكتبي شوية"
كان (يامن) يقف بجوار زوجته حينها، فرفع عنقه قليلًا نحو والده، الذي كان ينتظره أمام باب المكتب، ثم قال:
" جايلك حالا يا حج"
ثم نظر إلى (بيان) التي ارتسمت الصدمة على ملامحها، احتضن وجهها بين كفيه، وقال بلهجة دافئة حنونه:
" حاولي تتكلمي معها دلوقتى..... هي حالياً عندها استعداد تطلع كل اللى جواها....بس عشان خاطري يا حياة القلب متلميش عليها....هي من غير أي حاجة ضميرها معذبها لاختيارها"
ثم انزلقت يداه ليرفع كفها إلى فمه، طبع قبلة عليه قائلاً:
" ومن غيري يحس بيها، وأن الهوي سلطان"
مسحت(بيان) على رأسه، وقالت بحب صادق:
" أنا مستحيل أزيد من عذابها يا (يامن) دي اختي"
ثم أضافت بدلال بطريقة محببه:
" واديك قولت بنفسك..... الهوى سلطان"
رفع وجهه إليها وبضحكة عريضة قال بتنهيدة حارة مقترباً منها:
" يا منجي من المهالك يارب"
وحين اشاحت بوجهها بعيداً عنه، تكتم ضحكتها على ما يفعل، هتف بصوت عالى نسبياً وهو يبتعد على مضض:
" جايلك يا حج"
--------------
رفع يديه يقرأ الفاتحة، وقلبه يتراقص فرحاً من أجلها، كان يسترق النظر بين الحين والآخر، واحمرار وجهها يغريه ليقبلها أو حتي يقضمها، فهي تبدو أمامه شهية، وتلك الهالة الرقيقة البريئة تحيط بها. وحين التقت عيناه بعينيها، تشكلت حروف على شفتيه دون صوت، مسببةً اشتعال وجنتيها، فاطرقت رأسها سريعاً بعيداً عن عينيه المهلكتين، وتلك الكلمة التي لم تصدق حتى الآن أنه قالها و يقولها:
" بحبك يا (نوران)"
فور الإنتهاء من قراءة الفاتحة، انطلقت الزغاريد من فم كلاً من (حسنيه) و (حياة) مصحوبه بدموع الفرحة، مال (علاء) جانباً يهمس جانب أذنها:
" مبروووك....من النهاردة مش هتبعدي عني تاني"
فركت (نوران) أصابعها، وقشعريرة لذيدة تسري فى جسدها، ثم قالت بصوت خافت مازحة:
" يعني هو أنا كنت لحقت أبعد أولاني"
لاح على شفتيه ابتسامه جذابة، مذيب لأعصابها، ثم قال ممازحا بعد أن استعاد كلمتها السابقة:
" من النهاردة، مبقتش حياتك الشخصية.... وأقدر أحاسبك عادي"
ارتسمت على ملامحها تعبيراتها الشرسة التي بات يعشقها، كما يعشق مناغشتها فقالت بتحفز:
" تحاسبني على ايه؟!....محدش يقد..."
رفع يديه مستسلما ضاحكاً:
" بهزر والله "
ثم أشار بيديه مدعياً الخوف:
" أرجوكي متتحوليش"
وجدت (نوران) نفسها تبتسم رغماً عنها، وهي تراه أمام عينيها لطيف، بل لطيفاً للغاية، فأشاحت بعينيها بعيداً عنه، تلملم ابتسامتها، ثم قالت تجاريه مزاحة:
" اطمن....مش بتحول قبل الساعة ١٢"
قهقه (علاء) عاليا مما جعلها تلتفت إليه تحدقه به، وصوت ضحكته الرجوليه يخترق وجدانها، استمعت إليه يقول:
" لا، أنا كده اطمنت على نفسي"
طالعتهما (حياة ) بفرح وهي تري صغيرها اجتمع بمن أحب، وكم كان واضحاً حبه القوي لها، ورغما عنها التفتت تنظر إلى ذلك الذي يجلس بجانبها، يحتسي قهوته بهدوء، مدعياً أنه بخير....لو تعلم ما الذي يدور فى رأسه...وما الذي يمنعه من إحضار حبيبته؟ هي تدرك مدي صعوبة الأمر، خاصة أنه يمس والدته، لكنه ليس سبباً لتخليه عن عشقه.
تنبهت (حياة) إلى صوت (حسنيه) وهي تمد إليها طبقا من الحلوي:
" دوقي الحلو ده يا ست (حياة) هيعجبك أوي"
فى حين أقترب(ثامر) من (براء) وجلس بجانبه يتناول من طبقه، ثم سأله متفحصا:
" ايه بقي؟ ايه اللي مغيرك بالشكل ده؟!"
تمالك الآخر نفسه، وأجبر شفتيه على الابتسام قائلاً:
" هيكون ايه يعني....مفيش جديد"
ولكن (ثامر) لم يقتنع، وقبل أن ينطق بحرف، سمعا معا رنين هاتف (براء)، الذي وجدها فرصة جيدة للهروب من اسئلة صديقه التي لا يعرف كيف يرد عليها، كيف يخبره ما علمه؟ وكيف يخوض معه حديثاً يمس أمه؟ أو كيف يكون هو السبب في تغيير نظرته عنها؟
انقبض قلب (براء) عندما رأي هوية المتصل، فقال بصوت خفيض، وهو يستقيم واقفاً:
" ده إتصال من المستشفى"
نهض الآخر بدوره، وقد انتابه القلق، قائلاً:
" يا ستار يا رب"
تحرك (براء) مبتعداً قليلاً عن الجميع ليجيب على المكالمة، وهناك سمع ما أسقط قلبه حزناً رغم علمه المسبق بأن تلك اللحظة آتية لا محالة..... وهي أن.... أبيه.... أو زوج أمه....ابن عم أمه....قد توقف قلبه.
------------------
" ازاى شكيتى فيه اصلا.. انه يكون هو اللى حرق المزرعة؟!"
قالتها (بيان) بدهشة وهى تجلس أمام (توليب) على فراشها، ثم استرسلت وهي تمسد على بروز بطنها الذى بدأ بالظهور:
" يعنى هو بالعقل كده، هيحرق المزرعة وبعدين ينقذك من الحريق؟ ازاى يعنى؟ فهمينى؟!"
قالت (توليب) بندم واضح:
" أنا ساعتها مكنتش قادرة افكر فى اى حاجة، كنت مضغوطة بسبب كل اللى عرفته، وخاصة التسجيلات اللى على الكمبيوتر، مش قادرة اصدق لحد دلوقتى انه يعرفنى من ايام ما كنت عيلة صغيرة، وايه اللى منعه من انه يعترفلى بحبه!؟"
وساد الصمت طويلاً، كل واحدة منهما تحلل المعلومات بطريقتها، وفجأة ضربت (بيان) كفا بالأخري قائلة:
" مش انتى قلتى انه فى التسجيل اللى كان بيقول فيه ( لثامر) انه بيحبك، اتخانق مع (مسلم)؟"
أومأت (توليب )برأسها، وأكملت ما أردت (بيان) قوله:
" فكرت فى كده والله... ان يكون (مسلم) قاله حاجة مثلا خلته يبعد"
" بالظبط كده"
عقدت (توليب) يديها تحت صدرها، وقالت بتفكير:
" طب لو دى هى الحقيقة، ازاى يصدق كلام (مسلم) وهو المفروض عارفنى من زمان"
عادت الحيرة تتملك (بيان) فقالت:
" فى دى معاكى حق، يبقى نستبعد (مسلم)"
وبعد لحظات من الصمت، سألت (بيان):
"طب هو عمل ايه أول ما شافك؟!... أقصد أول مرة قابلتيه هناك فى بيت (بهاء)؟ كان ايه رد فعله؟"
اغمضت (توليب) عينيها تتذكر ذلك اليوم، وفجأة فتحتهما على اتساعهما وهي تستعيد ملامحه في ذلك اليوم.....كانت الصدمة واضحة عليه، يا رباه، كيف لم تتذكر قبل الآن؟ كيف كان صامتاً يطالعها بنظرات لم تفهم معناها إلا الآن؟! كيف لم تلاحظ انسحابه المفاجئ من على مائدة الطعام؟!
سألتها (بيان) بتوجس وهى ترى تعابير وجهها:
" افتكرتى ايه؟"
ابتلعت (توليب) ريقها الذى جف بصعوبة، ثم اجابت بصوت متقطع:
"كان.... قاعد مضايق طول..."
قطعت حديثها شهقة عاليه خرجت منها رغماً عنها، مما جعل (بيان) تنتفض قائلة بقلق:
" ايه اللى افتكرتيه يا (توليب)؟"
وضعت الأخيرة يدها على فمها، وهي تتذكر حديثها مع (بهاء) عن معرفه أولاده بزاوجهما، وأيضاً تذكرت رد فعل (علاء) حين رآها لأول مرة، حتي (ثامر) كان متفاجئا، تملكتها الصدمة وقالت:
" محدش فيهم كان عارف مين هى مرات ابوهم"
-----------------
بخطوات متعثرة وثقيلة، دخل غرفة أبيه، يراه للمرة الأخيرة...
أجل هو أبيه، ولم يعرف أباً غيره، مهما رأي منه من قسوة ...سيظل أبيه.... ومهما ظهرت الأدلة والشهادات التي تثبت غير ذلك، فسيظل أبيه حتى وإن لم يعرف يوماً معني الأبوة، وكيف يكون حنان الأب وعطفه....فسيظل أبيه.. حتى ولو قضي ما تبقي من عمره ناقماً عليه، متألماً لما سببه له من معاناه، وعاني صعوبة ما مضى من حياته، فأنه يظل أبيه....ذلك الأب الذي لو كان الأمر بيده الآن لإعطاء من عمره ليظل بينهم، حتى ولو كان قاسيًا متجبراً، فيكفي وجوده في حياتهم.
بأصابع مرتجفة، لمس(براء) يد أبيه الباردة، ونظر إلى وجهه الشاحب الخالى من الحياة، اطال النظر إليه حتي فاضت عيناه بالدموع رغماً عنه، مال على يده وقبلها، ثم قال مودعا:
" أنا مسامحك يا حج....وهنسي أي ظلم ظلمته ليا....لان بعد ما عرفت الحقيقه ورا ظلمك ده.. أنا..."
وخنقة البكاء، فتابع بصوت مختنق:
" التمست لك الأعذار يا حج....."
قطع حديثه صوت الباب يفتح على مصراعيه، ودخول (علاء) العاصف، و إلى جانبه (حياة) وصاحب عمره الذي نفذ ما قاله وظل بجانب (علاء) حتي ينتهي من مراسم قراءه الفاتحه، دون أن يخبرهم بشئ بعد أن انسحب قبلهم، متحججا بأن اتصالا الذي ورده بشأن أمر هام فى الشركة لا يحتمل التأجيل، فلم يرد أن يكسر فرحة أخيه في مناسبة كهذه، كما أن حضوره لم يكن ليغير من الأمر شيئاً.
تلاقت عينا (براء) بعيني أخيه، اللتين تملؤها الدموع، أقترب (علاء) مهرولاً نحو جسد أبيه المسجي، وحين فهم من نظرات أخيه أن والده قد فارق الحياة. قال بصوت متقطع:
" آه يا...يا حج ..من حياة انت مش فيها ....ربنا يرحمك ...قد ايه هزني وجع فقداني ليك ..يا بابا"
----------------
"ومع اقتراب شهر رمضان؛ أشهدك يا ربّ أنك سبحانك أكرمتني وسترتني وأعطيتني من فضلك الواسع، وأنعمت عليَّ بكرمك وجودك.
وأحمدك على كل مرض غفر ذنب، وكل ابتلاء رفع مقام، وكل عسر جاء معه يسر، وكل منع كان هو نفسه عين العطاء.
وأسألك يا رب في رمضان المقبل سترًا وعفوًا وقربًا إليك، وأسألك العوض، العوض عن كل سوءٍ رأيته، وأسألك يا رب أن تجعلني لكَ كما تحب أنت.
اللهم بلغنا رمضان ونحن مجبورين ومطمئنين ياربّ"
--------
قراءه ممتعه للجميع 🥰
رجاء التصويت والكومنتات 🥹بجد الموضوع متعب احتاج تشجيع🥹
بقلم أسماء صالح
Asmaa saleh