روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم)
بقلم
أسماء صالح
---------
متي سيدق الحب بابى
متى سأعشق واستمع إلى دقاتي
ولا أريد أن اذق عذاباتي
ولا أود أن أرى تعاساتي
فانا أرغب ان اعيش في خرفاتي
ارسم المستقبل بخيالاتي
فلا اريد ان اقرأ اليأس في شعاراتي
----------
سارا معا فى طريق العودة، متشابكين الأيدي وبين دقيقة والآخرة يرفع يدها يطبع عليها قبلات الحارة، يرفع طرف عينيه يهديها نظراته العاشقة التى تجعل من وجنتيها كحبة طماطم، فأشاحت بوجهها بعيداً، تقول بخجل:
" بتبصلى كده ليه؟"
امال (يامن) برأسه جانبا لينظر إلي وجهها يقول بخفوت:
" بحبك❤️"
وضعت (بيان) يدها الأخرى على فمها تقول بدلال:
" طب ما انا عارفة"
ضحك وهو يقربها منه، يقول كلمته المعتادة:
" يا منجى من المهالك يارب"
ولكنه لمح ما سبب اختفاء تلك الضحكة وحل مكانها الغضب، فرأى (مسلم) يقف مع (توليب) بطريقة مريبة، وكأنه على وشك احتضانها، نظرت (بيان) إلى ما ينظر إليه، فشهقت تقول بتوتر:
" الحق (توليت) يا (يامن)"
ولكنه لم يستمع إلى حديثها، فكان بالفعل تحرك راكضا إلى شقيقته، وقد أظلم الغضب عينيه، فسحب ذاك (المسلم) من أمامها موجها له بعض اللكمات، يصيح قائلاً:
"انت اتجننت، ولا هى وصلت بيك الجرأة أنك تتطاول عليها"
نفض (مسلم) يده فى عنف، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة قائلاً:
"اهدي يا (يامن) انا معملتش حاجه"
هتفت (توليب) برعب تجذب أخيها:
"محصلش حاجه يا (يامن) ابعد ارجوك"
قال (يامن) وهو يوجه له نظرات حادة غاضبة، يرفع أصبعه فى تهديد واضح:
"حاول كده تقرب منها تانى وشوف ايه اللى هيحصلك"
احتوى كتف شقيقته تحت ذراعه، وحانت من عينيه إلتفاته، وقد انتفخت اوداجه هو يقول:
"ده أخر انذار إليك"
وأخذها حيث تقف (بيان) تتابع ما يحدث، تبكي في خوف من أن يتأذى حبيبها،فلطالما كان متهوراً عصبياً وخاصة مع ذلك المدعو (مسلم)، حين يقترب من شقيقته، فضحك حين اقترب منها يقول مداعباً:
"طب تعالى دافعي عني بدل ما انتي واقفة تعيطي بعيد"
ولكنها لم تضحك على مزحته بل انفجرت في البكاء، فترك شقيقته مقتربا منها تنغز دموعها قلبه، وضمها إليه يقول مطمئنا أيها:
"متخافيش يا حبيبتي محصلش حاجه لكل ده"
قالت من بين شهقاتها، وقد تخلل الخوف صوتها:
" لا اخاف، انت مبقتش تعرف تسيطر على عصبيتك خالص، وخصوصاً ادام (مسلم)"
قالت (توليب) بصوت مهزوز، ولم تتعدي ما حدث بعد:
" معاها حق يا(يامن) انت لازم تكون اهدى من كده"
علت نبرة صوته تحمل توابع غضبه، وهو يقول:
" اومال عايزينى اعمل ايه، لازم حد يوقفه عند حده"
ازداد نحيب (بيان) حين استمعت لتلك الكلمات، فاحس هو أنه بذلك يزيد من خوفها عليه، بدل ان يطمئن قلبها، فجذبها إليه يقبل جبينها، قائلاً بصوت حاول إخراجه هادئا:
" خلاص بقى اهدى"
بينما قالت (توليب) فى محاوله منها لتلطيف الأجواء قليلاً،وهى تربت على كتفها:
"خلاص بقي، المفروض أنا اللى انهار مش انتى "
وضعت (توليب) يديها تحت ذقنها وكأنها تفكر، تقول بمزاح:
"ولا انتى بتنهاري بالنيابة عني"
فضحك الثلاثة، فى حين مال (يامن) بجذعه صوب شقيقته يحاول ايغاظتها قائلاً:
"بتكرهي (مسلم) ليه يا (توليب)؟ ده حتى شخص محترم جدا"
رفعت (توليب) حاجبا جميلاً، تقول وقد نجح فى ايغاظتها:
" لا والله!، بقى (مسلم) محترم و جداً كمان!"
بينما لكزته (بيان) فى صدره تقول بإستهجان:
" فعلا محترم جداً، حتي معروف في القرية بتجارية المشبوهة ومشيو البطال بس"
علت صوت ضحكته الرجوليه، وهو يحاوط كتف (بيان) بذراع والذراع الاخر حاوط كتف شقيقته، يسير معهم فى طريق وهو يقول:
" أمتع حاجة فى الدنيا استفزازكم الصراحة"
فضحك الجميع على مزحته، رويداً رويداً هدأت ضحكاتهم، فقال هو وهو يقرب (توليب) إليه:
"متخافيش يا (توليب) لو اخر راجل فى الدنيا، انا لا يمكن أوفق علي جوازك منه"
شعرت (توليب) بالامتنان الشديد لأخيها، فكان عندها تخوف دائماً أن يخضع أبيها أو أخيها يوماً لإلحاح (مسلم) الدائم للإرتباط بها، فبعيد عن انه سمعته ليست جيدة فى المنطقة و تجارته الممنوعة التى يمتهنها، ألا أنها كان لها دائماً حلم فارس الأحلام ككل الفتيات، ولكن حلمها هى كان مختلفا فكان حلمها ان تقع فى قصة حب أسطورية، وليست بقصة حب اعتيادية ولم تلتفت ابداً لعشقه لها، فلطالما كان (مسلم) متيم بها منذ الصغر، يتحين كل الفرص لتقرب منها، بل وطلب الارتباط بها أيضاً.
(توليب) ابنه الاربعه وعشرون ربيعا حبيبه أبيها وصديقة اخيها، كانت ترفض دوما فكرة الزواج، من جهة خوفاً من الابتعاد عن اسرتها، ومن جهة تنتظر قصة حبها الوردية وكانت دائمة الخوف من الابتعاد عن قريتها.
------------------------------------------
وصل كلا من (يامن و توليب) إلى المنزل وهم يتسابقون، أي منهما يصل اولأ كما كانوا يتسابقون في صغرهم.
دخلت (توليب) تلهث، وهي تقفز في سعادة وكأنهم عادوا أطفالاً:
"أنا اللى سبقتك"
وقامت بإخراج لسانها له في حركة طفوليه للغاية، قام هو بالمسح على وجهها بطريقته الشهيرة:
"أنا اللى سايبك بمزاجي على فكرة"
أبعدت يده، وهي تقوم بإخراج لسانها له مرة أخرى، في حين ضحكت (وجدان) تقول بلهجة مستنكرة:
" كفاية لعب عيال بقي، وروحوا لابوكم اللى اتاخرتو عليه"
اتجاه (يامن) إلى حيث يجلس أبيه، وجلسه بجانبه يشاكسه قائلاً:
"طبعا يا حج (داوود) فطرت ومستنتش حد"
نظر له (داوود) بطرف عينيه شزرا، ثم نقل عينيه إلى (توليب) وابتسم في حب وهو يقول:
"وأنا اقدر أفطر من غير وردتي"
مالت (توليب) تقبل وجنته، وحاوطت عنقه تحتضنه، وهى تقول بإبتسامة بشوش ذات الطابع اللطيف:
"ربنا ما يحرمنا منك يا حبيبي"
نظر (يامن) إليهم يقول بتذمر طفولى:
" اطلع أنا منها يعنى"
هز (داوود) رأسه إيجابيا، فضحك الجميع وجلسوا بعدها لتناول طعامهم في سعادة لا يعكر صفو حياتهم أي شائبة.
-------------------------
جلس (داوود) في شرفة منزله يتناول القهوة مع (يامن)، فقرب الفنجان منه يرتشف من قهوته، وقال وهو يتأمل الغروب:
" الشقة دي مش هتخلص ولا ايه؟؟"
قال (يامن) بعشق، شارداً فى غروب الشمس البديع أمامه:
"والله يا حج لو عليا عايزها تخلص امبارح قبل النهاردة بس أعمل ايه، انت عارف التشطيبات الأخيرة بتاخد وقت اد ايه"
نقل (داوود) عينيه إليه متسائلاً، ارتشف من قهوته متأملا الغروب:
"لسه كتير؟"
"يعنى حوالى ٣ شهور"
وضع (داوود) الفنجان أمامه على الطاولة، ويقول بضحكة مستهجنة:
"ما انت لو تسيبك من الجري وراء (بيان) وتقف على يد العمال هتخلص قبل كده "
دخلت عليهم (وجدان) وهي تضع بعض الحلوي على الطاولة أمامهم، وجلست بعد أن أخذت القهوة خاصتها:
"قل له الله يخليك يا حج، أصل الحب كل دماغه"
ضحك (داوود) وهو يغمز لها:
"وماله الحب يا ست وجدان ولا نسيتي أنا عملت ايه زمان"
صفق (يامن) بيديه وهو يطلق صفيرا من فمهه:
"أيوة بقي يا حج احكيلنا مغامرتك"
ضربت (وجدان)كتف (داوود)، تقول في خجل:
"خلاص بقي يا حج كبرنا"
رفع (داوود) يديه فى اعتراض مازحاً:
" لا أنا لسه شباب، وبعدين هو في زيك يا قمر انت "
نهض (يامن) يتحرك صوب الداخل، يقول
وهو يلملم ابتسامته:
"أنا بقول نلغي القهوة، واروح اجبلكم اتنين لمون"
------------------------------
صغيرة هادئة هذه القرية تتميز بقلة الازدحام، على عكس العاصمة فهى كبيرة بها الكثير من الاعداد التي تسبب هذا الزحام، وفى هذا الزحام علق هو به، وهو فى طريقه عودته إلى المنزل، فتأفف يقول وقد ضاق صدره من شدة الزحام، يفتح نافذة سيارته:
"الوضع صعب أوي النهارده"
قام بفتح أول زر من قميصه يشعر بالضيق فهو يعرف جيداً ماذا سيحدث بسبب تأخره هذا، رأى وميض هاتفه يعلن عن اتصال وارد فأجاب بترقب، رغم معرفته الجيدة بما ستيحويه تلك المكالمة، فإستمع إلى الطرف:
"انت فين كل ده يا (براء)؟ بابا مبطلش سؤال عليك"
حاول كتم غيظه رادا على شقيقه الأصغر مغمغها:
"الدنيا زحمه يا حبيبي، وبعدين خلاص أنا قربت أوصل "
قال الآخر بلهجة متوترة:
"انا هحاول اهدي الدنيا على ما توصل تمام"
"تمام"
قالها وهو يغلق الهاتف، ويلقي به على المقعد المجاور له، وضرب علي عجله القياده يقول بعصبية:
"طبعا هو مش هيفوت فرصه زي دي عشان يتخانق معاها"
واخذ نفس عميق وحدث نفسه يقول بيأس:
"لو بس تسمعي كلامى يا أمي و تيجي تعيشي معايا"
شرد قليلاً بأفكاره ولم ينتبه أن الطريق قد فتح أمامه، ولكنه أفاق على صوت زمامير السيارات خلفه، فأكمل طريقه وهو يدعي بداخله أن يمر الأمر علي خير، دون أن يكون سبباً في تعب أو أذيةوالدته.
----------------------------
فى أحد المنازل الفخمة ذات الطابقين، وقف (علاء) الشقيق الأصغر، أمام والده مدافعاً عن أمه:
"اهدي يا بابا الموضوع مش مستاهل كل دا"
هدر (بهاء) في غضب شديد:
"ازاي مش مستاهل، انت لسه مش فاهم طبيعة الشغل"
وحاول أبعاده من أمام (ليالى) زوجته،
يقول وهو يرغو ويزيد من شدة الغضب:
"شوفتى عمايل ابنك،... بيصغرني مع التجار"
لم يتزحزح (علاء) من أمام والدته، محاولا منعه الوصول إليها، يقول مدافعاً عنها:
"وهي ذنبها أيه بس يا بابا، دا كان قرار (براء)"
صاح من فوق كتف ابنه الأصغر، الذي يقف حائلاً بينهم، موجها حديثه إلى (ليالى):
"ادي آخره دلعك ليه، مبقاش يسمعلى كلمه، وكمان بيكسر كلامي"
بكت (ليالى) تقول بوهن، تستمد القوة من ابنها الذي يقف أمامها مباشرة:
"هو ادري بقرارات الشغل يا (بهاء)، ما هو اللى وقف الشركة والمصنع على رجليهم، بعد ما أعلنت انت افلاسك"
ركل (بهاء) المقعد بجانبه، يقول
وقد تصاعد الدم إلى رأسه:
"انتى كل شويه تعيدي نفس الكلام مبتزهقيش"
"وتزهق ليه يا بابا، ما دام هي دي الحقيقه"
قالها (براء) بعد أن دخل إليهم،
متجها مباشرة إلى أمه يضع ذراعه على كتفها يجذبها إلى احضانه بحماية، فسببت تلك الحركة فى غليان الدم فى عروق (بهاء) فإقترب منه :
"انت كمان بترد عليا"
كظم (براء) غيظه يقول، وهو يضم قبضتيه، محاولا إظهار تهذيبه لابيه:
" ابدا يا بابا استغفر الله"
حاول (علاء) سحب والده ليخفف من حده الموقف، وهو يقول بصوت حيادي:
"لا طبعا يا بابا، (براء) ميقصدش"
وحين وجده يستجيب له، أبعده عن مكانهم يتجه به صوب مكتبه:
"اهدي يا بابا كده، كل حاجه هتتحل، تعال اشرب قهوتك جوه"
دخل (بهاء) المكتب بصحبه (علاء)، يقول ولا زال صوته يحمل نبرة الغضب:
"انا هسكت دلوقتى بس عشانك يا (علاء)، بس بعد كده في كلام تانى"
-----_---------------------
ساعد أمه في الصعود إلى غرفتها، وبعد أن اجلسها على فراشها، ويجلس بجانبها يقول بلهجة قلقة، بعد ان صب لها القليل من الماء:
"ارجوكي اهدي يا أمي، ده مش كويس عشانك"
انتحبت (ليالى) وهي تاخذ منه كوب الماء، تقول وهى تنظر له بعتاب:
"يا ابنى انت ليه بتعانده"
استقام (براء) واقفاً، يقول بجسد متشنج يظهر غضبه بعينيه الخضراوين:
"أنا لا بعنده ولا حاجه يا ماما، هو اللي دايما بيعاند قراراتي، ولولا انى بصلح من وراه كانت الشركة وقعت تانى، أنا مش عارف هو بيعمل كده ليه، وليه مش بيتفق فأي قرار اخده، رغم أنه شايف انى حسنت من وضع الشركة"
مسحت (ليالى) وجنتيها، وحاولت الدفاع عنه:
"هو بس مش عايز يحس انك بتلغيه، و عايزك ترجع ليه في كل حاجه "
زادت قتامه عينيه، بسبب غضيه الدفين، وقد ارتفع صوته قليلاً، وهو يرفع شعره عن جبينه، قائلاً:
"ما علي يدك يا ماما، انا لما كنت بعمل كده، كان بيبقى رد فعله عامل إزاي"
جلس على ركبتيه أمامها، بعد أن وجدها تضع يديها على قلبها، فأمسك بيديها وقبلها يرتجي منها:
"ارجوكي يا أمي تعالى اقعدي معايا في البيت، وخليكى بعيده عنه"
مسحت هي على شعره، تقول حانية:
"مقدرش يا (براء)، ده مهما كان جوزي، وبعدين اسيب أخوك ازاي"
رفع عينه إليها يقول برجاء:
"(علاء) مفيش عليه خوف، الخوف عليكي انتى"
"مقدرش يا حبيبي، اسمع انت مني وأرجع عيش في وسطينا"
استقام واقفاً، وقد عاد إيه غضبه، يوليها ظهره:
"أنا اللى مقدرش، لا يمكن ارجع تاني بعد ما طردني أخر مرة، و هددني بيكي وبي......"
ترك باقى جملته معلقة، فى تألم لسانه قبل قلبه، وعاد يجلس على ركبتيه مرة أخرى إليها، يرفع وجهه إليها، وقد لسعت الدمع عينيه، ابت عليه كرامته ان يطلق العنان لها قائلاً:
"مش هستحمل يا أمي، أنه يمد أيده عليكي تانى ارجوكي تعالى معايا"
دخل (علاء) في تلك اللحظة، ووقف مكتفا ذراعيه تحت صدرة، يقول مازحا فى محاولة منه لتلطيف تلك الأجواء القاتمة:
"عايز تاخدها ليك لوحدك، اخر حاجه كنت اتوقعها منك الصراحة يا كبير"
ثم اقترب منه يهز رأسه هزات حزينة مزيفة قائلاً:
" الا الندالة يا كبير "
استقام (براء) واقفاً، يجاري أخاه فى مزاحه كي لا يزيد من تعب والدته، فلف ذراعه حول عنقه يقول وهو يجذبه إليه في مزاح:
"مين اللى ندل يا شبر ونص"
حاول (علاء )الفكاك منه، ضاحكاً، وهو يقول بتذمر طفولى:
"انت هتفضل تقولى كده لحد امتى، انا خلاص عندي ٢٥ سنه"
تأملتهم (ليالى) بمحبة وقد انشرح صدرها، بعد أن رأتهم أمامها يتمازحون هكذا، متحابين، فإبتسمت ممتنه لربها تدعى لهم بحب ملأ حنايا صدرها:
"ربنا مايحرمنيش منكم يا حبايب قلبي"
-----------------
مات وهو يقول
أمتي أمتي .
ألا يستحق منا أن نصلي عليه..
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ﷺ
---------
تتبع
أسماء صالح
Asmaa saleh