الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر

18 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

-------

حبيبتي

كتبتها بدماء قلبي

وقراتها بدموع عيني

وزينتها بقصائد شعري

حبيبتى

زرعتها وردة في بستان

نسيت معها الحرمان

عزفت عليها كل الألحان

حبيبتي

رأيت فيها ضوء قمري

احببت بها قدري

تغنيت معها على وتري

حبيبتي

بت ارسمها للنجوم

وقد محت ابتسامتها كل الهموم

ولم يعد على سحابتي تلك الغيوم

حبيبتي

أصبحت عندي كالضياء

اتنفس بها الهواء

أروي عطشي بها كالماء

حبيبتي

أنها كالزهور

تتفتح لتفوح منها العطور

فتنتشر في الهواء لتملأ الصدور

حبيبتي

لو عشت عمري كله اصفك

لعجزت عن الكتابة لاصف وجهك

ما تمكنت يوماً حتي من رسمك

حبيبتي.... حبيبتي.... حبيبتي

--------------------------------------

واخيرا انتهى اليوم بعد ان مر ثقيلا عليها بعكس العادة فكانت أشد الحاجة فى هذا الوقت لترك العنان لدموعها التى احرقت عينيها.

وقفت ترفع باقى الأطباق بعد ذهاب (ثامر) وأسرته، توليه ظهرها فلا قدرة لها على نظر إليه ورؤية خضار عينيه، فمجرد النظر في عينيه تشعر أنها في عالم آخر، تأبى تركه والعودة إلى الواقع الأليم.

استمعت إلى صوت (علاء) يقول بصوت ناعس:

" هتعمل ايه يا (براء) هتمشي ولا هتبات؟"

قال الآخر مقتربا منها يساعدها فيما تفعل:

" هبات الليلة هنا"

هرول (علاء) إلى غرفته قائلاً بمرح:

" هو ده الكلام، تصبحوا على خير"

أما هي فتملكها شعوران متناقضان الأول أنها فرحت لبقائه بشدة، والثاني أنها حقا تريد أن تختلي بنفسها تريد أن تضع حلا لتلك المشاعر، يجب أن تلجم شوقها وتلك الغيرة الحارقة.

قال مدققا فى ملامحها، يشعر بها مرتبكة:

" تسمحيلى أساعدك في المطبخ"

ابتسمت رغماً عنها لذكرى قريبه كانت بينهم في المطبخ، وقالت:

"تاني، لا شكراً"

سحب نفساً عميقاً بعد أن رأى ابتسامتها أخيراً، فقال بهدوء:

" لا خلاص ما أنا اتعلمت من آخر مرة"

تحركت صوب المطبخ، قائلة وقد تذكرت كذبة بشأن الليلة:

" وفر تعليمك لحد ت......"

بطرت جملتها، تنهر نفسها لانفلات لسانها، وتحركت بخطي سريعة نحو الحوض، وقد امتلأت عيناها بالدموع، لما الآن أيتها الدموع السخيفة؟، لما أمامه أظهر ضعيفة بهذا الشكل؟.

أما هو، فتحرك خلفها وقد لقط ما تعنيه بكلامها، فلم يستطع هذه المرة من تكذيب أذنه، يشعر بطبول الفرح تدق بصدره، فوقف بجانبها مساعدا إياها رغما عنها، وقال وقد لاحت ابتسامته على جانب فمه يعيد عليها ما سمعه أول مرة:

" مقولتش اني رايح اقابلها، لأن دي الحقيقه"

أدارات رأسها إليه تقول وهي تكافح نفسها لكي لا تبكي، ولكن احمرار عينيها فضح أمرها:

" انت مش محتاج تبرر ليا حاجه، هو كان سؤال فضولى مش اكتر"

دني منها خطوة، يسحب رائحتها داخله مغمض العينين، وقال:

" وانا بردو ياستي برد على السؤال الفضولى ده"

دون إرادة منها، اندفعت تقول:

" اتفضل انا سامعه "

دني خطوة أخرى، مستشعرا حرارة جسدها بجانبه، فقال بخفوت مذيب لاعصابها:

" انا قبلت الدعوة بس عشان السيد (عبد الهادي) والدها شريكي الجديد، ومكنش ينفع انى ما اروحش احتراما ليه"

وقبل أن تنطق بشئ قال مدعياً فهو لن يتمكن من أخبارها بالسبب الحقيقي من وراء ذهابه:

" وقولتلك أنى عندي شغل لاني بردو دي كانت الحقيقة بس انا أجلت كل حاجه عشان اعرف اجاي النهاردة، حتى أنا مطولتش عندهم وجيت على طول عشان......عشان..."

وصمت يحاول التحكم في لسانه ولكنه لم يتمكن، فنطق هامسا:

" عشان مزعلكيش وتفرحي بلمتنا زي ما كنتي عايزة"

هنا، وبعد أن استمعت لكلماته التي كانت كالدواء لجراحها، انفجرت باكيه تضع يديها على وجهها، تحتقر نفسها لانهيارها هذا، ولكنها أيضاً عاجزة عن التوقف، بينما هو انخلع قلبه لرؤيتها بهذا الانهيار، فلمس مرفقها يديرها لتكون في مواجهته، يبتلع ريقه بصعوبة، قائلاً:

" (توليب)، فى ايه؟ انا ضايقتك ولا ايه؟"

هزت راسها بلا، تشعر بالاحراج منه، ولا زالت أيضاً تبكي، تحركت فى رقبته تفاحه آدم صعودا وهبوطا، ينهت من فوران المشاعر بداخله، فرفع يديه ليبعد كفيها عن وجهها، فرفعت عينيها الحمراوين إليه، تقول بصوت مهزوز هامس:

" أنا آسفه، بس حسيت بخنقه فجأة"

لمس وجنتيها بطرف إبهامه، محاولا التحكم في نفسه بإرادة من حديد كي لا يجذبها إلى أحضانه، كانت عيونه تتجول في وجهها، ولو بيده لأبعد عنها كل ما يولمها، وقال بصوت متقطع خافت:

" ممكن متعيطيش"

أما هي، فتلك اللمسة سببت انتفاضة جسدها بقشعريرة، فارتجف صوتها وهي تستشعر دفء أصابعه على بشرتها:

" خلاص انا كويسه"

ولكنه لم يبعد يديه، بل وضع كفه على وجهها متحسسا تلك البشرة التي دائماً كانت تغريه للمسها، يشعر بنعومتها ورقتها تحت كفة الكبير.

أما هي، فكادت تذوب للمسة يده، ولكنها استجابت لتنبيه عقلها لم يحدث، فلمست يده برقه تبعدها، وهي تقول وقد اكتست الحمرة وجهها:

" شكراً للمرة الثانية انك بتسمعني"

لم ينطق، فقد كان مأخوذاً بجمالها من هذا القرب، ولمسة يدها فجرت الحمم السائل بداخله، فلم يشعر إلا وهو يميل على يدها مقبلا إياها، ولكن هذه المرة قبل باطن كفيها بعشق تحرر بعد سنين من الكتمان.

اتسعت عيناها، وقالت وقد قاربت أنفاسها عن الانقطاع همسا:

" (براء)"

رفع عينيه إليها وهو مازال مائلاً على كفيها، كيف سيتركها الآن بعد أن استمع إلى اسمه بهذه الطريقة التي تجعله يفقد السيطرة على حاله، انجرفت نظراته إلى شفتيها المعذبة له، فكاد ينطق قائلاً:

" عيون وقلب (براء)"

ولكنه تراجع، تاركاً يدها على مضض، يهمهم قائلاً:

"نعم (توليب)"

عضت على شفتيها تشعر بالخجل، تابع هو حركتها تلك التي فجرت ذرات ثابته، ولكنه تراجع خطوه يجبر قدميه على ذلك، فهو لن يتمكن من منع نفسه عنها بعد ثانيه أخري يقف فيها معها، فاستمع إليها تقول بخجل انثوي غاية الرقة:

" تصبح على خير"

وهرولت مبتعدة عنه تصعد إلى غرفتها، تشعر أن قلبها يكاد يتوقف من شدة خفقانه فوضعت يدها على قلبها معترفه لنفسها بأنها عاشقه لهذا الرجل حتى النخاع.

وعند هذا الاعتراف، بهتت ملامحها واستفاقت من حلمها الوردي، تحقر من نفسها على عدم قدرتها على لجم مشاعرها، فالمها قلبها وهي تلقي بنفسها على الفراش، تضم ركبتيها إلى صدرها تبكي بحرقة، تقول همساً:

" ايه اللى عملته في نفسي؟! ده حرام"

ودفنت رأسها بالوسادة تصرخ بقهر:

" حررااااااام"

------------------------------------

صعد إلى غرفته، لا يستجيب لأي تنبيه أو افاقة من عقله، فيريد أن يحتفظ بتلك اللحظات، يصبر نفسه بها في الأيام الذي يضنيه بها الشوق، رفع يديه إلى أنفه يشتمها باحثاً عن رائحتها، ثم قبلها بوله بعد تذكره لمسه بشرتها الناعمة.

ألقي بنفسه على الفراش، لا يريد أن يلمس أي شيء حتى لا تختفي رائحتها من يده، ولكن حين وضع رأسه على الوسادة وجد فيها رائحتها فظل يشتمها يميناً و يسارا، مؤكداً لنفسه أنها رائحتها، فهو لن يتوه ابدا عنها، كيف وصلت إلى هنا؟! ولكنه لم يهتم بكيف، كل ما فعله هو أنه ضم الوسادة إلى صدره، دافنا رأسه بها يمرغ أنفه بها، ساحبا عبيرها إلى صدره منتشيا بسعادة لم يذقها منذ زمن بعيد.

-----------------------------------------

فى هذه الليلة، عاد متأخراً مخمورا هارباً من الوضع الذي أوقع نفسه به، من اين له بكل تلك الأموال؟ ومن اين سيحضرها؟ لذلك (المسلم) لقد أخبره أن سيصبر عليه ليوم واحد ولكن مر حتى الآن ثلاث أيام، ماذا لو اذي صغيره؟ فلم يفكر في هذا وهو يحسبها.

دخل غرفته يترنح ويحدث نفسه:

" حسبتها غلط يا (بهاء) انتقامك عماك ومحسبتهاش صح وطمعت في كل حاجه من غير دراسة لإبعاد الحكاية"

ارتمي على الفراش ليخلد إلى نوم قلق ولكنه نوي الذهاب إلى (براء) غداً مرة أخرى ليطالبه بتلك الأموال، حتى لو كان الحل هو أن يبيع الشركة والمصنع، فسيجبره على فعلها لا محاله، فتلك تذكرة نجاته.

-------------------------------

استيقظت في اليوم التالي تغمرها السعادة، برغم كل ما حدثت به نفسها أمس، فلم تتمكن من تنفيذ أي منها لمجرد أنه موجود بالمنزل وستتمكن من رؤيته ورؤية عينيه المهلكة التي تأخذها إلى عوالم أخرى يكون بها بطلها ومنقذها ومعشوقها.

تحركت صوب المطبخ في الصباح الباكر، تشعر بالحماسة التي دبت فى كل ذرة منها، وهي تقوم بتحضير الفطور قبل استيقاظ الجميع، تدندن أغنية لعبد الحليم بصوت خافت، وحين وصلت لمقطع:

"آه لو شفتم عينيه حلوين اد ايه"

توردت تكمل بعشق ملأ قلبها حتي غرقت هي به دون إرادة منها.

علا صوتها قليلاً وهي تتغني بتلك الكلمات غافلة عن ذلك الذي يسند بكتفه على إطار باب المطبخ، مراقباً أياها وقد تضخمت عضلة قلبه وهو يستمع إلى غنائها، يمني نفسه أنها تقصده بتلك الكلمات،

وحين انتهت قال وعلى شفتيه تلك البسمه المهلكة التي يخصها بها:

" بتحبي أغاني عبد الحليم"

انتفضت وصرخت صرخه خافته أسقطت قلبه لرقتها، فضحك عالياً قائلاً:

" لسه بتتخضي من أقل حاجه"

شعرت بالخجل وهي تلتفت إليه مسبله الجفنين قائلة:

" ما اخدتش بالى انك موجود"

أقترب، يجول بعينيه على تفاصيل وجهها التي كستها الحمرة الفاتنة وهو يقول:

" صوتك حلو على فكره"

رفعت إليه عينيها البنتين، وقد تاهت في عمق عينيه، فقال هو بمكر مقتربا منها أكثر:

" اشمعني الأغنية دي بالذات"

انتفض جسدها وارتبكت حين وجدته واقفا أمامها مباشره، يكاد يكون ملاصقا لها، فقالت بتلعثم:

" بحبها .....مش ....اكتر"

نزل بعينيه إلى شفتيها، يقول هامسا، لا يري غيرها وكأنه يقف معها في مكان منعزل عن كل البشر، يشعر أن إرادته سلبت منه وهو يتقدم نحوها بتلك الجرأة وهذا الانفلات:

"يعني مفيش سبب معين لحبك الأغنية دي؟"

ابتعدت خطوه إلى الخلف، ترتكز بكلتا يديها على الرخام خلفها، تتأمل وجهه القريب بوله وحضوره الطاغي يسلب لبها، فهزت رأسها بالنفي، تسحب أنفاسه العطر إلى صدرها، وتقول بصوت متهدج مرتجف، أفقده ذرات ثباته:

" يمكن يكون فيه...."

بطرت كلامها حين رفع يديه ليبعد شعرها عن وجهها، خلف أذنها بأطراف أصابعه ببطء يتحسس تلك الخصلة هبوطا إلى كتفها، التي تستقر عليه ضفيرتها، قائلاً ولا زالت عينيه مسمرتين على شفتيها وصوت أنفاسهم يملأ الفراغ حولهم :

" فى ايه؟، كملي"

اتسعت عيناها لا تستوعب ما يحدث الآن، ولكن كل ما تمنته في تلك اللحظة أن يضمها إلى صدره ليهدئ من ارتجاف جسدها، ويشعرها بالأمان التي تفتقده.

كان قريبا للغاية، ولكن دون تلامس حتى أن كلاً منهما استشعر حرارة جسد الآخر، يرفض أي منهما أن يبادر بالابتعاد أو الاستماع إلى تنبيهات العقل بالخطر من ذاك القرب.

وفجأة استمعا كلا منهم إلى صوت(علاء) يقول بلهجة جادة عن غير العادة:

" صباح الخير"

انتبهوا أخيراً لما يحدث، وسقطوا أرضا بعدما كانوا يطفون محلقون في سماء العشق سقطوا على صخرة الواقع المؤلم الذي يعيشون به.

أبتعد عنها سريعاً، ينظر إلى أخيه فقرأ بعينيه عدم الرضا، فقال بصوت حرج متحشرج رغماً عنه اثر المشاعر:

" صباح الخير"

هرش في ارنبه أنفه يجلي صوته:

" مش بالعادة يعني تصحي بدري"

أما هي، فاستدرات تعطيهم ظهرها، يكاد قلبها يتوقف من شدة الإحراج، شاعرة بالضيق من حالها تنهر نفسها لما حدث، وتود لو تنشق الارض وتبتلعها، كيف وقفت أمامه هكذا فاقده لزمام أمرها، اي فكره سياخذها عنها الآن؟.

فتنحنحت قائلة، دون أن تلتفت إليهم:

" صباح النور، اتفضلوا الفطار جاهز"

تنقل (علاء) بعينيه بينهم، لا يعجبه ما رآه ولكنه لم يعلق كي لا يحرج أخاه، ينوي التحدث معه بهذا الشأن فيما بعد، يكفيه احراجه الآن فلأول مرة يشعر بأن أخاه محرجا من شئ ما، فحاول تغير الأجواء بمزاجه:

" تسلم ايدك يا (تولي)، ده الواحد قايم هفتان بشكل"

التقط (براء) ما يحاول أخوه فعله، فوضع يديه فى جيبه، يقول وهو يتحرك صوب الخارج يجاري أخيه فيما يفعل ليخفف من إحراجها و ارتباكها الواضح له:

" انت على طول هفتان يا شبر ونص"

-----------------------------------------

رد على هاتفه يخفي توتره وهو يقول:

" لسه الشهر فاضل فيه يومين"

صاح الآخر بغضب:

" انت لو اتاخرت يوم واحد فوق الشهر يا (مسلم) هتكون نهايتك"

وهتف يستشيط غضباً:

" لما قبلت اني احرق المزرعه بدالك عشان تبعد الشبهه عنك، اتفقت معايا على أسبوع مش ٦ شهور"

وصاح بصوت شق سكون الصباح:

" اوعي تكون فاكر اني مش هعرف آذيك ، لا تبقي غلطان انت كل بلاويك في حجري من أول ما بعتني مراسل لسي (براء) عشان تبعده عن السنيورة وش المصايب كلها"

قال (مسلم) محاولا إخفاء القلق من صوته:

" ياعم (سيد) قلتلك اخرك معايا يومين لو الفلوس موصلتش أعمل اللى انت عايزه"

صاح (سيد) مجدداً:

" بالفوايد يا سي (حموكشة) عشان مقلبش عليها وطيها واكون مبلغ عن تجارتك واوديك وراء الشمس "

ثم اغلق الهاتف في وجهه، فسقط عنه ادعاء الشجاعة وهو يعتصر الهاتف بيده، قائلاً وهو يسحق أسنانه من شدة الغضب:

" شكلك كده يا (بهاء) ال****مش ناوي تجبيها لبر والكلام مش هيجيب معاك نتيجة"

فقام بالاتصال به ولكنه لم يجد إجابة فاظلمت عيناه وقد عزم أمره أنه سيذهب إليه باحثاً عنه في العاصمة، يخبر نفسه أنه سيجده بسهولة، وسيجد ألف من يدله عن شركة (الجارحي).

------------------------------------

استيقظ في ساعة متأخرة من النهار، فأمسك هاتفه ينظر إليه، وحين وجد إتصالا من (مسلم) انتفض ناهضا عن فراشه، ينظر إلى الساعة، فإنكمشت ملامحه وهو يحدث نفسه:

" انا لازم أروح الشركة، ل(براء) الزفت واوضع حل للمصيبه دي"

خرج من غرفته والغضب يصب باوردته وحين رآها تجلس على الأريكة شاردة الذهن، وجد من يصب عليه جام غضبه، فصاح مما جعلها تنتفض في فزع من شدة صياحه:

" انتى يا ست هانم بقالى ساعة بكلمك"

هبت واقفه وقد ملأ الذعر قلبها من ملامحه، تسأل نفسها أكان هنا؟، أراها وهي تقف أمام (براء) في المطبخ؟ لهذا يصيح بهذا الشكل، فقالت بصوت متقطع خائف:

" اسفة، ما اخدتش بالى"

اقترب منها بخطوات واسعة هادرا بقوة:

" وما خدتيش بالك ليه أن شاء الله ؟ايه اللى وأكل عقلك يا هانم؟"

ابتعدت خطوتين إلى الخلف، يرتجف جسدها خوفاً فمن بين كل المرات التي غضب عليها فيها هذه هي المرة الأولى التي تراه بهذا الشكل، فقالت بصوت مرتعش:

" مفيش حاجه، انا بس كنت سرحانه شويه، هروح احضرلك الفطار حالا"

لطمه قوية اوقفتها وجعلت رأسها ترتد للخلف من قوتها، وهدر بها بعيون مظلمة من شدة الغضب:

" لسه حتحضري، مش عايز حاجه منك، دايما سادة نفسي"

وصاح في وجهها بانفاسه الكريهة:

" كان يوم أسود يوم ما فكرت اتجوزك، جيتي وجبتي معاكي الهم والقرف كان وشك فقر عليا"

جحظت عيناها لما تستمع إليه، ونسيت ألم تلك اللطمه التي ظهر أثرها سريعاً لقوتها وصرخت بكل قهر كتمته بداخلها منذ أن تزوجته:

" يبقي طلقني حالا، ادام الجاريه إلى اشترتها معرفتش تمتعك يبقي طلقها"

انفجرت الدموع من عينيها وهي تصرخ، لا تبالي بغضبه ولا بقبضته التي أشهرها فى وجهها قائلة:

" طلقني واعتقني لوجه الله يا عمو (بهاء)"

حين أستمع إلى سخريتها منه بهذه الطريقة، فقد السيطرة على نفسه، وبدلا أن يصفعها مرة أخرى، وجه إليها لكمه قوية للغاية أسقطتها أرضا، واظلمت الدنيا بعينيها حتى أحست أنها على وشك الإغماء ولكنها كانت رفاهيه بالنسبة لها، فانفجرت الدموع من عينيها في بكاء صامت، ولكنها صرخت حين جذبها من شعرها يصيح بها:

" انا مش هعديلك اسلوبك ده، بس لما افضالك هتشوفي مني معامله توريكي مين يكون عمو (بهاء)"

ثم ترك رأسها بعنف فإصطدمت بالأرض،

تراه يرحل عنها، تبكي تشعر بالغصة في حلقها عاجزة حتى عن الحركة، فضمت نفسها في مكانها على الأرض تتمني تحقيق حلمها ويأتي منقذها ويحررها من سجنها هذا.

-----------------------------------------

دخل مكتبه شاردا الذهن مارا ب (نوران) لكنه لم ينتبه لها، فوقفت هي متعجبه حالة هذا، فكانت تعتقد أنه سيستقبلها بطريقة أخرى مرحباً بعودتها، أو هكذا تمنت في أعماقها، فوبخت نفسها قائله:

" بلاش تتخيلي حاجه احسنلك"

لحقته تدخل خلفه ببعض الأوراق فوجدته جالساً شارد وعلى وجهه الجدية، تعجبت قائلة لنفسها:

" كام شخصيه عندك يا ابن الحلال؟!"

ثم وضعت الأوراق أمامه تتنحنح قائلة:

" صباح الخير"

وأشارت على الأوراق قائلة:

" طبعت الأوراق زي ما طلبت من سكرتيرة (براء) بيه "

رفع إليها مقلتين تاهتين قائلاً:

" تمام، اطلبيلي القهوة بتاعتي لو سمحتي"

هزت رأسها وهي تهم بالخروج، تشعر بالاستياء لا يعجبها (علاء) الجاد لاتليق به تلك الشخصية، فالتفتت إليه نصف التفاته عند الباب، وسألت:

" انت كويس يا (علاء) بيه؟"

هز أيضاً رأسه بالإيجاب دون أجابه، وعاد إلى شروده، يفكر أنه يجب أن يتحدث مع أخيه ويسأله عن هذا الوضع، فهو لا يريد أن يسئ الظن بأخيه.

---------------------------------

دلف الشركة بخطوات غاضبة، يخفي خلف غضبه هذا قلقاً كبيراً وخوف من تلك التسجيلات أن تصل إلى الشرطة، وحين خرج من المصعد متجهاً إلى مكتب (براء)، أضاء هاتفه بإسم (مسلم) ارتعشت يده وهو يرفع الهاتف إلى أذنه ليستمع إليه يقول بتهديد:

" أنا اديتك اكتر من وقتك، وشكلك كده مبتجيش بالكلام، انا في طريقي للعاصمة دلوقتى وهاخد كل اللى عايزه منك لو مش بالزوق يبقي بالتسجلات إلى معايا"

وأغلق الهاتف بوجهه.

غامت الدنيا بعين (بهاء) وضاق صدره، يشعر بألم حارق في قلبه فوضع يده على قلبه غير قادر على التحرك أو طلب النجدة من أحد، أجبر قدميه على التحرك وهو يفك ازرار قميصه، يتنفس بصوت عالٍ وما أن خطي خطوتين حتي سقط أرضا فاقدا وعيه من شدة ألم قلبه.

فى نفس الوقت، كان (علاء) فى طريقه إلى مكتب أخيه ليفهم منه ما حدث صباح اليوم، ولكنه أثناء ذلك وجد أبيه يتحرك بترنح وكأنه يتألم، وفجأة سقط أرضا، فصاح الآخر راكضا إليه بوجهه يعلوه الهلع:

" باااااابا"

وحين اقترب، نزل على عقبيه بجانبه محاولا افاقته وعندما لم يجد منه استجابه، صاح في الموظفين الذين تجمعوا حوله ليروا ما حدث قائلاً:

" الإسعاف، حد يتصل بالاسعاف"

وهدر بصوت شق عنان السماء يستنجد به:

" الحقني يا (برااااااااااااااء)"

---------------------------

قراءه ممتعة 🥰

لسه فى مفاجات كتير 😉🫣

مستنيه رايكم ودعمكم وتشجيعكم 🥰

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

-------

حبيبتي

كتبتها بدماء قلبي

وقراتها بدموع عيني

وزينتها بقصائد شعري

حبيبتى

زرعتها وردة في بستان

نسيت معها الحرمان

عزفت عليها كل الألحان

حبيبتي

رأيت فيها ضوء قمري

احببت بها قدري

تغنيت معها على وتري

حبيبتي

بت ارسمها للنجوم

وقد محت ابتسامتها كل الهموم

ولم يعد على سحابتي تلك الغيوم

حبيبتي

أصبحت عندي كالضياء

اتنفس بها الهواء

أروي عطشي بها كالماء

حبيبتي

أنها كالزهور

تتفتح لتفوح منها العطور

فتنتشر في الهواء لتملأ الصدور

حبيبتي

لو عشت عمري كله اصفك

لعجزت عن الكتابة لاصف وجهك

ما تمكنت يوماً حتي من رسمك

حبيبتي.... حبيبتي.... حبيبتي

--------------------------------------

واخيرا انتهى اليوم بعد ان مر ثقيلا عليها بعكس العادة فكانت أشد الحاجة فى هذا الوقت لترك العنان لدموعها التى احرقت عينيها.

وقفت ترفع باقى الأطباق بعد ذهاب (ثامر) وأسرته، توليه ظهرها فلا قدرة لها على نظر إليه ورؤية خضار عينيه، فمجرد النظر في عينيه تشعر أنها في عالم آخر، تأبى تركه والعودة إلى الواقع الأليم.

استمعت إلى صوت (علاء) يقول بصوت ناعس:

" هتعمل ايه يا (براء) هتمشي ولا هتبات؟"

قال الآخر مقتربا منها يساعدها فيما تفعل:

" هبات الليلة هنا"

هرول (علاء) إلى غرفته قائلاً بمرح:

" هو ده الكلام، تصبحوا على خير"

أما هي فتملكها شعوران متناقضان الأول أنها فرحت لبقائه بشدة، والثاني أنها حقا تريد أن تختلي بنفسها تريد أن تضع حلا لتلك المشاعر، يجب أن تلجم شوقها وتلك الغيرة الحارقة.

قال مدققا فى ملامحها، يشعر بها مرتبكة:

" تسمحيلى أساعدك في المطبخ"

ابتسمت رغماً عنها لذكرى قريبه كانت بينهم في المطبخ، وقالت:

"تاني، لا شكراً"

سحب نفساً عميقاً بعد أن رأى ابتسامتها أخيراً، فقال بهدوء:

" لا خلاص ما أنا اتعلمت من آخر مرة"

تحركت صوب المطبخ، قائلة وقد تذكرت كذبة بشأن الليلة:

" وفر تعليمك لحد ت......"

بطرت جملتها، تنهر نفسها لانفلات لسانها، وتحركت بخطي سريعة نحو الحوض، وقد امتلأت عيناها بالدموع، لما الآن أيتها الدموع السخيفة؟، لما أمامه أظهر ضعيفة بهذا الشكل؟.

أما هو، فتحرك خلفها وقد لقط ما تعنيه بكلامها، فلم يستطع هذه المرة من تكذيب أذنه، يشعر بطبول الفرح تدق بصدره، فوقف بجانبها مساعدا إياها رغما عنها، وقال وقد لاحت ابتسامته على جانب فمه يعيد عليها ما سمعه أول مرة:

" مقولتش اني رايح اقابلها، لأن دي الحقيقه"

أدارات رأسها إليه تقول وهي تكافح نفسها لكي لا تبكي، ولكن احمرار عينيها فضح أمرها:

" انت مش محتاج تبرر ليا حاجه، هو كان سؤال فضولى مش اكتر"

دني منها خطوة، يسحب رائحتها داخله مغمض العينين، وقال:

" وانا بردو ياستي برد على السؤال الفضولى ده"

دون إرادة منها، اندفعت تقول:

" اتفضل انا سامعه "

دني خطوة أخرى، مستشعرا حرارة جسدها بجانبه، فقال بخفوت مذيب لاعصابها:

" انا قبلت الدعوة بس عشان السيد (عبد الهادي) والدها شريكي الجديد، ومكنش ينفع انى ما اروحش احتراما ليه"

وقبل أن تنطق بشئ قال مدعياً فهو لن يتمكن من أخبارها بالسبب الحقيقي من وراء ذهابه:

" وقولتلك أنى عندي شغل لاني بردو دي كانت الحقيقة بس انا أجلت كل حاجه عشان اعرف اجاي النهاردة، حتى أنا مطولتش عندهم وجيت على طول عشان......عشان..."

وصمت يحاول التحكم في لسانه ولكنه لم يتمكن، فنطق هامسا:

" عشان مزعلكيش وتفرحي بلمتنا زي ما كنتي عايزة"

هنا، وبعد أن استمعت لكلماته التي كانت كالدواء لجراحها، انفجرت باكيه تضع يديها على وجهها، تحتقر نفسها لانهيارها هذا، ولكنها أيضاً عاجزة عن التوقف، بينما هو انخلع قلبه لرؤيتها بهذا الانهيار، فلمس مرفقها يديرها لتكون في مواجهته، يبتلع ريقه بصعوبة، قائلاً:

" (توليب)، فى ايه؟ انا ضايقتك ولا ايه؟"

هزت راسها بلا، تشعر بالاحراج منه، ولا زالت أيضاً تبكي، تحركت فى رقبته تفاحه آدم صعودا وهبوطا، ينهت من فوران المشاعر بداخله، فرفع يديه ليبعد كفيها عن وجهها، فرفعت عينيها الحمراوين إليه، تقول بصوت مهزوز هامس:

" أنا آسفه، بس حسيت بخنقه فجأة"

لمس وجنتيها بطرف إبهامه، محاولا التحكم في نفسه بإرادة من حديد كي لا يجذبها إلى أحضانه، كانت عيونه تتجول في وجهها، ولو بيده لأبعد عنها كل ما يولمها، وقال بصوت متقطع خافت:

" ممكن متعيطيش"

أما هي، فتلك اللمسة سببت انتفاضة جسدها بقشعريرة، فارتجف صوتها وهي تستشعر دفء أصابعه على بشرتها:

" خلاص انا كويسه"

ولكنه لم يبعد يديه، بل وضع كفه على وجهها متحسسا تلك البشرة التي دائماً كانت تغريه للمسها، يشعر بنعومتها ورقتها تحت كفة الكبير.

أما هي، فكادت تذوب للمسة يده، ولكنها استجابت لتنبيه عقلها لم يحدث، فلمست يده برقه تبعدها، وهي تقول وقد اكتست الحمرة وجهها:

" شكراً للمرة الثانية انك بتسمعني"

لم ينطق، فقد كان مأخوذاً بجمالها من هذا القرب، ولمسة يدها فجرت الحمم السائل بداخله، فلم يشعر إلا وهو يميل على يدها مقبلا إياها، ولكن هذه المرة قبل باطن كفيها بعشق تحرر بعد سنين من الكتمان.

اتسعت عيناها، وقالت وقد قاربت أنفاسها عن الانقطاع همسا:

" (براء)"

رفع عينيه إليها وهو مازال مائلاً على كفيها، كيف سيتركها الآن بعد أن استمع إلى اسمه بهذه الطريقة التي تجعله يفقد السيطرة على حاله، انجرفت نظراته إلى شفتيها المعذبة له، فكاد ينطق قائلاً:

" عيون وقلب (براء)"

ولكنه تراجع، تاركاً يدها على مضض، يهمهم قائلاً:

"نعم (توليب)"

عضت على شفتيها تشعر بالخجل، تابع هو حركتها تلك التي فجرت ذرات ثابته، ولكنه تراجع خطوه يجبر قدميه على ذلك، فهو لن يتمكن من منع نفسه عنها بعد ثانيه أخري يقف فيها معها، فاستمع إليها تقول بخجل انثوي غاية الرقة:

" تصبح على خير"

وهرولت مبتعدة عنه تصعد إلى غرفتها، تشعر أن قلبها يكاد يتوقف من شدة خفقانه فوضعت يدها على قلبها معترفه لنفسها بأنها عاشقه لهذا الرجل حتى النخاع.

وعند هذا الاعتراف، بهتت ملامحها واستفاقت من حلمها الوردي، تحقر من نفسها على عدم قدرتها على لجم مشاعرها، فالمها قلبها وهي تلقي بنفسها على الفراش، تضم ركبتيها إلى صدرها تبكي بحرقة، تقول همساً:

" ايه اللى عملته في نفسي؟! ده حرام"

ودفنت رأسها بالوسادة تصرخ بقهر:

" حررااااااام"

------------------------------------

صعد إلى غرفته، لا يستجيب لأي تنبيه أو افاقة من عقله، فيريد أن يحتفظ بتلك اللحظات، يصبر نفسه بها في الأيام الذي يضنيه بها الشوق، رفع يديه إلى أنفه يشتمها باحثاً عن رائحتها، ثم قبلها بوله بعد تذكره لمسه بشرتها الناعمة.

ألقي بنفسه على الفراش، لا يريد أن يلمس أي شيء حتى لا تختفي رائحتها من يده، ولكن حين وضع رأسه على الوسادة وجد فيها رائحتها فظل يشتمها يميناً و يسارا، مؤكداً لنفسه أنها رائحتها، فهو لن يتوه ابدا عنها، كيف وصلت إلى هنا؟! ولكنه لم يهتم بكيف، كل ما فعله هو أنه ضم الوسادة إلى صدره، دافنا رأسه بها يمرغ أنفه بها، ساحبا عبيرها إلى صدره منتشيا بسعادة لم يذقها منذ زمن بعيد.

-----------------------------------------

فى هذه الليلة، عاد متأخراً مخمورا هارباً من الوضع الذي أوقع نفسه به، من اين له بكل تلك الأموال؟ ومن اين سيحضرها؟ لذلك (المسلم) لقد أخبره أن سيصبر عليه ليوم واحد ولكن مر حتى الآن ثلاث أيام، ماذا لو اذي صغيره؟ فلم يفكر في هذا وهو يحسبها.

دخل غرفته يترنح ويحدث نفسه:

" حسبتها غلط يا (بهاء) انتقامك عماك ومحسبتهاش صح وطمعت في كل حاجه من غير دراسة لإبعاد الحكاية"

ارتمي على الفراش ليخلد إلى نوم قلق ولكنه نوي الذهاب إلى (براء) غداً مرة أخرى ليطالبه بتلك الأموال، حتى لو كان الحل هو أن يبيع الشركة والمصنع، فسيجبره على فعلها لا محاله، فتلك تذكرة نجاته.

-------------------------------

استيقظت في اليوم التالي تغمرها السعادة، برغم كل ما حدثت به نفسها أمس، فلم تتمكن من تنفيذ أي منها لمجرد أنه موجود بالمنزل وستتمكن من رؤيته ورؤية عينيه المهلكة التي تأخذها إلى عوالم أخرى يكون بها بطلها ومنقذها ومعشوقها.

تحركت صوب المطبخ في الصباح الباكر، تشعر بالحماسة التي دبت فى كل ذرة منها، وهي تقوم بتحضير الفطور قبل استيقاظ الجميع، تدندن أغنية لعبد الحليم بصوت خافت، وحين وصلت لمقطع:

"آه لو شفتم عينيه حلوين اد ايه"

توردت تكمل بعشق ملأ قلبها حتي غرقت هي به دون إرادة منها.

علا صوتها قليلاً وهي تتغني بتلك الكلمات غافلة عن ذلك الذي يسند بكتفه على إطار باب المطبخ، مراقباً أياها وقد تضخمت عضلة قلبه وهو يستمع إلى غنائها، يمني نفسه أنها تقصده بتلك الكلمات،

وحين انتهت قال وعلى شفتيه تلك البسمه المهلكة التي يخصها بها:

" بتحبي أغاني عبد الحليم"

انتفضت وصرخت صرخه خافته أسقطت قلبه لرقتها، فضحك عالياً قائلاً:

" لسه بتتخضي من أقل حاجه"

شعرت بالخجل وهي تلتفت إليه مسبله الجفنين قائلة:

" ما اخدتش بالى انك موجود"

أقترب، يجول بعينيه على تفاصيل وجهها التي كستها الحمرة الفاتنة وهو يقول:

" صوتك حلو على فكره"

رفعت إليه عينيها البنتين، وقد تاهت في عمق عينيه، فقال هو بمكر مقتربا منها أكثر:

" اشمعني الأغنية دي بالذات"

انتفض جسدها وارتبكت حين وجدته واقفا أمامها مباشره، يكاد يكون ملاصقا لها، فقالت بتلعثم:

" بحبها .....مش ....اكتر"

نزل بعينيه إلى شفتيها، يقول هامسا، لا يري غيرها وكأنه يقف معها في مكان منعزل عن كل البشر، يشعر أن إرادته سلبت منه وهو يتقدم نحوها بتلك الجرأة وهذا الانفلات:

"يعني مفيش سبب معين لحبك الأغنية دي؟"

ابتعدت خطوه إلى الخلف، ترتكز بكلتا يديها على الرخام خلفها، تتأمل وجهه القريب بوله وحضوره الطاغي يسلب لبها، فهزت رأسها بالنفي، تسحب أنفاسه العطر إلى صدرها، وتقول بصوت متهدج مرتجف، أفقده ذرات ثباته:

" يمكن يكون فيه...."

بطرت كلامها حين رفع يديه ليبعد شعرها عن وجهها، خلف أذنها بأطراف أصابعه ببطء يتحسس تلك الخصلة هبوطا إلى كتفها، التي تستقر عليه ضفيرتها، قائلاً ولا زالت عينيه مسمرتين على شفتيها وصوت أنفاسهم يملأ الفراغ حولهم :

" فى ايه؟، كملي"

اتسعت عيناها لا تستوعب ما يحدث الآن، ولكن كل ما تمنته في تلك اللحظة أن يضمها إلى صدره ليهدئ من ارتجاف جسدها، ويشعرها بالأمان التي تفتقده.

كان قريبا للغاية، ولكن دون تلامس حتى أن كلاً منهما استشعر حرارة جسد الآخر، يرفض أي منهما أن يبادر بالابتعاد أو الاستماع إلى تنبيهات العقل بالخطر من ذاك القرب.

وفجأة استمعا كلا منهم إلى صوت(علاء) يقول بلهجة جادة عن غير العادة:

" صباح الخير"

انتبهوا أخيراً لما يحدث، وسقطوا أرضا بعدما كانوا يطفون محلقون في سماء العشق سقطوا على صخرة الواقع المؤلم الذي يعيشون به.

أبتعد عنها سريعاً، ينظر إلى أخيه فقرأ بعينيه عدم الرضا، فقال بصوت حرج متحشرج رغماً عنه اثر المشاعر:

" صباح الخير"

هرش في ارنبه أنفه يجلي صوته:

" مش بالعادة يعني تصحي بدري"

أما هي، فاستدرات تعطيهم ظهرها، يكاد قلبها يتوقف من شدة الإحراج، شاعرة بالضيق من حالها تنهر نفسها لما حدث، وتود لو تنشق الارض وتبتلعها، كيف وقفت أمامه هكذا فاقده لزمام أمرها، اي فكره سياخذها عنها الآن؟.

فتنحنحت قائلة، دون أن تلتفت إليهم:

" صباح النور، اتفضلوا الفطار جاهز"

تنقل (علاء) بعينيه بينهم، لا يعجبه ما رآه ولكنه لم يعلق كي لا يحرج أخاه، ينوي التحدث معه بهذا الشأن فيما بعد، يكفيه احراجه الآن فلأول مرة يشعر بأن أخاه محرجا من شئ ما، فحاول تغير الأجواء بمزاجه:

" تسلم ايدك يا (تولي)، ده الواحد قايم هفتان بشكل"

التقط (براء) ما يحاول أخوه فعله، فوضع يديه فى جيبه، يقول وهو يتحرك صوب الخارج يجاري أخيه فيما يفعل ليخفف من إحراجها و ارتباكها الواضح له:

" انت على طول هفتان يا شبر ونص"

-----------------------------------------

رد على هاتفه يخفي توتره وهو يقول:

" لسه الشهر فاضل فيه يومين"

صاح الآخر بغضب:

" انت لو اتاخرت يوم واحد فوق الشهر يا (مسلم) هتكون نهايتك"

وهتف يستشيط غضباً:

" لما قبلت اني احرق المزرعه بدالك عشان تبعد الشبهه عنك، اتفقت معايا على أسبوع مش ٦ شهور"

وصاح بصوت شق سكون الصباح:

" اوعي تكون فاكر اني مش هعرف آذيك ، لا تبقي غلطان انت كل بلاويك في حجري من أول ما بعتني مراسل لسي (براء) عشان تبعده عن السنيورة وش المصايب كلها"

قال (مسلم) محاولا إخفاء القلق من صوته:

" ياعم (سيد) قلتلك اخرك معايا يومين لو الفلوس موصلتش أعمل اللى انت عايزه"

صاح (سيد) مجدداً:

" بالفوايد يا سي (حموكشة) عشان مقلبش عليها وطيها واكون مبلغ عن تجارتك واوديك وراء الشمس "

ثم اغلق الهاتف في وجهه، فسقط عنه ادعاء الشجاعة وهو يعتصر الهاتف بيده، قائلاً وهو يسحق أسنانه من شدة الغضب:

" شكلك كده يا (بهاء) ال****مش ناوي تجبيها لبر والكلام مش هيجيب معاك نتيجة"

فقام بالاتصال به ولكنه لم يجد إجابة فاظلمت عيناه وقد عزم أمره أنه سيذهب إليه باحثاً عنه في العاصمة، يخبر نفسه أنه سيجده بسهولة، وسيجد ألف من يدله عن شركة (الجارحي).

------------------------------------

استيقظ في ساعة متأخرة من النهار، فأمسك هاتفه ينظر إليه، وحين وجد إتصالا من (مسلم) انتفض ناهضا عن فراشه، ينظر إلى الساعة، فإنكمشت ملامحه وهو يحدث نفسه:

" انا لازم أروح الشركة، ل(براء) الزفت واوضع حل للمصيبه دي"

خرج من غرفته والغضب يصب باوردته وحين رآها تجلس على الأريكة شاردة الذهن، وجد من يصب عليه جام غضبه، فصاح مما جعلها تنتفض في فزع من شدة صياحه:

" انتى يا ست هانم بقالى ساعة بكلمك"

هبت واقفه وقد ملأ الذعر قلبها من ملامحه، تسأل نفسها أكان هنا؟، أراها وهي تقف أمام (براء) في المطبخ؟ لهذا يصيح بهذا الشكل، فقالت بصوت متقطع خائف:

" اسفة، ما اخدتش بالى"

اقترب منها بخطوات واسعة هادرا بقوة:

" وما خدتيش بالك ليه أن شاء الله ؟ايه اللى وأكل عقلك يا هانم؟"

ابتعدت خطوتين إلى الخلف، يرتجف جسدها خوفاً فمن بين كل المرات التي غضب عليها فيها هذه هي المرة الأولى التي تراه بهذا الشكل، فقالت بصوت مرتعش:

" مفيش حاجه، انا بس كنت سرحانه شويه، هروح احضرلك الفطار حالا"

لطمه قوية اوقفتها وجعلت رأسها ترتد للخلف من قوتها، وهدر بها بعيون مظلمة من شدة الغضب:

" لسه حتحضري، مش عايز حاجه منك، دايما سادة نفسي"

وصاح في وجهها بانفاسه الكريهة:

" كان يوم أسود يوم ما فكرت اتجوزك، جيتي وجبتي معاكي الهم والقرف كان وشك فقر عليا"

جحظت عيناها لما تستمع إليه، ونسيت ألم تلك اللطمه التي ظهر أثرها سريعاً لقوتها وصرخت بكل قهر كتمته بداخلها منذ أن تزوجته:

" يبقي طلقني حالا، ادام الجاريه إلى اشترتها معرفتش تمتعك يبقي طلقها"

انفجرت الدموع من عينيها وهي تصرخ، لا تبالي بغضبه ولا بقبضته التي أشهرها فى وجهها قائلة:

" طلقني واعتقني لوجه الله يا عمو (بهاء)"

حين أستمع إلى سخريتها منه بهذه الطريقة، فقد السيطرة على نفسه، وبدلا أن يصفعها مرة أخرى، وجه إليها لكمه قوية للغاية أسقطتها أرضا، واظلمت الدنيا بعينيها حتى أحست أنها على وشك الإغماء ولكنها كانت رفاهيه بالنسبة لها، فانفجرت الدموع من عينيها في بكاء صامت، ولكنها صرخت حين جذبها من شعرها يصيح بها:

" انا مش هعديلك اسلوبك ده، بس لما افضالك هتشوفي مني معامله توريكي مين يكون عمو (بهاء)"

ثم ترك رأسها بعنف فإصطدمت بالأرض،

تراه يرحل عنها، تبكي تشعر بالغصة في حلقها عاجزة حتى عن الحركة، فضمت نفسها في مكانها على الأرض تتمني تحقيق حلمها ويأتي منقذها ويحررها من سجنها هذا.

-----------------------------------------

دخل مكتبه شاردا الذهن مارا ب (نوران) لكنه لم ينتبه لها، فوقفت هي متعجبه حالة هذا، فكانت تعتقد أنه سيستقبلها بطريقة أخرى مرحباً بعودتها، أو هكذا تمنت في أعماقها، فوبخت نفسها قائله:

" بلاش تتخيلي حاجه احسنلك"

لحقته تدخل خلفه ببعض الأوراق فوجدته جالساً شارد وعلى وجهه الجدية، تعجبت قائلة لنفسها:

" كام شخصيه عندك يا ابن الحلال؟!"

ثم وضعت الأوراق أمامه تتنحنح قائلة:

" صباح الخير"

وأشارت على الأوراق قائلة:

" طبعت الأوراق زي ما طلبت من سكرتيرة (براء) بيه "

رفع إليها مقلتين تاهتين قائلاً:

" تمام، اطلبيلي القهوة بتاعتي لو سمحتي"

هزت رأسها وهي تهم بالخروج، تشعر بالاستياء لا يعجبها (علاء) الجاد لاتليق به تلك الشخصية، فالتفتت إليه نصف التفاته عند الباب، وسألت:

" انت كويس يا (علاء) بيه؟"

هز أيضاً رأسه بالإيجاب دون أجابه، وعاد إلى شروده، يفكر أنه يجب أن يتحدث مع أخيه ويسأله عن هذا الوضع، فهو لا يريد أن يسئ الظن بأخيه.

---------------------------------

دلف الشركة بخطوات غاضبة، يخفي خلف غضبه هذا قلقاً كبيراً وخوف من تلك التسجيلات أن تصل إلى الشرطة، وحين خرج من المصعد متجهاً إلى مكتب (براء)، أضاء هاتفه بإسم (مسلم) ارتعشت يده وهو يرفع الهاتف إلى أذنه ليستمع إليه يقول بتهديد:

" أنا اديتك اكتر من وقتك، وشكلك كده مبتجيش بالكلام، انا في طريقي للعاصمة دلوقتى وهاخد كل اللى عايزه منك لو مش بالزوق يبقي بالتسجلات إلى معايا"

وأغلق الهاتف بوجهه.

غامت الدنيا بعين (بهاء) وضاق صدره، يشعر بألم حارق في قلبه فوضع يده على قلبه غير قادر على التحرك أو طلب النجدة من أحد، أجبر قدميه على التحرك وهو يفك ازرار قميصه، يتنفس بصوت عالٍ وما أن خطي خطوتين حتي سقط أرضا فاقدا وعيه من شدة ألم قلبه.

فى نفس الوقت، كان (علاء) فى طريقه إلى مكتب أخيه ليفهم منه ما حدث صباح اليوم، ولكنه أثناء ذلك وجد أبيه يتحرك بترنح وكأنه يتألم، وفجأة سقط أرضا، فصاح الآخر راكضا إليه بوجهه يعلوه الهلع:

" باااااابا"

وحين اقترب، نزل على عقبيه بجانبه محاولا افاقته وعندما لم يجد منه استجابه، صاح في الموظفين الذين تجمعوا حوله ليروا ما حدث قائلاً:

" الإسعاف، حد يتصل بالاسعاف"

وهدر بصوت شق عنان السماء يستنجد به:

" الحقني يا (برااااااااااااااء)"

---------------------------

قراءه ممتعة 🥰

لسه فى مفاجات كتير 😉🫣

مستنيه رايكم ودعمكم وتشجيعكم 🥰

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة