روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
-------
التقت عينى بعينيها
و ياليتني لم ألقاها
اعتصر الألم قلبى برؤياها
و ذبحت قلبي بيداها
كنت اعيش على ذكراها
بت أمل ان انساها
--------
ساد الصمت أرجاء المكان، لكن داخله كان الضجيج لا يحتمل، كأن صرخاته المكتومة تمزقه من الداخل. جلس في الشرفة، عيناه متجمدتان في الفراغ، وجهه شاحب كأن الحياة انسحبت منه، وكأن الألم قد سلبه القدرة على الشعور بأي شيء آخر، لم يحاول حتى لمس طعامه، وكأن الأكل أصبح عبئاً لا يقدر على احتماله.
رأته (بيان) على هذه الحالة، فاقتربت ببطء وجلست بجواره، راقبت وجهه للحظات قبل أن تهمس برفق:
" مش هتاكل برضه؟"
لم يرد، فقط رفع عينيه إليها ببطء، نظرة واحدة منه كانت كفيلة بأن تشعرها بالوخز في قلبها، كانت عيناه مثقلتين بالندم، كأنهما تحملان ذنباً لا يغتفر. هز رأسه بالنفي وعاد إلى شروده.
تنهدت (بيان)، تحاول أن تجذبه من دوامة الحزن التي غرق فيها:
"واللى بتعمله ده هيفيد بأيه؟ هيرجع اللى حصل؟"
انكمشت ملامحه، وسرت رعشة خفيفة في جسده كأنه يسترجع طيفها أمامه، تاه صوته وهو يهمس بانكسار:
"مش قادر أنسي نظرتها ليا وهي بتودعني... قتلتنى والله يا (بيان)"
أخفضت (بيان) رأسها، وتنهدت بحزن، قبل أن تهمس بمرارة:
" وأنا كمان مش قادرة أنسي صدمتها لما عرفت إنها هتعيش معاه في العاصمة"
قبض (يامن) يديه، شعوره بالعجز كان أقوى من أي وقت مضى، فنهض فجأة كأن صاعقة ضربته، وأخذ يمشي ذهاباً وإياباً، يمسك رأسه بيديه في توتر، قبل أن ينفجر قائلاً:
"دايماً كانت خايفة من اليوم اللي تسيب فيه القرية... وأنا سلمتها بإيدي كان لازم أرفض، كان لازم أعمل أي حاجة أنا أصلا عمري ما كنت مرتاح للراجل ده من يوم ما شوفته"
نهضت (بيان) سريعاً، أمسكت بذراعيه بقوة لتوقفه، ثم وضعت كفيها على وجنتيه، تجبره على النظر إليها، بينما همست بصوت دافئ لكنه حازم:
" حبيبي، انت عارف إنها عملت كده لأنها شايفة إنه الصح، وعارف كمان إنها عمرها ما كانت هترجع في كلامها، حتى لو قلبها بيتقطع"
اقتربت أكثر، تطوّقه بذراعيها، تحاول أن تهدئ العاصفة التي تجتاح روحه، وتهمس بجانب أذنه:
"(يامن) اللى حصل خلاص حصل، و مش بأيدينا نغيره... اللى نقدر نعمله دلوقتى إننا ندعيلها يكون راجل كويس ويعرف يصون الأمانه"
ظل (يامن) صامتاً، لكن أنفاسه المضطربة بدأت تهدأ بين ذراعيها، وكأن كلماتها تسللت إلى قلبه، تخبره بأن الأمل لم ينطفئ بعد، حتى لو كان الضوء خافتاً في نهاية النفق.
------------------
خرج من الشركة بخطوات واثقة، تحيط به هالة من الهيبة، مرفوع الرأس، يوزع ابتساماته الرزينة على الموظفين من حوله، عكس والده الذي لم يكن يعرف سوى الغطرسة والتكبر في التعامل مع الآخرين.
بمجرد أن خرج إلى الساحة، وجد (ثامر) يقف بجانب سيارته، يبدو عليه الترقب. اقترب منه وهو يبتسم بمكر قائلاً:
" خير يا صديقي العزيز ،الوقفه دي وراها ايه؟!"
ضحك (ثامر) وهو يهم بالرحيل قائلاً:
" تصدق إنى غلطان إنى استنيتك كنت ركبت تاكسي اكرملى"
أمال (براء) رأسه قليلاً، ناظراً نحو سيارة صديقه، ثم ابتسم بطرف شفتيه قبل أن يقول بمكر:
"عزيزة عملتها فيك تاني، ولا ايه؟"
تنهد (ثامر) بأسى وهو يرد بنبرة ساخرة:
" الظاهر كده محتاجه عمره"
ضحك (براء) وهو يفتح باب سيارته ليضع بعض الأوراق، ثم التفت إلى صديقه قائلاً:
"عمره إيه يا حبيبي، حرام عليك دي محتاجه تتغير بالكامل، كفايه عليها كده"
استدار حول السيارة ليستعد للركوب، لكن (ثامر) لم يتركه قبل أن يمازحه قائلاً:
" الخطه الخمسية الجايه إن شاء الله يا (بروءة)"
توقف (براء) قبل أن يفتح الباب، ثم استدار إليه ببطء، مصنعاً الجدية وهو يقول:
" طب بعد (بروءة) دي مش هنركب اصلاً، وهنروح مش"
اتسعت عينا (ثامر) بدهشة وهو يهتف:
" ده اللى هو ازاي يعني!!؟"
ابتسم (براء) وهو يسير مبتعداً عن السيارة، قائلاً بمكر:
"زي ما سمعت يا حبيب بروءة"
ركض (ثامر) خلفه، مستعطفاً وهو يمازحه:
"آخر مرة يا بروء... قصدي يا (براء) بيه"
ضحك (براء) وربت على كتف صديقه عندما لحق به، قائلاً:
" متخافش يا (ثامر) أفندي، هنمشي رجلينا بس لحد الكافيه اللى فى أول الشارع نشرب قهوة ونرجع"
نظر (ثامر) إليه بجدية مفاجئة، قائلاً:
" إيه اللى شاغل بالك؟؟"
شرد (براء) للحظة قبل أن يتنهد قائلاً:
" الشغل من ناحية، وتصرفات بابا من ناحية تانية"
رفع (ثامر) حاجبه قائلاً:
" الحج (بهاء) عمل إيه تانى؟"
مرر (براء) يده في شعره بتوتر وهو يجيب:
" سحب مبالغ كبيرة أوووي من حساب الشركة، وأنا بحاول أعرف ايه السبب، ومقدرش طبعاً أساله"
"طبعا انت هتقولى"
ابتسم (ثامر) نصف ابتسامة، قبل أن يميل عليه قائلاً بمكر:
" هو ده السبب بس، ولا فيه حاجه تانيه؟ أنا عارفك زي صوابع أيدي؟!"
ارتسمت على وجه (براء) ابتسامه خفيفة، ثم بعد وجه صديقه بكفه،وهو يقول بنبرة ساخرة:
" مفيش حاجه تانيه... هيكون في ايه يعني؟!"
حرك (ثامر ) حاجبه بطريقة مضحكة وهو يغمغم:
" يا واد عليا انا الكلام ده ، ده أنا (ثامر ) يا ولا"
ضحك (براء) قبل أن يقول بصوت شارد وحالم:
" بصراحه... وحشتني اوووي ، بقالى فترة مشفتهش"
سأله (ثامر) متفكراً:
"تقريبا من قبل وفاة والدتك؟"
تبدلت ملامح (براء) للحزن، وهمس بصوت مبحوح:
" الله يرحمك يا امي"
ساد الصمت للحظة قبل أن يغير مجرى الحديث قائلاً:
" قولت (لمريم) على حوار بكره؟"
طاوعه (ثامر) في تغيير الحديث وعاد إلى نبرته المرحه قائلاً:
" طبعا مش لازم نبارك للعريس؟"
ثم قهقه وهو يضيف:
" وهي على طول وافقت، لان الفضول قاتلها هي كمان وتشوف العروسه"
ضحك (براء) وهو يرد بمكر:
" والله أنا خايف نتصدم كلنا من المفاجأة"
--------------------
صعدت معه الدرج بخطوات بطيئة وكأنها تساق إلى إعدامها، تجر خلفها آمالها المكسورة وأحلامها التي تحطمت أمام عينيها، كانت تتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعتها قبل أن تصل إلى هذه اللحظة، قبل أن تصبح زوجته، شعرت بالندم ينهش قلبها وهي تحدث نفسها:
" ليتنى وافقت على (مسلم)... لكنت الآن في قريتي بجانب أبي وأمي، بعيدة عن هذا المصير"
أفاقت من شرودها على صوته وهو يشير إلى إحدى الغرف قائلاً بنبرة ساخرة:
" دي هتبقى الاوضه بتاعتك يا ست الحسن"
نظرت إليه بعدم فهم، لكنه لم يمهلها، بل اقترب منها ببطء، تطلع إليها بنظرة شهوانية مخيفة قبل أن يحاول تقبيلها، وهو يهمس:
" أنا ليا أوضه تانيه تحت، وباقي الاوض هنا بتاعة (براء و علاء) لما يجوا يقعدوا هنا"
ارتجف جسدها تحت لمسته، وراحت تحاول استجماع شجاعتها لتسأله بقلق:
" هو انت مش هتكون معايا في نفس الاوضه؟"
رفع عينيه إليها وأصدر صوتاً يدل على الرفض، قبل أن يعود ليطبع قبلات متفرقة على عنقها، كانت كالجمر يحرق جسدها، لكن الفضول تغلب على خوفها، فتمتمت:
" إيه السبب اللى يخلي كل واحد مننا في اوضه؟"
نظر إليها نظرة باردة غامضة، ويديه تجول بجسدها وقد غامت عينيه في تلك اللحظة وقال بصوت منخفض لكنه قاطع:
" انتى هنا لمتعتي... وبس، فاهمه؟؟ "
اتسعت عيناها بصدمة، وهزت رأسها بإنكار قائلة:
" لا طبعا مش فاهمه ...قصدك ايه؟؟"
استدار ببطء، وأدار لها ظهره، ثم قال بنبرة مشبعة بالغضب المكتوم:
" يعنى انا عندي القلب، كده فهمتي؟"
ارتعشت من فرط الحماس الداخلي الذي اجتاحها، لكنها أخفت ذلك وهي تسأله بحدة:
" اومال اتجوزتنى ليه؟ لما انت إنسان مريض؟!"
استدار إليها مجدداً، تطلع إليها بعينين زائغتين ونبرة متغطرسة:
" عجبتني......"
شعرت وكأن إهانته صفعتها على وجهها، فقالت بغضب:
" يعني تدمرلي مستقبلي لمجرد إنك أعجبت بيا؟!"
وضع إصبعه على شفتيها ليسكتها، قبل أن يهمس ببرود قاتل:
" انا أنقذت مستقبلك ومستقبل ابوكي من الضياع... تنكري؟!"
كادت أن ترد، لكنه قاطعها وهو يبتعد قائلاً بلا اكتراث:
" أنا هنزل أنام، وانتى كملي أسئلتك مع نفسك"
نظرت إلى ظهره وهو يبتعد، قبل أن تهمس لنفسها بغضب:
"يا لك من ثعلب عجوز ماكر يصطاد بمهارة"
لكنها لم تهتم به أكثر ، بل إندفعت إلى غرفتها سريعاً، وأغلقت الباب وراءها، ثم سجدت تبكي بفرحة هامسة:
" الحمدلله... والشكر ليك يارب، اد ايه انت رحيم، رحمتنى من معاشرته، وانت أعلم أنى لو حدث ذلك لمت فعلاً ... شكرا يارب"
ثم انهارت على الفراش، تبكي تارة، وتضحك تارة، حتى أخذها النوم أخيراً، مطمئنة القلب للغاية لما عرفته الآن.
----------------
رأت نفسها تسير بين الحقول، نسيم القرية يداعب وجهها، وسعادة غامرة تغمر قلبها لرؤية منزلها من بعيد أمامه، وقف والداها وأخوها الحبيب وزوجته، يلوحون لها بفرح، أسرعت نحوهم، لكن الغريب أن المسافة بينهما كانت تزداد كلما تقدمت، وكأن طريقها يطول بلا نهاية. حاولت أن تسرع أن تركض، أن تصرخ...لكن قدميها كبلتا بعجز غامض.
فجأة، هبت النيران خلفها، والتهمت الحقول حولها في لحظات، فوجدت نفسها محاصرة وسط لهيب لا يرحم حاولت الصراخ، لكن صوتها اختنق في حلقها.
وفجأة، وسط الدخان المتصاعد، رأت ظلاً يقترب... ملامحه كانت غير واضحة، لكن قلبها عرفه قبل أن ترى وجهه... نعم، هو... منقذها، الوحيد الذي جاء لينتشلها مرة أخرى.
سمعته يناديها بلوعة لم تسمعها إلا منه:
" لن تموتي... (توليب) ليس في هذا الوقت"
تردد صوته في أذنيها، يصرخ باسمها مرة ومرات... حتى فتحت عينيها، مستيقظة على وقع نداء آخر، لكن هذه المرة كان صوته مقيتاً، خالياً من أي حنان:
" أخيراً صحيتى ، كل ده نوم يا ست الحسن؟! بقالى ساعه بنده عليكي"
جلست على الفراش تبعد شعرها عن عينيها، لا تزال أنفاسها مضطربة من أثر الحلم، قبل أن تهمس بصوت مرهق:
" الظاهر كنت تعبانه من السفر "
وقف عند الباب، يتطلع إليها بنظرة آمرة قبل أن يقول بجفاء:
" كفاية كده نوم ،وقومي حضريلي الفطار انتى عارفه إن مفيش خدم في البيت"
أجبرت نفسها على النهوض، جسدها يئن بثقل الأيام الماضية، وهمست بإرهاق:
" حاضر يا عم......."
لكنها قطعت كلماتها سريعاً حين أدركت ما كانت على وشك قوله، فرفعت عينيها نحوه في توتر، لترى ابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه وهو يرد بمكر:
" طيب يا روح عمو، بسرعه حضري الفطار عشان انا جعان، وحاولي تتحركي أسرع من كده وانتى بطيئة اوي في الحركة"
زفرت في ضيق قبل أن تجيبه:
" حاضر يا (بهاء) نازله دلوقتى"
نزلت (توليب) إلى الطابق الأول، واتجهت إلى المطبخ، وبدأت في تحضير الإفطار، يدها تعمل تلقائياً، لكن عقلها كان عالقاً في ذكريات الصباحات الدافئة في منزل والديها... حين كانت تستيقظ باكراً لتحضر الإفطار مع والدتها، تملأ ضحكاتهم المكان، وتراقب شقيقها يمازح والدها على الطاولة.
كم تمنت لو أنها تستطيع العودة ليوم واحد فقط... فقط يوم واحد تعيش فيه كما كانت، قبل أن تصبح أسيرة هذا المنزل.
أفاقت على صوته يصيح بفظاظة من خارج المطبخ:
" أنا جعان ولازم أكل عشان أخد الأدوية بتاعتي"
خرجت تحمل الأطباق، وضعتها على السفرة، ثم رمقته بطرف عينيها قائلة ببرود:
" اقله كنت تعال طلع معايا الأطباق، ادام مستعجل"
شرع فى تناول طعامه بشراهة، وهو يرد ببرود لا يخلو من السخرية:
" انتى عارفه انى مريض"
وقفت تراقبه، وضمت ذراعيها إلى صدرها وهي ترد بتهكم:
" على اساس لو ساعدتنى هيجيلك ازمه قلبيه، يعني!!؟"
هز رأسه موافقاً، بابتسامة باردة، فزفرت في نفاذ صبر، ثم استدارت عائدة إلى المطبخ، بينما تابع حديثه بنبرة آمرة:
" اعملي حسابك الأولاد جايين النهاردة ومعاهم ضيوف عشان يباركولى ،عايزك ترفعي رأسي بقي وتعملي الأطباق الشهيرة بتاعه القريه"
ثم أضاف بلهجة تحذيرية حين عادت بالأطباق:
" وبأكد عليكي اهو محدش يعرف بمرضي"
توقفت لثانية، حدقت به، ثم رمقته بنظرة لامبالية قبل أن تقول ببرود:
"زي ما تحب، يا (بهاء) بيه."
ثم استدارت تكمل عملها، بينما في داخلها، كانت تشعر بكره متزايد لهذا الرجل الذي سلبها حياتها وحريتها، وجعلها مجرد ظل باهت لما كانت عليه.
---------------------------
((فى المساء))
ارتدى (براء) ثيابه ببطء، وكأنه يعاند أخاه، قبل أن يلتفت إليه قائلاً بنبرة متكاسلة:
" أنا مش فاهم إنت مستعجل على إيه!!؟"
دنا منه (علاء) ليعدل طرف قميصه وهو يرد بحماس:
" الفضول يا أخي، إنت ما عندكش أي فضول؟"
ابتسم (براء) وهو يضبط ياقة قميصه، ثم وقف أمام المرآة يعدل مظهره قائلاً:
" عندي طبعا... بس مع بابا ببقى خايف أكثر من ...."
كاد يكمل جملته، لكن رنين هاتفه قاطعه، فالتفت إليه وقال مبتسماً:
"اكيد ( ثامر) "
رفع الهاتف مجيباً، قبل أن ينظر إلى (علاء) ويؤكد له بنظرة أنه كان محقاً:
" ايه يا (ثموره) بتستعجلني انت كمان؟!"
على الجانب الآخر، أبعد (ثامر) الهاتف عن أذنه وهو ينظر إليه ببلاهة، ثم قال مستنكراً:
" ثموره!!!!!؟"
أعاد الهاتف إلى أذنه مجدداً، وقال بنبرة ساخرة:
" واضح إنك رايق، والدنيا معاك عسل"
ضحك (براء) وهو يرد:
" اعوذ بالله منك يا أخي ،يعنى رايق مش عاجبك مضايق مش عاجبك، طيب اقطع نفسي بقى عشان ترتاح"
قالها وهو يربط حذاءه، فسمع (ثامر) يصيح عبر الهاتف:
" يا عم انا قربت أخلل انا والعيال مستنين قدام الباب"
ألقى (براء) نظرة أخيرة في المرآة، وهو يضع عطره المفضل قائلاً:
" يا حبيبي حد قالك تستني؟! ما تدخل"
قطب (ثامر) حاجبيه قائلاً:
" لااا ...أنا لازم ادخل معاكم، ناخد الصدمه سوا"
قهقه (براء) عاليا وهو يقول:
" انت كمان خايف!!!؟"
رد (ثامر) بنبرة ساخرة:
"يا عم، الحج (بهاء) خبرة في الصدمات"
ضحك (براء)، ثم قال وهو يلتقط مفاتيحه:
" خلاص خلاص، إحنا جايين انا و(علاء)"
أغلق ( ثامر) الهاتف، فالتفتت إليه زوجته (مريم) تسأله بقلق:
" مالكم قلقين ليه؟؟؟"
نظر عبر المرآة الأمامية إلى ابنه محذراً:
" قولتلك دخل راسك جوه يا (علي)، اسمع الكلام يا حبيبي زي (علياء ) كده"
ثم عاد إلى (مريم) قائلاً:
"مش قلق بالمعنى الحرفي، بس الموضوع غريب... عم (بهاء) رتب كل حاجة لوحده، لا فرح، ولا كتب كتاب، ولا أي حاجة... كأنها مفاجأة، والكل مترقّب وبعدين، إنتي عارفة (براء)، ما بيتفقش مع والده أبداً"
ضحكت (مريم) وهي تهز رأسها:
"كده قلقتوني أنا كمان"
ربت (ثامر) على يدها قائلاً بابتسامة:
" إن شاء الله تعدي على خير "
ثم التفت إلى ابنه، وسحبه ليجلس بشكل صحيح وهو يقول بحزم:
" أنا قولتلك كام مره دخل راسك جوه؟!"
جاءه صوت (علياء) الطفولي وهي تعد بأصابعها:
" ست مرات يا بابا"
ابتسم لها (ثامر ) وهو يربت على رأسها:
" شطوره حبيبه بابا "
مر الوقت ببطء، حتى زفر (ثامر) قائلاً:
" أخيراً، الأساتذة شرفوا"
نزل من السيارة مع أسرته، بينما استقبل الأطفال (براء) بتهليل وسعادة:
" عمو (براء) ،عمو (براء)"
أسرع (براء) إليهم حاملاً كل طفل بذراع وهو يضحك بحب:
" حبايب عمو براء"
ثم التفت إلى (مريم) قائلاً:
" اعذريني بقي يا (مريم)، (علاء) اللى اخرني"
رفع (علاء) حاجبيه متعجباً، وهو يشير إلى نفسه:
" أنا!؟ يا أخي ده أنا قربت أشيب وأنا مستنيك"
انفجر الجميع ضاحكين، وهم يهمون بالدخول، لكن (براء) أنزل الأطفال بحذر، قبل أن يتراجع قائلاً:
"اسبقوني، أنا نسيت الحاجه اللى جايبه في العربيه، اصل مينفعش بردو ندخل على العرسان وايدينا فاضيه "
رفع (ثامر) ما يحمله بين يديه قائلاً:
" الحمدلله أيدي مش فاضيه"
((فى الداخل))
أنهت (توليب) تحضير المائدة بعناية، لتكون لائقة بأصول قريتها العريقة، وسعيدة لأن (بهاء) أخبرها أن زوجة ابن صديقه الأكبر ستحضر مع أطفالها، فهي تشتاق لرؤية وجوه نسائية في هذا المنزل الكئيب.
رن جرس الباب، فهرعت لتفتحه، بعد أن ألقت نظرة أخيرة على السفرة، لكن (بهاء) أوقفها قائلاً بنبرة ذات مغزى:
"استنى... نفتحلهم مع بعض"
سخرت داخلياً من حرصه المفاجئ على مشاركتها أي شيء، لكنها لم تعلق، واكتفت بالوقوف إلى جانبه.
وضع (بهاء) يده على كتفها، يضمها إليه وهو يفتح الباب، قبل أن يقول بصوت مرح زائف:
" أهلاً وسهلاً... نورتوا البيت والله"
لكن... لم يأت أي رد سكون تام، وعيون متسعة، وأفواه منفرجة، وكأن الهواء في المكان قد تجمد.
كان (علاء) أول من نطق، وهو ينظر إلى (توليب) بذهول:
" دي... أصغر مني"
ضحك (بهاء) بسعادة خبيثة، وهو يبحث بعينيه عن (براء)، ثم قال بنبرة متشفية:
" إيه رايك؟! مش مفاجأة؟!"
كان الجميع لا يزالون تحت تأثير الصدمة، في حين تقدمت (توليب) لتلقي التحية على الضيوف، بينما سأل (بهاء) بنفاد صبر:
" فين بر......"
لكنه قطع جملته حين سمع صوت خطوات تقترب، تلاها صوت (براء) يقول بنبرة هادئة:
" أنا جيت اهو يا حج (بهاء)"
التفت إليه والده بابتسامة ماكرة، قبل أن يجذب (توليب) أمامه، ويقول بنفس النبرة المتشفية:
" أهلا يا حبيبي... بارك للعروسه"
والتقت العيون... يا ليتها لم تلتقي...
تسارعت دقات قلبه، جف حلقه، وسقط ما كان يحمله من يده، دون أن يكترث.
عجز عن استيعاب المشهد أمامه، بينما ارتسم اسمها على شفتيه دون صوت... ثم نطق به أخيراً، وكأن النطق به وحده كان كفيلاً أن يزلزل كيانه:
" توليب!!!"
------
سبحانك يا من تدبر الأمور بحكمتك.. وتقدر الأقدار بألطافك.. أنت العليم الخبير بعبادك
اللهم طهّر قلوبنا من كل شهوة تغضبك.. ومن كل ذنب يصرفنا عن طاعتك.. وكن لنا عونًا عند كل ضعف.. ومددًا عند كل شدة.. واجعلنا من أهل محبتك
اللهم تجاوز عن ذنوبنا.. واكتب لنا رحمةً تصلح بها ما آذى الخلق من عيوبنا.. واكتب لنا الفرج بعد كل عسر.. واملأ بيوتنا وبلادنا بكل خير.. يا واسع العطاء.. ويا رب العالمين
------
بقلم
أسماء صالح
رجاء الكومنتات لمعرفة رايكم ودعمكم وتشجيعكم ضروري 🥹🥰
Asmaa saleh