روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
-------
يا من اختارتها عينى
يا نبض قلبى
يا من عذب معها ماضي وحاضري ومستقبلي
ضعفي معك هو مصدر قوتى
ولكنه يؤلمني
يا من تمنيتها لى وحدى
ولكنها لم ولن تكون من اجلي
أأفرح الآن لحبك أم اصرخ لألم قلبى؟
أأضمك إلى أم اهرب منكِ؟
يلا ضعفى اتجاهك وقلة حيلتي
فانت الداء والدواء وردتى
انتى هى عشقى انتى اميرتى
-------------------
وقف معها بوجه يعلوه الشفقة ممزوجة بالمزاح بعد ذهاب (سالى) ووالدها، وتنحي بها بعيداً عن (يامن) الذي يقف وكأنه وشك علي فقدان صبره على مايبدو من إنتظار (توليب)، فقال وهو يشرأب بعنقة ينظر إلى (يامن) بلهجة مرحة:
" اخوكي مش عنده طولة بال أبداً"
ابتسمت ابتسامه بسيطة تعتصر أصابعها بيديها، وقالت:
" هو بس عشان مستنيني بقاله شويه"
عاد بنظره إليها، لا يعلم كيف يصوغ لها اعتذاره، فأحني رأسه ينظر أرضاً وهو يقول:
" أنا أسف لو كنت جرحتك بكلمة أو بنظره"
ورفع رأسه إليها يقول بعد أن رأي التماع عينيها بالدموع:
" انا كنت مضغوط صدقيني، من ناحية تعب بابا المفاجئ وكلام الدكتور اللي وقع قلوبنا، ومن ناحية الإرهاق البدني وكان بقالى يومين منمتش"
قالت بلهجة هادئة مبتسمة:
" خلاص محصلش حاجه المهم ميكنش فيه زعل لأنك...لأنك غالى عليا يا (علاء) وفى معزة (يامن) بالضبط، ومتمناش اني اخسرك"
دق قلبه تأثراً بحديثها، فمد يده يمسك كفها وهو يقول بتأثر ظهر جلياً في عينيه:
" أنا كمان متمناش اني اخسرك يا (تولي) لانك غاليه عليا جداً فوق ما تتخيلي، وكلامك ده نشان على صدري"
ثم مال على كفها طابعاً قبله اعتذار وهو يقول:
" ارجوكي سامحيني على غبائي"
اجفلت (توليب) من فعلته شاعرة بالحرج، فسحبت يديها، تقول في خجل:
" حصل خير والله انا مش زعلانه خلاص"
أبعد هو رأسه قليلاً، يقول غامزاً ويرفع كفه عالياً:
" صافي يا لبن"
ابتسمت ابتسامتها الرائعة وهي تضرب كفها بكفه قائلة:
" حليب يا قشطه"
ثم أقترب منها بغته بقول مدعي الخوف:
" الحقي روحي بقي لعمو (يامن) أحسن خلاص شكله قرب يضربني بالنار"
قهقهت (توليب) وهي تبتعد عنه تمازحه، بالقول:
" متخفش مش بيموت الصغيرين يا شبر ونص"
-----------------------
وضعت كأس من العصير على الطاولة أمام أخيها، وقالت بعد أن جلست على المقعد المجاور له بإرهاق واضح على محياها:
" هو ده اللي حصل في نفس اليوم اللى وقع فيه"
قال (يامن) بتعجب عن حال ذاك الرجل:
" يعني ضربك كده من غير أي سبب، هو اتجنن يعنى ولا ايه!!"
قالت تحدث نفسها بتهكم:
" هو اصلا مجنون"
ورفعت (توليب) رأسها إلى أخيها تقول:
" بس هو أول مرة يضربني بالشكل ده"
هب الآخر واقفاً يقول وقد استشاط غضباً:
"أنا هستني لما يعملها تاني"
وأشار بيده بلهجة قاطعة:
"أنتي مستحيل تقعدي يوم تاني في البيت ده، هتروحي معايا حالا"
قفز قلبها في صدرها واستقامت واقفه، تقول في خوف:
" قصدك ايه؟!"
رفع إليها مقلتين مشتعلتين بالغضب قائلاً:
" قصدي أنك تقومي تلمي هدومك عشان هترجعي معايا القرية"
ابتعدت خطوة إلى الخلف، متسعة العينين، العودة لما المتها تلك الكلمة بعدما كانت تتمناها، لما الآن باتت تخشاها، وكيف لها العودة وترك قلبها هنا؟، اتعود دون قلبها وإن فعلت كيف لها الحياة إذا ولقد أصبح قلبها ينبض فقط من أجله، كيف ستحيا بعيداً عن لقياه ورؤية عينيه الخضراوين تلك، عصرت يديها بتوتر وهي تدير ظهرها له، لا لن تعود لن تتمكن من فعلها حتى أنها منعت من رؤيته يكفي أنها تعيش معه تحت نفس السماء، تنام ليلاً على فراشه بين حاجته تلملم رائحته.
نظر (يامن) إليها متفحصا وهو يقول:
" ساكته ليه؟؟ اتحركي يلا عشان منتاخرش في الطريق"
التفتت تقول بصوت مهزوز دون أن ترفع عينيها إليه، فقد شعرت أنها لو فعلت ذلك لفضح أمرها:
" و وصولات الامانه؟؟"
صاح بغضب يستعير بداخله:
" مش مهم اي حاجه، واهو مرمي في غيبوبه إلهي ما يفوق منها"
ارتجفت أوصالها وهي تقول:
" يمكن يفوق في أي وقت ويطالب بابا"
دقق النظر إليها وقال بلهجة متشككة:
" بتلفي ودوري على ايه!؟ بقولك مش هسيبك ومش مهم اي حاجه بعد كده"
شعرت بالدوار وهي ترفع نظراتها المهزوزه له، تقول بصوت خافت:
" مش هينفع أرجع معاك"
اتسعت عينيه قائلاً:
" يعني ايه مش هترجعي معايا!؟ ليه؟؟؟"
قالت بصوت متقطع، وهي تتهرب من نظرات عينيه المتفصحة:
" مش هينفع...عشان... بابا...انا خايفه على بابا"
هدر بها قائلاً:
" بقولك الراجل في غيبوبه، وكده كده ابوكي بيحارب في بيع الأرض عشان رجوعك"
شعرت وكأن الارض تميد بها، ولكنها تماسكت وهي تهتف قائلة:
" وانا مستحيل اقبل ببيع الأرض"
واسندت بكفيها على ظهر الأريكة بجانبها كي تدعم وقفتها، قائلة:
" ما أنا مستحملش كل ده عشان بابا، وعشان رجوع الارض زي ما كانت، وفى الأخر أوافق على بيعها"
اقترب(يامن) وقد فقد عقال صبره، يهتف قائلاً وهو يسحبها من ذراعها يسير بها اتجاه الدرج:
" مهما قلتي مش هسيبك يوم ولا حتي ساعة زيادة في البيت ده"
سحبت نفسها بعيداً عنه بعنف، تقول وقد انفجرت باكيه:
" قلتلك مش همشي، مش همشي"
ونزلت على عقبيها تخبئ وجهها بكفيها، تشعر بعارٍ يحرقها، تقول من بين شهقاتها:
" مش هقدر صدقني، ياريتك جيت قبل كده، كنت رجعت معاك من غير نقاش"
نزل (يامن) على ركبتيه أمامها، يلمس كتفها، شاعراً بغرابة حالتها تلك، ثم قال بلهجة دافئة:
" وايه اللي هيمنعك دلوقتى يا حبيبتي؟!
ليه مش هتقدري؟ اتكلمي يا (توليب)، فهميني تقصدي ايه بالكلام ده؟؟"
رفعت إليه وجهها الغارق بالدموع، تهز رأسها بلا، فهب هو واقفاً، وقد عاد إليه غضبه قائلاً:
" ادام مش هتتكلمي يبقي تقومي حالاً تحضري شنطة هدومك"
استقامت واقفة تسير بأقدام مرتعشة، كاد قلبها يتوقف عاجزة عن إيجاد حجة لإقناعه بعدم رحيلها، تعثرت خطواتها أمام أعين (يامن)، فنغزه قلبه عليها يشعر بها تائهة متخبطة، فسأل بصوت حاول اخراجة هادئاً:
" انتى كويسة ؟؟"
اومات برأسها تصعد الدرج، ولكن مع أول درجة رفعت قدمها عليها، أظلمت الدنيا بعينيها، فإستسلمت لتلك الدوامة السوداء التي سحبتها بعيداً عن عذاباتها وسقطت فاقدة للوعي، فصرخ أخيها بقلب ملتاع يركض إليها قبل أن تهوي على الأرض:
" (توليب)"
------_---------_--------------_
(( فى صباح اليوم التالي))
تململت في فراشها تفتقد دفء وجوده بجانبها، فظلت طوال الليل في انتظاره حتي غلبها النعاس، فأوت إلى الفراش وراحت في نوم يشوبه القلق، فتحت عينيها تستقبل ضوء الصباح ومدت يديها بتلقائية تتفقده، وحين قابلها الفراغ اعتدلت جالسه، ولكنها اجفلت حين رأته جالساً قرب الشرفة، اشعث الشعر وعاري الجذع، فتحركت سريعاً إتجاه الشرفة لتغلقها، وهي تقول بلهجة قلقه:
" ايه اللى مقعدك كده يا (يامن)؟ هتاخد برد كده"
وحين قابلها الصمت، التفتت إليه، فخفق قلبها بعنف حين رأت حالته والإرهاق البادي على وجهه، فنزلت على عقبيها أمامه ورفعت كفيها تتحسس صدغه بحنان قائلة:
" مالك يا حبيبي؟ انت كويس؟"
ثم سألت وكأنها تذكرت:
" وبعدين كنت فين امبارح؟ وليه مكنتش بترد علي تليفونك؟"
رفع إليها مقلتين تائهتين وهو يقول:
" سبتها هناك يا (بيان)، سبتها وانا مش عارف مصيرها هيكون ايه، سبتها وأنا قلبي بيقولي في حاجه غلط لتمسكها بعدم الرجوع"
سألته ولا زالت تحضن وجهه بكفها:
" انت تقصد (توليب)؟! انت كنت عندها ولا ايه؟"
أومأ برأسه، فسألت قد إنتابها القلق:
" هو في حاجه حصلت؟ وليه مقولتش انك مسافر عندها كنت حتى اخدتني عشان اشوفها، وايه اللي مخليك قلقان بالشكل ده؟؟"
استقام واقفاً مقتربا من الفراش، فإستقامت هي أيضاً تجلس بجانبه وهي تقول:
" حصل حاجه معاها؟ هي كويسة ؟"
زفر يقص عليها أحداث أمس من مكالمة (براء) له حتى عودته في الساعات الأولى من الصباح، كانت تستمع إليه بقلق بلغ ذروته، فقالت بعد أن أنتهي بلهجة عاتبه:
" وليه سبتها يا(يامن) ؟ ليه سمعت كلامها؟"
قال بإجهاد:
" كنتي عايزني اضغط عليها اكتر من كده ازاي، دي وقعت من طولها من شدة خوفها"
صمت قليلاً وعاد يقول:
" قلبي مطوعنيش يا (بيان) وانا بشوفها بتنهار كده"
شعرت هي بقله حيلتها وهي تقول:
" طب والعمل؟ هنسبها كده للمجهول"
قال وهو يرفع قدميه على الفراش يشعر برغبة في النوم:
" انا وعدتها اني هكلمها كل يوم وهسافر لها كل يومين لحد ما نشوف حوار الأرض هيرسي على ايه"
دثرته هي بالغطاء، تقول بحنو:
" نام انت دلوقتى شكلك مرهق أوي، وان شاء الله كل حاجه هتلاقلها حل، بس انت قول يا رب"
اغمض عينيه يغلبه النعاس وهو يحدث نفسه:
" قلبي بيقولي انهيارك ده وراه حاجه تانيه يا (توليب) حاجه مش قادره تتكلمي عنها، بس انا مش هضغط عليكي وهستني أما تيجي انتى تحكيلي على اللي تعبك بالشكل ده، زي ما متعود منك انك متخبيش عليا حاجه، هستناكي يا (توليب) تيجي تتكلمي"
--------------------------
قضيت يوماً مرهقاً بعد ذهاب أخيها، واتصال (بيان) بيها تحاول أن تعلم ما بها، تلومها عدم أنصياعيها لكلام (يامن) للعودة إلى القرية، ولكنها أبت بل خجلت من حالها أن تقص ما يحدث حتي إلى أقرب صديقاتها، فتلك المشاعر يجب عدم الجهر بها لأنها مخجلة إلى حد العذاب.
افاقت على صوت الهاتف، فوجدت نفسها تركض بلهفة إليه دون إرادة منها، تظن انه هو، ولكن خاب ظنها حين استمعت إلى صوت(حياة)، فردت وهي تقاوم شعوراً بالخيبة داخلها:
" انا بخير يا (حياة)، انتي عامله ايه؟"
قالت الأخري وهي تجلس في شرفة منزلها وبيدها فنجان من القهوة:
" انا بخير يا حبيبة(حياة)"
صمتت ترتشف من فنجانها وعادت لتقول:
" انا هروح النهاردة ازور (بهاء) وعارفه انك بتكوني هناك على آخر النهار، ايه رايك اعدي عليكي نروح سوا؟"
دبت الحماسه بأوصالها، فقالت مسرعة:
" فكرة حلوة اوي "
شعرت بمبالغة رده فعلها فقالت:
" اصل الشباب مشغولين وكنت عايزة اروح المستشفى، بس انتي عارفه انا معرفش حاجه هنا وكده، انتي سهلتي الدنيا عليا"
قالت(حياة) وهي تضع الفنجان على الطاولة بجانبها، بلهجة دافئة:
" يجعل دنيتك كلها سهلة يا حبيبتي"
واستقامت واقفة وهي تقول:
" خلاص اجهزي يلا وانا بالكتير ساعة وهكون عندك"
هبت الأخري قائلة:
" حالا هكون جاهزة"
--------------------
وصلت أخيراً إلى المشفى، وعينيها تدوران بكل ركن باحثه عنه، تتمني لو حتى تلمح ظله، ولكن على ما يبدو أنه لم يأتي بعد، استمعت إلى (حياة) تقول بارتباك تحاول ألا تظهره:
" ممكن تستني بره شويه يا (توليب)"
ابتعدت الآخرة عن الباب، تقول بلهجة متفهمة:
" طبعاً، ياحبيبتي اتفضلي ادخلي انتي"
تحركت (حياة) صوب الباب وهي تربت على كتفها بامتنان لتفهمها، ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها.
أقتربت من فراشه ببطء ومع كل خطوه تمر أمام عينيها ذكري مؤلمة مع هذا الرجل، حتى وقفت أمامه مباشرة، ترمقة بعينين مرغرغين بالدموع، و بعد صمت طال قالت بلهجة يائسة:
" اللهم لا شماتة"
وجلست بجانبه على حافة الفراش، تقول وهي تمسح دمعة فرت منها:
" الظلم وحش يا (بهاء) وانت ظلمت واتجبرت وهددت ونسيت ان ربنا مابينساش حد وميرضاش بالظلم"
ثم اجهشت بالبكاء وهي تقول:
" عمري ما اتمنيت الأذى لحد بس صدقني غصب عني، اتمنيت موتك عشان كل حاجه تتصلح"
ورفعت أنظارها إلى السقف تقول بلهجة مريرة:
" سامحني يارب، بس انا قلبي واجعني عليه وأنا مش قادرة اعمل حاجه، يارب انت العادل المطلع حلها من عندك يا رب"
عادت تنظر إليه ولا زالت دموعها تنهمر وهي تقول وهي تربت على يديه:
" ورغم كل اللى عملته بدعيلك، بدعيلك ربنا يسامحك، آه (ليالى) سامحتك قبل ما تموت، بس أنا للاسف مش قادره، مش قادرة اسامح ابدا"
اجفلت مبتعدة عنه عندما استمعت إلى طرقاً علي الباب وبعدها دخلت الممرضة تقول بلهجة عملية:
" ميعاد حقن جرعة الدواء في المحلول"
أشارت إليها وهي تمسح دموعها قائلة، وهي تهم بمغادرة الغرفة:
" اتفضلي، اتفضلي"
وخرجت إلى حيث تقف (توليب) فقالت الآخيرة حين رأت الدموع التي تملأ عينيها:
" متقلقيش يا(حياة) أن شاء الله هيقوم بالسلامه ويرجع زي الاول"
أومات (حياة) برأسها وهي تقول بهمس:
" إن شاء الله يقوم منها ويرجع الحقوق لأصحابها"
أنتبه الإثنان لصوت آت من خلفهما يقول:
" (تولي)، انتي هنا ازاي؟"
التفتت(توليب) تقول بابتسامتها الرائعة:
" جيت مع (حياة)"
قال (علاء) بعد أن صافح خالته وطبع قبله على يدها:
" مش ده قصدي"
مسحت(حياة) على رأسه، تقول بلهجة دافئة:
" اومال تقصد ايه يا حبيب خالتك؟"
هرش برأسه بسبابته مفكراً وهو يقول:
" أصل (براء) قالى أنها رجعت القرية مع اخوها"
نقلت (حياة) عينيها إليها متسائلة، فارتبكت قائلة:
" لا ما أنا مكنش ينفع اسافر مع (يامن) واسيبكم في ظرف زي ده"
ابتسمت (حياة)، تربت على وجنتيها قائلة:
" أصيلة ياحبيبتي، أصيلة"
بينما شردت (توليب) قليلاً، وهي تري (علاء) يخرج هاتفه، على ما يبدو سيتصل به، ايظنها عادت مع أخيها، أهذا السبب اتصاله به؟
أحقا يعتقد أنها عادت؟ تري ماذا سيكون رد فعله حين يعلم أنها لم تعود؟ هل سيسعده خبر بقائها؟
انتبهت إلى (علاء) حين نطق إسمه قائلاً:
" يا (براء) بقولك واقف معاها، مش مصدقني ليه؟"
رفع (علاء) نظراته إليها ثم أعطاها الهاتف قائلاً:
"عايز يكلمك"
زاد ارتباكها وهي تاخذ منه الهاتف حتي أنها لم تنتبه لابتعاد (علاء) وخالته كي يتركوا لها المجال للتحدث بحرية، فقالت بصوت مهزوز:
" نعم (براء)"
أطلق (براء) نفساً مرتاحاً حين أستمع إلى صوتها، ولكنه تمالك نفسه وقال بلهجة عاتبه:
"ليه مرجعتيش مع (يامن) يا (توليب)؟"
ألمها قلبها وهي تستمع منه تلك الكلمات، فقالت بإحباط:
"عشان كده بقي كلمته، عشان ارجع معاه، طب ليه؟ ليه عايز تبعدني؟!"
هتف قائلاً، ونبره الإحباط بصوتها تعذبه:
" آه كلمته عشان كنت فاكر أنه هيقدر يقنعك، وعشان مفيش سبب يخليكي تقعدي في مكان كله عذاب ليكي"
همست باكيه وقد فاض بها:
" انت "
اخترقت الكلمة قلبه قبل أذنه، فارتمى على المقعد بجانبه، وقد علا وجيب قلبه، فسأل ليتأكد مما سمعه:
" ايه؟؟ قولتي ايه؟"
سرت رجفه فى أوصالها، تقول بأنفاس لاهثة غير قادرة على لجم لسانها:
" انت يا (براء) السبب اللى يخليني اتحمل عذابي"
يا الله، ايركض إليها الآن، يغمرها بقبلاته الحارة ويخطفها ويهرب بها؟ أم يهرب منها؟ كي لا يكون سبباً في زيادة عذاباتها، فأغمض عينيه يشعر بقلة حيلته، يقول بنبرة بائسة محطمة:
" وده أهم سبب يخليكي تبعدي"
خفق قلبها بعنف داخل صدرها تقول وقد اجهشت بالبكاء:
" ليه مصمم انك تبعدني بالشكل ده؟؟"
شعر بمرارة حلقه وهو يقول:
" ارجوكي متعيطيش دموعك بتقتلني"
ولكن تلك الكلمات لم تسكتها، بل سببت إنفجار المزيد من الدموع، فهب هو واقفاً يمرر يديه بشعره، يتألم من أجلها قبل أن يكون من أجله قائلاً:
" عشانك انتي يا وردتي، عشان مش عايز أكون سبب في عذابك وعشان مسمعكيش تلومي نفسك زي ما لومتها لما كنتي في حضني، وعشان ....وعشان مش عايزك تقعي في الحرام بسببي"
وعند ذكر كلمة حرام ضرب الإدراك عقلها وارتعد جسدها يالله، لقد نسيت للحظة واقعها ونسيت من تكون، وامتقع وجهها تخجل من نفسها وهي تسمعه يقول:
" لازم ابعدك يا وردتي حتي لو ده هيقتلني انا"
ثم سحب نفساً عميقاً يهدأ به ضربات قلبه المؤلمة، وقال:
" اوعديني يا (توليب) انك هترجعي القرية"
صمتت قليلاً تحاول أن تستجمع شتاتها، وقالت وهي تمسح دموعها:
" مقدرش اوعدك بكده يا (براء) مش هقدر"
الصق الهاتف بأذنه وكأنه يضمها، يقول مشجعاً وقلبه يتمزق بداخله:
" يبقي توعديني انك هتبقي قوية وتحاربي المشاعر دي بكل قوتك"
عادت الدموع تغزو عينيها، فلم تتمكن من الرد، فقال هو بصوت مبحوح يرتجي منها:
" ارجوكي يا (توليب)"
نطقت وقد أحست أن تلك الكلمة جرحت لسانها قبل قلبها قائله:
" اوعدك"
واستدارت نصف استدارة تنظر إلى (حياة) ترغب في اللجوء إلى أحضانها، ثم مسحت دموعها قائلة:
" انا لازم اقفل، سلام"
ثم عادت إليهم بعد أن أغلقت بصلابة واهية، تعطي ل(علاء) الهاتف وهي تبتسم ابتسامه لم تصل إلى عينيها.
بينما (براء) ظل لاصقاً الهاتف بأذنه للحظات، وفجأة شعر بنار الغضب تشتعل فى جسده، فألقي الهاتف بطول ذراعيه يرغب في الصراخ، يقذف بكل ما تطوله يديه، لقد جرحها بكلماته، جرح وردته الرقيقة وأبعدها عنه، فهتف منفساً عن غضبه:
" الله يسامحك يا حج (بهاء) مش قادر أقول غير كده"
------------------------
((بعد مرور أسبوعان))
بعد حديث تلك الليلة، وهي تعيش في عذاب شوقها، فلم تراه بعدها ولو لمرة فكان يتعمد الذهاب إلى المشفي في الأوقات التي لم تكن هي متواجدة فيها، ويرحل قبل مجيئها، حتى إنه أمتنع تماماً عن الإتصال بها، ولم تعرف أنه يطمئن عليها أما عن طريق خالته أو أخيه الذي وكله بإيصالها كل يوم من وإلى المشفي، وفى تلك الأيام، داومت علي التواصل مع أسرتها، وخاصة (يامن) و(بيان) فهما من استمرا في الاتصال بها يومياً حتى انهما زاراها أكثر من مرة، و(بيان) حاولت معاها كثيراً أن تعرف سر تغيرها ورفضها للرجوع، ولم تصل ابدا معها إلى شئ، فكانت دائما تخبرهم ان السبب هو خوفها على والدها، ولكن (يامن) لم ييأس وظل يخبرها انه ينتظر لجوئها إليه مهما طال الوقت. حتي أن مر الاسبوعان، والشوق يضنيها، ولم يعد النوم بفراشه كافياً لها، ففي ذاك اليوم قررت أن تبحث عن مزيد من الصور له، وستذهب لتقوم بعمل منها نسخة أخري خاصة بها، لتتمكن من الاحتفاظ بها كرفيق في لياليها الموحشة، فشرعت في البحث عن أي صورة أخري غير التي يضعها على الكومود، ولم تبالى لبعثرتها ادارجه، حتي وأخيراً عثرت على مبتغاها، ولم يكن سوي بعض الصور في مراحل مختلفة، فامسكتها بفرحة عارمة تتاملهم، وقلبها يتراقص لرؤيته، فوضعت يدها على قلبها قائله بلهجة مازحة:
" يا ربي، أخيراً حسيت بنبضي ده أنا كنت قربت اصدق اني عايشة من غير قلب"
--------------
أما عند(براء) فقضى الأسبوعين يحارب نفسه كى لا يطيعها، و يهرع إليها يستجدى حبها، ولكنه لم يفعلها فقط من أجلها كى لا يضعفها، وتحكمه فى نفسه ذلك جعله شخصاً آخر، شخصاً سريع الغضب والتذمر لأبسط الأمور، ولولا معرفة (ثامر) و(علاء) بما يمر به لكانوا اتهموه بالجنون، وما أسعده فى تلك الأيام شيء سوى انه تخلص واخيرا من الحقير (مسلم)، بعد ان دبر له المبلغ الذى يريده بعد طول عناء، واخذ منه كل التسجيلات الخاصة بأبيه، ولكنه لشئ ما يجهله لم يتخلص من تلك التسجيلات بل احتفظ بها لا يعلم لماذا، وعلى ذكر التسجيلات، كان كل يوم قبل ان يخلد إلى النوم يشاهد التسجيلات الخاصة بوردته التى يكاد يموت كمداً لرؤيتها، فهو بعد تحطيمه للكاميرا الخاصة به وخوفه من فقدان تلك التسجيلات، قرر ان يحتفظ بنسخة منها على كل جهاز لديه حتى على هاتفه، فيظل يشاهدها حتى تغفل عينيه، وبعدها يهرب معها إلى عالم الأحلام تكون هى بطلته الوحيدة.
-------------------
اللهم إني أعوذ بك من زوال نِعَمك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك اللهم إني أعوذ بك من السلب بعد العطاء. ربي اسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول في الدنيا ولا في الآخرة ..
قراءة ممتعه للجميع 🥰
مقدرتش أتأخر عليكم فصل تصبيره🥰
انتظروا القادم 😉
أسماء صالح
Asmaa saleh