كان صباح يوم ربيعي هادئ، وأشعة الشمس الذهبية تقتحم البيوت من نوافذها ذات الزخارف المعدنية، والعصافير تتجول بحرية في سماء فلسطيننا، كان ذلك قبل عشرين سنة حيث كان أهل القرية يعيشون في هدوء وسكينة وأمان .. ربما .. _ السلام عليكم _ وعليكم السلام، أهلين اسماعيل اسماعيل ذلك الشاب البشوش الخلوق، كان يسير في طريقه إلى أرضه لتعشيبها ويلقي السلام على الفلاحين العاملين تحت شعاع الشمس .. من لا يعرفه، لم يمضِ يوم دون مروره منهم وطرحه السلام، يعرفه كل أهل القرية، يعرفونه بالشجاعة والبسالة والتقوى .. وصل اسماعيل إلى محاذاة أرض أبي محمود أحد كبار السن المتمسكين بهذه القداسة .. _ السلام عليكم عمي ابو محمود _ وعليكم السلام ورحمة الله، أهلين عمي اسماعيل توقف اسماعيل وصرخ له بمزاح .. _ خياراتك مش نافعات السنة عمي! _ اه يعني هاض انت اللي كل يوم بتسرق منهن والله لأربّيك، وانا بقول مين اللي بلقط منهن كل يوم ضحك اسماعيل بملء صوته وتابع .. _ طوّل بالك عمي كله أجر وثواب، يلا السلام عليكم _ الله معك ومترجعش استمر اسماعيل في طريقه، وصل أرضه وسمى الله وبدأ العمل بجد .. مضى الوقت وتوسطت الشمس السماء، نهض اسماعيل من وضعيته السابقة ومسح عرق جبينه بزنده وأنفاسه تدخل جوفه بصعوبة، رفع نظره إلى شجرة الزيتون فرأى عش الحمام وقد كانت الام والاب يتبادلان الأدوار في العناية بالبيض، رغم أنها لا تتكلم الا أنه تخيل السلام الذي تعيشان فيه فارتسمت ابتسامة عريضة على محياه وقد تذكر طفليه اللطيفين، ثم تابع ما كان يقوم به .. ** حانت الظهيرة وحل وقت خروج الطلاب من مدارسهم، كان ذلك الفتى ذو الثمانية أعوام يقف على بوابة المدرسة شاردًا حتى سمع صوت أحدهم يناديه .. _ مجاهد! .. مجاهد!! التفت اليه وقد كان على وشك ضربه لتأخره لكنه لاحظ ما منعه عن ذلك .. _ نضال وين شنطتك؟! فأجابه بكل عفوية وبراءة وهو يشير بابهامه للخلف .. _ مع رشيد! _ وليش مع رشيد بالله؟! _ محنا لعبنا لعبة وهو خسر ما هي إلا لحظات حتى حضر ثالثهم يحمل حقيبتين كانت الأولى خاصته على ظهره والثانية كانت لنضال وقد كان يحملها بشكل معكوس، تقدم اليهما وهو يترنح ويلهث وبشكله المضحك الشبيه بالكرة ولها أقدام .. _ يا حيوان شو حاط فيها؟! كان نضال سعيدًا بينما تقدم مجاهد وهو يردد بكلمات أرهبت نضال .. _ طيب! والله لأقول لأبوي _ استنى استنى هرع نضال إلى رشيد وأخذ حقيبته وبسرعة لحق شقيقه لمنعه من تهوره، بينما تبعهما رشيد جريًا .. وانطلق الثلاثة في طريقهم إلى البيت .. ** كانت رحمة في المطبخ تُعد الغداء للصبيين بسرور، حتى فُتح الباب ودخلا إليها يركضان بعد أن خلعا أحذيتهما على عجل .. _ يماااا كانا يتسابقان بطرافة حتى سبق مجاهد نضالًا إلى والدتهما ووقف بجوارها ينظر لما تعمله .. _ شو بدنا نوكل _ شو بحكي الواحد لما يفوت يا مجاهد لم يكد يفتح فمه حتى سبقه نضال إلى الكلمة المنشودة .. _ السلام عليكم _ وعليكم السلام نظر مجاهد إلى أخيه بضيق بينما أخرج له الآخر لسانه يعبث معه، لكنهما عادا ليلتفتا لوالدتهما التي كانت تخاطبهما .. _ يلا يا ولاد .. روحوا غيروا اواعيكم وصلوا الظهر ويلا مشان توكلوا = حاضر توجها إلى غرفتهما لفعل ما أخبرتهما به رحمة وما إن اتتهيا حتى دخل والدهما بعد انتهائه من عمله .. دخل اسماعيل وأغلق الباب خلفه ولم يستطع أن يخطو خطوة للداخل حتى هجم الاثنان عليه وتعلقا بأحضانه .. = اجا باباااا !! _ اوباااا .. كيف حال أولادي الحلوين؟! = الحمد لله!! احتضنهما وأهداهما قبلات أبوية لطيفة، حتى خرجت رحمة لاستقباله وعلى وجهها ابتسامتها الرقيقة .. _ يعطيك العافية _ الله يعافيكي نهض من وضعية القرفصاء وتقدم إليها مقبّلًا جبينها .. _ يلا تحمم وغير اواعيك وصلي، الغدا جاهز ** انتهى اسماعيل من حمامه، فرد سجادة صلاته ووقف متوجهًا للقبلة وبدأ الصلاة بتكبيرة الإحرام .. كان الصغار يجلسون ويتهامسون على المائدة في المطبخ بانتظار قدوم والدهم، ويبدو الحوار جادًّا بينهم .. _ أمانة ما تحكيله! _ بدي أحكيله قبّل نضال خد شقيقه وهو يرجوه أن لا يخبر والده بفعلته مع رشيد، ولو كان الأمر بسيطًا إلا أن نضال خائف كما لو أنه ارتكب جرمًا .. _ خلص اسكت اسكت حضر والدهما وجلس على أحد الكراسي، ثم حضرت رحمة بآخر طبق وضعته على الطاولة وجلست بجوار زوجها .. بدأ هو الطعام بعد أن سمّى بالله وقد فعل البقية المثل من بعده .. عندها تنحنح مجاهد .. _ يابا .. هاد نضااال .... كان نضال ينظر إلى والده ينتظر ردة فعله، فتابع مجاهد قائلًا .. _ ضرب رشيد وخلاه يحمل شنطته بالغصب _ أنا يا كذاااب؟! يابا والله ..... لم يستطع إكمال جملته حتى سحب اسماعيل كليهما من اذنيهما وهو يضغط عليها بشدة .. _ أنا شو نبهت عليكم؟ مش قلتلك يا نضال بطل شغب مع رشيد؟! وانتا مش حكيت بطل عادة الفسفوس هاي؟! كم مرة لازم أعيد؟؟ كان الصغيران يتأوهان ودموعهما تجمعت في عينيهما، ثوانٍ وقد أفلتهما اسماعيل وأمسك كل واحد أذنه بكفه وهو يعتذر لفعلته لكن من داخلهما كل واحد مسرور بما حدث للآخر، بينما كانت رحمة تضحك على ما حدث وهي فخورة بصرامة اسماعيل .. ** حل الليل بهدوءه المعتاد، كان الولدان نائمين في غرفتهما، واسماعيل مستلقٍ يشخر على سريره بينما رحمة تصلي قيام الليل، لكنهم لم يعلموا أن أي شيء يمكن أن يعكر ذلك الهدوء وذلك الأمان حين سمعت رحمة صوت شيء يشبه المركبات الثقيلة تسير على شوارع القرية الهشة .. _ اسماعيل! اسماعييييل!! همهم وفتح عينيه بتثاقل فرآها ترمقه بنظرات يعتليها التوتر، فعدل جلسته واستفسر عن سبب ذلك .. _ شو في مالك؟! _ اسماعيل طل شو في برا في صوت حاول اسماعيل التركيز بالصوت وبالفعل قد سمع ذات الصوت الذي سمعته هي، نهض من مكانه بعد أن قلب عنه الغطاء ونظر عبر النافذة لكنه لم يرَ شيئًا .. وما هي إلا ثوانٍ حتى رن هاتفه على المنضدة المجاورة للسرير .. _ السلام عليكم ......... شو؟؟! _ شو في؟! أخرج اسماعيل تلك البندقية العتيقة من مخبأها وخرج مسرعًا، كانت ما تركه جدّه من فترة الانتداب البريطاني وتناقلتها الأجيال حتى وصلت إلى يده .. عرفت رحمة عندها ما يجري وأن أولئك الأوغاد قد اقتحموا القرية كعادتهم، دخلت غرفة أبنائها لتبقى الى جوارهم، وبدأت تلاوة القرآن الكريم علّ هذه الليلة تمر على خير .. ** تجمّع الرجال في ساحة القرية الرئيسية وكل واحد منهم يحمل سلاحه في يده وخير أسلحتهم كان الإيمان .. عندها سمعوا الأصوات تقترب فاتخذ كلّ منهم في المباني موقعًا ليجهزوا عليهم .. وصلت الجيبات القليلة إلى الساحة وتوقفت هناك، ترجل منها الجنود ويا لها من خطوة غبية فالرصاصات أتت من العدم وانهالت عليهم كالمطر، وسط تكبيرات رجال لا يهابون الموت .. تبادل إطلاق النار بدأ واحتدم القتال، ولقلة عددهم استسلموا بعد وقوع إصابات في صفوفوهم وانسحبوا مهزومين .. بعد التأكد من انسحاب آخرهم، خرج الرجال واجتمعوا كصورتهم الأولى، وكانوا يهنئون بعضهم بعضًا إلا اسماعيل الذي كان يراقب ظلهم بشك .. _ ما انتهى كلشي يا أخوان! فوتتهم هاي مش ل الله كان خالد صديقه الصدوق إلى جانبه وقد فكر في كلامه .. _ يعني ممكن يرجعوا كمان مرة؟ _ ورجعة قوية كمان! هدول مش هم وهاي مش قدرتهم، لسا في اشياء ما شفناها فكر الجميع بكلماته والذهول يعلو ملامحهم، وفرحتهم بنصرهم الصغير تلاشت شيئًا فشيئًا .. "أكيد أجو يتأكدوا من اشي، احنا معروفين ومطلوبين، أكيد اجو يتأكدوا من أخبارنا وشو منعمل ووين منروح ووين منيجي! أو يدرسونا ويدرسوا تحركاتنا! بس ما رح نسمحلكم توخدو ذرة وحدة من تراب هالارض" قالها في نفسه ولم يفكر إلا بأصدقائه، نسي أنه أول المطلوبين، أو ربما قد تناسى ذلك؛ حبّا لأصحابه وخوفًا عليهم .. ** كانت تجلس بين سريري ولديها وأصوات الرصاص تصدح في أذنيها يقلقها ويؤرقها، لكن توقفه هدّأ من انفعالعا .. _ يا رب، يا رب ترجعلنا ياه سالم يا رب!! ما إن أنهت هذا الدعاء حتّى طُرق باب المنزل، نهضت مسرعة وسألت عن هوية الطارق بتردد .. وقد ارتاح قلبها لسماع صوته .. فتحت الباب على عجل، فدخل إليها يحتضنها وهي لم تستطع كبح دموعها لشدة ما ألمّ بها من خوف وفزع .. دخل إلى غرفة الأولاد قبّلهما واطمأن عليهما، ثم عاد إلى غرفته واستلقى على سريره بتعب بجانب زوجته ونعما بنوم عميق وهادئ، على الأقل تلك الليلة .. ** مرت الأيام وكان يوم الجمعة، استيقظ الجميع في يوم العطلة، كان الجو هادئًا كعادته، ليس كما لو أنهم واجهوا ليلة متزعزعة قبل أيام قليلة، فكانت تستضيف أناسًا غير مرحب بهم .. _ يلا يا ولاد الحقوا ابوكم طلع تسابق الفتيان، أحدهما يرتدي فردة حذاء واحدة ويقفز يحمل الأخرى، والآخر بقميص أزراره متعاكسة ومتداخلة، كل واحد منهما يجري للحاق بوالده للذهاب إلى المسجد .. كان اسماعيل ورحمة يضحكان على حالهما، وهما فخوران بحماسهما وحبهما لصلاتهما .. قامت رحمة بتعديل ثيابهما وذهبا رفقة والدهما باستعجال .. ** وصل ثلاثتهم وقد كان رشيد ووالده عزام على وشك دخول المسجد .. _ رشيد رشيد!! كان نضال يناديه ويلوح له، وبادله الآخر التلويح بابتسامة .. _ السلام عليكم أخوي عزام _ وعليكم السلام! جمعة مباركة _ يبارك بعمرك! .. يلا يلا يا ولاد فوتو دخل الأطفال وخلفهم آباءهم وجلسوا على المصلى واستمعوا للخطبة ثم بدأت الصلاة .. ** مرّ اليوم بطوله، فبعد أن عاد الجميع من المسجد، تناولوا طعام الغداء ثم بدأت القيلولة، مضى الوقت بلا شيء جديد فقط امضاء الوقت مع العائلة والأحبّة .. تلك الليلة حدث ما كان اسماعيل يخشاه، هذه المرة تضاعف عدد الجيبات والآليات، ونهج جديد اتبعه العدو وهو اقتلاع الازفلت من مكانه بجرافات مجنزرة كانت تثير صخبًا أيقظ كل سكان القرية .. تدمرت البنية التحتية تمامًا، تم اعتقال العديد من الأشخاص منهم المطلوبون ومنهم الأبرياء الذين لا علاقة لهم بحركة المقاومين في القرية .. انطلقوا إلى بيت اسماعيل وكادوا يكسرون الباب، فتحت لهم رحمة متسترة وعروقها قد جفت من شدة خوفها واطرافها ترتجف، كانت تغلق الباب على أولادها خوفا عليهم .. دخلوا بكل وقاحة وبحثوا في كل ركن في المنزل، لكن اسماعيل ليس موجودًا !! .. اسماعيل شق طريقه إلى سطح المنزل ومنه إلى مكان يبتعد فيه عن أعين الجبناء .. وصل منزلًا بدا مهجورًا وقديمًا، فتح قفله المحكم بمفتاح كان بحوزته، ودخل وأقفل الباب خلفه واختبأ في احدى الغرف، كان هذا بيت والديه القديم لكنه انتقل منه لأنه صار مهترئًا، شعر فيه بالأمان بعض الشيء لكن سرعان ما أُحيط المنزل بعدد من الجنود الذين استطاعوا معرفة تحركاته بطريقة ما .. تبادل إطلاق النار معهم، فقد كان يطل كل مرة من نافذة مختلفة يطلق النار ثم يتوارى عن الأنظار .. ثم وبعد وقت طويل أرهقه، أخرج هاتفه وهو يعلم أنها خطوة ليست بجيدة، وأرسل رسالة إلى خالد يخبره بمكانه علّه يساعده بطريقة ما .. "خالد أنا بدارنا القديمة ومحاصر اذا بتقدر تساعدني انا بستناك" لكن ما من رد .. على الجهة الأخرى، ألقى هو الهاتف على خالد المكبّل وأمره بأن يدلهم على مكان اسماعيل .. رفض خالد ذلك بحزم، لكن الخوف استولى عليه وهو يرى ذلك الجندي يلصق بندقيته برأس فاطمة، زوجته التي كانت تجلس على الأرض وترتجف برعب .. بعد عدة محاولات من الجيش لتخويفه وتهديده بزوجته لم يعد أمامه خيار سوى الانصياع .. قام الجندي بدفعها لتسقط في حضن زوجها فتتشبث به وتبكي، لكنهم سرعان ما فرقوهما بأن سحبوا خالد معهم وعصبوا عينيه وأخذوه معهم حيث كان اسماعيل .. ** كان جالسًا مرهقًا يستند إلى الجدار، ورصاصات سلاحه على وشك النفاد .. عندها سمع ذلك الصوت .. "سلم نفسك وإلا ..... " سخر اسماعيل منهم ونظر من طرف النافذة .. _ فشرتو يا ...... عندها اتسعت عينا
گ/ بـتــول