الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر

29 3

تسمّرت فتون في مكانها بلا حركة بعدما سمعت من والدها عمّا جرى، وتسارعت نبضات قلبها حتى ارتعشت اطرافها، وبلا ادراك منها، دمعة لامعة اتخذت طريقًا على خدّها .. اقتربت منها والدتها وأخذتها في حضنها لتنفجر باكية بعد كتمانٍ خانق، حتى خرجت كلماتها من بين شهقاتها .. _ راح يمّا راح! شو اعمل؟ شو أعمل؟!! بكت والدتها على حالها فهي تعرف مقدار حبّها له، وتعرف كم ستفتقده وكم ستشعر بالفراغ في داخلها بعد رحيله .. ** في صباح اليوم التالي، توجه الجميع إلى المشفى حيث يرقد نضال .. فُتح باب ثلاجة الموتى وتم إخراجه إلى مرآى من والدته التي اقتربت منه بصعوبة وقد كانت حنين تسندها .. تحسست وجهه البارد بيديها ورأت شحوب لونه، غير أنه كان منيرًا مطمئنًا كأنما هو ملاك نائم .. _ مع السلامة يا حبيبي، سلّم على أبوك يا عمري! كل ذلك كان أمام رشيد الذي يقف بعيدا على عكازتين، يرى ذلك المشهد ولا يجرؤ على الاقتراب وتوديع صديقه للمرة الأخيرة، فأخفى دموعه بيده مخفضًا رأسه حين شعر بيد أحدهم على كتفه، كان خالد الذي جاء من خلفه .. _ روح سلّم عليه عمي، صدقني لو ما رحت هس وودعتو رح تندم طول عمرك هدأ رشيد لتلك الكلمات، هذا صحيح! عليه ذلك!! في تلك الأثناء كانت فتون تخاطبه ودموعها تنسكب على وجهها .. _ مع السلامة يا نضال! بوعدك اني ما رح انساك! أنهت جملتها وخبأت وجهها بيديها لتضمها رحمة إلى صدرها مع حنين كما تضم الأم ابنتيها، وفاطمة تمسح على ظهر ابنتها تواسيها .. عندها تقدم رشيد بعرجته إلى مرقد صديقه، ابتسم وطبع على جبينه قبلة أخٍ مشتاق، وقال على مسمع من الجميع .. _ مع السلامة يا صاحبي! أنا لاحقك .. بس من هون لحد ما نلتقي، مش رح أسامح حالي _ له يا رشيد، هاد الحكي ما بجوز، هاد أمر رب العالمين وكلامك ما رح يغير اشي! _ طب شو أعمل يا خالتي؟! شو أعمل؟!! ضم رشيد شفتيه لتأخذ دموعه طريقها وتسقط، بكى وطأطأ رأسه مرة آخرى، فاقترب منه أحد اصدقائهم الموجودين وأسنده إلى كتفه واستمر على حاله حتى ارتاح .. ** انطلقت الجنازة من المشفى حتى مقبرة الشهداء، كان مجموعة من الشبّان يحملون نعشه ويسيرون به ومنهم رشيد الذي كان يكابر على جرح ساقه، لكنه أبى إلا أن يكون معهم .. دُفن نضال وترك خلفه أُناسًا يحبونه ويذكرونه بكل خير، ترك خلفه أسرته وأصحابه وقصة حب لم تكتمل .. مضى شهر كامل ولم يعتد أحدٌ على غياب شمعة منيرة بالعلم والشجاعة والتقوى كنضال .. ذلك الصباح، دخلت حنين إلى رحمة ووجدتها تقرأ وِردها من القرآن، فجلست بجانبها انتظرتها حتى انتهت، وابتسمت لها .. _ تقبّل الله _ منا ومنكم يحبيبتي! قالتها رحمة وهي تداعب خد حنين بيدها وتبتسم كل منهما للأخرى، فأمسكت حنين يدها وقبّلتها وطلبت رضاها عنها .. حين رن جرس المنزل .. _ خليني أروح اشوف مين قامت وغطّت شعرها بسدالها  وفتحت الباب .. _ مين .....!!! لم تكمل كلمتها حين ظهر أمامها من لم يخطر على بالها، وجعلها تتجمّد في مكانها لا تدري في أي موقف هي .. گ/ بتول محمد

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لم يعد هنا

المؤلف گ/ بـتــول
2024/06/12 مكتملة
قائمة الفصول (21)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة