كان نضال يطلق النار على الجنود أمامه بكل قوته بمساعدة رفاقه ولم ينتبه لذلك الذي يصوّب سلاحه عليه من خلف الجدار، فانطلقت رصاصة لتستقرّ في بطنه .. فقد نضال توازنه لوهلة ولكنه سرعان ما استعاد نفسه ونظر في مصدر الرصاصة ليجده ويصوّب سلاحه إليه، لم يستطع ضغط الزناد حتى اخترقته رصاصة أخرى لكنها هذه المرة كانت في صدره .. _ نضاااااااااااال!!! جرى الشباب الذين كانوا موزعين؛ ليجتمعوا في ساحة المدرسة ويشكلوا ساترًا منيعًا للصديقين المصابين، وألقوا كل قوتهم ملتحمين على الجنود وصرخاتهم تعلو وتكبيراتهم تصدح على مسمع من عدوّهم، وزخات الرصاص الحُرّ لا تتوقف .. أما نضال فقد سقط على ركبتيه ودماؤه تنفر من جراحه العميقة، التقفه رشيد بين ذراعيه المضرّجتين بالدماء .. _ نضال! الله يخليك تحمل شوي!! كان نضال يرتعش، يتأوّه ويتصبب عَرقًا، ودماؤه الطاهرة تملأ الأرض .. تراجع الجنود مع اشتداد النزال، لينسحب آخرهم معلنين استسلامهم، لكن مهمتهم هذه المرة قد تمّت فها هو نضال يلتقط آخر أنفاسه على ذراعي صديقه وأخيه رشيد .. انخفضت الأسلحة، وتوقفت أصوات الاطلاق والانفجارات، وعاد تركيز الجميع لينصبَّ على نضال ورشيد، واتصلوا بالطوارئ وانتظروا وصولها .. _ نضال! نضال خليك معي مشان الله! ابتسم نضال وهو ينظر للسماء المُزيّنة بالنجوم .. _ سامحني يا صاحبي! سامحوني يا شباب! استمرّ وسط شهقاته ودموع الألم النازفة من عينيه .. _ احكي لأمي ما تزعلي على نضال؛ نضال بطل! احكيلها اني بدي .. بدي ياها تزغرت اذا ما رجعت .. و .. اذا .. اذا رجع مجاهد احكيلو انه اخوك رفع راسك! أصبحت رؤيته ضبابية، فأغمض عينيه وتنهد بألم، وقال ما لا يستطيع قوله لأحد .. _ سامحيني يا فتون، ما تنسي نضال! ما تنسي حبيبك!! أشهد أن لا إله إلا الله! وأشهد أن محمدًا رسول الله _ نضال! .. نضاااااال!! أغمض نضال عينيه للمرة الأخيرة ولم يفتحهما بعدها، رحل والابتسامة مرسومة على محياه الجميل، غادر وترك خلفه فجوة لن يملأها سواه .. قام مجموعة من الشباب بحمل جثمانه الطاهر، بينما ساعد آخرون رشيد في الوقوف، رشيد الذي كان يبكي كطفل صغير على رحيل صاحبه، الذي لم يكن في رأسه سوى فكرة كيف سيخبر والدته التي تجلس وحيدة بانتظاره ليعود إلى حضنها!! .. وأنفاسه التي يلتقطها على كراهة منه، لما رحل نضال وبقي هو؟ ذلك هو السؤال الذي لم ولن يُمحَ من عقله .. كانت تلك العجوز المسكينة تجلس في الصالة وحيدة لتأتي إليها حنين .. _ عمتي كأنه صوت الاشتباكات راح؟! كانت رحمة على وشك التحدّث حين طُرق الباب لمرّات متفرّقة، فانطلقت كلاهما مسرعتين وفتحت رحمة الباب وقد كان رشيد .. _ رشيد؟! لم يستطع المسكين مقابلتها او رفع نظره لوجهها لكنه اكتفى بالدموع على خدّيه .. _ شو مالها اجرك؟! رشيد نضال وين؟؟! تشجع رشيد ورفع نظره إليها .. _ خالتي .. نضال .. نضال اس استشهد!! شهقت حنين وغطت فمها بكفّها واغرورقت عيناها بالدموع لما سمعته، أما رحمة فلم تستوعب ما سمعته وبدأت نبضاتها تتسارع .. _ استشهد؟!! رفع رشيد يديه وبكى لمشهد الدماء التي تملأهما، فجثى على ركبتيه بندم .. _ استشهد بين اديّ هدول! سامحيني يا خالتي سامحيني !! عندها فقدت رحمة توازنها وسقطت مغمًى عليها بين يدي حنين .. _ عمتيييي !! گ/ بتول محمد
گ/ بـتــول