أوقف نضال السيارة أمام منزل خالد، وما إن خرج ورفع نظره حتى اتسعت عيناه؛ لقد تذكر! لقد كان هذا هو المنزل عينه الذي رآها تُطل من نافذته، كيف لم يستطع التعرّف عليه حينها؟! لقد كان مشغولًا بجمالها ولم تُبصر عيناه غيرها في تلك اللحظة .. لحظة الإدراك التي اجتاحت عقله أزاحت عن كتفه كل تلك المخاوف والتفكير الذي كان يحيّره، لكن ما تبقى هو التأكد من أنها نفسها .. رن جرس الباب، وعلى وقع أنغامه بدأت دقّات قلبها تتسارع شيئًا فشيئًا، ترى هل تسرعت؟ وماذا عن حبّها الأول؟ .. أقبل خالد لفتح الباب، لتدخل رحمة وحنين وتسلّما على فاطمة، ثم يدخل بعدها نضال الذي سلّم على خالد وناوله باقة الورد التي كان قد أحضرها في طريقه، ثم دخل الجميع غرفة الضيوف .. كان الجميع جالسين يتبادلون الأحاديث إلا هو، فقد كان جالسًا قاطبًا حاجبيه ينتظر وينتظر دخولها ليرى إن كانت نفسها من كان يرسم ملامحها نصب عينه كل ليلة .. وأخيرًا، دخلت فتون تحمل صينية القهوة بمشيتها الثابتة المعتادة، وقامت بتوزيعها على الجميع وكان هو آخرهم .. _ تفضل! لم يُحرّك نضال ساكنًا فاستغربت فتون ونظرت فيه لتعيد كلمتها فتجده ينظر في عينيها بعينين لامعتين حبًّا وسعادة .. التقت عيناهما وما زالت فتون تمدّ له الصينية، تنحنحت وحاولت إبعاد نظرها عنه ليستيقظ مما كان فيه من حلم جميل .. _ احم .. يس يسلمو! تناول الفنجان وتركها لتذهب وتجلس بين والديها بعد أن وضعت الصينية جانبًا .. لم يرَ أيٌّ منهما أحدًا إلا الآخر، كان كلاهما يشعران أنهما وحدهما في عالمهما الخاص الذي لطالما حلُم به الاثنان .. كانت فتون تحمرّ خجلًا ونبضات قلبها تزداد جنونًا، ولا تعلم أن من يجلس أمامها يعاني الأمرّين، كانت القهوة حلوة في فمه، باردة على حلقه وهو يشربها سارِحًا في بحر أحلامه المستقبلية، ثم استيقظ الاثنان من شرودهما على صوت البقية وقد خرجوا وتركوهما وحيديْن .. لم ينطق أيٌّ منهما بكلمة بل كان كلّ منهما يحك يديه ببعضهما في محاولة لترتيب الكلام، ليكسر نضال عندها حاجز الصمت .. _ متذكّرتيني؟! _ آ آه .. يوم ما صحت فيي!! قالتها على استحياء منها مع قليل من الحدّة في نبرة الكلام، بينما تفاجأ الآخر ليردّ بخيبة .. _ هس هاد اللي تذكرتيه؟! ضحكت فتون ونظرت في عينيه ليذهبا بها بعيدًا، كما ابتسم هو وقد حضر الموقف لذهنه وبدأ كلاهما بالضحك .. انتهت عشر دقائق تعرّف فيها أحدهما على الآخر، ويا لها من عشر دقائق ممتعة ستخلّدها الذاكرة .. _ اهلا وسهلا فيكم شرّفتونا قالها خالد ثم التفت إلى نضال وتابع بحزم .. _ أنا لبنتي أحسن من نضال ما رح لاقي، كلشي ماخذه من أبوه الله يرحمه ارتاح قلب نضال لذلك ولكن .. _ بس بشرط! في تلك اللحظة كان الصمت هو سيّد الموقف وكان الجميع ينتظره ليقول كلمته .. _ الفاتحة وكتب الكتاب رح يكونوا بعد شهر؛ لأنه فتون امتحاناتها بعد كام يوم، ومن هون تا تخلص بفرجها المولى _ موافق!!! ** كان مجاهد يكتب ويكتب حين دخل الجنود إليه مرة أخرى فقام بإخفاء الأوراق بسرعة واستقام واقفًا .. _ شو خبّيت؟ _ ولاشي اقترب منه الضابط بضع خطوات وسأله بجمود .. _ لسّاتك مُصرّ تخبّي؟ _ ما بعرف اشي! هزّ الضابط رأسه واستدار جهة الباب المعدني، ليلتفت إليه بلمحة مُخرِجًا مسدّسًا وصوّبه إلى صدره، حين انطلقت رصاصة ليسمع صوته كل سجين في الزنازين ... گ/ بتول محمد
گ/ بـتــول