ركب نضال الفرَس وركبت فتون لتجلس أمامه فيحيطها بذراعيه اللتان تمسكان اللجام، وبدأ يجول في المضمار برويّة وهو يراقب ابتسامتها وضحكتها التي تعيد إلى قلبه السرور .. لكن هناك من لم يكن راضيًا، كان رشيد يجلس على أحد المقاعد فاردًا ذراعيه ويراقبهما بملل .. _ ماشي يا نضال! مين شاف حبابو نسي صحابو؟! طيب! قالها رشيد وهو يرمق نضال بنظرات الوعيد كأنما يريد الانتقام لتركه إيّاه وحيدًا وانشغاله بخطيبته .. مضى وقت طويل ممتع اختبرت به فتون تجربة جديدة كانت الأجمل في حياتها، وأفضل مكافأة حصلت عليها، نزل نضال من على الفرس وساعدها في النزول، ثم أمسكه وتوجه به إلى حيث يجلس رشيد .. _ انبسطت يخوي؟! _ احم .. مش المهم أنا _ ااااه!، طب هات من ايدك! سلّم نضال الفرس لرشيد ثم ضرب على كتفه بيده على سبيل المزاح .. _ انت مش بس صاحبي، انت أخوي! _ مين انت؟! حِلّ عني يا زلمة!! قالها وهو يبعد يد صديقه عن كتفه، ليضحك الاخير على ردة فعله الطريفة قبل أن يستدير متوجّهًا إلى سيارته .. ابتسم رشيد والتفت متوجّهًا إلى داخل الاسطبل لكن ذلك الصوت استوقفه، صوت طائرات الاستطلاع (الزنانات) علا في السماء فجأة، فعاد ورفع نظره إلى أعلى ليجدها تحوم حول القرية على ارتفاع منخفض، ثم عاد ليوجّه بصره إلى صديقه وجده قد غادر بسيارته بالفعل .. _ الله يجيرنا من اللي جاي! أثناء ركوبهما السيارة، دار بينهما حوار حول دراسة فتون .. _ ناوية إن شاء الله أسجل دبلوم تمريض، بتشجعني؟ _ أكيد! أحلا ممرضة والله! قالها بفخر وهو يمسح على رأسها براحة يده ويضحك، لترسم شفتاها ابتسامة لطيفة سرعان ما تتبدل إلى قلق انتابها .. _ مشان اذا صرلك اشي أنا أعالجك! نظر نضال إليها وقد تفاجأ من جملتها فرآها تفرك يديها بتوتر، عندها أمسك يديها الصغيرتين ليسري فيهما دفء كفه وابتسم لها قائلا: _ الله الحامي يا فتون! بإذن الله مش حيصير اشي شعرت فتون بالراحة لكلماته وعادت ابتسامتها البريئة لتزيّن وجهها ذا الخدّين الورديين .. انتهى ذلك اليوم بكل ما فيه، دخلت فتون إلى غرفتها بعد انتهائها من أعمالها لترمي بجسدها المرهق على سريرها وشعور القلق المزعج لا يفارقها، استغفرت وقرأت شيئًا من القرآن علّها ترتاح قليلًا ثم سلّمت أمرها لله واستسلمت لنوم عميق .. ** مضت الساعات وحلّ منتصف الليل، لم يعلم أحدٌ أن شيئًا قد يحدث؛ ليعكّر صفو الهدوء الذي يحكم الجو هذه الليلة .. لكن كان لرشيد رأي آخر! فهو لم يستطع النوم تلك الليلة بل كان مستلقيًا على فراشه يضع إحدى يديه خلف رأسه شاردًا وفي داخله ما يخبره بأنهم على موعد مع حدث كبير .. وقد كان ظنّه في مكانه، حين سمع صوت آليّات ثقيلة تقترب، نهض واسترق نظرة خاطفة عبر النافذة؛ ليرى قوات الاحتلال بالجيبات والمدرّعات والجرّافات بأنواعها المختلفة تتقدم نحو القرية ولا يقف شيء في طريقها .. گ/ بتول محمد
گ/ بـتــول