نظر الفتى الصامت إلى تلك المرأة بصدمةٍ شلّت جسده.
دون أن يشعر، انهمرت دموعه بلا توقف،
لم يكن يعلم… هل ما يراه حقيقي، أم مجرد وهم
كانت هي.
أمّه.
لكن كيف؟
لقد رآها حين كان صغيرًا، رآها تلفظ أنفاسها الأخيرة، جسدها غارق في دمها، وشفتيها ترتجفان وهي تحاول أن تقول اسمه…
ذلك المشهد لم يفارقه يومًا.
تقدّمت نحوه ببطء، خطواتها متعبة، كأنها تحمل ثقل ذنوب العالم فوق كتفيها.
كان صدرها يعلو ويهبط، وعيناها تلمعان بحزنٍ عميق.
اقتربت منه…
ثم احتضنته.
ارتجف جسده بين ذراعيها، ونظر بذهول إلى يديه…
كان الدم قد وصل إليهما.
دمها.
همست له بصوتٍ مكسور، لكنه دافئ، صوت أمٍ لم تتوقف يومًا عن الحب:
سأظل دائمًا أحبك…
وستظل دائمًا طفلي، مهما كرهوك.
سأبقى أحبك، حتى لو لم نلتقِ مجددًا.
ربما لم أودّعك… لكنني لن أنساك أبدًا.
أنتَ ذاكرتي… وألمي… وكل ما تبقّى لي.
انهمرت دموعه أكثر، واحتضنها بقوة، كأنه يخشى أن تختفي إن أفلتها.
لكنها شدّت عليه أكثر، وواصلت بصوتٍ يرتجف بالندم:
سامحني… سامح أمّك.
كنتُ غبية حين صدّقتُ شخصًا مثله.
غبية حين ظننت أن الحب سيحمينا.
غبية حين تركتك تعيش هذا الجحيم.
توقفت لحظة، ثم قالت وهي تبكي:
كنت أتمنى لو أخذتك معي…
لو هربنا بعيدًا، وعشنا معًا إلى الأبد…
بعيدًا عن زوجي
وفجأة…
شعر بثقل جسدها بين ذراعيه.
بردت أطرافها.
وخفت صوت أنفاسها…
ثم توقّف.
لفظت أمّه أنفاسها الأخيرة.
ظلّ الفتى الصامت يحدّق فيها، غير مصدّق.
حرّكها قليلًا…
لم تجب.
هزّها بذعر…
لا شيء.
كانت ميتة.
وفي تلك اللحظة، شعر بوجودٍ آخر في الغرفة.
التفت ببطء…
ورأى الرجل.
كان يقف هناك، وجهه قاسٍ، عيناه مليئتان بالاشمئزاز والغضب.
نظر إلى الفتى وقال ببرود قاتل:
لقد تخلّصتُ من زوجتي
ولم يبقَ سوى أنت، أيها الطفل.
لم يجب الفتى.
ظلّ ينظر إليه…
ويبتسم.
صرخ الرجل بتقزّز:
كلاكما… أنت وأمك…
عبءٌ على حياتي.
خطأٌ تمنيتُ لو لم يوجد.
لكن الفتى الصامت لم يتحرّك.
لم يتكلم.
لم يغضب.
بقي مبتسمًا…
ابتسامة شخصٍ انكسر شيءٌ داخله إلى الأبد.
Viper🐍